غنائي.. غنوصية.. غيريللا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    غنائي.. غنوصية.. غيريللا

    نانوبيديا» -الحلقة-20
    غنائي.. غنوصية.. غيريللا




    غنائي للوهلة الأولى يتصور قارئ هذه الكلمة أنها تصدق أساسا على أوصاف الطرب والسلطنة وإيقاع الصوت الجميل.. ولا تثريب على القارئ في هذا التصور.. لكن الصفة لها إطار أوسع وأعمق في دنيا الشعر والتذوق الفني والنقد الأدبي..


    إنها تصدق على الإبداع الشعري الذي يودعه صاحبه عواطفه الحميمة ومشاعره الخاصة التي يتفرد بها ويترجم من خلال أبياته أشواق الروح ولواعج النفس وشجن الحياة..


    بهذا يصبح الشعر خاطرا جليلا وجميلا كأنه نَفَس الرحمن مقتبس كما وصفه يوما الأستاذ العقاد. وهو خاطر شديد الخصوصية وئيد الإيقاع مثل ضوء خافت في الليل.. أو مثل تباشير الصباح أو طلائع الشَفَق.. ذلك هو الشعر المهموس كما وصفه يوما أستاذ النقد الراحل الدكتور محمد مندور..


    الشعر الغنائي أمر يرتبط بالجانب الخاص في حياة مبدعيه.. في حين أن الشعر الوصفي.. الملحمي.. (المسرحي) يرتبط بالجانب العام من حياة الجماعة.. فالملحمة تتغنى بأمجادها وأساطير حياتها والقصيدة الوصفية تتمدح بآلاء طبيعتها في حين أن الشعر المسرحي يتابع دراما الحياة الإنسانية وصراعات الفرد مع مجتمعه أو مع الظروف.. ومع ذاته في بعض الأحيان.


    الشعر الغنائي نشيد يحتفل بالحياة أحيانا.. ونشيج يبثّ الكلمات هموم الشاعر وأحزان النفس في أحيان أخرى.. وهو ما تعارفت عليه ثقافات كثير. وعليه فثمة اتفاق على أن هذا اللون المتفرد والخاص من إبداع الشعر يرتبط بإيقاع الموسيقى حتى أن أساطير اليونان ترسم شخوص شعرائها الأقدمين وقد أمسك كل منهم بقيثارة يوقّع عليها ألحانه..


    وحتى لغتنا العربية تستخدم تعبير إنشاد الشعر، وتربط بينه - عند الأصفهاني مثلا - وبين أداء الغناء.. وقد عرف الجاهليون من كبار شعرائهم قامة سامقة هي الأعشى الكبير (أعشى قيس المتوفي عام 629 ميلادية) صاحب القصيدة اللامية الشهيرة.


    وقد وصفه معاصروه بأنه «صناجة العرب» إذ كان يطيب له ولهم أن يسمعوه وهو يردد أبياته بل يتغنى بها منشدا ومستمتعا في الأسواق والمنتديات.. ربما لهذا يفخر المتبني بإبداعاته الشعرية التي يتحول بها دور الزمن من راوية إلى منشد حيث يقول أبو الطيب:


    وما الدهر إلا من رواه قصائدي


    إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا


    لهذا يطلق معجم وبستر الأميركي وصف ليريك على مفردة «غنائيات» وليريك مشتقة من معنى القيثارة - ليريكوس في اليونانية ويلمح القاموس الانجليزي في هذا السياق إلى أن القصائد المقطوعات القصيرة (بعكس الملاحم الألفية الطويلة) تحمل صفة الغنائي (ليريكال) إما بحكم ارتباطها بآلة القيثارة الوترية المرهفة الرقيقة وإما لأنها تؤدي معاني بالغة الرقة ومشاعر بالغة الخصوصية وتعبر عن عواطف شديدة العمق والجيشان..


    ومثلما عرف العرب موسيقار الشعر الجاهلي - الأعشى - كان لدى اليونان نظيره أنا كريون (عاش نحو 470 قبل الميلاد) وكان الشاعر اليوناني أقرب في غنائياته وإيقاعاته وربما مجونياته إلى شاعر العصر العباسي الأول أبي نواس (757- 814م) ومثلما أسلمت إيقاعات الأعشى إلى تراث أروع الشعراء الغنائيين في إبداع العرب..


    من أبي نواس إلى البحتري وحتى شوقي والشابي في العصر الحديث، فقد أسلم ميراث أنا كريون إلى إبداعات بنداروس (ت عام 438 قبل الميلاد) الذي يعدونه أعظم الشعراء الغنائيين في تراث اليونان.


