«نانوبيديا» -الحلقة التاسع عشر
عبدالحميد .. العم سام ..عود
بقلم :محمد الخولي
عبدالحميد لأن خير الأسماء ـ على نحو ما يقول الأثر الشريف ـ هو ما ينصرف إلى معاني التعبيد والتحميد.. فإن الباحث في دفاتر الثقافة الإسلامية ـ العربية لا يلبث أن يصادف أكثر من اسم عبدالحميد متكررا في صفوف الأَعلام الذين تركوا آثارهم في سياق ثقافتنا.. وخاصة في العصر الحديث.
لن تتوقف عند «عبدالحميد» كاتب بني أمية ولو في المراحل الأخيرة من دولتهم.. وقد توقف عنده المؤرخون بإعجاب إزاء موهبته التي حوّلت رسائل الحكومة الميري إلى أدب رفيع أو فلنقل إنها أفضت إلى تأديب المكاتبات الرسمية حتى شاعت مقولة إنه بدأت الكتابة بعبدالحميد (ت سنة 750 للميلاد) وإن لم تنته في رأينا بمنشئ كبير آخر هو عبدالحميد (ت970 ميلادية).
لكننا سنتوقف عند طائفة من مشاهير من حملوا الاسم في مرحلة تاريخية قريبة نسبيا هي القرن التاسع عشر.. وفي مقدمتهم طبعا البادشاه عبدالحميد الثاني سلطان تركيا ورأس الدولة العثمانية (1842 ـ 1917).
وقد سبقه عبدالحميد الأول الذي حكم في الفترة التي بدأت 1774 وانتهت عام 1789 أي عام الثورة الفرنسية وقد ازدادت الدولة في عهده تدهورا من الناحية الاقتصادية وهزالا من الناحية السياسية والحربية حيث منيت بهزائم عسكرية شتى من جانب خصومها في النمسا وروسيا ورومانيا..
وعندما اعتلى عبدالحميد الثاني في عام 1876 عرش السلطنة كانت امبراطورية الأتراك الزاهرة الشاسعة تلفظ أنفاسها الأخيرة وقد فاضت روحها فعلا بعد ذلك التاريخ بأقل من 50 عاما.
لهذا كان السلطان يحكم بأساليب تجمع بين الخديعة واستخدام الجواسيس، وبين رشوة المؤيدين وفساد ذمم المعاونين وبين فرض الرقابة المشددة على حرية التعبير إلى حد التزمت الباعث على السخرية في بعض الأحيان.. كيف لا وقد كان الرقيب العام للدولة العليّة واسمه عندهم «المكتوبجي» يحّرم استخدام، ناهيك عن، نشر كلمات من قبيل استقلال.. حرية.. دستور.. صحافة.. حقوق.. الخ.
ولأن مثل هذا الضغط هو البيئة التي تتكاثف فيها سحب البخار ومن ثم الانفجار.. فقد حدث الانفجار سنة 1908 حين أجبر شباب الضباط الأتراك ساكن قصر بلدز على ضفاف البوسفور على إعلان الدستور وبعدها عزلوه ليعيش بقية حياته سجينا إلى أن رحل عن الدنيا في عام 1918 دون أن يشهد النهاية الحاسمة لامبراطورية بني عثمان التي ألغيت فيها الخلافة وزالت الدولة في عام 1923.
من ناحية أخرى يعتز الاقتصاد العربي المعاصر باسم «عبدالحميد شومان»، العصامي الفلسطيني الذي لم يكد يعرف القراءة والكتابة (والعهدة على المؤرخ المعاصر أيضا الأستاذ خير الدين الزركلي) وقد ولد في قضاء القدس بفلسطين عام 1890 .
وبدأ حياته بائعا متجولا وتقلب في أعمال شتى إلى أن هدته عقليته الثاقبة إلى أن مقاومة مخططات اليهود في فلسطين لا تكون بالأمنيات أو الشعارات بقدر ما تكون بإنشاء صرح اقتصادي وطيد الأركان.
