نانوبيديا»
صنداي .. «صامي» .. صندوق البريد
دائرة معارف مصغرة في 30 حلقة عن مصطلحات ومسميات عاشت في زماننا، من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة.. من الانجليزية الى العربية. ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
صنداي: عندما احتاج الانجليز إلى تسمية شهور السنة فقد لجأوا إلى استعارتها من أصول لاتينية ولكنهم استوردوها عن طريق جيرانهم الفرنسيين.. حدثت هذه العمليات من الاستعارة والاستيراد في عام 1000 للميلاد أو نحوه، وهي الفترة التي شهدت تدفق العناصر الفرنسية بالغزو وبالهجرة وبالزيارة من شمالي فرنسا إلى الجزر البريطانية حاملة معها أساليب الحياة وموتيفات الثقافة الفرنسية ومفردات اللغة الفرنسية التي تطورت عن اللغة اللاتينية الأم. وكان أن طبعت بذلك اللغة الانجليزية التي وقعت تحت نوعين من المؤثرات كان أولهما المؤثر الجرماني - السكسوني وكان الثاني هو ذلك المؤثر الفرنسي - اللاتيني الذي أشرنا إليه فيما سبق من سطور.
من ناحية أخرى ظلت أسماء الأيام مقتصرة في معظمها على المؤثر الجرماني. ويذهب بعض الباحثين إلى أن تقسيم الأسبوع إلى 7 أيام لا يرجع فقط إلى حضارة الرومان بل يرجع إلى عهد أقدم من ذلك وهو مرحلة الحضارة البابلية التي ازدهرت - كما هو معروف - في بلاد الرافدين، أرض العراق القديم. هنالك ربط البابليون بين أيام الأسبوع وبين الأجرام السماوية السبعة التي كانت معروفة في زمانهم.
ثم ورث الرومان هذا الربط وهذا التقسيم فكان أن صاغوا من لغتهم أسماء الأيام وقد ارتبطت بالكواكب والنجوم وكان منها سولس دايس وهو يوم الشمس الذي أصبح أول أيام الأسبوع.. فهو الأحد (أي رقم واحد) ومن بعده ثاني الأيام وهو يوم القمر لوناي دايس (لوندي بالفرنسية) أي الاثنين.. ومارتس دايس الثلاثاء (ماردي) أي يوم الكوكب مارْس وميركوري دايس - الأربعاء وهو يوم الكوكب ميركوري الزئبقي - عطارد ومن بعده اليوم الخامس وهو يوم جوفس دايس وهو يوم كبير المعبودين جو؟، ويوم ؟ينوس فيريس دايس أي الجمعة وأخيرا يوم الكوكب زحل - ساتوري دايس.
الثقافة الجرمانية التي نقل عنها الانجليز كان لها رأي آخر.. لقد عمدت لا إلى نقل أيام الأسبوع بالصيغة السابقة ولكن إلى ترجمة معانيها.. وهكذا أصبح القمر مثلا هو مون داي (منداي الانجليزية) وأصبح يوم الشمس أيضا هو (صن داي) وهكذا. اختلطت الثقافات بالخرافات.. وامتزجت تقسيمات الروزنامة بالميثولويا الحافلة بأسماء الأرباب والأوثان والرموز التي كان القدماء يقدسونها فوق الأرض فيما تفرغ بعضهم من أجل أن يرصد مسارها في أجواز السماء..
ومن هنا ورث الإنسان المعاصر، في أكثر من لغة وثقافة، كل هذه الروافد المختلطة التي انحدرت من أصولها الفينيقية أو البابلية أو الفرعونية أو الفارسية أو السنسكريتية فكان أن اندمجت مع حضارة الاغريق والرومان والسكسون وال؟ايكنج - النُورس في شمال أوروبا لتصب في نهر الحضارة الواحد الذي ما برح البشر يمتحون من مَعينه حتى الآن.
