نانوبيديا»
قيصر.. القرم.. قسطنطين
دائرة معارف مصغرة في 30 حلقة عن مصطلحات ومسميات عاشت في زماننا، من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة.. من الانجليزية الى العربية. ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
قيصر
هو اسم نوع بقدر ما أنه اسم يجري تعميمه ليصدق على شكل وأسلوب من أساليب ممارسة السلطة والحكم - وهو أيضا اسم عَلَم معروف في التاريخ، ولكنه تحوّل مع الزمن ليصبح لقبا ومكانة وعلامة على مناصب الشرف والنبالة.. «قيصر» اسم ولقب عائلي حملته أسرة قديمة من أشراف روما أيام مجدها الإمبراطوري: كانت روما قد ورثت مكانة أثينا بمعنى أن تحولت حضارة الإغريق إلى حضارة الرومان
وبمعنى أن حلت اللاتينية محل اليونانية بوصفها اللغة العالمية التي هيمنت على ثقافة العالم القديم طوال سنوات مجد الرومان التي امتدت من مرحلة تشييد إمبراطوريتهم منذ القرن الثاني قبل الميلاد إلى مرحلة «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية» التي أجاد رصدها وتسجيلها، بقلم واع وفكر نابه ولغة راقية، المؤرخ الانجليزي إدوارد يبون (1737- 1794) في كتاب أصبح من النيوكلاسيكيات الانجليزية ويحمل عنوانه الشهير الدال على حالة الاضمحلال ومصير السقوط وقد أصدره جيبون في عام 1780.
أما اسم العَلَم فقد اشتهر به كايوس يوليوس قيصر (ت عام 44 قبل الميلاد) الذي بدأ حياته نصيرا لعامة الجماهير من سكان روما البسطاء بوجه سيطرة طبقات النبلاء والأشراف الأرستقراطية ثم ذاع صيته كسياسي ديمقراطي بفضل صولاته الخطابية المفوهة في مجلس الشيوخ (السينيت) دع عنك جولاته وفتوحاته كقائد عسكري باهر الانجازات وكان في مقدمتها غزوته في بلاد غالة المعروفة حاليا باسم فرنسا التي دخل إقليمها حيث سجل له التاريخ جملته اللاتينية الشهيرة:ـ جئت ورأيت وانتصرت
ثم اتسعت فتوحاته وانتصاراته إلى حيث دانت لجيوشه المظفرة مقاليد السيطرة على كل إيطاليا واسبانيا وسواحل الشمال الأفريقي ومنها مدينة الإسكندرية التي التقى فيها بمليكتها كليوباترا ابنة حاكمها السابق بطليموس ويقال إنهما اتفقا على الزواج على أن تنتقل كليوباترا إلى روما بعد أن يعلن قيصر نفسه حاكما مطلقا على دولتها ويتخذ لقب ملك أو إمبراطور.
ـ لم يكن أحباء قيصر يخشون عليه لا من الهزيمة ولا من قادة الأعداء بقدر ما كانوا يخشون عليه من عدو أشد خطرا وخطورة هو.. قيصر نفسه.! نعم كانوا يخشون عليه من الغرور وهو آفة مدمرة خاصة إذا خالطته مقاليد القوة - العسكرية بالذات - واختلطت به نوازع التطلع والطموح.. قال الراوي - اللاتيني - الروماني :
ـ ربما لهذا عمدوا إلى تعيين موظف مسؤول.. لا عمل لديه سوى أن يتابع مواكب يوليوس قيصر الظافرة.. وقد شقّت طريقها وسط تهليل الجماهير وهتافاتها التي تدوي مثل هزيم الرعد في أسماع الحاسدين والخصوم من نبلاء روما فيما كانت تصل إلى أسماع قيصر المنتصر كأنها نغمات شجية ومنعشة من أحلى الموسيقى.. وإذ كان القائد الظافر يمد ذراعه إلى أمام محاذيا صدره المدجج بقميص جلدي سميك اتقاء للدروع والرماح.. وإذ كان يهز رأسه تحية لآلاف المستقبلين وقد تكلل الرأس بنبات الغار (اللاوري) جريا على عادة روما مع أبطالها العائدين بالنصر من ميادين القتال.. وسط هذا كله كان الموظف المسؤول.. لا يلبث يميل على كتف القائد المغوار هامسا: ـ قيصر.. تذكّر أنك.. بشر.،.
