«نانوبيديا» -الحلقة التاسعة
دولار.. ديربي.. دومينو
بقلم :محمد الخولي
دولار: العملة الأميركية لها أصل بعيد كل البعد عن أميركا وسيرتها.. تبدأ القصة في جبال شمال غربي بوهيميا. بالتحديد في بلدة صغيرة تقع على الحدود بين ألمانيا وتشيكيا في وسط أوروبا واسمها جاكيموف.
كان ذلك في القرن السادس عشر.. حين كانت البلدة تضم منجما يستخرجون منه معدن الفضة، ومنها أيضا يقومون بسبك وسك العملات الفضية ويخلعون على المكان كله اسما له إيقاع ألماني لا تخطئه الأسماع هو «جواكيمستالر».
ومع تدفق العملات الفضية.. وجد الناس أن الاسم الألماني شديد الصعوبة لدى نطقه.. ناهيك بتداوله بين صفوف المتعاملين.. هكذا كان طبيعيا أن يعمد المعنيون إلى تبسيط الاسم، من حيث النطق ومن حيث التهجئة على السواء فكان أن اختصروه إلى كلمة أصغر وأبسط هي:
«تيلر». وعندما عبرت الكلمة الجديدة الحدود إلى هولندا تحولت الكلمة مع ترداد نطقها إلى «ديلر» وبهذه الصفة دخلت الكلمة إلى متن اللغة الانجليزية وكان ذلك مع سنوات منتصف القرن الثامن عشر للميلاد..
وبعدها عمد الانجليز إلى تحويل الكلمة الألمانية ـ الهولندية لتصبح «دولار» وبهذه العملة كانوا يتبادلون التجارة مع تلك الأقطار ولكنهم كانوا يستخدمون الكلمة - دولار - في معرض الإشارة بالذات إلى العملة الاسبانية البيسو التي كانت رائجة ومهابة الجانب وخاصة في مستعمرات الانجليز بأميركا ـ الدنيا الجديدة كما كانت تعرف في تلك الأيام.. أيامها كان البيسو يعرف تبسيطا باسم:
الدولار.. الاسباني. ومع اشتداد ساعد حركة الاستقلال الأميركي عن المستعمر البريطاني، وكان ذلك مع سنوات الثلث الأخير من القرن الثامن عشر شرع زعماء هذه الحركة، ويعرفون في حوليات تاريخ الولايات المتحدة، باسم الآباء المؤسسين - شرعوا في طرح تصوراتهم بشأن الكيان الجديد المستقل في.. المستعمرات: دستورها.. شكل دولتها الفيدرالية.. علاقات مواطنيها سواء المهاجرين من أوروبا أو السُكان الأصليين (الهنود الحمر)، أساليب تعمير وبناء الدولة الفتية.
والأهم طبعا كان نوع واسم وقيمة العملة النقدية التي سوف تشكل وحدة الاقتصاد والتداول المالي للكيان الأميركي المرتقب بعد الاستقلال. في هذا الصدد يشير المؤرخون إلى مذكرات توماس يفرسون وهو الرئيس الأميركي رقم ثلاثة (1743 - 6281) الذي يرتبط اسمه تحديدا بصياغة إعلان استقلال الولايات المتحدة وأسسها التشريعية..
في سيرته الذاتية يقول يفرسون أنه «اقترح.. اعتماد الدولار ليكون وحدة الحسابات والمدفوعات لأميركا». وكان الرجل بهذا يعتمد الدولار الاسباني الذي كان بالفعل وحدة النقد للتبادل التجاري بين اسبانيا والمستعمرات وأقطار جزر الهند الغربية في البحر الكاريبي.
بعدها اجتمع كونجرس الولايات المتحدة المستجدة وأصدر قراره يوم 6 يوليو عام 1785 أي بعد 9 سنوات من نجاح حركة الاستقلال الأميركية وجاء في هذا القرار:
ـ إن الكونجرس انتهى إلى أن تكون وحدة النقد في الولايات المتحدة الأميركية هي دولار واحد.