ومن ثم جاء إنشاء البنك العربي في عام 1930 الذي ما لبث أن توسعت أنشطته وأصبح له أكثر من 50 فرعا في العواصم العربية إلى جانب فروعه في أوروبا والولايات المتحدة. ومازال البنك شاهدا على عصامية هذا.. الـ عبدالحميد الفلسطيني الناجح الفالح الذي تحدى الظروف وارتاد آفاقا غير مسبوقة في النشاط العام إلى أن رحل إلى عالم البقاء في عام 1974.
أما عبدالحميد الأخير في هذا السياق الموجز فهو الصحافي العربي المناضل «عبدالحميد الزهراوي» وهو من مواليد حمص السورية عام 1855 وتشاء الأقدار أن يتصدى عبدالحميد العربي السوري لحكم الجواسيس وخفق الحريات الذي تولاه سِمّيه عبدالحميد التركي العثماني.. هكذا كافح الصحافي لإصدار جريدة «المنبر» من وراء ظهر المكتوبجي ـ الرقيب العثماني وكان الكاتب السوري الشاب يوزعها سرا لأنها كانت تطالب بالدستور ميثاقا للحريات..
ومع ذلك فقد ظل ينشر أفكاره ودعواته التحررية في صحف وجرائد شتى في دمشق وأحيانا في الأستانة ذاتها وفي مصر بعد أن توسعت أفكاره فلم تقتصر على دستور عثماني بل امتدت إلى الدعوة القومية لوحدة العرب وإعلاء شأن لغتهم وثقافتهم ومن ثم استقلالهم عن سيطرة تركيا وخاصة بعد أن هيمنت عليها دعوات الشعوبية الطورانية الرامية إلى تتريك الشعوب العربية.
وعندما انعقد أول مؤتمر قومي عربي عام 1913 في باريس انتخبوا عبدالحميد الزهراوي رئيسا له.. وهو أمر لم تغتفره سلطات الاحتلال التركي للشام التي كان يتولى مقاليدها جمال باشا الملقب بالسفاح.. الذي استحق هذا اللقب الشائن بالفعل عندما عقد محاكمة ظالمة لكوكبة من شباب الأمة العربية ورجالاتها وأصدر عليهم ديوان عاليه (جبل لبنان) حكما بالإعدام وكان في صدارتهم بطلنا الصحافي.. الفقيه الداعية القومي العربي عبدالحميد الزهراوي وكان ذلك في عام 1916 للميلاد.
العم سام
صورته مطبوعة.. ومعروفة في كل مكان.. قبعته الطويلة وعليها رسم العلم الأميركي المخطط بنجومه الكذا والخمسين رمزا لكل ولاية داخلة بالفعل في إطار الاتحاد الفيدرالي الذي تديره العاصمة واشنطن، هذا بالإضافة إلى لحيته الطويلة البيضاء التي عملت فيها أصابع التهذيب والتمشيط.. فضلا عن سرواله الطويل المخطط والمتهدّل وعلامات الكهولة البادية على ملامحه..
في كل حال فقد أصبح العم سام اسما يستخدم في مجال الصحافة والدعاية بالذات للدلالة على حكومة الولايات المتحدة.. وربما أصبح رمزا لكل ما هو أميركي في نظر جماهير الشعوب الأخرى.. تماما مثلما هو الحال بالنسبة لرمز بريطانيا جون بول الذي يرسمونه رجلا ربعة مكتنزاً عريض الوجه يرتدي قبعة أقرب إلى الصحن العميق وقد تابعهم في ذلك المسار صحافة القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين إذ كانت تقدم لقارئيها صورة «المصري أفندي»®.
إنسانا أميل إلى القِصر والامتلاء فوق رأسه الطربوش الأحمر الذي تطالعه الأجيال الشابة في أفلام الأبيض والأسود وفي يده مسبحة تتوازى مع علامات الطيبة المرتسمة على ملامح سحنته.. ويحار المؤرخون في تقصي الأصل الذي نبعت منه تسمية؛ ومن ثم صور أو رسومات العم سام الأميركاني وإن كانت هناك رواية تاريخية تنسبه إلى موظف أميركي كبير عاش في أوائل القرن التاسع عشر..
