زيرو.. زودياك.. زا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    زيرو.. زودياك.. زا

    نانوبيديا» الحلقة الثانية عشر
    زيرو.. زودياك.. زا
    بقلم :محمد الخولي



    زيرو: رغم أن الكلمة تستدعي بداهة حشداً من الأفكار والطروحات وربما الذكريات السلبية.. وخاصة في أذهان التلاميذ والطلاب.. وربما أيضاً في أذهان قطاعات من بيدهم مقاليد الأمور حين يعمد هذا الطرف أو ذاك إلى تذكيرهم بضروب الفشل الذي منيت به شعوبهم وأوطانهم في مجالات التنمية.. أو التعليم أو حتى المنافسات الرياضية أو الفنية وما إليها.. رغم هذا كله فإن علماء الرياضيات.. والحواسيب والإحصاءات يحتفلون بالزيرو أو بالصفر ويرون أنه بدونه أو بغير وجوده في حياة البشر لصادفت الحضارة عنتاً شديداً ومصاعب جمة ومشاكل بغير حدود..


    كلمة «زيرو» كما يتعامل معها «معجم أسرار الكلمات» من سلسلة التراث اللغوي الأميركي يعود الفضل فيها إلى استعارة من اللغة العربية وبالتحديد من مصطلح «صفر». والكلمة في مادتها العربية تفيد الفراغ ومنها طبعاً عبارة صفر اليدين بمعنى خاوي الوفاض في لغتنا وهو البساط يفرش للمرء كي يقعد عليه فإذا كان خالياً فالمعنى هو الجدب.. الفقر وقلة الأثاث وضيق المعاش..


    الخ.. وهناك من يعود بكلمة صفر في لغتنا الشريفة إلى أصل من السنسكريتية - لغة الهند القديمة وتعني فيها أيضاً معنى الخلو والفراغ واللاكمية.. ولا جناح على لغتنا، فالمعروف أن العرب في عصر اندفاعتهم النهضوية مع العصور العباسية.. كانوا يعرفون - بيقين ـ أن مشعل الحضارة الإنسانية قد انتهى إلى أيديهم وأصبح من مسؤولياتهم بعد أن استضاءت حياتهم وأفكارهم وطموحاتهم وإبداعاتهم بنور الإسلام وهديه ـ فكان أن شرعوا، ولا تثريب عليهم، يفيدون من حضارات من سبقوهم.


    وإذا كانوا قد نهلوا من كلاسيكيات اليونان والرومان في علوم المنطق والفلسفة.. فقد أفادوا كثيراً من انجازات العقلية الهندية في مجال الرياضيات على وجه الخصوص.. وإن كان منطقياً أن يواصلوا مسيرة النهضة الإنسانية بأن يضيفوا إلى ما أنجزه هؤلاء أو أبدعه أولئك..


    ومثلما أضاف ابن رشد في غرب العالم الإسلامي (1126ـ 1198) إلى فلسفة أرسطو حتى تداولت أوروبا اسمه بصيغة ابتدعتها وهي «أ؟يروس» وما برحت تعرفه باسم «المعلم الثاني» بعد أرسطو - فقد جاء «أبوعبدالله الخوارزمي» (ت850م) من مشرق العالم الإسلامي لكي يحدث ما يشبه الثورة في دنيا الرياضيات، فوضع كتابه في علم الحساب وأسس علم «الجبر» مستقلاً عن الحساب وأخذته عنه أوروبا والعالم بنفس الاسم،


    تماماً كما أخذت جداول الأرقام الرياضية التي ابتدعها أبو عبدالله وخلعت عليها اسم اللوغريتمات وهو تصحيف عن اسم الخوارزميات المشتقة من لقب العالم المسلم الذي ترجمت أعماله من العربية إلى اللاتينية منذ القرن الثاني عشر للميلاد. كلمة «زيرو» دخلت إلى الانجليزية نقلاً عن الإيطالية في القرن السابع عشر.


    ورغم أنها كانت مرادفة لكلمة زيفرا أو صفرا المستخدمة بنفس المعنى في العصور الوسطى، إلا أن تداول الكلمتين ما لبث أن أدى إلى اختلاف معنى كل منهما: احتفظت كلمة زيرو بمعنى الصفر الذي كان إدخاله في نظام الحساب العَشري أهم خطوات ترقية نظام العَدَد مما أتاح بالتالي استخدام الأعداد الكبيرة في العمليات الحسابية وهو ما فتح الباب رحباً واسعاً أمام حسابات في علوم أكثر تعقيداً مثل الفلك والكيمياء والفيزياء..