بيد أن استخدام الدولار لم يقتصر على أغراض العملة النقدية أو المضمار الاقتصادي.. لقد قيض للدولار أن يقتحم أيضا مجال العلاقات الدولية تحت مسمى «السياسة الدولارية» التي نشأت أصلا في عهد رئيس أسبق هو ويليام تافت (1909 ـ 1913) الذي استخدم الدولار للتأثير على مجريات الأمور في صين - تلك الأيام وتحت شعار أنه يحرص على أن يحل دولار الخزائن محل رصاص المدافع لتحقيق أهداف تجارية مشروعة.. ورغم جاذبية مثل هذه الشعارات.
. فقد استمرت السياسة الدولارية مؤثرة وفعالة لخدمة أغراض ومصالح الحكومات الأميركية المتعاقبة وفي مقدمتها التأثير على سياسات الحكومات في شرق وغرب العالم.. ولاسيما في فترات الحروب الساخنة أو الباردة.
حيث لم تتردد واشنطون في تطبيق السياسة الدولارية على قرار منح المعونات وكسب تأييد السياسيين وتدبير انقلابات للإطاحة بنظم الحكم ما بين أميركا اللاتينية إلى دول الكاريبي إلى منطقة الشرق الأوسط (إيران ـ الشاه على سبيل المثال).. ثم توسعت المسألة لدرجة يقول معها المعجم الأميركي للمصطلحات التاريخية:
«أن مصطلح السياسة الدولارية أصبح يستخدم الآن في إطار من التوسع والتعميم ليصف أي إجراء اقتصادي تعتمده أميركا من اجل تحقيق أغراض سياستها الخارجية».
ديربي:
في عام 1066 للميلاد تعرضت السواحل الجنوبية للجزر البريطانية لغزوة شاملة على يد قوات فرنسية الأصل بقيادة ويليام الغازي أو الفاتح (1028- 1087م) الذي ألحق الهزيمة بالانجليز في موقعة «هاسنتنغز» الشهيرة ويسجل له هذا التاريخ أنه المؤسس الأول للنظام الإقطاعي في بريطانيا.
ولأن المسائل نسبية، كان هذا النظام وضعا أكثر تقدما وأقل فوضوية عن سابقه الذي كان نظاما - أو فلنقل كان حالة فوضوية تقوم على أساس تناحر القبائل البدائية الشديدة التخلف. عاشت سلالة ويليام الفاتح في انجلترا وانحدرت من أصلابها عائلة ستانلي التي آلت إليها في مرحلة ما مِلْكية أراض شاسعة ووراثة لقب من ألقاب الشرف والنبالة هو لقب ايرل أوف ديربي.. وكان ذلك في القرن الخامس عشر للميلاد..
ومع توارث اللقب عبر الزمن عاش واحد من افراد هذه الأسرة الارستقراطية هو الإيرل (اللورد) رقم 12 في سلسلة العائلة، وكان معروفا عنه شغفه الشديد بالخيول وحرصه البالغ على تربيتها ورغم أن كان الإيرل المذكور رجلا عزوفا عن الشهرة والمجد فقد قرر أن ينظم سباقا سنويا تتبارى فيه الخيول التي يبلغ عمرها 3 سنوات.
وبدأت أولى دورات هذا السباق عام 1780 وبعدها ذاعت شهرة السباق لتشمل أراضي الجزر البريطانية كلها وليصبح أشهر سباق للخيول على أرض انجلترا.
ولأن الانجليز قوم يراعون التقاليد المتبعة والأعراف الموروثة ـ إلى حد الغلو في بعض الأحيان ـ فقد حرصوا على حضور مثل هذه المسابقات وهم يرتدون قبعة خاصة مرتفعة الحواف بحيث كانت تضفي على مشاهدي سباقات الجياد منظرا غريبا وشديد التميز في آن معا.. وبعد الحرب الأهلية الأميركية التي وضعت أوزارها عند منتصف ستينات القرن 19، بدأ منظمو الألعاب الرياضية الأميركية يستوردون هذه القبعات البريطانية الغريبة التي حملت من يومها اسم «قبعات ديربي»..
وعلى الطريقة الأميركية كان لابد من تطوير وتعديل هذه القبعات إلى موديل يروق للأميركان الذين صنعوها على شكل قبعة على شكل القبة لغطاء الرأس تحيطها حواف ضيقة وبالغة الصلابة.. وكان أن أقبل رجال أميركا على ارتداء هذه القبعات وخاصة في مواسم سباق الخيل مرددين اسمها المتواتر وهو «ديربي هاتس» ومع أول سباق للخيل نظمه الأميركان في ولاية كنتكي في عام 1785.. أصبحت الديربي هات هي القبعة المفضلة لدى كل الرجال من مشاهدي هذه السباقات ومواسمها..