اسمه صامويل ويلسون من ولاية نيويورك وكان يعمل مفتشا على إمدادات الجيش الأميركي وخاصة في الحرب الأميركية ـ البريطانية التي اندلعت بين عامي 1812 و1814 حول حقوق الملاحة والأراضي بين انجلترا ومستعمراتها السابقة في العالم الجديد.
يقال إن ويلسون المذكور أعلاه كان شديد التحمس للدولة الفتية الجديدة التي يفتش على قواتها (كان عمرها وقتها لا يزيد على 16 سنة فقط لا غير) ولذلك كان يضع علامة على كل مادة يفحصها ترمز إلى دولته الشابة ـ الولايات المتحدة وقد اختصر اسمها الانجليز بالحرفين يو.. إسْ (u.s) يومها كان العمال والجنود يستخدمون نفس الحرفين لكي يصطنعوا للرجل المتحمس اسما جديدا هو أنكل سام من باب الطرافة والمزاح..
وبعدها ذاعت التسمية. ولأنها مختصرة ومبسطة فقد كانت تستجيب للعقلية الأميركية ومن ثم اكتمل لدولة الولايات المتحدة الرمز المبسط الذي كانت بحاجة إليه تجسيدا لشخصيتها وكيانها في أوقات السلم حيث يقول الفرد الأميركي وقد تنفس الصعداء:
ـ الحمد لله.. لقد دفعت فلوس العم سام (يعني سددت حصتي من الضرائب للدولة).
أما في زمن الحرب فلا يزال الأميركان يذكرون العم سام.. وقد كادت صورته تحتل إعلانا علقوه في الطرقات العامة.. اكتست ملامحه جدية صارمة وقد مد إصبع السبابة وهو يقول:
ـ أنا بحاجة إليك.
تلك كانت دعوة إلى التطوع في سلك التجنيد ولاسيما وسط لهيب الحرب العالمية الثانية.
في متن العربية الشريفة نطالع في هذه المادة نوعين من النبات أولهما شجرة استوائية تزدهر في الأصقاع الأميركية الجنوبية وهي دائمة الخضرة ولها إفرازات صمغية (راتنجية) تستخدم في صناعات العقاقير.
. ولأن لأخشابها قيمة كبيرة فقد اصطلحت المعاجم العربية على وصفها بأنها «عود الأنبياء» وأحيانا يصفونها بأنها «شجرة خشب النبي».
وهناك أيضا عود الخير وهو شجرة صغيرة دائمة الخضرة بدورها، وأزهارها ـ يا للغرابة ـ وحيدة الجنس بمعنى أن الجنس المذكر فيها ينمو بطريقة معينة والجنس المؤنث ينمو بطريقة مغايرة تماما ويستخدمها أهل أميركا في أغراض الزينة في حفلات عيد الميلاد. وهناك طبعا بخور العود الذي ترتفع أثمانه بقدر ارتقاء نوعية الأريج الطيب الذي ينبعث منه.
لكن الأهم في هذا السياق هو آلة العود التي تحتل حيزا واسعا بل شاسعا من سطور كتاب «الأغاني» الذي صنّفه أبوالفرج الأصفهاني (897 ـ 967 للميلاد) ليصبح من أمهات كتب الثقافة العربية على نحو ما أشار العلامة ابن خلدون.
وليس لأحد أن يظن أنه كتاب في فن الغناء أو التلاحين رغم ما ألمحنا به عن أهمية العود والموسيقى في فصوله.. إن الأغاني كتاب جامع أقرب إلى الموسوعة الشاملة التي تعرض لمواضع شتى في التاريخ والأدب وفي النقد والأخبار وفي الأنساب والسير والتراجم..
ولعله استمد عنوانه الجذاب من واقع اهتمامه بفن الغناء وإبداع الموسيقيين ولاسيما المئة صوت (بمعنى 100 قالب غنائي) التي ازدهرت كأعمال موسيقية رائعة خلال ذروة حضارة العرب المسلمين في العصر العباسي .
