ذو النون.. الذهب.. الذهبي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    ذو النون.. الذهب.. الذهبي

    نانوبيديا» -الحلقة العاشرة
    ذو النون.. الذهب.. الذهبي
    بقلم :محمد الخولي



    ذو النون: في متون ثقافتنا العربية الإسلامية يتردد هذا اللقب في أكثر من موضع ويرتبط بأكثر من مناسبة.. ومن هذه المواضع نتوقف في هذا السياق عند ثلاثة:


    أولها ما أورده القرآن الكريم (سورة الأنبياء الآية 89,88) «وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين».


    ورد اسم هذا النبي معطوفا على مفعول به من فعل واذكر في الكتاب.. وفي هذا الصدد يقول شيخنا أبوعبدالله محمد الأنصاري القرطبي (الجزء الحادي عشر من الجامع لأحكام القرآن). إنه لقب ليونس بن متّى.. أما النون فهو الحوت الذي ابتلع يونس.. وإن كانت اللغة تشير الى النونة وهي أقرب الى الغمّازة في ذقن الصبي تزيده بهاء..


    ويذهب القرطبي وجمهرة من المفسرين الى أن يونس كان ضيق الصدر فلما حمّلته السماء أعباء النبوة ناء صدره كبشر بتبعاتها الجسام.. وذهب مغاضبا من أجل ربه بمعنى أن غضب على قومه الذين كفروا بمعبوده عز وجل. وقيل أيضا انه كان شابا ولماّ يحمل أعباء النبوة أو ينوء بواجباتها.. وقيل خرج بكل هذه السورة النفسية من إقليم نينوى (في العراق) الى بحر الروم (الأبيض المتوسط).


    فكان أن ابتلي ببطن الحوت على ما يذهب التفسير. ثم ان العلماء توقفوا مليا عند بلاغة الاعجاز في استخدام تعبير «الظلمات» التي عاش وسطها يونس وهو ينادي ربه سبحانه وتعالى.. فقال ابن عباس رضي الله عنه أنها جمعت بين ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الحوت وقد روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه ان دعاء ذي النون في بطن الحوت لم يدع به رجل مسلم قط إلا استجيب له.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.


    في الأندلس


    ومن نينوى في بلاد الرافدين الى طليطلة في الأندلس الإسلامية، وبعد انقضاء قرون من عمر الزمن، حكم «ذو النون» وهو اسم حملته أسرة من البربر تنتمي كما يقول مؤرخوها الى قبيلة هوارة وكانوا من ملوك الطوائف بالأندلس وقد حكموا مدينة طليطلة حتى عام 1092 للميلاد (أي قبل ضياع الأندلس بأربعمئة سنة على وجه التدقيق) وكان من أشهرهم المأمون بن ذي النون الذي خلفه حفيده يحيى القادر وهو آخر حلقة في هذه السلسلة الحاكمة.


    في مصر


    أما الاسم الشبيه الآخر هو ذو النون المصري وربما يكون أشهر من حمل هذا اللقب إذ وتناولت سيرته وآثاره مراجع التاريخ العقلي والروحي في مجال الثقافة العربية اسمه أبوالفيض ثوبان -يرجع نسبه الى بلاد النوبة في جنوب مصر.


    وهو من أعلام حركة التصوف في مصر بل ومن آبائها المؤسسين على نحو ما يقول العلامة أحمد أمين في «ضحى الإسلام». ولد ذو النون في أخميم من صعيد مصر من أبوين نوبيين وقرأ على أشياخ زمانه العلوم الفقهية والشرعية المعروفة في وقته (القرن التاسع الميلادي) وبرع في دروس الفقه وعلم الجرح والتعديل المتخصص في السنّة النبوية الشريفة.