وفي كل حال فقد تواصلت هذه المناسبات أو المواسم والمظاهرات الرياضية تحت اسمها الشهير في عالم مسابقات الجياد الأصيلة والسريعة : اسم ديربي الذي مازال يسجل ـ سواء في أصله المنتمي إلى ايرل انجليزي سابق أو سواء بفضل القبعة الغريبة التي طورها الرياضيون ومصممو الأزياء الأميركان ـ يسجل ذكرى عائلة ديربي التي عاشت في انجلترا منذ أكثر من 5 قرون من عمر هذا الزمان.
دومينو:
الكلمة مشتقة أساسا من لفظة «دومينوس» اللاتينية وتعني السيد أو الوجيه المحترم.. ومن هذا الأصل اشتقوا ألفاظا تصدق أولا على عباءة الكاهن باعتبار مكانته الموقرة في مجتمعه.. وبعدها تعارف الفرنسيون على ارتداء عباءات وأزياء مختلفة في حفلاتهم التنكرية خلال القرون الرابع عشر إلى السابع عشر والثامن عشر..
وكانوا يقصدون من ذلك نوعا من تخفيف الفروق الاجتماعية بين الطبقات حيث كان المزارع أو الحِرَفي يرتدي أو بالأدق ـ يتنكر ـ في هيئة مركيز مبجل في حين كانت الكونتيسة الارستقراطية ترتدي أسمالا ـ أو ما يبدو انه أسمال فلاّحة أو امرأة من فئات الشعب الكادحة.
وهكذا..
بعدها اصطنع الفرنسيون اللعبة الشهيرة التي تُرص فيها قطع النرد على رقعة خشبية مخصوصة حيث يحرك اللاعبون قطعهم التي تحمل أرقاما تحدد الفائزين والخاسرين. لكن مصفوفة قطع النرد فوق رقعة الدومينو كانت ومازالت تتميز بخاصية أنك ما أنت تلمس القطعة الأولى أو المجاورة لها.. حتى تبدأ القطع في التهاوي تباعا واحدة تلو الأخرى..
بعضها يمكث قليلا ولكنه لا يلبث أن يسقط إلى حيث تتبدد المصفوفة بأكملها.. الأكيد أن كان هناك من يلاحظ هذه الظاهرة البسيطة.. ومنها استقى المعنيون الخاصية الأولى من مصفوفة الدومينو وهي «سلسلة التأثير» التي قد تعيد إلى الذهن ما وعته الثقافة الإسلامية من تكافل المسلمين الأشبه بالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر..
ثم جاء دور علماء السياسة الذين صاغوا من مسلسل التأثير بالتداعي مقولة فكرية مازالت تحمل اسمها في علوم السياسة والعلاقات الدولية وهي:
* نظرية الدومينو.
ومعناها ان وجود نظام ما.. أو شيوع فكرة ما.. في بلد ما.. كفيل حسب نظرية الدومينو بأن ينتقل تأثيره إلى الأقطار المجاورة..
ولعل أول القائلين بهذه النظرية كان الرئيس الأميركي الأسبق أيزنهاور (ت عام1969) الذي نبه إلى أن استيلاء الشيوعيين على مقاليد ؟يتنام الشمالية (نظام هوشي منه) كفيل، حسب نظرية الدومينو بأن ينقل تأثير الشيوعية إلى ؟يتنام الجنوبية ومنها إلى سائر أنحاء جنوب شرقي آسيا.. وكان في هذه المقولة ما أدى إلى توريط أميركا في مستنقع ؟
يتنام وقد ثبت علميا خطأ النظرية على نحو ما يوضحه هنري كيسنجر في كتابه الموسوعي بعنوان «الدبلوماسية» (ص701)، وإن كان كيسنجر يؤكد أن أميركا لم تكن تملك ان تقف مكتوفة الأيدي أمام تطورات الأحداث في تلك المنطقة الآسيوية خلال عقد الستينات.. فالسياسي - يضيف كيسنجر في نفس السياق - لا يملك ببساطة أن يعتمد السلبية كمبدأ سياسي رغم أن محصلة حرب ؟يتنام اقتضت ثمنا فادحا دفعته أميركا من مواردها وضميرها وثقتها بنفسها.