حيث كانت الحياة الاجتماعية تضم الحاكم المثقف مع المسؤول المتذوق مع الموسيقار الموهوب (ابراهيم الموصلي مثلا) مع الجارية ذات الصوت الصادح والإجادة المتقنة في العزف على الآلة الفاتنة التي مازالت تحمل في زماننا اسم العود وقد اشتقوا اسمها من أصول فرعونية أو سامية وتحولت عند أهل الأندلس ومن بعدهم أوروبا إلى «لُوت» فيما يفضل بعضهم الاحتفاظ باسمها في لغة العرب..
والكل يسلكونها (موسوعة كولومبيا الأميركية مثلا) في تصنيف الوتريات الدقيقة بأوتارها الخمسة وأحيانا السبعة المزدوجة المشدودة على قرصة بيضاوية يتفنن مهرة الاختصاصيين في صناعتها وتنسيقها بحيث يتاح للعود أن يصدر نغماته على سلم الموسيقى الشرقية بمقاماتها التي يعبر كل منها عن حالة مزاجية للإنسان ما بين الخفة والمرح (النهاوند) والرصانة (البياتي) إلى البهجة (الراست) إلى الابتهال (الحجازكار) إلى الشجن (الصبا) وغير هذه المقامات كثير من التفريعات والتنويعات ـ السكك المقامية كما يقول أهل الصنعة.. الذين يسلّمون في مضمار الموسيقى الشرقية أو العربية بأن العود هو سيد آلات الشجن الجميل الرقيق الأقرب ما يكون إلى الروح الشرقية.
ومنهم من يضيف عن خبرة وعلم أيضا أن نغمات العود هي الأقرب إلى أصوات أوتار الحنجرة عند البشر. ولعل هذا هو السبب الذي جعل العود صديقا وفيا ومقربا وحميما إلى كبار المطربين في دنيا النغم العربي المعاصر.
عبدالحميد .. العم سام ..عود
بقلم :محمد الخولي
عبدالحميد لأن خير الأسماء ـ على نحو ما يقول الأثر الشريف ـ هو ما ينصرف إلى معاني التعبيد والتحميد.. فإن الباحث في دفاتر الثقافة الإسلامية ـ العربية لا يلبث أن يصادف أكثر من اسم عبدالحميد متكررا في صفوف الأَعلام الذين تركوا آثارهم في سياق ثقافتنا.. وخاصة في العصر الحديث.
لن تتوقف عند «عبدالحميد» كاتب بني أمية ولو في المراحل الأخيرة من دولتهم.. وقد توقف عنده المؤرخون بإعجاب إزاء موهبته التي حوّلت رسائل الحكومة الميري إلى أدب رفيع أو فلنقل إنها أفضت إلى تأديب المكاتبات الرسمية حتى شاعت مقولة إنه بدأت الكتابة بعبدالحميد (ت سنة 750 للميلاد) وإن لم تنته في رأينا بمنشئ كبير آخر هو عبدالحميد (ت970 ميلادية).
لكننا سنتوقف عند طائفة من مشاهير من حملوا الاسم في مرحلة تاريخية قريبة نسبيا هي القرن التاسع عشر.. وفي مقدمتهم طبعا البادشاه عبدالحميد الثاني سلطان تركيا ورأس الدولة العثمانية (1842 ـ 1917).
وقد سبقه عبدالحميد الأول الذي حكم في الفترة التي بدأت 1774 وانتهت عام 1789 أي عام الثورة الفرنسية وقد ازدادت الدولة في عهده تدهورا من الناحية الاقتصادية وهزالا من الناحية السياسية والحربية حيث منيت بهزائم عسكرية شتى من جانب خصومها في النمسا وروسيا ورومانيا..
وعندما اعتلى عبدالحميد الثاني في عام 1876 عرش السلطنة كانت امبراطورية الأتراك الزاهرة الشاسعة تلفظ أنفاسها الأخيرة وقد فاضت روحها فعلا بعد ذلك التاريخ بأقل من 50 عاما.