    ومن مترجمي سيرته من يشهد بأنه درس علوم الكيمياء.. وكان يقرأ الخط الهيروغليفي المصري القديم على البرابي (الآثار الأركيولوجية الفرعونية) وبهذه السعة من العلم رحل ذو النون الى بلاد شتى ما بين تاهرت بالمغرب الى القدس في الشام الى بغداد واليمن ثم الى مكة والمدينة المنورة وقابل في أسفاره عديدا من العلماء والزهاد والرهبان، ثم عاد الى مصر فطلع على الناس بمقولات جديدة وطروحات غير مألوفة من حيث كلامه وتعاليمه عن الأحوال والمقامات ومراتب الحب الإلهي عند المتصوفة.


    وزاد القول أيضا في أن مصادر المعرفة هي النقل والعقل ثم أضاف مصدرا ثالثا هو.. الكشف وكان يقصد القول بأن هناك علما ظاهرا وعلما باطنا ولكنه كان يعرض كل تعاليمه هذه في أسلوب شعري جذاب على ما يضيف الأستاذ أحمد أمين.


    وكان طبيعيا أن تثير هذه المقولات المستجدة حفيظة الكثيرين.. منهم من دهش لها، ومنهم من خشي مغبتها ومنهم من اتهم الرجل بالخروج عن صحيح الدين، فكان أن أمر الخليفة العباسي المتوكل بسجن صاحبنا بتهمة الزندقة وبعدها أمر بإطلاق سراح هذا الصوفي الرائد فعاد الى مصر زاهدا عابدا الى أن رحل عن الدنيا ودفن في الجيزة عام 859 للميلاد.


    ثم تحفل كتب التراجم والسير المعروفة في التراث العربي باسم وفيات الأعيان بعدد من الشخصيات والاعلام ممن يحملون لقبا موحدا هو: ابن ذي النون.. وكثير من هؤلاء المشاهير من علماء وفقهاء ومن أمراء وحكام ينتمون الى اصول البربر من سكان شمال أفريقيا وفي صدارتهم كما هو معروف أهل مولانا طارق بن زياد (ت 720م) فاتح الأندلس الأشهر..


    وأصل التسمية عندهم هو «زنّون» التي تم تعديلها ربما لتسهيل النطق أو لمجاراة العرف الى «ذي النون» وقد كان زنّون كما يقول كتاب «البيان المغرب» هو الجد الأكبر لعائلة حملت الاسم المعدَّل ومن بعده حفلت التراجم بستة أعلام يحمل كل منهم لقب «ابن ذي النون» كان أشهرهم يحيى بن اسماعيل الذي حمل أيضا لقب المأمون ودان له الملك والسيادة على حواضر وأقاليم شتى في رحاب الاندلس العربية الإسلامية وتوفي عام 1068 للميلاد.


    هناك أخيرا ذو النون الملقب بالقاضي الرشيد (ت عام 1265م) ويلقب كذلك برشيد الدين وهو صعيدي مصري رحل الى اليمن وتولى إمارة عدن وأنشأ المدرسة الرشيدية في تعز التي توفي بها وكان له مسجد فيها أوقف عليه أملاكا وحسنت سيرته سواء كان واليا أو فقيها شافعيا أو كان قاضيا حتى ليقول مترجمو حياته انه لم يزل مرضيّ السيرة حتى لاقى ربه.


    الذهب: عرف الناس معدن الذهب منذ مرحلة ما قبل التاريخ المسجل وعرفوا عنه بالذات خاصية تطويعه وامكانية تشكيله الى سبائك وأشكال وأنماط شتى..


    وهناك من المراجع المعتمدة (موسوعة كولومبيا مثلا) ما يشير الى أن الذهب كان أول معدن استخدمه الإنسان وأضفى عليه القيمة وبدأ يتخذ منه معيارا أو مقياسا لتقدير سائر أصناف المتاع.


    بل تعامل البشر مع الذهب على أن له خواصا وقوى سحرية مستمدة من عوالم ما وراء الطبيعة.. لهذا شغف أهل العصور الوسطى بعلوم الكيمياء القديمة التي جهد فيها علماء تلك الحقبة في محاولة تحويل معادن أقل قيمة.. الفضة.. الرصاص.. الزنك.. النحاس وما إليها الى ذهب نفيس أبريز وهذه العمليات الكيميائية التي كان يختلط فيها العلم بالأسطورة.. والمختبر بالخرافة كان يشار إليها على أنها السعي لتحويل المعدن الخسيس الى المعدن النفيس..