ربما أحسن قيصر استدعاء هذه الذكرى.. مؤكدا لنفسه رغم كل شيء أنه.. بشر.. لكنه نسي.. وربما نسي الموظف المسؤول أن البشر ضعفاء أمام الغرور.. وأن هذا الغرور لا يلبث يحول الطموحات إلى أطماع وأن هذا الخليط من غرور القوة ودوافع الطمع دفع بيوليوس قيصر إلى دخول قاعات مجلس الشيوخ طالبا أن يتحول من حاكم بدرجة قنصل إلى حاكم مطلق بدرجة إمبراطور..
كان ذلك في ربيع عام 44 قبل الميلاد.. وكانت جلسة مشهودة وخطيرة عقدها مجلس السينيت من حكماء روما وشيوخها ونوابها وبقدر ما دونت وقائعها بدقة دفاتر تاريخ الفترة.. بقدر ما سجلتها قرائح الشعراء وعبقرية الكاتبين.. الذين احتفظ تاريخ الإبداع الأدبي بأسمائهم ما بين ويليام شكسبير في مسرحيته «يوليوس قيصر» .. وون درايدن في مطولته الشعرية بعنوان «الكل من أجل الحب» إلى برنارد شو في مسرحية «قيصر وكليوباترا» وحتى أمير شعرائنا أحمد شوقي في «مصرع كليوباترا».
شكسبير بالذات عالج الحكاية بعبقريته الشعرية المتفردة، فأنت تقرأ أبيات شعره المرسل (بلانك ؟يرس) في المشهد الأول من الفصل الثالث للمسرحية: كل بيت كأنه رمح مشروع أو كأنه خنجر مخبأ في غمد يخرج فجأة ويلمع في صالة مبنى الكابيتول التي استقبلت يوليوس قيصر غازيا وفاتحا.. بل وركع البعض أمام هيلمانه ثم يتحول الموقف إلى حيث تتجمع عليه مكائد الساسة ومنهم أصدقاء مقربون - بروتوس بالذات - كل منهم يوجه طعنة إلى حيث يغتالون الرجل بينما يصيح واحد منهم هاتفا: مات الطغيان.
وعندما تلقى يوليوس قيصر آخر الطعنات من يد صنيعته بروتوس لفظ عبارته الشهيرة باللاتينية: ـ ايت تي بروتي (حتى أنت يا بروتس). ورغم أنها كانت آخر كلمات يتفوه بها رجل يحتضر.. فقد سارت في البرية مثلا على منتهى خيبة الأمل فيمن كنا نعقد عليه الآمال المرتجاة العراض.
انتهى يوليوس قيصر.. الفرد الإنسان.. والاسم العَلَم.. لكن لم ينته قيصر - اللقب والمرتبة - المنصب الأعلى في سلك الحكم في روما القديمة.. لقد جاء من بعده ابن أخته أوكتافيوس الذي عاش حتى السنة الرابعة عشرة بعد ميلاد السيد المسيح. وقد سطع نجمه وذاع صيته بعد أن هزم جميع منافسيه إلى أن أعلنته روما إمبراطورا عليها..
واتخذ لنفسه لقب قيصر ولافتة أغسطس ومعناها في اللاتينية السيد العظيم المبجّل. وله الفضل في إشاعة الاستقرار ومن ثم الازدهار والمنعة في أرجاء الإمبراطورية الرومانية التي بلغت في عهده ذروة مجدها وخاصة بفضل تشجيع القيصر.. الإمبراطور.. أوكتافيوس أوغسطس للإبداع والابتكار سواء في مجالات العمارة الرومانية أو في ميادين الشعر الملحمي والوصفي (فرجيل وأوفيد وهوراس وأندادهم من عباقرة شعر اللاتينية) حتى أن عصره أصبح علامة على هذا الازدهار الإبداعي..