    وقد وصلنا من غنائياته 44 قصيدة كان ينشدها بمصاحبة جوقة (أوركسترا) الموسيقى في كرنفالات أعياد الإغريق، وإن كان بنداروس قد أضفى على خصوصية أشعاره طابعا عاما، ولكنه حافل بالبهجة والحبور فقد كان ينشئ وينشد قصائد تحتفل بوصول أبطال اليونان الفائزين في مسابقات الأولمبياد في ذلك الزمن القديم.


    في العصور الوسطى.. وبفعل ازدهار ممالك الأندلس العربية - الإسلامية.. تعمقت وشيجة الارتباط بين الشعر والموسيقى بفضل الطروبادور وهم شعراء القصائد الرومانسية الجوالون يعزفون على قيثاراتهم أناشيد العشق الجميل والهوى العذري في كل أنحاء أوروبا وكان هذا التراث هو المعين الذي استقى منه عباقرة الإبداع الشعري في الغرب.. ما بين شكسبير في انجلترا إلى هوغو في فرنسا إلى جوتة في ألمانيا وغيرهم كثير.


    غنوصية: طول عمر الإنسان فوق ظهر الأرض وهو دائب البحث عن.. الخلاص.. يريد الإنسان أن يروي أشواق الروح ويطفئ الظمأ الدائب نحو استشراف المجهول الكامن وراء حجب الطبيعة وما وراء الطبيعة.. ولا سبيل إلى اقتحام هذا العالم المفعم بالأسرار إلا بوسيلة واحدة هي:


    المعرفة


    والمعرفة في تراث الأقدمين لها لفظة يونانية هي «غنوسص». والغنوصي هو الفرد الملاح في بحور المعرفة وخاصة معرفة الميتافيزيقا.. ما وراء الطبيعة، تلك التي لا سبيل إلى إدراكها بمجرد الحواس الطبيعية بل ينبغي أن يتفرغ الفرد كي يطرق أبوابها بأدوات التأمل أو التفكر أو الاستبطان.


    أو بكل هذه الأدوات جميعا.. من هنا كان بحث الإنسان الدائب عن اليقين، عن سلام النفس.. وسكينة الروح أو حتى راحة البال.. ولا سبيل إلى هذا أيضا سوى بالعقيدة.. الدين.. الإيمان بأن الإنسان مادة وروح.. جسم ونفس كما فطره خالقه عز وجل..


    ومن هنا كان العناق الطيب بين الفلسفة والدين. وقد تجسد هذا العناق في مراحل مبكرة من مسير الحضارة الإنسانية لعل أهمها ما شهدته حركة الغنوصية التي تصفها المعاجم الفلسفية المتخصصة بأنها «مذهب العرفان» الذي انشغل دعاته ومعتنقوه برياضة النفس والسير على طريق المعرفة الروحية التماسا لمعرفة الحق تبارك وتعالى وحالة الإيمان بفاطر العالم ومنشئ الكون بوصفها أسمى مدارج العرفان والباب الحقيقي المفضي إلى مرافئ اليقين.


    ألا ترى إلى استخدام العرب مصطلح «العارف بالله» آية على الفرد الصالح والمتبتل في محراب العبادة والباحث دوما عن الحقيقة المطلقة المثلى؟


    هكذا كان أهل الغنوصية: المذهب الذي ازدهر في آخر العصر الهيليني - غروب الحضارة اليونانية في العقود الأخيرة قبل الميلاد، وهي نفس الفترة التي شهدت تباشير العقيدة المسيحية التي بدأت بالطبع مع مولد نبي الله عيسى المسيح بن مريم عليه السلام منذ ألفي سنة أو تزيد قليلا.


    مذهب الغنوصية حافل بالأسرار والأفكار والطروحات المتعلقة بما يسمى عالم الماورائيات. وأصحابه يقولون بثنائية التمييز بين الخير والشر بوصفهما ركيزتي الوجود وربما أوغل القوم غوصا في بحر الأسرار ومن ثم كان طبيعيا أن تخالط أفكارهم أوْشابا شتى من الأساطير والخرافات والمرويات التي يصعب توثيقها والاقتناع بوجاهتها..


    وكان طبيعيا كذلك أن تتمازج معها روافد من العقيدة اليهودية وأن يصل الأمر في القرن الثاني للميلاد إلى تقسيم خلق الله إلى ثلاث فئات:


    تضم أولاها أتباع مذهب الغنوصية - العرفاني وخلاصهم مضمون. والثانية تتمثل في الباحثين عن طريق الإيمان فإذا بلغوا غايتهم كان في ذلك خلاص أرواحهم ونهاية معاناتهم.. أما الفئة الثالثة فهي التي لاتتبع طريق الغنوصية بمعنى أنها لا تشتغل بحكمة الفلسفة ولا بفضيلة التأمل ولا في التماس المعرفة سبيلا إلى اليقين.. وتلك هي الفئة التي ساء حظها وتعثرت خطاها ولا سبيل إلى خلاصها من قريب أو بعيد.


