نانوبيديا»
فاشيّة.. فهرنهايت.. فارْس
دائرة معارف مصغرة في 30 حلقة عن مصطلحات ومسميات عاشت في زماننا، من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة.. من الانجليزية الى العربية. ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
فاشيّة
فاسكيزمو ـ فاشيزمو في اللاتينية ومن ثم في الايطالية تعني الحزمة أو المادة المتجمعة، وبالتالي فهي العصبة والفصيلة من البشر حيث يعلو انتماء الفرد إلى عصبته وجماعته فوق أي انتماء آخر، وحيث يعلي الفرد انتماءه إلى الجماعة إلى مستوى التعصب لسلالة ينحدر منها أو إلى أمة ودولة يعيش بين ظهرانيها. ومن هنا فالفاشية - الفاشستية كما تسمى أحيانا تلعب على أوتار النعرات القومية والتعصب العرقي وتجعلها في مرتبة أوْلى بالاهتمام والتكريس من كيان الفرد بوصفه كائنا وإنسانا.
من هنا ثارت تساؤلات غاضبة لها مشروعيتها عندما استخدم الرئيس الأمريكي بوش مؤخرا وصف الفاشية والفاشست في معرض حديثه عن فصائل بعينها من المنتمين إلى الإسلام او إلى المسلمين. وفي كل حال فلم يكن الوصف موفقا ولا كان هذا التعميم سليما ولا دقيقا.. فالعالم يعرف أن جذور الفاشية بدأت في أوروبا والغرب بالذات وأنها ترجع إلى معارضي ثورة فرنسا الكبرى عام 1789 وكانوا من طبقات الارستقراطية الإقطاعية ممن جمعوا صفوفهم من أجل استعادة ما كانوا ينعمون به من امتيازات.
لكن الفاشية ظهرت وتجسدت كدعوة أيديولوية ونظام سياسي واقتصادي مع زعامة بنيتو موسوليني (1833 - 5491( الذي أصبح من شخصيات العمل العام في ايطاليا عام 1919 وتميز من حيث صرامة التطبيق وديكتاتورية الحكم والمبالغة في الانضباط والولاء للتشكيلات الحزبية التي اتخذ معظمها شكل الميليشيات العسكرية وشبه العسكرية، لدرجة أن عرف أفرادها بذوي القمصان السود..
وعمد موسوليني إلى إحياء رموز الامبراطورية الرومانية القديمة في محاولة لإثارة وحشد جموع الشباب الايطالي الذين عانت بلادهم بعد الحرب العالمية الأولى مشاكل وأزمات اجتماعية - اقتصادية كان في مقدمتها البطالة والفوضى والسخط العام على ما آلت إليه الأوضاع وعدم الثقة في ولاة الأمور: تحية الفاشست كانت باليد الممدودة المبسوطة على غرار أباطرة روما القديمة.. وشعارهم الاثير كان يصف البحر الأبيض المتوسط بأنه «بحرنا».
وفي تلك الفترة - من سنوات العشرينات والثلاثينات إلى منتصف الأربعينات - اتخذ موسوليني لنفسه لقب «الدوتشي» ورفع شعار حزمة العيدان الصلبة تتقاطع عند قمتها بلطة حادة وقد استعارها من روما القديمة التي كانت ترمز بها إلى السلطة الزمنية للأباطرة الكبار، وكان معناها ضرورة الطاعة الكاملة بغير مناقشة للمستويات الأعلى في الحزب وفي الدولة.. انتشرت الأفكار الفاشية بمعنى الديكتاتورية المتسلطة في المانيا على يد هتلر (باسم النازية) وفي اسبانيا على يد فرانكو (باسم الفالانغزم أو الكتائبية) بل انتقلت شراراتها إلى بعض دول أمريكا اللاتينية.. (ومنها ما عاش وعانى هذه الديكتاتورية الفاشية في فترة متأخرة شهدها النصف الأخير من السبعينات على يد الجنرال أوغسطو بينوشيه في شيلي).
