ضريبة الملح .. الضحك .. ضريح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    ضريبة الملح .. الضحك .. ضريح

    «نانوبيديا» -الحلقة السادس عشر
    ضريبة الملح .. الضحك .. ضريح
    بقلم :محمد الخولي



    ـ إن جابِل ـ ضريبة الملح عند الفرنسيس - كانت من الأسباب الأساسية لاندلاع ثورة فرنسا الكبرى في 14 يوليه من عام 1789.


    في هذا الخصوص، يسترعي الاهتمام الكتاب الذي أصدره العالم الألماني ماتياس شيلندر عام 1875 بعنوان «داز سالز» (عن الملح) وتكلم فيه عن ارتباط رآه عبر التاريخ بين ضرائب الملح ونظم الاستبداد والطغيان في العالم على نحو ما شهدته حضارات غابرة في أقطار مثل المكسيك غربا والصين شرقا..


    وكان بين هذه النظم فرنسا في وسط الكرة الأرضية بعد أن فرضت حكوماتها ضريبة الملح - الجابِلْ المذكورة أعلاه - مدعية أنها ضريبة رؤوس بمعنى أنها مفروضة على كل أبناء الدولة الفرنسية. ولم يكن ذلك صحيحا، بل كان الصحيح أنها كانت مستحقة فقط على الغلابة.. الفقراء من معدمي الفلاحين (ممن لا يملكون أرضا ولا عقارا) وعلى صغار الحرفيين ممن لا يملكون شروى نقير كما يقول المثل العربي القديم والمعنى يفيد العاجز من فرط الفاقة عن شراء نواة البلح).


    هكذا كان فقراء فرنسا لا يجدون مع الخبز سوى أن يقتاتوا بالملح.. ثم يدفعون أيضا ضريبة على هذا الملح الذي يقتاتون، هذا بينما كان الموسرون من الأرستقراطية والإقطاعيين وأصحاب الضياع الشاسعة والأبعاديات والقصور القوطية المعمار.. ومعهم الكرادلة والجنرالات وحاشية الملك ووصيفات الملكة وسائر نبلاء نظام أسرة البوربون - كان هؤلاء القادرون يعفون من ضريبة الملح فضلا عن امتيازاتهم الطائلة الأخرى. وكلما نضبت خزائن العاصمة باريس واحتاجت قصور ؟


    رساي والتويلري إلى أموال جديدة لزوم الترف والمتعة الفارغة وأحيانا لزوم الغزوات العسكرية العقيمة.. كان ملوك فرنسا يتوسعون في ضريبة الملح لدرجة أن جاء عام 1760 فإذا بالملك لويس الرابع عشر.. يعتبر ضريبة الملح مصدرا أساسيا لخزانته القومية ولم يقتصر أمر ضريبة الجابِل على فداحة المبالغ ولا على تحميل العبء على كاهل عامة الفقراء وإعفاء السادة الموسرين وصفوة الأغنياء..


    بل زاد الأمر فداحة أسلوب الجباية الفظ الغليظ الذي كان يتبعه جباة الحكومة وقد حملوا اسم «الجابيلوز» الذي أصبح مرادفا لكل موظف حكومي قاس ومتجبر حيث كان كل منهم مشروع طاغية.. أو فرعوناً صغيراً كما يقول المصريون.


    وفي هذا الجو المشبع بالظلم والمترع بالقسوة والتمييز كان طبيعيا أن تستشري آفة فساد الحكومة ورشوة عملائها ومحاولات تهريب الملح بعيدا عن أعين السلطة ولو في مواضع من أجساد البشر.. هذا فضلا عن تنامي السخط الشعبي العام الذي تولدت في أتونه شرارة الرفض والتمرد والثورة حين زحف العامة الساخطون على سجن الباستيل صبيحة الرابع عشر من يوليو.


    وبعدها انعقدت أول جمعية برلمانية في ظل الوضع الثوري الجديد وكان أول قرار أصدرته هو إلغاء ضريبة الملح التي وصفها خطباء الثورة وزعماؤها بأنها بغيضة إلى أفئدة جميع الفرنسيين. ومنذ صدر القرار النهائي بالانعقاد في عام 1791 نسى أهل فرنسا ضريبة الملح ولم يبق منها سوى تاريخها وما ارتبط بها منذ القرن الخامس عشر من معاناة وشظف وحرمان.