لا يدانيه سوى العصر الاليزابيثي في انجلترا (من منتصف القرن 16 إلى منتصف القرن 17) والعصرين العباسي الأول والثاني - من هارون الرشيد إلى المأمون والمتوكل- (من منتصف القرن الثامن إلى القرن العاشر للميلاد). من حكام العصر الحديث من عمد إلى إحياء تقاليد روما الإمبراطورية القديمة فاتخذ لقب قيصر شارة للحكم سواء عند آل رومانوف حكام روسيا حتى ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917 أو عند آل هوهنزلرن حكام المانيا حتى هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1981) و.. هيهات.
القرم
عام 1854 كان عمرها يقترب من الرابعة والثلاثين.. اسمها فلورنس.. واشتهرت بين الناس باسم سستر - الأخت فلورنس.. وهبت حياتها وشبابها لخدمة مهنة التمريض التي لم يكن معترفا بقيمتها وجدواها في ذلك الحين.. منتصف القرن التاسع عشر.. إلا أن عام 1854 جاء ليؤكد على أهمية التمريض بوصفه مهنة عظيمة الجدوى ورسالة إنسانية بالغة الاحترام.. كان المكان هو شبه جزيرة القرم.. على الساحل الشمالي للبحر الأسود.. عند تخوم مشتركة بين قارتي آسيا وأوروبا.
وبحكم وقوع المنطقة عند هذه المعابر أو المفاصل القارية.. كان طبيعيا أن تتناوب على غزوها والسيطرة عليها شعوب وجحافل وممالك وحكام من مختلف الأمم والأصول.. وهكذا دخلت بلاد القرم تحت حكم ممالك قديمة مثل مملكة بوسفور القرم، وجاء اليونان من بعدهم في القرن الخامس قبل الميلاد ثم الإمبراطورية الرومانية.. أما في الفترات الطويلة الواقعة بين القرنين الثالث والثالث عشر للميلاد فقد داهمت شبه جزيرة القرم غزوات قبائل أوروبا البربرية مثل الهون والقوط والخزر.
وجاء من بعدهم المغول فرسان آسيا الوسطى إلى أن أصبحت القرم مملكة مستقلة في القرن الخامس عشر تحت حكم «خانات» التتار وبعدها قررت روسيا ضمها في عام 1783 إلى حكم الإمبراطورية كاثرين الثانية (حكمت في الفترة 1762 - 0971).. ومن ثم انقطعت الصلة بين القرم وسلاطين بني عثمان الأتراك وكانوا بمثابة المتبوع الأعظم لخانات التتار الذين كانت عاصمتهم بختشي سراي تدين بنوع من الولاء لعاصمة الخلافة التركية في اسطنبول.
ظلت هذه السيطرة الروسية محل رفض واستياء وترصد من جانب تركيا العثمانية التي استطاعت أن تحشد حلفاءها لخوض الصراع ضد روسيا.. وجاءت الفرصة سانحة في منتصف القرن التاسع عشر وكانت فرصة غريبة حقا إذ نشب نزاع بين روسيا وفرنسا بشأن من تكون له رعاية الأماكن المقدسة في .. فلسطين! هذا النزاع السياسي المتشح بستار عقائدي تحوّل إلى نذر حرب ضروس نشبت أساسا بين روسيا من جهة وبين تركيا وحلفائها الروس والانجليز من جهة أخرى..
ويسجل التاريخ مشاركة باسلة من جانب قوات عربية من مصر في هذه الحرب بعد أن طلب العاهل التركي وقتها - السلطان عبد المجيد من عباس باشا والي مصر وحفيد محمد علي الكبير أن يمده بالجند والأساطيل.. وسارت الحملة من القاهرة بقيادة القومندان سليم باشا فتحي وكان بدوره من أركان حرب الفاتح الشهير إبراهيم باشا ابن محمد علي، كما شارك في نفس حملة القرم ناظر مدرسة المهندسخانة علي مبارك وهو رائد التعليم الحديث في مصر.