صامي: جنس من سكان أهل الشمال الأوروبي وهم رحّل يجوبون الصحارى الثلجية في منطقة القطب هم بدو ثلجيون إن صح التعبير لأنهم يتنقّلون بقطعان حيواناتهم وعبراتهم المتزلجة على صفحة الجليد المصقول في منطقة لابلاند القطبية الدائمة الثلوج في معظم فصول العام.. يفضل العلماء اطلاق لفظة «صامي» و«صاميين» للدلالة على جنسهم بدلا من كلمة «سامي» و«ساميين» وهم الشعوب المعروفة في منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها بطبيعة الحال شعوبنا الناطقة باللغة العربية.
منطقة لابلاند التي يسكنها هؤلاء الصاميون تشتق اسمها من لفظة لابي بالفنلندية بمعنى المساحة الشاسعة وهي تمتد لتشمل أراضي في فنلندا والسويد والنرويج.. ورغم قسوة طقسها إلا أن بها غابات صنوبرية وبحيرات عديدة ومستودعات طبيعية من أغنى الثروات المعدنية (حديد ونحاس ونيكل).
لكن سكان الأصل الصامي يشتغلون أساسا برعي حيوان الرنّة ويزاولون صيد البر والبحر ويُعتقد أن أصلهم من بدو آسيا الوسطى طوحت بهم الرحلة إلى تلك الأصقاع الشمالية من قارة أوروبا فاتخذوا منها مستقرا ومستودعا عبر مراحل سبقت من التاريخ.. وقد ظلوا على بداوتهم بعيدا عن العقائد الدينية إلى أن نشط بين صفوفهم مبشرون من الروس وأهل سكندناوه فكان أن تحولوا إلى المسيحية في القرن الثامن عشر للميلاد..
ورغم أن هناك إحصاءات تفيد بأن عددهم بلغ 30 ألفا إلا أن المصادر المتخصصة تؤكد أن حجمهم أكبر بعدة اضعاف وأن المشكلة هي صعوبة حصرهم إحصائيا بحكم أسلوب حياتهم البعيد عن الاستقرار (تقول مصادر برلمان الصامي السويدي أن عددهم في النرويج وحدها بلغ 40 ألف نسمة) وتفيد مصادر أخرى بأن الأجيال الصاميّة الجديدة بدأت تتخلى عن احتراف مهن الرعي وصيد الأسماك والصيد البري لصالح احتراف مهن جديدة أخرى في مجالات الصناعة أو الخدمات.. الدنيا تتغير والحياة أصبحت أكثر تعقيدا والمعايش صعبة حتى عند سكان الصامي، جيران القطب الشمالي من كوكب الأرض.
صندوق البريد: البريد هو توصيل الرسائل التي درج الناس على التواصل بواسطتها منذ الزمان القديم.. عرف قدماء الفرس والعرب والرومان نظام توصيل الرسائل وكان أغلبها لصالح الدولة وحكامها وعمّالها ومصالح رعاياها الرسمية ويقال إن لفظة البريد مشتقة من معنى البَرَد وهو الثلج الذي كان يغطي رؤوس الجبال حيث كان يتعين على دواب الرسائل - البغال بالذات - أن تصعد من أجل توصيل ما تحمله جعبتها من خطابات تتعلق بشئون البلاد والعباد.
لفظة «ميل» التي تدل على نظام البريد تعود إلى كلمة «حقيبة» في الألمانية القديمة وقد استعارتها الفرنسية في مراحل سبقت لتقصد بها الحقيبة الجلدية وينطقها الفرنسيين بوصفها «مال» ثم استعارها الانجليز، وكثيرا ما يفعلون، عام 1200 للميلاد لتدل على أي حقيبة والسلام ولكن مع مجئ القرن 17.. بدأوا يحددون الاستخدام لينصرف بالذات إلى الحقيبة - المصنوعة غالبا من قماش خشن وسميك لتحمل الرسائل العامة والخاصة.. «زكيبة البريد» كما كان يسميها الصحفي المصري الرائد أحمد الصاوي محمد الذي كان يحرر بابا في جريدة الأهرام يحمل هذا الاسم إلى جانب مقاله الذي ظل ينشر لسنوات طويلة تحت اسمه الشهير «ما قلّ ودلّ».