لهذا كان السلطان يحكم بأساليب تجمع بين الخديعة واستخدام الجواسيس، وبين رشوة المؤيدين وفساد ذمم المعاونين وبين فرض الرقابة المشددة على حرية التعبير إلى حد التزمت الباعث على السخرية في بعض الأحيان.. كيف لا وقد كان الرقيب العام للدولة العليّة واسمه عندهم «المكتوبجي» يحّرم استخدام، ناهيك عن، نشر كلمات من قبيل استقلال.. حرية.. دستور.. صحافة.. حقوق.. الخ.
ولأن مثل هذا الضغط هو البيئة التي تتكاثف فيها سحب البخار ومن ثم الانفجار.. فقد حدث الانفجار سنة 1908 حين أجبر شباب الضباط الأتراك ساكن قصر بلدز على ضفاف البوسفور على إعلان الدستور وبعدها عزلوه ليعيش بقية حياته سجينا إلى أن رحل عن الدنيا في عام 1918 دون أن يشهد النهاية الحاسمة لامبراطورية بني عثمان التي ألغيت فيها الخلافة وزالت الدولة في عام 1923.
من ناحية أخرى يعتز الاقتصاد العربي المعاصر باسم «عبدالحميد شومان»، العصامي الفلسطيني الذي لم يكد يعرف القراءة والكتابة (والعهدة على المؤرخ المعاصر أيضا الأستاذ خير الدين الزركلي) وقد ولد في قضاء القدس بفلسطين عام 1890 .
وبدأ حياته بائعا متجولا وتقلب في أعمال شتى إلى أن هدته عقليته الثاقبة إلى أن مقاومة مخططات اليهود في فلسطين لا تكون بالأمنيات أو الشعارات بقدر ما تكون بإنشاء صرح اقتصادي وطيد الأركان.
ومن ثم جاء إنشاء البنك العربي في عام 1930 الذي ما لبث أن توسعت أنشطته وأصبح له أكثر من 50 فرعا في العواصم العربية إلى جانب فروعه في أوروبا والولايات المتحدة. ومازال البنك شاهدا على عصامية هذا.. الـ عبدالحميد الفلسطيني الناجح الفالح الذي تحدى الظروف وارتاد آفاقا غير مسبوقة في النشاط العام إلى أن رحل إلى عالم البقاء في عام 1974.
أما عبدالحميد الأخير في هذا السياق الموجز فهو الصحافي العربي المناضل «عبدالحميد الزهراوي» وهو من مواليد حمص السورية عام 1855 وتشاء الأقدار أن يتصدى عبدالحميد العربي السوري لحكم الجواسيس وخفق الحريات الذي تولاه سِمّيه عبدالحميد التركي العثماني.. هكذا كافح الصحافي لإصدار جريدة «المنبر» من وراء ظهر المكتوبجي ـ الرقيب العثماني وكان الكاتب السوري الشاب يوزعها سرا لأنها كانت تطالب بالدستور ميثاقا للحريات..
ومع ذلك فقد ظل ينشر أفكاره ودعواته التحررية في صحف وجرائد شتى في دمشق وأحيانا في الأستانة ذاتها وفي مصر بعد أن توسعت أفكاره فلم تقتصر على دستور عثماني بل امتدت إلى الدعوة القومية لوحدة العرب وإعلاء شأن لغتهم وثقافتهم ومن ثم استقلالهم عن سيطرة تركيا وخاصة بعد أن هيمنت عليها دعوات الشعوبية الطورانية الرامية إلى تتريك الشعوب العربية.