ونالت هذه القوات العربية - كما يؤكد الأستاذ عبدالرحمن الرافعي في تأريخه - ثناء مستطابا من المؤرخين والعسكريين الفرنسيين الذين تابعوا وقائع حرب القرم التي انتهت عام 1856 بفوز تركيا وحلفائها وتداعِي نفوذ روسيا على شبه جزيرة القرم التي قُيض لها أن تشهد - كما ألمحنا - مولد فن ومهنة التمريض الحديثة على يد فلورنس نايتنجيل.. الانجليزية التي عمدت إلى إنشاء وحدة تمريض داخل مستشفى ميداني وسط لهيب الصراع في القرم..
وكان المستشفى نموذجيا في نظافته وحسن إدارته التي كانت هذه الرائدة تسهر على أمرها.. ولا تتوانى عن تفقد ساحات المعارك ومسارح العمليات الحربية بكل كثافة دخانها وستور الظلام المسدلة عليها.. مما كان يضطرها إلى حمل مصباح صغير تكشف به الطريق وتميز به الجرحى والمصابين، ومن هنا جاء لقبها التاريخي (حاملة المصباح) وكانت أول سيدة تنال وسام الاستحقاق الانجليزي من الدرجة الأولى.. كيف لا وقد أنفقت كل مكافآتها عن حرب القرم على إنشاء أول مدرسة داخلية في لندن لتدريب الممرضات وكان ذلك عام 1860.
قسطنطين
اسم لأكثر من عاهل وأكثر من حاكم في مملكتي روما وبيزنطة وقد حمل كل منهم لقب الإمبراطور.. عاش أولهم - قسطنطين الأول في الفترة بين عامي 288 و337 للميلاد.. وينسب إليه أنه أصدر في أواخر حياته منشورا يحض على التسامح مع المؤمنين بالعقيدة المسيحية وبلغ من اهتمامه بأمر هذه الديانة السماوية الجديدة في زمانه الحد الذي دفعه إلى السماح بانعقاد المجامع الفكرية التي كان الرهبان وعلماء اللاهوت يناقشون فيها قضايا العقيدة ومشاكل معتنقيها.
بيد أن أهم ما سجله التاريخ لهذا الإمبراطور هو بناؤه مدينة جميلة باذخة عند مفصل اللقاء بين قارتي أوروبا وآسيا مطلّة في ذلك على مضايق البوسفور والدردنيل.. وقد خلع عليها اسمه فأصبحت كما هو معروف مدينة القسطنطينية. وكان بناؤها في عام 320 للميلاد.. ثم جاء من بعده عدد من خلفائه ابتداء من قسطنطين الثاني الذي فتح بلاد البريتون - السكسون (بريطانيا) وبلاد الغال (فرنسا) وشبه جزيرة ايبيريا (اسبانيا والبرتغال)..
ورغم أن قسطنطين الرابع قاوم هجمات المسلمين على عاصمته إذ حاولوا الاستيلاء عليها مستخدمين سلاح النار الإغريقية (قاذفات اللهب في عصرنا الحديث) وكان ذلك قبل وفاته عام 685 للميلاد.. إلا أن عهد قسطنطين الحادي عشر هو الذي شهد دخول السلطان التركي المسلم محمد الثاني فاتحا مدينة القسطنطينية في نصر مؤزر سجلته كل صحائف التاريخ وكان ذلك في عام 1453 للميلاد. والطريف أن هذه الصحائف سجلت عدة أسماء متباينة لنفس المدينة الجميلة ما بين القسطنطينية كما أسلفنا إلى إسلام بول (حاضرة الإسلام بعد فتحها) إلى الآستانة أيام مجد إمبراطورية آل عثمان.. إلى أن تبلورت معالم نطقها في زماننا فأصبحت استانبول أو اسطنبول.