كان للفاشية وجه إيجابي جسدته ضرورة احترام القانون والالتزام بالضبط والربط ومحاربة الفساد والتشدد في معاقبة المفسدين والمنحرفين والتركيز على العمل الجاد والتطوع بالجهود الفردية لصالح المجموع.. بل كان هذا الجانب الإيجابي مثار اهتمام وتقدير زعماء أجانب ليس أقلهم الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت الذي كتب لسفيره في روما عام 1933 مبديا اعجابه العميق بانجازات موسوليني في ايطاليا!
يمكن القول بأن الفاشية حققت نجاحات مادية - اقتصادية ولكنها دفعت الفرد إلى الانزواء والانكسار والخوف المستمر من بطش الدولة والحزب ومن تنكيل الجماعة بشكل عام.. هذا هو التناقض بين ما أعلنه موسوليني من اهتمامه الشديد بأن تتحرك قطارات روما في مواعيدها حسب جداول التوقيت وبين المظالم التي ألحقها بشعبه من جراء ديكتاتورية نظامه فضلا عن المد الامبريالي الذي حاول أن يركب موجته بحثا عن عظمة موهومة فكان أن أرسل جيوشه لتستعمر كلا من أثيوبيا وليبيا، ثم تحالف مع هتلر وخاض إلى جانبه (في إطار دول المحور) الحرب العالمية الثانية ضد الحلفاء في غرب أوروبا وروسيا - ستالين وأمريكا..
وكانت النتيجة أن تجمعت صفوف معارضيه وانكسرت جيوشه بهزائم مروعة وجماعية في ميادين القتال.. وجاءت نهايته وسقوط نظامه الفاشي الغاشم عندما قبضت عليه قوات المقاومة (الانصار) ونفذوا فيه حكم الاعدام وعلقوه مع رفيقته كلارا بيتاتشي عبرة للقاصي والداني. وكان ذلك يوم 27 ابريل من عام 1945. ومن بعده تحولت الفاشية من مثال إلى أمثولة.. ومن نظام قائم إلى كابوس يود العالم أن يفيق منه.. وكان أن نسى الناس الإيجابيات وبقيت أوصاف فاشية وفاشست آية على استبداد السياسة وعلى ديكتاتورية الفكر وعلى آليات الفرض والقسر والإملاء في علاقات الفرد والجماعة على السواء.
فَهْرنهايت
في مدينة جدانسك البولندية، وفي عام 1686 للميلاد، ولد جابرييل دانييل فهرنهيت الذي يدل اسمه الاخير على أنه ينتمي إلى عائلة ألمانية الأصل. توفي أبواه فجأة فأرسله أقاربه لدراسة مهنة الاعمال التجارية (البيزنس) في أمستردام عاصمة هولندا.. وبحكم عقليته العلمية التي فطره الله عليها.. اجتذب اهتمامه عمليات التجارة في مجال الادوات والاجهزة العلمية ايضا وكان أن صحب عالم الفلك الدانماركي أولوس رومر الذي يُنسب إليه استحداث أجهزة القياس الحرارية لاستخدامها في عمليات الرصد الجوي.
في 1709 استطاع الفتى فهرنهيت شخصيا أن يتوصل إلى ابتكار جهاز قياس درجات الحرارة باستخدام الكحول ثم جهاز آخر باستخدام الزئبق وأطلقوا عليه من يومها اسم ثيرمو بمعنى حرارة وميتر بمعنى عدّاد أو أداة للقياس.. وهي الترمومتر كما تعرفه لغتنا العربية وكان ذلك عام 1714 للميلاد.. وقد ركز صاحبنا على درجة 32 كأساس لنقطة تجمد الماء ودرجة 212 كأساس لنقطة غليان الماء بعد ان لاحظ أن الماء يمكن أن يظل سائلا تحت درجة تجمده وأن نقطة الغليان يمكن أن تختلف حسب ظروف الضغط الجوي.. وقد ظل هذا القياس الحراري المنسوب إلى فهرنهيت معمولا به حتى سنة 1970 للميلاد على صعيد الأقطار الناطقة بالانجليزية وبعدها تخلت عنه معظم تلك البلدان واعتمدت بدلا منه المقياس المئوي لدرجة الحرارة المعروف باسم ميزان سلسيوس.