    في متون اللغات اشتقوا من الذهب صفات ونعوتا تدل على النهضة والازدهار والرقي والانتعاش.. هكذا عرف الناس العصر الذهبي للفن التشكيلي مثل (عصر النهضة - دا؟نشي ومايكل أنجلو وتيسيان وسائر عمالة فن الرسم والتشكيل في إيطاليا) أو العصر الذهبي للشعر والدراما (العصر الاليزابيثي مثلا في انجلترا.. بين منتصف القرنين الخامس عشر الى السادس عشر حين عاش شكسبير ومارلو وبن جونسون وغيرهم من أعلام الشعر والمسرح) دع عنك عصور ذهبية أيضا عاشتها الثقافة العربية.. زمن هرون الرشيد.. المأمون في الدولة العباسية.. أو زمن العزيز بالله في الدورة الفاطمية.. أو زمن عبدالرحمن الداخل في الدولة الأندلسية.. الخ.


    وقبل هذه العصور عرفت الحضارات القديمة قيمة الذهب واستخدمته على نطاق واسع بوصفه معدنا متينا وثمينا وقادرا على الصمود أمام أنواء الزمن وتقلّب الحدثان: قدامى المصريون استخرجوه من مناجم صحرائهم - الشرقية بالذات وصنعوا منه تيجان الملوك - الفراعين وأقنعة التوابيت والتماثيل التي كانوا ينشدون منها ضمان التحول الى حيث الخلود بعد الرحيل عن العالم (تأمل مثلا القناع الذهبي للملك الشاب توت غنخ آمون).


    وفي أساطير اليونان تحتفل الميثولويا بقصة البطل الاغريقي جاسون الذي أمضى ردحا طويلا من حياته بحثا عن الجزّة الذهبية وهي خصلة أسطورية من صوف الحَمَل الذي تمت التضحية به قربانا للآلهة وبقيت الصوفة - أو الجزّة الذهبية معلقة في غابة يحرسها تنين رهيب.. وكانت بذلك رمزا لبحث الإنسان الدائب عن تحقيق ذاته واثبات كفاءته وبلوغ طموحاته..


    تشترك الانجليزية والألمانية في الإشارة الى الذهب على أنه «جولد»، وتشترك الفرنسية والاسبانية مع الإيطالية والبرتغالية في مصطلح «أور.. أورو». الذهب في اللغات السلافية بشرقي أوروبا هو «زياتو» وفي اليونانية «كريسوس» .


    فيما تشترك السواحيلية الأفريقية، مع لغتنا الشريفة حيث يشير إخوتنا الأفارقة الى المعدن الجميل بقولهم ذهابو. من ناحيته أيضا يتصف الذهب بخاصية التوصيل الجيد لمسرى الكهرباء.. وقد لا يفوقه في هذه الميزة سوى فلزات الفضة والنحاس.


    سؤال مشروع


    ما الذي جعل البشرية تحيط الذهب بكل هذه الهالات من التوقير.. الى حد التقديس في بعض الأعراف والثقافات؟


    في كتابه الطريف عن «تاريخ النقود» يحاول الكاتب الأميركي «جاك ويثرفورد» الإجابة قائلا:


    -استرعى اهتمام الناس في أنحاء العالم ذلك التشابه بين صفرة الذهب وبين أشعة الشمس. وبدأ المصريون القدماء يربطون بين الذهب وبين «رع» رمز الشمس ومعبود القدماء. ومع إضفاء القيمة المادية والسعرية على معدن الذهب.. بدأت نزعات الطمع والاحتكار وأنانية الاستئثار باحتياطيات الذهب كي تتداولها النخبة المحظوظة في المجتمع دون سائر خلق الله. تلك هي ظاهرة الاكتناز.


