روبوت .. رومانسي .. رفراف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    روبوت .. رومانسي .. رفراف

    «نانوبيديا» الحلقة الحادي عشر
    روبوت .. رومانسي .. رفراف
    بقلم :محمد الخولي



    روبوت: أول نطق لهذه الكلمة كان في عام 1923. ولم يكن ذلك في ندوة علمية ولا بين جدران مختبر للالكترونيات.. لقد وردت على لسان ممثلي مسرحية عرضت في لندن ونيويورك وحملت اسم «رور» وأعيد عرضها مرارا لتدخل بها كلمة «روبوت» الى قاموس الانجليزية..


    مؤلف المسرحية اسمه كارل كابيك وقد عمد الى نحت الكلمة من متن اللغة التشيكية التي تستخدم كلمة «روبوتا» التي تعني العمل القسري أو الشغل الإجباري - السُخرة كما تعبر عنها لغتنا الجميلة في إيجاز دقيق. ومن ثم جاء عنوان المسرحية «رورو» اختصارا لأول الحروف من عبارة: روسوم يونيفرسال روبوت» وتعني المخلوقات الميكانيكية التي سبق تصميمها لكي تؤدي الأعمال اليدوية البسيطة.


    ولكنها - حسب حبكة الدراما المسرحية - مالبثت أن اكتسبت خبرة وقدرات لدرجة أن النماذج المتقدمة من هذه الميكانيكيات استطاعت أن تطور لنفسها مَلَكات الحس والشعور.. المحبة والكراهية ومن ثم فقد شكلت خطرا داهما يتهدد البشرية في وجودها من أساسه.. بهذا كان موضوع المسرحية خطيرا بقدر ما كان بالغ الحساسية شديد التأثير..


    وفي وقت كان العالم قد خرج فيه من ويلات الحرب العظمى الأولى التي لم يكن قد انقضى عليها سوى 5 سنوات.. وشهدت بدورها تطورات كانت مذهلة في وقتها .


    - وكل شيء نسبي طبعا - لم يكن أقلها التحول من المناطيد الطائرة (أشهرها منطاد زبلن الذي سجلته بعبقرية الرصد الملهم أعمال أديب العربية الكبير نجيب محفوظ عليه ألف رحمة ونور - الى حيث ارتفعت المخترعات الى الطائرة نفسها.. الحربية والمدنية على السواء) ومعها في نفس فترة المسرحية التشيكية الأصل استمع الناس لأول مرة في التاريخ الى إذاعات الساحر المستجد المتكلم الذي حمل اسم الراديو..


    وسط هذا كله أحرزت مسرحية «رور» نجاحا على ضفتي المحيط الأطلسي وبهذا ترددت أصداء كلمة «روبوت» على ألْسنة شتى في انجلترا وأميركا، وبعدها اتسع استخدامها وتوسعت مفاهيمها بحيث لم تعد تقتصر على حكاية الماكينة المعقدة والسوبر - متقدمة التي تكتسب في مظهرها على الأقل بعض ملامح الكائن البشري.. بل امتدت دلالة كلمة «روبوت» الى حيث باتت تصدق على أي أعمال يؤديها الإنسان ذاته بشكل ميكانيكي.. روتيني..


    فاقد للابتكار أو التجديد أو الإبداع وسط أوضاع وملابسات وأعراف عصر التصنيع الحديث.. (هنا تستدعي الذاكرة ولاشك مشاهد فيلم العصر الحديث لعبقري الكوميديا السينمائية شارلي شابلن الذي ركز على أن انكباب العامل - الصانع الفرد على أداء مهمة صغيرة ضمن عملية التصنيع.. يحول هذا الفرد - الإنسان الى ترس صغير تافه في آلة عاتية جبارة.. مما يؤدي الى تنميط سلوكه.. الى حد قد يجرده في التحليل الأخير من بشريته ذاتها)..


    بهذا تشير المعاجم والمراجع المحدثة الى أن كلمة «روبوت» أصبحت تصدق على الاستخدام العلمي (الكائن الآلي) وكذلك الاستخدام غير العلمي (الأداء النمطي المتكرر اللامبدع واللامبتكر).. نحن إذن أمام يوتوبيا معكوسة بمعنى أنها عكس المدينة الفاضلة أو المجتمع - الحلم الذي طالما راود أفئدة الفلاسفة.


    . والمصلحين والشعراء والعاشقين. إنها كما تسمى أحيانا «اليوتوبيا السوداء» حيث التروس تعمل وسط آلة الصناعة الرهيبة الوحشية وحيث يتحول العمل الصناعي الى نوع من العبودية الحديثة أغلالها تروس وحيث الآلة هي السيد والإنسان هو العبد الأسير المجرد من نعمة الفكر وأشواق الروح.