وفيما كانت بولندا مسقط رأس فهرنهيت كانت السويد مسقط رأس نظيره - المئوي كما قد نسميه.. وهو أنديرس سلسيوس وبالذات في مدينة أوبسالا عام 1701 للميلاد: أبوه كان فلكيا يعمل بالجامعة وقد تخرج منها أستاذا لعلم الرياضيات.. وفي عام 1742 خلص إلى مقياس درجة الحرارة المئوي السنتجريد الذي شاع بعد وفاته (في عام 1747) ويلاحظ استخدامه في الأقطار التي تتبع النظام المتري في قياس المسافات.. وربما يكون أبرز الاستثناءات في هذا الصدد هو الولايات المتحدة الأمريكية التي مابرحت تستخدم نظام فهرنهيت في قياس درجة الحرارة ونظام الميل والبوصة والقدم والياردة في قياس المسافات.. وهو ما يؤدي إلى إرتباك زائريها والمهاجرين اليها.. ولله في خلقه شؤون.
فارْس
غريب أن يحدث خلط تاريخي ولغوي أيضا بين كلمتي فَارْس (بتسكين الراء) وفورس حيث ترجع كلتاهما - على نحو ما يقول اللغوي (هيوروسون) - إلى كلمة فاركيري اللاتينية (فارسيري إن شئت) ومعناها الأصلي يفيد الحشو والملء والتعبئة وما إلى ذلك. ورغم أن كلمة فارْس في العربية المعاصرة أصبحت تفيد الفكاهة الهزلية إلى حد العبث يعني كوميديا درجة ثانية أو ثالثة.. فالعجيب أن أول استخدام قديم لها في الانجليزية لم يكن يتصل لا بالضحك ولا بالكوميديا ولكن بالطهي والأكل وربما بحشو المصران..
ومع تطور الزمن بدأ الناس في فرنسا خلال القرن الرابع عشر يتحولون من حشو الفم بصنوف الطعام إلى حشو المناسبات الاجتماعية والاحتفالات الفنية - الكرن؟الات الشعبية وأعياد القديسين ومهرجانات القديسات بكل صنوف الترفيه والترويح عن الجموع الشعبية.. وجماهير الدهماء. وفي مقدمة أساليب هذا الترفيه كانت فنون الاضحاك والتنكيت شبه البدائية التي كان يؤديها المهرجون والمضحكون المحترفون.. ويعرفهم تراثنا الأدبي والتاريخي المعاصر باسم غريب وطريف هو: المحّبظون على نحو ما يذكر المؤرخ المصري - الحبشي الأصل عبدالرحمن الجبرتي.. وسواء كانوا مهرجين (كلاونز في الانجليزية) أو كانوا مضحكين أو محبظين إن أجزنا تعبير الجبرتي فالشاهد أن كانوا يُضحكون الجماهير من خلال النكات الفظة والمفارقات الخشنة والحركات البدائية العبثية أحيانا والسوقية في بعض الأحيان.
وكان أشهرها - كما يقول مؤرخو الفن - هو تبادل المواقف والمكانة الاجتماعية، حيث يتفق السيد مع خادمه على هذا التبادل فيصبح السيد خادما ويصبح الخادم سيدا ويخفي هذا التناقض على سائر شخصيات العرض المسرحي البدائي وخاصة على البطلة الحسناء التي يود السيد أن يخطب ودها ولكن بعد أن يتأكد أنها تهواه لشخصه وليس لشخصيته بمعنى أنها تحبه شغفا وليس طمعا في أمواله.. (تكررت هذه التيمة الساذجة في الأفلام القديمة وخاصة في أفلام المطرب الراحل فريد الأطرش).. ولما كان الجمهور فاهما لهذه الحيلة ومتابعا لتناقضاتها.. فإن الضحكات تدوي في أرجاء المكان سواء كان صالة عرض متداعية شبه مهدمة أو كان خيمة كبيرة من النوع المنصوب في الأسواق.. أو حتى لو كان العرض في الهواء الطلق يغشاه الجمهور لقاء اجر أقل من زهيد.