على أن نظام البريد الحديث اكتسب طابعه المؤسسي، الحكومي العام.. والأهلي الخاص في خمسينات القرن السابع عشر وتحديدا في عام 1553 في فرنسا حين منح ملكها لويس الرابع عشر رئيس ديوانه فيلاييه امتيازا بإنشاء صناديق للبريد توضع في كبرى شوارع العاصمة باريس ويتم توزيع المراسلات نظير درهم واحد يدفعه الراسل مقدما لكل خطاب يراد توصيله إلى أحياء المدينة الأخرى.. وبعد 3 سنوات (1657) أدخلت انجلترا نفس النظام في عاصمتها لندن وسائر حواضرها الكبرى..
وفي هذا الإطار استحدثوا نظام طوابع خاصة يتم لصقها على صفحة الرسالة لدى دفع المعلوم.. ورغم أن زكيبة البريد المصنوع من مادة الجوت - السيسل النباتية السميكة كانت المفضلة عمليا لدى السادة سعاة البريد - إلا أن عالما سويديا هو الدكتور وايبرغ توصل إلى اختراع الصندوق الميكانيكي الذي تفرغ محتوياته من الصندوق العمومي إلى حيث تنزل الرسائل والطرود الخفيفة في الحقيبة التقليدية للبريد.. ثم تفتح قاعدة الصندوق بطريقة آلية تحول بين العامل أو الموظف وبين أن يتناول بيديه أيا من محتويات الصندوق في حين تفتح الحقيبة بمفتاح خاص في مصلحة البريد.
أما وسائل نقل الرسائل فقد تطورت تبعا لتطور الحضارة الإنسانية ما بين أفراد العبيد الذين كانت تكتب الرسائل على جلود رؤوسهم ثم ينتظرون إلى أن يطول الشعر ليغطي فروة الرأس وطبعا يخفي مضمون الرسالة.. إلى كتائب العدائين الذين كانوا يركضون من محطة إلى أخرى في أنحاء العالم القديم.. إلى النجاّبين الذين كانوا يمتطون الدواب السريعة كما صوروهم في أفلام هوليوود أو البطيئة (كما صورهم في أغنية ساخرة الكوميدان الأشهر إسماعيل ياسين)..
وبعدها جاء دور الكوتش أو عربة البريد الشهيرة التي كانت تنقل الغيد الحسان في أرياف وبوادي أميركا وغالبا ما تعرضت للسطو والنهب في حكايات أفلام رعاة البقر.. ثم جاء دور السفن البخارية (كان أشهرها في العالم العربي بواخر البوستة الخديوية في مصر) وبعدها دخل الطيران - البريد الجوي عالم نقل الرسائل السريعة بين أقطار المعمورة وكان ذلك اعتبارا من سنة 1918.
وربما ظن الكثيرون من أهل النصف الأول من القرن العشرين أن حكاية طائرة النقل الجوي هي آخر صيحات، أو ختام السبل الناجعة للبريد المحلي والعالمي.. لكن ها هو العالم وقد طور الوسائل المستخدمة حيث بدأ بالتصوير - الاستنساخ خلال الحرب العالمية الثانية وفي السبعينات توصلوا إلى مبرقة الفاكس العجيبة.. ولم تغرب شمس القرن العشرين إلا وقد دخل إلى حياة الناس البريد الالكتروني الذي يبعث بالرسالة ويتلقى الرد عليها خلال ومضات ينبض بها جهاز الحاسوب..
مع هذا كله.. تظل الرسالة المكتوبة بخط اليد.. ويظل لصندوق البريد الميكانيكي وحتى الحقيبة الجلدية البسيطة - يظل لهذا كله أهميته في زمن الإيميل ومازال مرأى ساعي البريد أو ساعيته مألوفا ومرغوبا تطالعه العين كل صباح في أكثر دول العالم تقدما.. آية على أن التواصل الإنساني بين الناس مازال أمرا مهما ومندوبا إليه في كل حال.