يكتبها : محمد الخولي
قيصر.. القرم.. قسطنطين
دائرة معارف مصغرة في 30 حلقة عن مصطلحات ومسميات عاشت في زماننا، من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة.. من الانجليزية الى العربية. ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
قيصر
هو اسم نوع بقدر ما أنه اسم يجري تعميمه ليصدق على شكل وأسلوب من أساليب ممارسة السلطة والحكم - وهو أيضا اسم عَلَم معروف في التاريخ، ولكنه تحوّل مع الزمن ليصبح لقبا ومكانة وعلامة على مناصب الشرف والنبالة.. «قيصر» اسم ولقب عائلي حملته أسرة قديمة من أشراف روما أيام مجدها الإمبراطوري: كانت روما قد ورثت مكانة أثينا بمعنى أن تحولت حضارة الإغريق إلى حضارة الرومان
وبمعنى أن حلت اللاتينية محل اليونانية بوصفها اللغة العالمية التي هيمنت على ثقافة العالم القديم طوال سنوات مجد الرومان التي امتدت من مرحلة تشييد إمبراطوريتهم منذ القرن الثاني قبل الميلاد إلى مرحلة «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية» التي أجاد رصدها وتسجيلها، بقلم واع وفكر نابه ولغة راقية، المؤرخ الانجليزي إدوارد يبون (1737- 1794) في كتاب أصبح من النيوكلاسيكيات الانجليزية ويحمل عنوانه الشهير الدال على حالة الاضمحلال ومصير السقوط وقد أصدره جيبون في عام 1780.
أما اسم العَلَم فقد اشتهر به كايوس يوليوس قيصر (ت عام 44 قبل الميلاد) الذي بدأ حياته نصيرا لعامة الجماهير من سكان روما البسطاء بوجه سيطرة طبقات النبلاء والأشراف الأرستقراطية ثم ذاع صيته كسياسي ديمقراطي بفضل صولاته الخطابية المفوهة في مجلس الشيوخ (السينيت) دع عنك جولاته وفتوحاته كقائد عسكري باهر الانجازات وكان في مقدمتها غزوته في بلاد غالة المعروفة حاليا باسم فرنسا التي دخل إقليمها حيث سجل له التاريخ جملته اللاتينية الشهيرة:ـ جئت ورأيت وانتصرت
ثم اتسعت فتوحاته وانتصاراته إلى حيث دانت لجيوشه المظفرة مقاليد السيطرة على كل إيطاليا واسبانيا وسواحل الشمال الأفريقي ومنها مدينة الإسكندرية التي التقى فيها بمليكتها كليوباترا ابنة حاكمها السابق بطليموس ويقال إنهما اتفقا على الزواج على أن تنتقل كليوباترا إلى روما بعد أن يعلن قيصر نفسه حاكما مطلقا على دولتها ويتخذ لقب ملك أو إمبراطور.
ـ لم يكن أحباء قيصر يخشون عليه لا من الهزيمة ولا من قادة الأعداء بقدر ما كانوا يخشون عليه من عدو أشد خطرا وخطورة هو.. قيصر نفسه.! نعم كانوا يخشون عليه من الغرور وهو آفة مدمرة خاصة إذا خالطته مقاليد القوة - العسكرية بالذات - واختلطت به نوازع التطلع والطموح.. قال الراوي - اللاتيني - الروماني :
ـ ربما لهذا عمدوا إلى تعيين موظف مسؤول.. لا عمل لديه سوى أن يتابع مواكب يوليوس قيصر الظافرة.. وقد شقّت طريقها وسط تهليل الجماهير وهتافاتها التي تدوي مثل هزيم الرعد في أسماع الحاسدين والخصوم من نبلاء روما فيما كانت تصل إلى أسماع قيصر المنتصر كأنها نغمات شجية ومنعشة من أحلى الموسيقى.. وإذ كان القائد الظافر يمد ذراعه إلى أمام محاذيا صدره المدجج بقميص جلدي سميك اتقاء للدروع والرماح.. وإذ كان يهز رأسه تحية لآلاف المستقبلين وقد تكلل الرأس بنبات الغار (اللاوري) جريا على عادة روما مع أبطالها العائدين بالنصر من ميادين القتال.. وسط هذا كله كان الموظف المسؤول.. لا يلبث يميل على كتف القائد المغوار هامسا: ـ قيصر.. تذكّر أنك.. بشر.،.