ومن فرنسا انتقل هذا النوع من دراما الضحك الساذج إلى ايطاليا ليتطور إلى فصيل درامي فكاهي جديد حمل اسم «كوميديا دي لارتي» بمعنى الخفيفة البسيطة القائمة على تناقض المواقف بدلا من التعقيد الدرامي المعتاد. وبعدها عاود الفرنسيون إبداع هذا اللون من فنون الإضحاك تحت عنوان «ال؟ود؟يل» وهو ما تأثرت به مدارس الاضحاك العربية مع سنوات القرن العشرين وخاصة مع بدايات مسرح نجيب الريحاني وسيد درويش وعلي الكسار في مصر كما عرفه الانجليز وقرنوا بينه وبين كوميديا الساتاير بمعنى السخرية واستهداف الاضحاك بحد ذاته وهو ما انتقل بدوره إلى مجال السينما منذ الثلاثينات وحمل معه خشونة وسذاجة وربما فظاظة الفارْس - كوميديا الأسواق القديمة..
حيث كان الممثلون في السينما الصامتة يتبارون في تبادل الصفعات والركلات وتبادل التنكر بين أزياء النساء والرجال.. وقد تجلى هذا الاتجاه في أفلام المغفلين الثلاثة وما في حكمها.. ولم ينقذ الإبداع الإنساني في الغرب من هذه السذاجة الفنية سوى أفلام شارلي شابلن (1889 - 7791( أما في الشرق فقد تطورت ونضجت موهبة الفنانين نجيب الريحاني (ممثلا) وبديع خيري (كاتبا) إلى أن ارتقيا بفن الإضحاك ليصبح كوميديا أكثر عمقا وأبعد غورا وأرفع مستوى ليمهدا الطريق بذلك - مثلما فعل شابلن أمام امكانية رقي الفن الضاحك المضحك ولو إلى حين.
يكتبها : محمد الخولي
فاشيّة.. فهرنهايت.. فارْس
دائرة معارف مصغرة في 30 حلقة عن مصطلحات ومسميات عاشت في زماننا، من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة.. من الانجليزية الى العربية. ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
فاشيّة
فاسكيزمو ـ فاشيزمو في اللاتينية ومن ثم في الايطالية تعني الحزمة أو المادة المتجمعة، وبالتالي فهي العصبة والفصيلة من البشر حيث يعلو انتماء الفرد إلى عصبته وجماعته فوق أي انتماء آخر، وحيث يعلي الفرد انتماءه إلى الجماعة إلى مستوى التعصب لسلالة ينحدر منها أو إلى أمة ودولة يعيش بين ظهرانيها. ومن هنا فالفاشية - الفاشستية كما تسمى أحيانا تلعب على أوتار النعرات القومية والتعصب العرقي وتجعلها في مرتبة أوْلى بالاهتمام والتكريس من كيان الفرد بوصفه كائنا وإنسانا.
من هنا ثارت تساؤلات غاضبة لها مشروعيتها عندما استخدم الرئيس الأمريكي بوش مؤخرا وصف الفاشية والفاشست في معرض حديثه عن فصائل بعينها من المنتمين إلى الإسلام او إلى المسلمين. وفي كل حال فلم يكن الوصف موفقا ولا كان هذا التعميم سليما ولا دقيقا.. فالعالم يعرف أن جذور الفاشية بدأت في أوروبا والغرب بالذات وأنها ترجع إلى معارضي ثورة فرنسا الكبرى عام 1789 وكانوا من طبقات الارستقراطية الإقطاعية ممن جمعوا صفوفهم من أجل استعادة ما كانوا ينعمون به من امتيازات.
لكن الفاشية ظهرت وتجسدت كدعوة أيديولوية ونظام سياسي واقتصادي مع زعامة بنيتو موسوليني (1833 - 5491( الذي أصبح من شخصيات العمل العام في ايطاليا عام 1919 وتميز من حيث صرامة التطبيق وديكتاتورية الحكم والمبالغة في الانضباط والولاء للتشكيلات الحزبية التي اتخذ معظمها شكل الميليشيات العسكرية وشبه العسكرية، لدرجة أن عرف أفرادها بذوي القمصان السود..