في آسيا وأميركا اللاتينية
ورغم أن نظرية الدومينو ثبت خطؤها على المسرح الآسيوي..الذي انقسم إلى معسكر تحت السيطرة الشيوعية في ؟يتنام والى معسكر آخر وقع تحت سيطرة نظام الخمير الحمر الإرهابي الدموي في كمبوديا ـ إلا أن السياسة الأميركية ما لبثت أن عاودت مؤخرا اعتماد وتفعيل نظرية الدومينو من جديد.. ولكن على مسرح قارة أميركا اللاتينية هذه المرة، حيث تعمل واشنطن بغير هوادة على محاربة ما تتصوره بأنه موجات اليسار الجديد المعادية للولايات المتحدة..
ورغم أن واشنطون عملت منذ أيام كيسنجر نفسه على قلب نظام حكم الرئيس سلفاتور الليندي الاشتراكي في شيلي ودعمت النظام الفاشي البديل الذي قاده الجنرال أوغسطو بينوشيه واستهل عهده باغتيال اللينيدي شخصيا على سلالم قصر الرئاسة في العاصمة سنتياغو - إلا أن واشنطون تخشى من تداعيات التأثير بالإشعاع أو النموذج أو بسلسلة رصّة أحجار الدومينو ـ خاصة ومازالت أميركا اللاتينية تصغي إلى أصوات قيادات يسارية قوية في أقطار غنية بموارد الغاز الطبيعي مثل موراليس (بوليفيا) أو بالبترول شافيز (في فنزويلا) أو في أقطار يمكن أن تعود الى نفوذ اليسار (الساندانيسا في نيكاراغوا) دع عنك نظام فيديل كاسترو في كوبا..
فما بالك إذا كان اسم الثائر الكولومبي اليساري أرنستو شي جيفارا مازال يتردد رغم اغتياله في عام 1967 كأسطورة في أنحاء قارة أميركا الجنوبية بأسرها.
كل هذه الظواهر تخشاها دوائر واشنطون وتدفعها إلى معاودة النظر والاهتمام بنظرية الدومينو وما قد تفضي إليه من حلقات سلسلة التأثر والتأثير.
دولار.. ديربي.. دومينو
بقلم :محمد الخولي
دولار: العملة الأميركية لها أصل بعيد كل البعد عن أميركا وسيرتها.. تبدأ القصة في جبال شمال غربي بوهيميا. بالتحديد في بلدة صغيرة تقع على الحدود بين ألمانيا وتشيكيا في وسط أوروبا واسمها جاكيموف.
كان ذلك في القرن السادس عشر.. حين كانت البلدة تضم منجما يستخرجون منه معدن الفضة، ومنها أيضا يقومون بسبك وسك العملات الفضية ويخلعون على المكان كله اسما له إيقاع ألماني لا تخطئه الأسماع هو «جواكيمستالر».
ومع تدفق العملات الفضية.. وجد الناس أن الاسم الألماني شديد الصعوبة لدى نطقه.. ناهيك بتداوله بين صفوف المتعاملين.. هكذا كان طبيعيا أن يعمد المعنيون إلى تبسيط الاسم، من حيث النطق ومن حيث التهجئة على السواء فكان أن اختصروه إلى كلمة أصغر وأبسط هي:
«تيلر». وعندما عبرت الكلمة الجديدة الحدود إلى هولندا تحولت الكلمة مع ترداد نطقها إلى «ديلر» وبهذه الصفة دخلت الكلمة إلى متن اللغة الانجليزية وكان ذلك مع سنوات منتصف القرن الثامن عشر للميلاد..
وبعدها عمد الانجليز إلى تحويل الكلمة الألمانية ـ الهولندية لتصبح «دولار» وبهذه العملة كانوا يتبادلون التجارة مع تلك الأقطار ولكنهم كانوا يستخدمون الكلمة - دولار - في معرض الإشارة بالذات إلى العملة الاسبانية البيسو التي كانت رائجة ومهابة الجانب وخاصة في مستعمرات الانجليز بأميركا ـ الدنيا الجديدة كما كانت تعرف في تلك الأيام.. أيامها كان البيسو يعرف تبسيطا باسم:
الدولار.. الاسباني. ومع اشتداد ساعد حركة الاستقلال الأميركي عن المستعمر البريطاني، وكان ذلك مع سنوات الثلث الأخير من القرن الثامن عشر شرع زعماء هذه الحركة، ويعرفون في حوليات تاريخ الولايات المتحدة، باسم الآباء المؤسسين - شرعوا في طرح تصوراتهم بشأن الكيان الجديد المستقل في.. المستعمرات: دستورها.. شكل دولتها الفيدرالية.. علاقات مواطنيها سواء المهاجرين من أوروبا أو السُكان الأصليين (الهنود الحمر)، أساليب تعمير وبناء الدولة الفتية.