وعندما انعقد أول مؤتمر قومي عربي عام 1913 في باريس انتخبوا عبدالحميد الزهراوي رئيسا له.. وهو أمر لم تغتفره سلطات الاحتلال التركي للشام التي كان يتولى مقاليدها جمال باشا الملقب بالسفاح.. الذي استحق هذا اللقب الشائن بالفعل عندما عقد محاكمة ظالمة لكوكبة من شباب الأمة العربية ورجالاتها وأصدر عليهم ديوان عاليه (جبل لبنان) حكما بالإعدام وكان في صدارتهم بطلنا الصحافي.. الفقيه الداعية القومي العربي عبدالحميد الزهراوي وكان ذلك في عام 1916 للميلاد.
العم سام
صورته مطبوعة.. ومعروفة في كل مكان.. قبعته الطويلة وعليها رسم العلم الأميركي المخطط بنجومه الكذا والخمسين رمزا لكل ولاية داخلة بالفعل في إطار الاتحاد الفيدرالي الذي تديره العاصمة واشنطن، هذا بالإضافة إلى لحيته الطويلة البيضاء التي عملت فيها أصابع التهذيب والتمشيط.. فضلا عن سرواله الطويل المخطط والمتهدّل وعلامات الكهولة البادية على ملامحه..
في كل حال فقد أصبح العم سام اسما يستخدم في مجال الصحافة والدعاية بالذات للدلالة على حكومة الولايات المتحدة.. وربما أصبح رمزا لكل ما هو أميركي في نظر جماهير الشعوب الأخرى.. تماما مثلما هو الحال بالنسبة لرمز بريطانيا جون بول الذي يرسمونه رجلا ربعة مكتنزاً عريض الوجه يرتدي قبعة أقرب إلى الصحن العميق وقد تابعهم في ذلك المسار صحافة القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين إذ كانت تقدم لقارئيها صورة «المصري أفندي»®.
إنسانا أميل إلى القِصر والامتلاء فوق رأسه الطربوش الأحمر الذي تطالعه الأجيال الشابة في أفلام الأبيض والأسود وفي يده مسبحة تتوازى مع علامات الطيبة المرتسمة على ملامح سحنته.. ويحار المؤرخون في تقصي الأصل الذي نبعت منه تسمية؛ ومن ثم صور أو رسومات العم سام الأميركاني وإن كانت هناك رواية تاريخية تنسبه إلى موظف أميركي كبير عاش في أوائل القرن التاسع عشر..
اسمه صامويل ويلسون من ولاية نيويورك وكان يعمل مفتشا على إمدادات الجيش الأميركي وخاصة في الحرب الأميركية ـ البريطانية التي اندلعت بين عامي 1812 و1814 حول حقوق الملاحة والأراضي بين انجلترا ومستعمراتها السابقة في العالم الجديد.
يقال إن ويلسون المذكور أعلاه كان شديد التحمس للدولة الفتية الجديدة التي يفتش على قواتها (كان عمرها وقتها لا يزيد على 16 سنة فقط لا غير) ولذلك كان يضع علامة على كل مادة يفحصها ترمز إلى دولته الشابة ـ الولايات المتحدة وقد اختصر اسمها الانجليز بالحرفين يو.. إسْ (u.s) يومها كان العمال والجنود يستخدمون نفس الحرفين لكي يصطنعوا للرجل المتحمس اسما جديدا هو أنكل سام من باب الطرافة والمزاح..
وبعدها ذاعت التسمية. ولأنها مختصرة ومبسطة فقد كانت تستجيب للعقلية الأميركية ومن ثم اكتمل لدولة الولايات المتحدة الرمز المبسط الذي كانت بحاجة إليه تجسيدا لشخصيتها وكيانها في أوقات السلم حيث يقول الفرد الأميركي وقد تنفس الصعداء:
ـ الحمد لله.. لقد دفعت فلوس العم سام (يعني سددت حصتي من الضرائب للدولة).
أما في زمن الحرب فلا يزال الأميركان يذكرون العم سام.. وقد كادت صورته تحتل إعلانا علقوه في الطرقات العامة.. اكتست ملامحه جدية صارمة وقد مد إصبع السبابة وهو يقول:
ـ أنا بحاجة إليك.
تلك كانت دعوة إلى التطوع في سلك التجنيد ولاسيما وسط لهيب الحرب العالمية الثانية.