يكتبها : محمد الخولي
صنداي .. «صامي» .. صندوق البريد
دائرة معارف مصغرة في 30 حلقة عن مصطلحات ومسميات عاشت في زماننا، من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة.. من الانجليزية الى العربية. ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
صنداي: عندما احتاج الانجليز إلى تسمية شهور السنة فقد لجأوا إلى استعارتها من أصول لاتينية ولكنهم استوردوها عن طريق جيرانهم الفرنسيين.. حدثت هذه العمليات من الاستعارة والاستيراد في عام 1000 للميلاد أو نحوه، وهي الفترة التي شهدت تدفق العناصر الفرنسية بالغزو وبالهجرة وبالزيارة من شمالي فرنسا إلى الجزر البريطانية حاملة معها أساليب الحياة وموتيفات الثقافة الفرنسية ومفردات اللغة الفرنسية التي تطورت عن اللغة اللاتينية الأم. وكان أن طبعت بذلك اللغة الانجليزية التي وقعت تحت نوعين من المؤثرات كان أولهما المؤثر الجرماني - السكسوني وكان الثاني هو ذلك المؤثر الفرنسي - اللاتيني الذي أشرنا إليه فيما سبق من سطور.
من ناحية أخرى ظلت أسماء الأيام مقتصرة في معظمها على المؤثر الجرماني. ويذهب بعض الباحثين إلى أن تقسيم الأسبوع إلى 7 أيام لا يرجع فقط إلى حضارة الرومان بل يرجع إلى عهد أقدم من ذلك وهو مرحلة الحضارة البابلية التي ازدهرت - كما هو معروف - في بلاد الرافدين، أرض العراق القديم. هنالك ربط البابليون بين أيام الأسبوع وبين الأجرام السماوية السبعة التي كانت معروفة في زمانهم.
ثم ورث الرومان هذا الربط وهذا التقسيم فكان أن صاغوا من لغتهم أسماء الأيام وقد ارتبطت بالكواكب والنجوم وكان منها سولس دايس وهو يوم الشمس الذي أصبح أول أيام الأسبوع.. فهو الأحد (أي رقم واحد) ومن بعده ثاني الأيام وهو يوم القمر لوناي دايس (لوندي بالفرنسية) أي الاثنين.. ومارتس دايس الثلاثاء (ماردي) أي يوم الكوكب مارْس وميركوري دايس - الأربعاء وهو يوم الكوكب ميركوري الزئبقي - عطارد ومن بعده اليوم الخامس وهو يوم جوفس دايس وهو يوم كبير المعبودين جو؟، ويوم ؟ينوس فيريس دايس أي الجمعة وأخيرا يوم الكوكب زحل - ساتوري دايس.
الثقافة الجرمانية التي نقل عنها الانجليز كان لها رأي آخر.. لقد عمدت لا إلى نقل أيام الأسبوع بالصيغة السابقة ولكن إلى ترجمة معانيها.. وهكذا أصبح القمر مثلا هو مون داي (منداي الانجليزية) وأصبح يوم الشمس أيضا هو (صن داي) وهكذا. اختلطت الثقافات بالخرافات.. وامتزجت تقسيمات الروزنامة بالميثولويا الحافلة بأسماء الأرباب والأوثان والرموز التي كان القدماء يقدسونها فوق الأرض فيما تفرغ بعضهم من أجل أن يرصد مسارها في أجواز السماء..
ومن هنا ورث الإنسان المعاصر، في أكثر من لغة وثقافة، كل هذه الروافد المختلطة التي انحدرت من أصولها الفينيقية أو البابلية أو الفرعونية أو الفارسية أو السنسكريتية فكان أن اندمجت مع حضارة الاغريق والرومان والسكسون وال؟ايكنج - النُورس في شمال أوروبا لتصب في نهر الحضارة الواحد الذي ما برح البشر يمتحون من مَعينه حتى الآن.