    من ناحية أخرى تميزت كلمة صفرا أو زيفرا بمعنى مختلف حيث طورت لنفسها معنى الرمز.. الكود والشيفرة أو الشفرة في العربية التي اشتقوا منها فعل «تشفير» وأحياناً «ترميز» بل واشتقوا كلمة ترامُز كناية عن عملية الاستخدام المتبادل للشفرة بحيث يبدأ الأمر بالتشفير.. الترميز.. التكويد (تأمل ثراء الاشتقاق العربي)


    وينتهي بفك الشفرة والرد عليها من الطرف الآخر للعملية التي ربما كان أول من شرع في استخدامها هم جماعات من أهل التصوف وأرباب الأحوال.. أخوان الصفا مثلاً.. ثم كانت محور أنشطة هيئات وأجهزة الاستخبارات.. ومن بعدها دوائر العمل الدبلوماسي.. إلى حيث حطت رحالها أيضاً على ضفاف التعامل مع الحواسيب الالكترونية التي ما انفكت تزحف لتسيطر على أنشطة الحيز الراهن من عمر زماننا.


    زودياك مادة «زو» في أصلها اليوناني تنصرف إلى معنى الحياة.. الكائن الحي.. وبديهي أن ينصرف الذهن فورا إلى أن «زو» في الانجليزية هي حديقة الحيوان وعند اللغات بنات عمومتها يستخدم نفس الاسم مع إضافة بارك بمعنى حديقة في الفرنسية أو الاسبانية، على أن اليونانية تستخدم كلمة زودياك لتعني الخطوط المائلة التي تشكل دائرة تضم رموزاً لكائنات حية تشير بالدرجة الأولى إلى رهط من فصائل الحيوان..


    ومن ثم فالمعنى الحرفي لكلمة «زودياك» أصبح عند اليونان هو دائرة الحيوانات الصغيرة. ولكن العرب وقد برعوا - كما لا يخفى عليك - في علوم الفلك ورصد حركات الأجرام السماوية.. أطلقوا على زودياك عبارة «دائرة البروج». والبرج في لغة العرب هو أصلاً ركن الحصن بمعنى أنه زاوية من تقسيمات أجواز الفضاء السماوي على نحو ما يشتغل به الفلكيون..


    وقد أقسم كتابنا الأكرم بالسماء ذات البروج وفي هذا المعنى ذهب أئمة المفسرين إلى أقوال أربعة على نحو ما يفصلها القرطبي رحمه الله أحدها ذات النجوم، والثاني ذات القصور - الدور الفارهة السامقة الباذخة - (وهنا نستدعي معنى الصروح أو الحصون) والثالث أنها ذات الخَلْق الحسن والتشكيل الرائع الذي أبدعه فاطرها عز وجل أما المعنى الرابع فهو السماء ذات المنازل ما بين الكواكب والشمس والقمر.


    ومن نفس المواد اللغوية يدخل إلى العربية مصطلح «الزايرجة» وهو بدوره جدول تنجيمي ورد وصفه في مقدمة عبدالرحمن ابن خلدون وقد فصّل ذلك العلامة الشهير (1322 - 6041( عناصر تركيب هذا الجدول وأساليب استخدامه، ويقال ان لهذه الجداول الفلكية التي أبدعها علماء المغرب المسلمون صلة بمثيلاتها التي يعرفها الفرس باسم «الزيج».. وهذه الجداول ترسم ما تصفه بأنه التقاسيم التي تضم التطابق بين بروج الكواكب ومنازلها وبين حظوظ البشر ومسارات حياتهم.


    ويدلل هذا على الشغف المفهوم من جانب الناس لاستطلاع ما يضمره المستقبل، حيث وفيما تعتقد جمهرة لا يستهان بحجمها من الناس بهذا الربط بين دائرة البروج إلى 12 برجاً أو 12 علامة يعطي منها 30 درجة من الطول أو الامتداد ويرمز لكل من هذه البروج بعلامة أو رسم أو شكل يفيد معناها الموروث منذ عصور الإغريق. وأغلب هذه المعاني - كما ألمحنا- يرتبط بأنواع الحيوان.. الحَمَل.. الثور.. السرطان (البحري).. الأسد.. والجِدْي ثم الدلو (وعاء الماء) والحوت (أصناف السمك).


    ويذهب الفلكيون إلى أن مسارات الشمس والقمر والكواكب الكبرى تقع ضمن إطار هذه الدائرة السماوية.. مسارات الأجرام في السماء وحظوظ البشر فوق الأرض. بيد أن ثمة ظاهرة يرتقبها باستمرار محبو الطبيعة وعاشقو الحياة بصرف النظر عن حكاية الأبراج الحظوظ: هي ظاهرة النور الزودياكي..