    وفي ضوء قيمة الذهب اصطلح اقتصاد العصر الحديث على جعله معيار يقاس بواسطته تبادل السلع والخدمات على الصعيد العالمي. وقبل الحرب العظمى عام 1914 درجت الدول في أوروبا وأميركا على الاحتفاظ باحتياطيات من الذهب.. ولكنهم تخلوا عن هذا المعيار بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 ليصبح الدولار.. وبجانبه سلة عملات الدول الفاعلة الكبرى.. أقرب الى المقياس المعمول به في تقييم المعاملات الدولية.


    مازال للذهب مكانته السامقة في حياة الناس.. ومازال فيلم شارلي شابلن الشهير بعنوان «البحث عن الذهب» يصور اندفاعة الناس في أميركا.. وراء أطماع الثروة في أواخر القرن 19 وأوائل القرن العشرين.. وبشكل مجنون أحيانا.. بل وغير إنساني أحيانا أخرى.. ومازال البشر، والنساء بخاصة، يطمحون الى اقتنائه آية على حلي الزينة وعلامة على الثراء ومخزنا أو مستودعا للقيمة.


    . ورغم اختلاف تسميات اللغات - كما ألمحنا - إلا أننا نعجب كثيرا أمام بلاغة العربية في المصطلح الذي تستخدمه لوصف هذا المعدن الابريز فتقول انه ذَهَبْ.. وفي تلك إيماؤه لا تخفى الى معنى الذهاب وربما الزوال.. ولا يبقى سوى وجه ربك ذي الجلال والإكرام.


    الذهبي: هو شمس الدين محمد.. وكان عالما متواضعا وفقيها حكيما وبسيطا لا علاقة له بالذهب سوى علاقة اسم العائلة التي ينتمي اليها.. عاش في الفترة 1274 - 8431 للميلاد وهي فترة الأفول في الحضارة العربية الإسلامية وبنفس المقياس كانت فترة بالنسبة لكتابة التاريخ ومهنة المؤرخين..


    ويعرف الذهبي في كتاب فوات الوفيات وهو الملحق المعروف لكتاب «وفيات الاعيان» لابن خلكان بأنه كان محدثا بمعنى عالما بالدين ومؤرخا في وقت واحد. وجاء أبوعبدالله من مدينة ميافارقين وهي شمال شرقي ديار بكر في منطقة آسيا الصغرى التركية وعرفت بعدها باسم سيلفان.


    وينتمي قومه إلى عشائر التركمان التي حَسن إسلامها وأراد النجباء من أبنائها أن يستكملوا علومهم فكان نزوح شمس الدين الذهبي الى الشام حيث عاش ومات في عاصمتها دمشق.. وإن حرص طيلة حياته، وكعادة علماء زمانه، على الطواف في أنحاء العالم الإسلامي وخاصة في القاهرة..


    ورغم أن هذا العالم الجليل أصيب في بصره، ربما بفعل الانكباب على القراءة والنسخ والتأليف، إلا أنه ترك لأجيال - على ما يقول الزركلي (قاموس الاعلام - المجلد الخامس) تصانيف جليلة وكثيرة تقارب المئة كتاب وفي مقدمتها كتابه «دول الإسلام» في جزأين و«تاريخ الإسلام الكبير» في 36 مجلدا (تأمل!) والكاشف في تراجم أهل الحديث وميزان الاعتدال في نقد الرجال في ثلاثة مجلدات..


    ومن حسن الحظ أن صادفت هذه الأعمال البحثية والنقدية جهودا واسعة ودؤوبة من أجل نشر عدد منها أو التنويه بعدد آخر، فضلا عما ورد من احالات متعددة الى الكتابات التاريخية للذهبي في متون أعمال كبيرة في عصرنا منها مثلا سلسلة إسلاميات الأستاذ أحمد أمين من الظهر الى الضحى.
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    تحياتى البيضاء

    ما أجمل هذى الرحلة العذبة ، وربما يحضرنى هنا أننا فى سوهاج نسمع الجدود مازالوا يحكون عن ذى النون حكايات عجيبة وأساطير كما أورد الأستاذ محمد فشكرا جزيلا له على رحلته الجميلة الثرية فى تاريخ اللغة بهذا العمق والذكاء

    تعليق

    يعمل...
    X