صامي: جنس من سكان أهل الشمال الأوروبي وهم رحّل يجوبون الصحارى الثلجية في منطقة القطب هم بدو ثلجيون إن صح التعبير لأنهم يتنقّلون بقطعان حيواناتهم وعبراتهم المتزلجة على صفحة الجليد المصقول في منطقة لابلاند القطبية الدائمة الثلوج في معظم فصول العام.. يفضل العلماء اطلاق لفظة «صامي» و«صاميين» للدلالة على جنسهم بدلا من كلمة «سامي» و«ساميين» وهم الشعوب المعروفة في منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها بطبيعة الحال شعوبنا الناطقة باللغة العربية.
منطقة لابلاند التي يسكنها هؤلاء الصاميون تشتق اسمها من لفظة لابي بالفنلندية بمعنى المساحة الشاسعة وهي تمتد لتشمل أراضي في فنلندا والسويد والنرويج.. ورغم قسوة طقسها إلا أن بها غابات صنوبرية وبحيرات عديدة ومستودعات طبيعية من أغنى الثروات المعدنية (حديد ونحاس ونيكل).
لكن سكان الأصل الصامي يشتغلون أساسا برعي حيوان الرنّة ويزاولون صيد البر والبحر ويُعتقد أن أصلهم من بدو آسيا الوسطى طوحت بهم الرحلة إلى تلك الأصقاع الشمالية من قارة أوروبا فاتخذوا منها مستقرا ومستودعا عبر مراحل سبقت من التاريخ.. وقد ظلوا على بداوتهم بعيدا عن العقائد الدينية إلى أن نشط بين صفوفهم مبشرون من الروس وأهل سكندناوه فكان أن تحولوا إلى المسيحية في القرن الثامن عشر للميلاد..
ورغم أن هناك إحصاءات تفيد بأن عددهم بلغ 30 ألفا إلا أن المصادر المتخصصة تؤكد أن حجمهم أكبر بعدة اضعاف وأن المشكلة هي صعوبة حصرهم إحصائيا بحكم أسلوب حياتهم البعيد عن الاستقرار (تقول مصادر برلمان الصامي السويدي أن عددهم في النرويج وحدها بلغ 40 ألف نسمة) وتفيد مصادر أخرى بأن الأجيال الصاميّة الجديدة بدأت تتخلى عن احتراف مهن الرعي وصيد الأسماك والصيد البري لصالح احتراف مهن جديدة أخرى في مجالات الصناعة أو الخدمات.. الدنيا تتغير والحياة أصبحت أكثر تعقيدا والمعايش صعبة حتى عند سكان الصامي، جيران القطب الشمالي من كوكب الأرض.
صندوق البريد: البريد هو توصيل الرسائل التي درج الناس على التواصل بواسطتها منذ الزمان القديم.. عرف قدماء الفرس والعرب والرومان نظام توصيل الرسائل وكان أغلبها لصالح الدولة وحكامها وعمّالها ومصالح رعاياها الرسمية ويقال إن لفظة البريد مشتقة من معنى البَرَد وهو الثلج الذي كان يغطي رؤوس الجبال حيث كان يتعين على دواب الرسائل - البغال بالذات - أن تصعد من أجل توصيل ما تحمله جعبتها من خطابات تتعلق بشئون البلاد والعباد.
لفظة «ميل» التي تدل على نظام البريد تعود إلى كلمة «حقيبة» في الألمانية القديمة وقد استعارتها الفرنسية في مراحل سبقت لتقصد بها الحقيبة الجلدية وينطقها الفرنسيين بوصفها «مال» ثم استعارها الانجليز، وكثيرا ما يفعلون، عام 1200 للميلاد لتدل على أي حقيبة والسلام ولكن مع مجئ القرن 17.. بدأوا يحددون الاستخدام لينصرف بالذات إلى الحقيبة - المصنوعة غالبا من قماش خشن وسميك لتحمل الرسائل العامة والخاصة.. «زكيبة البريد» كما كان يسميها الصحفي المصري الرائد أحمد الصاوي محمد الذي كان يحرر بابا في جريدة الأهرام يحمل هذا الاسم إلى جانب مقاله الذي ظل ينشر لسنوات طويلة تحت اسمه الشهير «ما قلّ ودلّ».