    أو الضوء البروجي الذي يجسده وهج رائع الجمال ينتشر في صفحة السموات ويرى في الغرب بعد المغيب فيما يشاهده أهل الشرق قبل انبلاج الصبح وإطلالة الشروق.. وسبحان ربنا العظيم. زا: واضح أنها مقطع بغير معنى.. ولكنها مقطع في كل حال، بمعنى أنها صوت، أو بالأدق صويت مقطوع من أصل مكتمل ومفهوم أو كان مكتملاً وكان مفهوماً.. وببساطة: فالأصل - تصوَّر! ـ هو فطيرة البيتزا الإيطالية الشهيرة.


    وقد درج الشباب في الغرب وربما في أصقاع أخرى على أن يختصروا من الكلمات حروفاً ومقاطع وأجزاء مع الإبقاء على أجزاء يمكن أن تفي بالمراد.. هكذا تحولت «البيتزا» إلى مجرد «زا» آخر مقاطع الكلمة تماماً كما أصبحت كلمة «فون» عَلَماً يدل على التليفون أو الهاتف كما ترجمناه بصيغة بليغة ورقيقة إلى لغتنا العربية. صحيح أن «فون» تنصرف أساسا عند ناطقها الانجليزية إلى معنى الصوت أو الجرْس وعندما أدخلوا عليها البادئة اليونانية الأصل - تيلي فقد أنجزوا بها معنى الصوت البعيد،


    تماماً مثل تيليسكوب بمعنى الصورة البعيدة أو تيلغراف بمعنى الكتابة البعيدة.. إلا أن استخدامات الشباب المعاصر.. بكل عجلته وربما بكل ضجره إزاء التأني في استيفاء الأبعاد والظلال والتفاصيل.. آثر أن يحول الهاتف إلى مجرد فون، وأن يختصر حافلة الركاب من أو مني باص


    ومعناها ركوبة الجميع (وتؤديها إلى حد معقول لفظة حافلة) إلى حيث يقتصر الاستخدام الراهن على كلمة «باص».. بل يصل هذا الاختصار - الذي نراه مخلاّ وربما مفتقراً إلى كياسة الفطنة وحسن الذوق إلى حيث يتحدث الشاب في الغرب عن والديه فإذا به - أو بها - يكف عن استخدام لفظة الأبوين - بِيرنت في الانجليزية ـ


    ويقتصر على آخر مقاطعها وهو «رنت» وهي كلمة تعني بداهة الإيجاز أو الاستئجار.. صحيح أن أصحاب المطاعم لم يتعودوا كثيراً بعد على أن يقدموا «زا» كناية على البيتزا.. ولا المجتمع استساغ بعد كلمة رنت -الإيجار بدلاً من «بيرنت» لتدل على الوالدين المحترمين.. لكن من يدري ما يؤول إليه الحال خلال الخمسين عاماً المقبلة؟ لقد بدأ الناس يتعاملون مع فون وباص ومثيلاتها بقدر ملحوظ من التوجس والاستغراب وأحياناً الاستهجان..


    ومازلنا في بلادنا اليعربية السعيدة نتحفظ على استخدامات شباب الحواسيب والانترنت مصطلحاتهم في مجالات التسييف (بمعنى الحفظ) والتدليت (بمعنى الحذف) والتهنيج (بمعنى التوقف).. والتصطيب (بمعنى الإنشاء) وما إليها.. لكن الكلمات حظوظ مثل الأفراد تماماً.. منها ما ينشأ ثم يتوارى ويذوي وينتهي.. ومنها ما يصمد ويستمر ويفرض نفسه على مجالات الاستخدام بلطف أحياناً.. وبإصرار مثابر أحياناً أخرى وبصفاقة بالغة في بعض الأحيان.
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    يعلم الله مقدار سعادتى بهذه المقالة وأخواتها لما تحويه من ثراء وإبحار جميل فى تاريخ الكلمات ، شكرا أستاذ محمد لما تهدينا أياه من ثمار دانية طيبة

    تعليق

    • جمال محمود هنداوي
      أديب وكاتب
      • 21-10-2010
      • 400

      #3
      بوركت أخي، لك امتناني وتقديري.
      sigpic[motr]
      سقوط نجم-
      ضجيج الحجارة فقط
      يسمع في الهاوية.
      Falling star-
      only the noise of stones
      .in the deep valley
      World Haiku, No.5-2009
      هايكو-جمال محمود هنداوي[/motr]

      http://djamalmahmoud.wordpress.com/

      تعليق

      يعمل...
      X