والأهم طبعا كان نوع واسم وقيمة العملة النقدية التي سوف تشكل وحدة الاقتصاد والتداول المالي للكيان الأميركي المرتقب بعد الاستقلال. في هذا الصدد يشير المؤرخون إلى مذكرات توماس يفرسون وهو الرئيس الأميركي رقم ثلاثة (1743 - 6281) الذي يرتبط اسمه تحديدا بصياغة إعلان استقلال الولايات المتحدة وأسسها التشريعية..
في سيرته الذاتية يقول يفرسون أنه «اقترح.. اعتماد الدولار ليكون وحدة الحسابات والمدفوعات لأميركا». وكان الرجل بهذا يعتمد الدولار الاسباني الذي كان بالفعل وحدة النقد للتبادل التجاري بين اسبانيا والمستعمرات وأقطار جزر الهند الغربية في البحر الكاريبي.
بعدها اجتمع كونجرس الولايات المتحدة المستجدة وأصدر قراره يوم 6 يوليو عام 1785 أي بعد 9 سنوات من نجاح حركة الاستقلال الأميركية وجاء في هذا القرار:
ـ إن الكونجرس انتهى إلى أن تكون وحدة النقد في الولايات المتحدة الأميركية هي دولار واحد.
بيد أن استخدام الدولار لم يقتصر على أغراض العملة النقدية أو المضمار الاقتصادي.. لقد قيض للدولار أن يقتحم أيضا مجال العلاقات الدولية تحت مسمى «السياسة الدولارية» التي نشأت أصلا في عهد رئيس أسبق هو ويليام تافت (1909 ـ 1913) الذي استخدم الدولار للتأثير على مجريات الأمور في صين - تلك الأيام وتحت شعار أنه يحرص على أن يحل دولار الخزائن محل رصاص المدافع لتحقيق أهداف تجارية مشروعة.. ورغم جاذبية مثل هذه الشعارات.
. فقد استمرت السياسة الدولارية مؤثرة وفعالة لخدمة أغراض ومصالح الحكومات الأميركية المتعاقبة وفي مقدمتها التأثير على سياسات الحكومات في شرق وغرب العالم.. ولاسيما في فترات الحروب الساخنة أو الباردة.
حيث لم تتردد واشنطون في تطبيق السياسة الدولارية على قرار منح المعونات وكسب تأييد السياسيين وتدبير انقلابات للإطاحة بنظم الحكم ما بين أميركا اللاتينية إلى دول الكاريبي إلى منطقة الشرق الأوسط (إيران ـ الشاه على سبيل المثال).. ثم توسعت المسألة لدرجة يقول معها المعجم الأميركي للمصطلحات التاريخية:
«أن مصطلح السياسة الدولارية أصبح يستخدم الآن في إطار من التوسع والتعميم ليصف أي إجراء اقتصادي تعتمده أميركا من اجل تحقيق أغراض سياستها الخارجية».
ديربي:
في عام 1066 للميلاد تعرضت السواحل الجنوبية للجزر البريطانية لغزوة شاملة على يد قوات فرنسية الأصل بقيادة ويليام الغازي أو الفاتح (1028- 1087م) الذي ألحق الهزيمة بالانجليز في موقعة «هاسنتنغز» الشهيرة ويسجل له هذا التاريخ أنه المؤسس الأول للنظام الإقطاعي في بريطانيا.
ولأن المسائل نسبية، كان هذا النظام وضعا أكثر تقدما وأقل فوضوية عن سابقه الذي كان نظاما - أو فلنقل كان حالة فوضوية تقوم على أساس تناحر القبائل البدائية الشديدة التخلف. عاشت سلالة ويليام الفاتح في انجلترا وانحدرت من أصلابها عائلة ستانلي التي آلت إليها في مرحلة ما مِلْكية أراض شاسعة ووراثة لقب من ألقاب الشرف والنبالة هو لقب ايرل أوف ديربي.. وكان ذلك في القرن الخامس عشر للميلاد..