    الضحك: هو الحالة أو المزاج النفسي التي يعيشها الإنسان السوّي في كل أطوار حياته، سواء كان الضحك من باب التفكه والسعادة والحبور أو إدراك المفارقة في المواقف أو الأقوال وهو ما يفهمه الموهوبون في لمحة ذكاء.. أو سواء كان ضحكا كالبكاء على نحو ما قال المتنبي. وفي هذه الحالة يكاد المرء (يجهش) بالضحك من شدة المأساة والتعبير لكاتب كبير من مصر هو الأستاذ كامل زهيري.. وقد ورد الضحك في الكتاب الكريم في سبعة مواضع منها ما يفيد الاستنكار إزاء الذين يعجبون من هذا الحديث..


    وإذا بهم يضحكون بغير مسؤولية ولا يبكون تدبرا للعواقب: أين هذا الضحك اللاهي الخائب غير المسؤول من نبي الله سليمان.. وقد وهبته السماء معجزة فّهْم لغة الحيوان.. فإذا به يسمع النملة الشاطرة الذكية تنصح قومها أن يدخلوا مساكنهم (شقوقهم في شعاب المباني) وإلا داست عليهم جنود سليمان وساعتها.. ترتسم الصورة الجميلة لسليمان عليه السلام.. إنسانا ودودا وشغوفا.. فكان أن ابتسّم.. ضاحكا من قولها وما لبث أن شفع هذه اللحظة الرائعة من تواصل الإنسان مع الحيوان وكلاهما من فطرة الله عزّ وجل فكان أن سارع نبي الله إلى مناجاة مولاه قائلا:


    «رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه» والتبسّم يقول عمنا القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» هو أول الضحك. (أحيانا ينفجر الإنسان ضاحكا دون اجتياز مرحلة الابتسام) ومع ذلك فلنا أن نوافق المفسر الكلاسيكي الكبير على أن الضحك يبدأ معتدلا بالبسمة فإذا زاد واتسع نطاقه فهو يوصل إلى القهقهة وإن غلب التبسم على ضحك الأنبياء.. أما عبارة «رب أوزعني» كما وردت في هذا الموضع الجميل من سورة النمل (الآية 19) فمعناها «رب ألهمني» والله أعلم.


    وليس لأحد أن يظن أن الضحك مجرد لهو ولعب أو حالة أو أسلوب لإزجاء الفراغ. هناك «علم اسمه.. الضحك» كما يقول صديقنا الراحل منذ أسابيع البروفيسور أحمد مستجير أستاذ علم الوراثة (في كتاب مختصر وجميل أصدره مستجير، عليه رحمة الله، في سلسلة «بحور العلم» في مثل أيامنا هذه من العام الماضي). وفي الكتاب يقول:


    - نولد جميعا ولدينا القدرة على الضحك: إنه لغة عالمية لا تحتاج إلى أن نتعلمها.. كل الشعوب تضحك فالضحك جزء من السلوك البشري. والفرد منا يضحك في المتوسط 17 مرة كل يوم.. بل أننا نضحك أكثر مما نأكل أو نغني أو نحب. والضحك هو أقصر المسافات بين اثنين وأنت إذا رأيت شخصا يضحك شاركته الضحك حتى قبل أن تعرف السبب.


    . بعدها يمضي عالم البيولويا العربي وقد كان أيضا أديبا وشاعرا ولغويا قديرا - ليواصل دراسته العلمية تحت عناوين من قبيل: لماذا نضحك.. وما هو الضحك.. وهل تضحك الحيوانات؟ ثم التشريح الصوتي للضحك ودائرة الضحك في المخ والسلوك الاجتماعي واللغوي للضحك.. الخ.


    وهو لا ينسى أن يقدّم بين يدي هذا البحث العلمي الطريف بزهرة يقطفها من بستان شاعرنا العربي التونسي الكبير أبي القاسم الشابي في بيته الأشهر واصفا وجه الحبيبة يقول:


    كالسماء الضحوك كالليلة القمر


    اء كالورد، كابتسام الوليد


    ومثلما ذهب أحمد مستجير إلى أن هناك علما اسمه الضحك.. فقد سبق الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859 - 1491( إلى التعامل مع ظاهرة الضحك من منظور الفكر والفلسفة وعلم الاجتماع. (وعليه فقد ظل برجسون الحاصل على جائزة نوبل العالمية سنة (1927) معنيا بالضحك وتحديدا بإبداعات الكوميديا بوصفها ظاهرة اجتماعية في حين أن التراجيديا - المأساة كانت في رأيه ظاهرة فردية..