    ومازال للكلمة تأثيرها البالغ في لغات وثقافات شتى بما في ذلك لساننا وفكرنا العربي، لا لمجرد سهولة نطقها واتساع نطاقها فحسب.. بل لأنها تلبي حاجة أساسية ومحسوسة في زماننا الراهن الذي لابد وأن نحّذر فيه من غلبة المادة على الروح ومن تحول البشر الى كائنات ميكانيكية السلوك لا تحركها سوى دوافع المصلحة أو اكتناز الأموال وضرورات الاستهلاك. لا عجب أن ظلت الكلمة تحتفظ بشكلها الأول وجيناتها اللغوية التشيكية الأصل.. ولا غضاضة في أن تنطقها الملايين.. روبوت..


    رومانسي: بديهي أن تستدعي كلمة رومانسي وما يشتق منها. في باب.. رومانسية.. كل ما يعيه العقل البشري.. الإنسان المعاصر من أفكار واستدعاءات زفّة الشعور.. ورقي المشاعر.. ولطف الأحاسيس وخاصة بين جموع الشعرا، دع عنك في صفوف أهل اللواعج والأشواق والنجوى والعشق أهل الهوى كما تقول رائعة أم كلثوم..


    لكن الايتمولويا - علم الاشتقاق والتأصيل اللغوي - يعود بالكلمة، لا الى العشق والهوى، ولكن ببساطة الى مدينة روما إذ كانت صانعة القوانين وعاصمة الامبراطورية وقصبة الحضارة اللاتينية التي دامت مع سطوة الرومان - اللاتين على مدى نحو من ثمانية قرون من حياة الإنسانية..


    من هنا جاء أصل كلمة رومانسي.. لا بمعنى الرقة وخيال الجامح المحلق.. ولكن ببساطة أيضا جاء من لفظة «رومانوس» وتصدق على كل ما يتصل بمدينة روما وشعبها.. ومن اللفظة السابقة اشتقت اللاتينية أيضا كلمة «رومانيكوس» لتدل على نمط المعيشة داخل روما وأسلوب الحياة بين سكانها..


    وبعدها أيضا شاع على الألسنة في جنوب أوروبا لفظة رومانيسي بمعنى اللسان الروماني أو النطق حسب ما ينطقه أهل روما ومنها جاءت الألسنة - اللغات الرومانسية - لا بمعنى المفعمة خيالا وعشقا ولكن المشتقة عن أصول اللاتينية التي كانت كما هو معروف لغة الرومان على امتداد امبراطوريتهم الشاسعة الأرجاء.


    وفي الفرنسية القديمة كانت كلمة «رومانسي» تعني العمل الفني الذي تمت صياغته بالفرنسية. ومن هنا بدأ الطلاق.. أو بالأدق الفراق مع اللاتينية القديمة.


    لتصدق صفة رومانسي على الأشعار التي كانت تصاغ خلال القرون الوسطى لتتغنى بفضائل الزمن الماضي الجميل.. زمن الفروسية والشهامة والنجدات والبساطة والنشوة لدى سماع أناشيد فرق الطروبادور وهم الشعراء الجوالون والقوّالون أيضا ممن كانوا يحملون آلات الجيتار فوق أكتافهم ويجولون بها وسط القرى والغيطان وفي الحواضر الناشئة في أوروبا يشّنفون آذان الناس ويستعيدون بأشعارهم زمان القيم الذي وليّ وأريج الماضي الذي راح.


    والأغلب أن كلمة الطروبادور عربية مشتقة من عبارة مقلوبة وأصلها «دور.. طرب» أما آلة الجيتار فهي مشتقة بدورها من كلمة قيثارة العربية حيث يقال أيضا ان الأصول جاءت من لغة الأندلس إذ كانت مملكة عربية إسلامية زاهرة.


    ومع أدوار الطرب، ومع نوستالجيا الأشواق التي كانت تستروح ذكريات الماضي الذي راح وانقضى.. بكل ما يحفها من سحر وروعة وغموض وبكل ما يتواكب معها من إيقاع النغم وأنفاس الشعر، والارتفاع رقيا عن مفردات الحياة اليومية بكل ماديتها وروتينها.. لصالح تكريس الأبطال الشجعان والتمدح بالغزل الجميل في روعة الجميلات الناعمات الغيد..