ومع توارث اللقب عبر الزمن عاش واحد من افراد هذه الأسرة الارستقراطية هو الإيرل (اللورد) رقم 12 في سلسلة العائلة، وكان معروفا عنه شغفه الشديد بالخيول وحرصه البالغ على تربيتها ورغم أن كان الإيرل المذكور رجلا عزوفا عن الشهرة والمجد فقد قرر أن ينظم سباقا سنويا تتبارى فيه الخيول التي يبلغ عمرها 3 سنوات.
وبدأت أولى دورات هذا السباق عام 1780 وبعدها ذاعت شهرة السباق لتشمل أراضي الجزر البريطانية كلها وليصبح أشهر سباق للخيول على أرض انجلترا.
ولأن الانجليز قوم يراعون التقاليد المتبعة والأعراف الموروثة ـ إلى حد الغلو في بعض الأحيان ـ فقد حرصوا على حضور مثل هذه المسابقات وهم يرتدون قبعة خاصة مرتفعة الحواف بحيث كانت تضفي على مشاهدي سباقات الجياد منظرا غريبا وشديد التميز في آن معا.. وبعد الحرب الأهلية الأميركية التي وضعت أوزارها عند منتصف ستينات القرن 19، بدأ منظمو الألعاب الرياضية الأميركية يستوردون هذه القبعات البريطانية الغريبة التي حملت من يومها اسم «قبعات ديربي»..
وعلى الطريقة الأميركية كان لابد من تطوير وتعديل هذه القبعات إلى موديل يروق للأميركان الذين صنعوها على شكل قبعة على شكل القبة لغطاء الرأس تحيطها حواف ضيقة وبالغة الصلابة.. وكان أن أقبل رجال أميركا على ارتداء هذه القبعات وخاصة في مواسم سباق الخيل مرددين اسمها المتواتر وهو «ديربي هاتس» ومع أول سباق للخيل نظمه الأميركان في ولاية كنتكي في عام 1785.. أصبحت الديربي هات هي القبعة المفضلة لدى كل الرجال من مشاهدي هذه السباقات ومواسمها..
وفي كل حال فقد تواصلت هذه المناسبات أو المواسم والمظاهرات الرياضية تحت اسمها الشهير في عالم مسابقات الجياد الأصيلة والسريعة : اسم ديربي الذي مازال يسجل ـ سواء في أصله المنتمي إلى ايرل انجليزي سابق أو سواء بفضل القبعة الغريبة التي طورها الرياضيون ومصممو الأزياء الأميركان ـ يسجل ذكرى عائلة ديربي التي عاشت في انجلترا منذ أكثر من 5 قرون من عمر هذا الزمان.
دومينو:
الكلمة مشتقة أساسا من لفظة «دومينوس» اللاتينية وتعني السيد أو الوجيه المحترم.. ومن هذا الأصل اشتقوا ألفاظا تصدق أولا على عباءة الكاهن باعتبار مكانته الموقرة في مجتمعه.. وبعدها تعارف الفرنسيون على ارتداء عباءات وأزياء مختلفة في حفلاتهم التنكرية خلال القرون الرابع عشر إلى السابع عشر والثامن عشر..
وكانوا يقصدون من ذلك نوعا من تخفيف الفروق الاجتماعية بين الطبقات حيث كان المزارع أو الحِرَفي يرتدي أو بالأدق ـ يتنكر ـ في هيئة مركيز مبجل في حين كانت الكونتيسة الارستقراطية ترتدي أسمالا ـ أو ما يبدو انه أسمال فلاّحة أو امرأة من فئات الشعب الكادحة.
وهكذا..
بعدها اصطنع الفرنسيون اللعبة الشهيرة التي تُرص فيها قطع النرد على رقعة خشبية مخصوصة حيث يحرك اللاعبون قطعهم التي تحمل أرقاما تحدد الفائزين والخاسرين. لكن مصفوفة قطع النرد فوق رقعة الدومينو كانت ومازالت تتميز بخاصية أنك ما أنت تلمس القطعة الأولى أو المجاورة لها.. حتى تبدأ القطع في التهاوي تباعا واحدة تلو الأخرى..