وعمد موسوليني إلى إحياء رموز الامبراطورية الرومانية القديمة في محاولة لإثارة وحشد جموع الشباب الايطالي الذين عانت بلادهم بعد الحرب العالمية الأولى مشاكل وأزمات اجتماعية - اقتصادية كان في مقدمتها البطالة والفوضى والسخط العام على ما آلت إليه الأوضاع وعدم الثقة في ولاة الأمور: تحية الفاشست كانت باليد الممدودة المبسوطة على غرار أباطرة روما القديمة.. وشعارهم الاثير كان يصف البحر الأبيض المتوسط بأنه «بحرنا».
وفي تلك الفترة - من سنوات العشرينات والثلاثينات إلى منتصف الأربعينات - اتخذ موسوليني لنفسه لقب «الدوتشي» ورفع شعار حزمة العيدان الصلبة تتقاطع عند قمتها بلطة حادة وقد استعارها من روما القديمة التي كانت ترمز بها إلى السلطة الزمنية للأباطرة الكبار، وكان معناها ضرورة الطاعة الكاملة بغير مناقشة للمستويات الأعلى في الحزب وفي الدولة.. انتشرت الأفكار الفاشية بمعنى الديكتاتورية المتسلطة في المانيا على يد هتلر (باسم النازية) وفي اسبانيا على يد فرانكو (باسم الفالانغزم أو الكتائبية) بل انتقلت شراراتها إلى بعض دول أمريكا اللاتينية.. (ومنها ما عاش وعانى هذه الديكتاتورية الفاشية في فترة متأخرة شهدها النصف الأخير من السبعينات على يد الجنرال أوغسطو بينوشيه في شيلي).
كان للفاشية وجه إيجابي جسدته ضرورة احترام القانون والالتزام بالضبط والربط ومحاربة الفساد والتشدد في معاقبة المفسدين والمنحرفين والتركيز على العمل الجاد والتطوع بالجهود الفردية لصالح المجموع.. بل كان هذا الجانب الإيجابي مثار اهتمام وتقدير زعماء أجانب ليس أقلهم الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت الذي كتب لسفيره في روما عام 1933 مبديا اعجابه العميق بانجازات موسوليني في ايطاليا!
يمكن القول بأن الفاشية حققت نجاحات مادية - اقتصادية ولكنها دفعت الفرد إلى الانزواء والانكسار والخوف المستمر من بطش الدولة والحزب ومن تنكيل الجماعة بشكل عام.. هذا هو التناقض بين ما أعلنه موسوليني من اهتمامه الشديد بأن تتحرك قطارات روما في مواعيدها حسب جداول التوقيت وبين المظالم التي ألحقها بشعبه من جراء ديكتاتورية نظامه فضلا عن المد الامبريالي الذي حاول أن يركب موجته بحثا عن عظمة موهومة فكان أن أرسل جيوشه لتستعمر كلا من أثيوبيا وليبيا، ثم تحالف مع هتلر وخاض إلى جانبه (في إطار دول المحور) الحرب العالمية الثانية ضد الحلفاء في غرب أوروبا وروسيا - ستالين وأمريكا..
وكانت النتيجة أن تجمعت صفوف معارضيه وانكسرت جيوشه بهزائم مروعة وجماعية في ميادين القتال.. وجاءت نهايته وسقوط نظامه الفاشي الغاشم عندما قبضت عليه قوات المقاومة (الانصار) ونفذوا فيه حكم الاعدام وعلقوه مع رفيقته كلارا بيتاتشي عبرة للقاصي والداني. وكان ذلك يوم 27 ابريل من عام 1945. ومن بعده تحولت الفاشية من مثال إلى أمثولة.. ومن نظام قائم إلى كابوس يود العالم أن يفيق منه.. وكان أن نسى الناس الإيجابيات وبقيت أوصاف فاشية وفاشست آية على استبداد السياسة وعلى ديكتاتورية الفكر وعلى آليات الفرض والقسر والإملاء في علاقات الفرد والجماعة على السواء.