    وفي رسالته الشهيرة عن الضحك جاء تركيز الفيلسوف الفرنسي على نشوء الضحك نتيجة المفارقة بين الأعراف الاجتماعية المقبولة أو السارية وبين سلوك الفرد البشري الذي كثيرا ما يكون ميكانيكيا أو تلقائيا وأحيانا فطريا بغير تأمل أو روية.. وهي مفارقة يلحظها الناس ويضحكون منها على مستوى الموقف واللغة وأنماط الشخصية.


    في كل حال.. فقد يسترعي الاهتمام ما تكاد تجمع عليه نظريات علمية حديثة من حقيقة تقول:


    -النساء يضحكن أكثر من الرجال.


    من أين يأتي النكد إذن؟!


    ضريح: هو بداهة المبنى المخصوص الذي يودع فيه رفات الراحلين البارزين من أعلام البشر.. ويسمى أحيانا المشهد أو التُربة (المدفن) ويتخذ في الثقافة الإسلامية أشكالا معمارية شتى مربعة أو مستطيلة وإن كان المصممون يستلهمون في هيكلته معمار المساجد وقد يلحقونه بها.


    ومن أشهر الأضرحة الإسلامية تاج محل الشهير الذي بناه الملك شاه جيهان (1630 - 8461( ليضم رفات زوجته التي كان كَلِفاَ بها وهي الأميرة «ممتاز محل».. وقد صممه المهندس الأستاذ عيسى في مدينة أجرا - ولاية أوتار برادش بالهند ومازال يعد نموذجا رائعا ونفيسا لإبداع العمارة الإسلامية حيث يجمع بين عناصر البهاء والفخامة والإبداع.


    وفيما جاء تاج محل تجسيدا عاطرا في عالم الإسلام لمحبة زوج طيب عطوف لزوجة جميلة راحلة.. فقد جاء نظيره في التاريخ القديم ضريحاً آخر تم تشييده عام 352 قبل الميلاد في منطقة هاليكارناسوس تخليدا لذكرى زوج حكيم ومحارب اسمه ماوسولوسي كان يدير باسم الامبراطورية الفارسية القديمة منطقة الحكم الذاتي فيما يعرف حاليا بالأناضول جنوب غربي تركيا..


    كان الرجل شغوفا بفكرة تخليد ذكراه. وبعد أن شرع في بناء ضريحه الخاص كي يدفن فيه - توفي قبل أن يكمله فما كان من زوجته الوفية «أرتمسيا» إلا أن عكفت على استكمال الصرح السامق الجميل.. لدرجة أن اعتبره اليونان واحدا من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، ورغم أن الضريح المذكور أصبح اليوم أثراً بعد عين بسبب ما أصاب المنطقة من زلازل وهزات أرضية فضلا عن استخدام أنقاض البناء في تشييد صروح مستجدة أخرى.


    فقد خلعت الثقافة الغربية من العصور القديمة إلى عصر النهضة والعصر الحديث اسم الحاكم القديم ماوسولوس على أي ضريح يضم رفات المشاهير، وبه دخلت إلى لغات الغرب كلمة ماوسولوم منذ القرن الخامس عشر وحتى اليوم شريطة أن يكون البناء تحفة معمارية وأن يدل بتصميمه وتنفيذه ومشهده الخارجي، فضلا عن مداخله ومجمل مرافقه على أنه استلهم موتيفة أو موضوعه مستمدة من الثقافة العقائدية أو الفكرية أو الإبداعية، السائدة لكي يمثل بامتياز تعبيرا صادقا عنها..


    وليس صدفة في كل حال أن يرتبط الضريحان الشهيران في تاريخ العالم.. ماوسولوم القديم الذي انمحى وتاج محل الذي مازال صرحا رائعا يستهوي الزائرين ويسر الناظرين.. بوشيجة إنسانية طيبة تتمثل في وفاء الزوجة المحبة في حالة الأول وتتجسد في إخلاص الزوج الحادب في حالة الصرح الثاني.
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    حقا إذا كانت النساء يضحكن أكثر فمن أين يأتى النكد ، مقال جميل طريف نير ، شكرا جزيلا لهذا الجهد المشكور أخى الأستاذ محمد

    تعليق

    يعمل...
    X