بعضها يمكث قليلا ولكنه لا يلبث أن يسقط إلى حيث تتبدد المصفوفة بأكملها.. الأكيد أن كان هناك من يلاحظ هذه الظاهرة البسيطة.. ومنها استقى المعنيون الخاصية الأولى من مصفوفة الدومينو وهي «سلسلة التأثير» التي قد تعيد إلى الذهن ما وعته الثقافة الإسلامية من تكافل المسلمين الأشبه بالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر..
ثم جاء دور علماء السياسة الذين صاغوا من مسلسل التأثير بالتداعي مقولة فكرية مازالت تحمل اسمها في علوم السياسة والعلاقات الدولية وهي:
* نظرية الدومينو.
ومعناها ان وجود نظام ما.. أو شيوع فكرة ما.. في بلد ما.. كفيل حسب نظرية الدومينو بأن ينتقل تأثيره إلى الأقطار المجاورة..
ولعل أول القائلين بهذه النظرية كان الرئيس الأميركي الأسبق أيزنهاور (ت عام1969) الذي نبه إلى أن استيلاء الشيوعيين على مقاليد ؟يتنام الشمالية (نظام هوشي منه) كفيل، حسب نظرية الدومينو بأن ينقل تأثير الشيوعية إلى ؟يتنام الجنوبية ومنها إلى سائر أنحاء جنوب شرقي آسيا.. وكان في هذه المقولة ما أدى إلى توريط أميركا في مستنقع ؟
يتنام وقد ثبت علميا خطأ النظرية على نحو ما يوضحه هنري كيسنجر في كتابه الموسوعي بعنوان «الدبلوماسية» (ص701)، وإن كان كيسنجر يؤكد أن أميركا لم تكن تملك ان تقف مكتوفة الأيدي أمام تطورات الأحداث في تلك المنطقة الآسيوية خلال عقد الستينات.. فالسياسي - يضيف كيسنجر في نفس السياق - لا يملك ببساطة أن يعتمد السلبية كمبدأ سياسي رغم أن محصلة حرب ؟يتنام اقتضت ثمنا فادحا دفعته أميركا من مواردها وضميرها وثقتها بنفسها.
في آسيا وأميركا اللاتينية
ورغم أن نظرية الدومينو ثبت خطؤها على المسرح الآسيوي..الذي انقسم إلى معسكر تحت السيطرة الشيوعية في ؟يتنام والى معسكر آخر وقع تحت سيطرة نظام الخمير الحمر الإرهابي الدموي في كمبوديا ـ إلا أن السياسة الأميركية ما لبثت أن عاودت مؤخرا اعتماد وتفعيل نظرية الدومينو من جديد.. ولكن على مسرح قارة أميركا اللاتينية هذه المرة، حيث تعمل واشنطن بغير هوادة على محاربة ما تتصوره بأنه موجات اليسار الجديد المعادية للولايات المتحدة..
ورغم أن واشنطون عملت منذ أيام كيسنجر نفسه على قلب نظام حكم الرئيس سلفاتور الليندي الاشتراكي في شيلي ودعمت النظام الفاشي البديل الذي قاده الجنرال أوغسطو بينوشيه واستهل عهده باغتيال اللينيدي شخصيا على سلالم قصر الرئاسة في العاصمة سنتياغو - إلا أن واشنطون تخشى من تداعيات التأثير بالإشعاع أو النموذج أو بسلسلة رصّة أحجار الدومينو ـ خاصة ومازالت أميركا اللاتينية تصغي إلى أصوات قيادات يسارية قوية في أقطار غنية بموارد الغاز الطبيعي مثل موراليس (بوليفيا) أو بالبترول شافيز (في فنزويلا) أو في أقطار يمكن أن تعود الى نفوذ اليسار (الساندانيسا في نيكاراغوا) دع عنك نظام فيديل كاسترو في كوبا..
فما بالك إذا كان اسم الثائر الكولومبي اليساري أرنستو شي جيفارا مازال يتردد رغم اغتياله في عام 1967 كأسطورة في أنحاء قارة أميركا الجنوبية بأسرها.
كل هذه الظواهر تخشاها دوائر واشنطون وتدفعها إلى معاودة النظر والاهتمام بنظرية الدومينو وما قد تفضي إليه من حلقات سلسلة التأثر والتأثير.
تعليق