فَهْرنهايت
في مدينة جدانسك البولندية، وفي عام 1686 للميلاد، ولد جابرييل دانييل فهرنهيت الذي يدل اسمه الاخير على أنه ينتمي إلى عائلة ألمانية الأصل. توفي أبواه فجأة فأرسله أقاربه لدراسة مهنة الاعمال التجارية (البيزنس) في أمستردام عاصمة هولندا.. وبحكم عقليته العلمية التي فطره الله عليها.. اجتذب اهتمامه عمليات التجارة في مجال الادوات والاجهزة العلمية ايضا وكان أن صحب عالم الفلك الدانماركي أولوس رومر الذي يُنسب إليه استحداث أجهزة القياس الحرارية لاستخدامها في عمليات الرصد الجوي.
في 1709 استطاع الفتى فهرنهيت شخصيا أن يتوصل إلى ابتكار جهاز قياس درجات الحرارة باستخدام الكحول ثم جهاز آخر باستخدام الزئبق وأطلقوا عليه من يومها اسم ثيرمو بمعنى حرارة وميتر بمعنى عدّاد أو أداة للقياس.. وهي الترمومتر كما تعرفه لغتنا العربية وكان ذلك عام 1714 للميلاد.. وقد ركز صاحبنا على درجة 32 كأساس لنقطة تجمد الماء ودرجة 212 كأساس لنقطة غليان الماء بعد ان لاحظ أن الماء يمكن أن يظل سائلا تحت درجة تجمده وأن نقطة الغليان يمكن أن تختلف حسب ظروف الضغط الجوي.. وقد ظل هذا القياس الحراري المنسوب إلى فهرنهيت معمولا به حتى سنة 1970 للميلاد على صعيد الأقطار الناطقة بالانجليزية وبعدها تخلت عنه معظم تلك البلدان واعتمدت بدلا منه المقياس المئوي لدرجة الحرارة المعروف باسم ميزان سلسيوس.
وفيما كانت بولندا مسقط رأس فهرنهيت كانت السويد مسقط رأس نظيره - المئوي كما قد نسميه.. وهو أنديرس سلسيوس وبالذات في مدينة أوبسالا عام 1701 للميلاد: أبوه كان فلكيا يعمل بالجامعة وقد تخرج منها أستاذا لعلم الرياضيات.. وفي عام 1742 خلص إلى مقياس درجة الحرارة المئوي السنتجريد الذي شاع بعد وفاته (في عام 1747) ويلاحظ استخدامه في الأقطار التي تتبع النظام المتري في قياس المسافات.. وربما يكون أبرز الاستثناءات في هذا الصدد هو الولايات المتحدة الأمريكية التي مابرحت تستخدم نظام فهرنهيت في قياس درجة الحرارة ونظام الميل والبوصة والقدم والياردة في قياس المسافات.. وهو ما يؤدي إلى إرتباك زائريها والمهاجرين اليها.. ولله في خلقه شؤون.
فارْس
غريب أن يحدث خلط تاريخي ولغوي أيضا بين كلمتي فَارْس (بتسكين الراء) وفورس حيث ترجع كلتاهما - على نحو ما يقول اللغوي (هيوروسون) - إلى كلمة فاركيري اللاتينية (فارسيري إن شئت) ومعناها الأصلي يفيد الحشو والملء والتعبئة وما إلى ذلك. ورغم أن كلمة فارْس في العربية المعاصرة أصبحت تفيد الفكاهة الهزلية إلى حد العبث يعني كوميديا درجة ثانية أو ثالثة.. فالعجيب أن أول استخدام قديم لها في الانجليزية لم يكن يتصل لا بالضحك ولا بالكوميديا ولكن بالطهي والأكل وربما بحشو المصران..