    كما يقول أمير الشعراء احمد شوقي - وسط هذا كله.. تطورت المعاني المستجدة لكلمة رومانسية ورومانسي - أو رومانتيكي كما نقول في بعض المظان العربية.. وربما كانت ثلاثينات القرن 18، على ما تذكر تحديدا بعض المصادر الغربية، هي التي شهدت دخول كلمة رومانتيكية الى استخدامات اللغات الأوروبية وقد أضيفت عليها معاني الحب والصداقة والمثالية والأشواق البعيدة والحنين الواجف وإيقاع نبض المحبين..


    ثم جاءت حركة الشعر الرومانسي في الأدب الانجليزي وقد استهلها صدور كتاب «أناشيد الشعب» في عام 1799 للشاعرين كولردج وزميله ورد ذورث لتنتهي تماما العلاقة القديمة مع روما وسكانها وأسلوب حياتها وأيضا مع حكاية اللغات الرومانسية بمعنى المتطورة عن اللاتينية ولكي تنفرد «رومانسية» وأخواتها بمعاني الخيال والحب والرقة وما إليها..


    وأحيانا التمرد على مذهب الكلاسيك الذي يلتزم الى حد المبالغة بما درجت عليه تقاليد الأقدمين.. وهو تمرد نَقَل الفن ومازال من نهج الاتباع الى نهج الابتداع، فما بالك وقد قيض الله للنهج الجديد مبدعين كبارا يأتي في مقدمتهم في الأدب الانجليزي الشعراء شيللي وبايرون وجون كيتس.


    كما يأتي في طليعتهم عند الفرنسيين شعراء من طراز دي موسيه ورامبو ثم يتصدرهم في إبداعات العربية المعاصرة شعراء مدرسة أبولو منذ ثلاثينات القرن الماضي ما بين علي محمود طه في مصر الى أبي القاسم الشابي في تونس الى جانب كبير من إبداعات جبران خليل جبران في لبنان.


    رفراف: في لغات أوروبا القروسطية نصادف مادة «راف» التي يوردها معجم «الاشتقاقات الماكرة» كما قد نسميه (تصنيف الأستاذ هوغ روسون وهو باحث متخصص في هذا الباب) وينسِب إليها المعجم معنى الكمية المهملة أو الأكوام المتراكمة.. ألخ.. ومثل كثير من ألفاظ اللغة يبدأ اللفظ بالإشارة الى حدث فعلي أو أوضاع مادية محدودة بالزمان والمكان، ثم لا يلبث أن يتسع الاستخدام أو تجري استعارته لكي يؤدي بضع مهام أخرى تكون اللغة في مسيس الحاجة إليها..


    وهكذا تحولت مادة «راف» بمعنى التجمع المهمل من مواد السكراب أو الحشد غير المطلوب من الأشياء المتجمعة والمتناثرة في أركان المكان، أي مكان، لتصدُق على البشر وهكذا كتب باحث انجليزي قديم في عام 1599 للميلاد يصف تجمعا من مواطنيه الانجليز بأنهم قوم يتسمون بسذاجة الفكر ونقص المعرفة وقلة التعليم..


    بصراحة هم لا هنا ولا هناك.. هم.. «رفراف» مضيفا بأنهم أقرب الى أن يكونوا هباء منثورا وتستطيع أن تكنسه في لحظة.. ويبدو أن هذا الاستخدام قد عمد الى تطوير عبارة تقول ان هذا الكائن لا «هو رِف ولا هو رافِ بمعنى أنه لا في العير ولا في النفير حيث يقصد قومنا اليعاربة أن الكائن لا يصلح في رعاية الإبل وقت السلم ولا في الاحتشاد للحرب إذا ما دعى نفير القتال.


    وربما يكون الانجليز قد استعاروا عن جيرانهم الفرنسيين تعبير «سان ريفل أوُ رافل» بمعنى «لا شيء على الإطلاق».. وبخلاف ذلك فنحن لا ننسى أن لغتنا الشريفة تتكلم عن الدهماء.. العامة..


    وأحيانا الرعاع.. وأحيانا اخرى يتكلم مؤرخنا عبدالرحمن الجبرتي (ت 1822) عن جموع الناس الذين كانوا يتجمعون وقت الشحة والأزمات في حواري قاهرة العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر يحدثون جلبة وثرثرة.. وزياطا.. وما كانوا في نظر الجبرتي سوى جماعات من الزعران والحرافيش.. وحشو العامة.. رفراف كما يقول الغربيون.
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    حقيقة رحلة جميلة ممتعة ، وأعجبنى كثيرا تأصيل مصطلح رومانسى كما إننى أحيى المقالة لوقفتها الذكية عبر دلالة رفراف ونظرة الجبرتى للمواطنين البسطاء الذين لا ذنب لهم إلا أنهم فى نظره رفراف

    تعليق

    يعمل...
    X