    وقد يسترعي النظر غلبة مثل هذه التقسيمات في حياة البشر وعلى مدى مراحل شتى من تاريخ الإنسان، ومن تطور العقائد والملل والنِحل والديانات: إنها فكرة الفئة الناجية، تنال الجزاء الأوفى في عالم الماوراء..


    ويقابلها بداهة الفرقة الهالكة أو الظالمة أو الباغية وبينهما الفرقة الباحثة.. التي تقف عند الحلقة الوسطى.. على صراط المطهر (البورغاتوريو) بين مدارج الفردوس (باراديسو) ومهالك الجحيم (انفيرنو) إذا استخدمنا مصطلحات الشاعر الإيطالي دانتي الليجري (1265- 1921م) في ملحمته الشهيرة بعنوان «الكوميديا الإلهية»®.


    غيريللا


    كلمة يتعمد الممتحنون أن يلقوا بها وسط سطور اختبارات المترجمين الجدد أو دارسي علم الترجمة كي ينخدع شباب الترجمة بشكلها وأحيانا بإيقاع نطقها، فما بالك حين يصادفون الكلمة محاطة بمعان وسياقات تدل على الغابات الاستوائية الكثيفة والأشجار المدارية الباسقة الملتفة الأغصان.. الخ. بعضهم ينقاد إلى كلمة الغوريللا التي لا تتميز سوى بحرف العلة (الواو بدل الياء) وبعضهم يحار في فهم النص أو ينتابه بعض الارتباك ولو إلى حين..


    ويحلّ هذا الحين عندما يمعن القارئ في النص ليدرك أن «غيريللا» كلمة مشتقة من لفظة «غير» الفرنسية بمعنى الحرب.. وأنها تصغير للكلمة الفرنسية ومن ثم فهي الحرب الصغيرة. ولأن اللغة ليست حروفا أو مقاطع ولكنها مفاهيم ومصطلحات فقد اتفق الناس على إطلاق لفظة غيريللا لتعني حرب العصابات وهي صغيرة لأنها تتميز بسرعة الحركة ومرونة التشكيل وبالاستقلال عن القوات النظامية .


    وبالوحدات القتالية الصغيرة الأقرب إلى الخلايا التي تستمد أهميتها وربما اندفاعاتها - الفدائية في الغالب، أولا من واقع الإيمان بقضية (وطنية أو عقائدية أو هما معا) وثانيا من واقع زعامة يجسدها فرد يتمتع بقدرات قيادية ومواهب الجاذبية الكاريزمية بحيث يجمع بين أدوار المفكر أو المنظّر وبين مسؤوليات الكولونيل وضابط الأركان المحنك والفدائي أيضا.


    يمكن أن نعد حرب العصابات أسلوبا من أساليب القتال وحسم المواقف في الحروب الحديثة.. تجلت أهميتها مثلا في الحرب الأهلية الأميركية بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة (ستينات القرن 19) وفي حروب الاستقلال بدول أميركا اللاتينية (عن اسبانيا أو البرتغال) وحروب الصين بقيادة الزعيم ماو ورفاقه ضد الاحتلال الياباني وفي معارك التصدي المعاصرة التي خاضتها فصائل عربية فدائية ضد الاحتلال والعدوان الصهيوني.


    وفيما تؤكد المراجع المختصة (موسوعة السياسة مثلا - الصادرة في ولاية فرجينيا الأميركية) على أهمية أسلوب الكر والفر في حرب العصابات..


    إلا أن هذه المراجع تحرص على إضافة ما تصفه بأنه المهام الأساسية الست لحرب العصابات وقد بلورتها تجارب قادتها المحنكين وهذه المهام تنصح الفرد الذي يخوض هذه الحرب التي تسمى أحيانا بحرب الفدائيين وأحيانا بحرب الكوماندوز أو المغاوير بأن يقوم بما يلي إزاء العدو الذي يتصدى لمواجهته:


    * إعاقة + خداع + تشتيت + تدمير + هزيمة - ثم مغادرة الموقع بغير توان.
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    مقالة ثرية جميلة بحق ، ربما يحضرنى هنا خاطرة ، فجيلى وكذلك أجيال سابقة كثيرة كنا نعتقد فى صغرنا أن الشاعر لابد أن تكون له ربابة ، منه شدوه ، وكنا نجتمع حوله لنسمع فى صباناغناءه ، فكان الشاعر هو من ينشد فى السيرة الهلالية على الربابة لذا اقترن فى وجداننا فى الصعيد أن الشعر نشيد

    تعليق

    يعمل...
    X