ومع تطور الزمن بدأ الناس في فرنسا خلال القرن الرابع عشر يتحولون من حشو الفم بصنوف الطعام إلى حشو المناسبات الاجتماعية والاحتفالات الفنية - الكرن؟الات الشعبية وأعياد القديسين ومهرجانات القديسات بكل صنوف الترفيه والترويح عن الجموع الشعبية.. وجماهير الدهماء. وفي مقدمة أساليب هذا الترفيه كانت فنون الاضحاك والتنكيت شبه البدائية التي كان يؤديها المهرجون والمضحكون المحترفون.. ويعرفهم تراثنا الأدبي والتاريخي المعاصر باسم غريب وطريف هو: المحّبظون على نحو ما يذكر المؤرخ المصري - الحبشي الأصل عبدالرحمن الجبرتي.. وسواء كانوا مهرجين (كلاونز في الانجليزية) أو كانوا مضحكين أو محبظين إن أجزنا تعبير الجبرتي فالشاهد أن كانوا يُضحكون الجماهير من خلال النكات الفظة والمفارقات الخشنة والحركات البدائية العبثية أحيانا والسوقية في بعض الأحيان.
وكان أشهرها - كما يقول مؤرخو الفن - هو تبادل المواقف والمكانة الاجتماعية، حيث يتفق السيد مع خادمه على هذا التبادل فيصبح السيد خادما ويصبح الخادم سيدا ويخفي هذا التناقض على سائر شخصيات العرض المسرحي البدائي وخاصة على البطلة الحسناء التي يود السيد أن يخطب ودها ولكن بعد أن يتأكد أنها تهواه لشخصه وليس لشخصيته بمعنى أنها تحبه شغفا وليس طمعا في أمواله.. (تكررت هذه التيمة الساذجة في الأفلام القديمة وخاصة في أفلام المطرب الراحل فريد الأطرش).. ولما كان الجمهور فاهما لهذه الحيلة ومتابعا لتناقضاتها.. فإن الضحكات تدوي في أرجاء المكان سواء كان صالة عرض متداعية شبه مهدمة أو كان خيمة كبيرة من النوع المنصوب في الأسواق.. أو حتى لو كان العرض في الهواء الطلق يغشاه الجمهور لقاء اجر أقل من زهيد.
ومن فرنسا انتقل هذا النوع من دراما الضحك الساذج إلى ايطاليا ليتطور إلى فصيل درامي فكاهي جديد حمل اسم «كوميديا دي لارتي» بمعنى الخفيفة البسيطة القائمة على تناقض المواقف بدلا من التعقيد الدرامي المعتاد. وبعدها عاود الفرنسيون إبداع هذا اللون من فنون الإضحاك تحت عنوان «ال؟ود؟يل» وهو ما تأثرت به مدارس الاضحاك العربية مع سنوات القرن العشرين وخاصة مع بدايات مسرح نجيب الريحاني وسيد درويش وعلي الكسار في مصر كما عرفه الانجليز وقرنوا بينه وبين كوميديا الساتاير بمعنى السخرية واستهداف الاضحاك بحد ذاته وهو ما انتقل بدوره إلى مجال السينما منذ الثلاثينات وحمل معه خشونة وسذاجة وربما فظاظة الفارْس - كوميديا الأسواق القديمة..
حيث كان الممثلون في السينما الصامتة يتبارون في تبادل الصفعات والركلات وتبادل التنكر بين أزياء النساء والرجال.. وقد تجلى هذا الاتجاه في أفلام المغفلين الثلاثة وما في حكمها.. ولم ينقذ الإبداع الإنساني في الغرب من هذه السذاجة الفنية سوى أفلام شارلي شابلن (1889 - 7791( أما في الشرق فقد تطورت ونضجت موهبة الفنانين نجيب الريحاني (ممثلا) وبديع خيري (كاتبا) إلى أن ارتقيا بفن الإضحاك ليصبح كوميديا أكثر عمقا وأبعد غورا وأرفع مستوى ليمهدا الطريق بذلك - مثلما فعل شابلن أمام امكانية رقي الفن الضاحك المضحك ولو إلى حين.
يكتبها : محمد الخولي
تعليق