ربما أحسن قيصر استدعاء هذه الذكرى.. مؤكدا لنفسه رغم كل شيء أنه.. بشر.. لكنه نسي.. وربما نسي الموظف المسؤول أن البشر ضعفاء أمام الغرور.. وأن هذا الغرور لا يلبث يحول الطموحات إلى أطماع وأن هذا الخليط من غرور القوة ودوافع الطمع دفع بيوليوس قيصر إلى دخول قاعات مجلس الشيوخ طالبا أن يتحول من حاكم بدرجة قنصل إلى حاكم مطلق بدرجة إمبراطور..
كان ذلك في ربيع عام 44 قبل الميلاد.. وكانت جلسة مشهودة وخطيرة عقدها مجلس السينيت من حكماء روما وشيوخها ونوابها وبقدر ما دونت وقائعها بدقة دفاتر تاريخ الفترة.. بقدر ما سجلتها قرائح الشعراء وعبقرية الكاتبين.. الذين احتفظ تاريخ الإبداع الأدبي بأسمائهم ما بين ويليام شكسبير في مسرحيته «يوليوس قيصر» .. وون درايدن في مطولته الشعرية بعنوان «الكل من أجل الحب» إلى برنارد شو في مسرحية «قيصر وكليوباترا» وحتى أمير شعرائنا أحمد شوقي في «مصرع كليوباترا».
شكسبير بالذات عالج الحكاية بعبقريته الشعرية المتفردة، فأنت تقرأ أبيات شعره المرسل (بلانك ؟يرس) في المشهد الأول من الفصل الثالث للمسرحية: كل بيت كأنه رمح مشروع أو كأنه خنجر مخبأ في غمد يخرج فجأة ويلمع في صالة مبنى الكابيتول التي استقبلت يوليوس قيصر غازيا وفاتحا.. بل وركع البعض أمام هيلمانه ثم يتحول الموقف إلى حيث تتجمع عليه مكائد الساسة ومنهم أصدقاء مقربون - بروتوس بالذات - كل منهم يوجه طعنة إلى حيث يغتالون الرجل بينما يصيح واحد منهم هاتفا: مات الطغيان.
وعندما تلقى يوليوس قيصر آخر الطعنات من يد صنيعته بروتوس لفظ عبارته الشهيرة باللاتينية: ـ ايت تي بروتي (حتى أنت يا بروتس). ورغم أنها كانت آخر كلمات يتفوه بها رجل يحتضر.. فقد سارت في البرية مثلا على منتهى خيبة الأمل فيمن كنا نعقد عليه الآمال المرتجاة العراض.
انتهى يوليوس قيصر.. الفرد الإنسان.. والاسم العَلَم.. لكن لم ينته قيصر - اللقب والمرتبة - المنصب الأعلى في سلك الحكم في روما القديمة.. لقد جاء من بعده ابن أخته أوكتافيوس الذي عاش حتى السنة الرابعة عشرة بعد ميلاد السيد المسيح. وقد سطع نجمه وذاع صيته بعد أن هزم جميع منافسيه إلى أن أعلنته روما إمبراطورا عليها..
واتخذ لنفسه لقب قيصر ولافتة أغسطس ومعناها في اللاتينية السيد العظيم المبجّل. وله الفضل في إشاعة الاستقرار ومن ثم الازدهار والمنعة في أرجاء الإمبراطورية الرومانية التي بلغت في عهده ذروة مجدها وخاصة بفضل تشجيع القيصر.. الإمبراطور.. أوكتافيوس أوغسطس للإبداع والابتكار سواء في مجالات العمارة الرومانية أو في ميادين الشعر الملحمي والوصفي (فرجيل وأوفيد وهوراس وأندادهم من عباقرة شعر اللاتينية) حتى أن عصره أصبح علامة على هذا الازدهار الإبداعي..