في متن العربية الشريفة نطالع في هذه المادة نوعين من النبات أولهما شجرة استوائية تزدهر في الأصقاع الأميركية الجنوبية وهي دائمة الخضرة ولها إفرازات صمغية (راتنجية) تستخدم في صناعات العقاقير.
. ولأن لأخشابها قيمة كبيرة فقد اصطلحت المعاجم العربية على وصفها بأنها «عود الأنبياء» وأحيانا يصفونها بأنها «شجرة خشب النبي».
وهناك أيضا عود الخير وهو شجرة صغيرة دائمة الخضرة بدورها، وأزهارها ـ يا للغرابة ـ وحيدة الجنس بمعنى أن الجنس المذكر فيها ينمو بطريقة معينة والجنس المؤنث ينمو بطريقة مغايرة تماما ويستخدمها أهل أميركا في أغراض الزينة في حفلات عيد الميلاد. وهناك طبعا بخور العود الذي ترتفع أثمانه بقدر ارتقاء نوعية الأريج الطيب الذي ينبعث منه.
لكن الأهم في هذا السياق هو آلة العود التي تحتل حيزا واسعا بل شاسعا من سطور كتاب «الأغاني» الذي صنّفه أبوالفرج الأصفهاني (897 ـ 967 للميلاد) ليصبح من أمهات كتب الثقافة العربية على نحو ما أشار العلامة ابن خلدون.
وليس لأحد أن يظن أنه كتاب في فن الغناء أو التلاحين رغم ما ألمحنا به عن أهمية العود والموسيقى في فصوله.. إن الأغاني كتاب جامع أقرب إلى الموسوعة الشاملة التي تعرض لمواضع شتى في التاريخ والأدب وفي النقد والأخبار وفي الأنساب والسير والتراجم..
ولعله استمد عنوانه الجذاب من واقع اهتمامه بفن الغناء وإبداع الموسيقيين ولاسيما المئة صوت (بمعنى 100 قالب غنائي) التي ازدهرت كأعمال موسيقية رائعة خلال ذروة حضارة العرب المسلمين في العصر العباسي .
حيث كانت الحياة الاجتماعية تضم الحاكم المثقف مع المسؤول المتذوق مع الموسيقار الموهوب (ابراهيم الموصلي مثلا) مع الجارية ذات الصوت الصادح والإجادة المتقنة في العزف على الآلة الفاتنة التي مازالت تحمل في زماننا اسم العود وقد اشتقوا اسمها من أصول فرعونية أو سامية وتحولت عند أهل الأندلس ومن بعدهم أوروبا إلى «لُوت» فيما يفضل بعضهم الاحتفاظ باسمها في لغة العرب..
والكل يسلكونها (موسوعة كولومبيا الأميركية مثلا) في تصنيف الوتريات الدقيقة بأوتارها الخمسة وأحيانا السبعة المزدوجة المشدودة على قرصة بيضاوية يتفنن مهرة الاختصاصيين في صناعتها وتنسيقها بحيث يتاح للعود أن يصدر نغماته على سلم الموسيقى الشرقية بمقاماتها التي يعبر كل منها عن حالة مزاجية للإنسان ما بين الخفة والمرح (النهاوند) والرصانة (البياتي) إلى البهجة (الراست) إلى الابتهال (الحجازكار) إلى الشجن (الصبا) وغير هذه المقامات كثير من التفريعات والتنويعات ـ السكك المقامية كما يقول أهل الصنعة.. الذين يسلّمون في مضمار الموسيقى الشرقية أو العربية بأن العود هو سيد آلات الشجن الجميل الرقيق الأقرب ما يكون إلى الروح الشرقية.
ومنهم من يضيف عن خبرة وعلم أيضا أن نغمات العود هي الأقرب إلى أصوات أوتار الحنجرة عند البشر. ولعل هذا هو السبب الذي جعل العود صديقا وفيا ومقربا وحميما إلى كبار المطربين في دنيا النغم العربي المعاصر.
تعليق