على أن نظام البريد الحديث اكتسب طابعه المؤسسي، الحكومي العام.. والأهلي الخاص في خمسينات القرن السابع عشر وتحديدا في عام 1553 في فرنسا حين منح ملكها لويس الرابع عشر رئيس ديوانه فيلاييه امتيازا بإنشاء صناديق للبريد توضع في كبرى شوارع العاصمة باريس ويتم توزيع المراسلات نظير درهم واحد يدفعه الراسل مقدما لكل خطاب يراد توصيله إلى أحياء المدينة الأخرى.. وبعد 3 سنوات (1657) أدخلت انجلترا نفس النظام في عاصمتها لندن وسائر حواضرها الكبرى..
وفي هذا الإطار استحدثوا نظام طوابع خاصة يتم لصقها على صفحة الرسالة لدى دفع المعلوم.. ورغم أن زكيبة البريد المصنوع من مادة الجوت - السيسل النباتية السميكة كانت المفضلة عمليا لدى السادة سعاة البريد - إلا أن عالما سويديا هو الدكتور وايبرغ توصل إلى اختراع الصندوق الميكانيكي الذي تفرغ محتوياته من الصندوق العمومي إلى حيث تنزل الرسائل والطرود الخفيفة في الحقيبة التقليدية للبريد.. ثم تفتح قاعدة الصندوق بطريقة آلية تحول بين العامل أو الموظف وبين أن يتناول بيديه أيا من محتويات الصندوق في حين تفتح الحقيبة بمفتاح خاص في مصلحة البريد.
أما وسائل نقل الرسائل فقد تطورت تبعا لتطور الحضارة الإنسانية ما بين أفراد العبيد الذين كانت تكتب الرسائل على جلود رؤوسهم ثم ينتظرون إلى أن يطول الشعر ليغطي فروة الرأس وطبعا يخفي مضمون الرسالة.. إلى كتائب العدائين الذين كانوا يركضون من محطة إلى أخرى في أنحاء العالم القديم.. إلى النجاّبين الذين كانوا يمتطون الدواب السريعة كما صوروهم في أفلام هوليوود أو البطيئة (كما صورهم في أغنية ساخرة الكوميدان الأشهر إسماعيل ياسين)..
وبعدها جاء دور الكوتش أو عربة البريد الشهيرة التي كانت تنقل الغيد الحسان في أرياف وبوادي أميركا وغالبا ما تعرضت للسطو والنهب في حكايات أفلام رعاة البقر.. ثم جاء دور السفن البخارية (كان أشهرها في العالم العربي بواخر البوستة الخديوية في مصر) وبعدها دخل الطيران - البريد الجوي عالم نقل الرسائل السريعة بين أقطار المعمورة وكان ذلك اعتبارا من سنة 1918.
وربما ظن الكثيرون من أهل النصف الأول من القرن العشرين أن حكاية طائرة النقل الجوي هي آخر صيحات، أو ختام السبل الناجعة للبريد المحلي والعالمي.. لكن ها هو العالم وقد طور الوسائل المستخدمة حيث بدأ بالتصوير - الاستنساخ خلال الحرب العالمية الثانية وفي السبعينات توصلوا إلى مبرقة الفاكس العجيبة.. ولم تغرب شمس القرن العشرين إلا وقد دخل إلى حياة الناس البريد الالكتروني الذي يبعث بالرسالة ويتلقى الرد عليها خلال ومضات ينبض بها جهاز الحاسوب..
مع هذا كله.. تظل الرسالة المكتوبة بخط اليد.. ويظل لصندوق البريد الميكانيكي وحتى الحقيبة الجلدية البسيطة - يظل لهذا كله أهميته في زمن الإيميل ومازال مرأى ساعي البريد أو ساعيته مألوفا ومرغوبا تطالعه العين كل صباح في أكثر دول العالم تقدما.. آية على أن التواصل الإنساني بين الناس مازال أمرا مهما ومندوبا إليه في كل حال.
يكتبها : محمد الخولي
تعليق