لا يدانيه سوى العصر الاليزابيثي في انجلترا (من منتصف القرن 16 إلى منتصف القرن 17) والعصرين العباسي الأول والثاني - من هارون الرشيد إلى المأمون والمتوكل- (من منتصف القرن الثامن إلى القرن العاشر للميلاد). من حكام العصر الحديث من عمد إلى إحياء تقاليد روما الإمبراطورية القديمة فاتخذ لقب قيصر شارة للحكم سواء عند آل رومانوف حكام روسيا حتى ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917 أو عند آل هوهنزلرن حكام المانيا حتى هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1981) و.. هيهات.
القرم
عام 1854 كان عمرها يقترب من الرابعة والثلاثين.. اسمها فلورنس.. واشتهرت بين الناس باسم سستر - الأخت فلورنس.. وهبت حياتها وشبابها لخدمة مهنة التمريض التي لم يكن معترفا بقيمتها وجدواها في ذلك الحين.. منتصف القرن التاسع عشر.. إلا أن عام 1854 جاء ليؤكد على أهمية التمريض بوصفه مهنة عظيمة الجدوى ورسالة إنسانية بالغة الاحترام.. كان المكان هو شبه جزيرة القرم.. على الساحل الشمالي للبحر الأسود.. عند تخوم مشتركة بين قارتي آسيا وأوروبا.
وبحكم وقوع المنطقة عند هذه المعابر أو المفاصل القارية.. كان طبيعيا أن تتناوب على غزوها والسيطرة عليها شعوب وجحافل وممالك وحكام من مختلف الأمم والأصول.. وهكذا دخلت بلاد القرم تحت حكم ممالك قديمة مثل مملكة بوسفور القرم، وجاء اليونان من بعدهم في القرن الخامس قبل الميلاد ثم الإمبراطورية الرومانية.. أما في الفترات الطويلة الواقعة بين القرنين الثالث والثالث عشر للميلاد فقد داهمت شبه جزيرة القرم غزوات قبائل أوروبا البربرية مثل الهون والقوط والخزر.
وجاء من بعدهم المغول فرسان آسيا الوسطى إلى أن أصبحت القرم مملكة مستقلة في القرن الخامس عشر تحت حكم «خانات» التتار وبعدها قررت روسيا ضمها في عام 1783 إلى حكم الإمبراطورية كاثرين الثانية (حكمت في الفترة 1762 - 0971).. ومن ثم انقطعت الصلة بين القرم وسلاطين بني عثمان الأتراك وكانوا بمثابة المتبوع الأعظم لخانات التتار الذين كانت عاصمتهم بختشي سراي تدين بنوع من الولاء لعاصمة الخلافة التركية في اسطنبول.
ظلت هذه السيطرة الروسية محل رفض واستياء وترصد من جانب تركيا العثمانية التي استطاعت أن تحشد حلفاءها لخوض الصراع ضد روسيا.. وجاءت الفرصة سانحة في منتصف القرن التاسع عشر وكانت فرصة غريبة حقا إذ نشب نزاع بين روسيا وفرنسا بشأن من تكون له رعاية الأماكن المقدسة في .. فلسطين! هذا النزاع السياسي المتشح بستار عقائدي تحوّل إلى نذر حرب ضروس نشبت أساسا بين روسيا من جهة وبين تركيا وحلفائها الروس والانجليز من جهة أخرى..
ويسجل التاريخ مشاركة باسلة من جانب قوات عربية من مصر في هذه الحرب بعد أن طلب العاهل التركي وقتها - السلطان عبد المجيد من عباس باشا والي مصر وحفيد محمد علي الكبير أن يمده بالجند والأساطيل.. وسارت الحملة من القاهرة بقيادة القومندان سليم باشا فتحي وكان بدوره من أركان حرب الفاتح الشهير إبراهيم باشا ابن محمد علي، كما شارك في نفس حملة القرم ناظر مدرسة المهندسخانة علي مبارك وهو رائد التعليم الحديث في مصر.
ونالت هذه القوات العربية - كما يؤكد الأستاذ عبدالرحمن الرافعي في تأريخه - ثناء مستطابا من المؤرخين والعسكريين الفرنسيين الذين تابعوا وقائع حرب القرم التي انتهت عام 1856 بفوز تركيا وحلفائها وتداعِي نفوذ روسيا على شبه جزيرة القرم التي قُيض لها أن تشهد - كما ألمحنا - مولد فن ومهنة التمريض الحديثة على يد فلورنس نايتنجيل.. الانجليزية التي عمدت إلى إنشاء وحدة تمريض داخل مستشفى ميداني وسط لهيب الصراع في القرم..
وكان المستشفى نموذجيا في نظافته وحسن إدارته التي كانت هذه الرائدة تسهر على أمرها.. ولا تتوانى عن تفقد ساحات المعارك ومسارح العمليات الحربية بكل كثافة دخانها وستور الظلام المسدلة عليها.. مما كان يضطرها إلى حمل مصباح صغير تكشف به الطريق وتميز به الجرحى والمصابين، ومن هنا جاء لقبها التاريخي (حاملة المصباح) وكانت أول سيدة تنال وسام الاستحقاق الانجليزي من الدرجة الأولى.. كيف لا وقد أنفقت كل مكافآتها عن حرب القرم على إنشاء أول مدرسة داخلية في لندن لتدريب الممرضات وكان ذلك عام 1860.
قسطنطين
اسم لأكثر من عاهل وأكثر من حاكم في مملكتي روما وبيزنطة وقد حمل كل منهم لقب الإمبراطور.. عاش أولهم - قسطنطين الأول في الفترة بين عامي 288 و337 للميلاد.. وينسب إليه أنه أصدر في أواخر حياته منشورا يحض على التسامح مع المؤمنين بالعقيدة المسيحية وبلغ من اهتمامه بأمر هذه الديانة السماوية الجديدة في زمانه الحد الذي دفعه إلى السماح بانعقاد المجامع الفكرية التي كان الرهبان وعلماء اللاهوت يناقشون فيها قضايا العقيدة ومشاكل معتنقيها.
بيد أن أهم ما سجله التاريخ لهذا الإمبراطور هو بناؤه مدينة جميلة باذخة عند مفصل اللقاء بين قارتي أوروبا وآسيا مطلّة في ذلك على مضايق البوسفور والدردنيل.. وقد خلع عليها اسمه فأصبحت كما هو معروف مدينة القسطنطينية. وكان بناؤها في عام 320 للميلاد.. ثم جاء من بعده عدد من خلفائه ابتداء من قسطنطين الثاني الذي فتح بلاد البريتون - السكسون (بريطانيا) وبلاد الغال (فرنسا) وشبه جزيرة ايبيريا (اسبانيا والبرتغال)..
ورغم أن قسطنطين الرابع قاوم هجمات المسلمين على عاصمته إذ حاولوا الاستيلاء عليها مستخدمين سلاح النار الإغريقية (قاذفات اللهب في عصرنا الحديث) وكان ذلك قبل وفاته عام 685 للميلاد.. إلا أن عهد قسطنطين الحادي عشر هو الذي شهد دخول السلطان التركي المسلم محمد الثاني فاتحا مدينة القسطنطينية في نصر مؤزر سجلته كل صحائف التاريخ وكان ذلك في عام 1453 للميلاد. والطريف أن هذه الصحائف سجلت عدة أسماء متباينة لنفس المدينة الجميلة ما بين القسطنطينية كما أسلفنا إلى إسلام بول (حاضرة الإسلام بعد فتحها) إلى الآستانة أيام مجد إمبراطورية آل عثمان.. إلى أن تبلورت معالم نطقها في زماننا فأصبحت استانبول أو اسطنبول.
يكتبها : محمد الخولي
تعليق