حالة فحم
* أهدي القصّة لكلّ الذين لم تعد تنفعهم أو تضرّهم الهدايا.
بابتسامة من ثغرها الحلو،و هزّة خصر،و كأسين،سحبت كرسيّه من تحته و جلست عليه آمرة..أعذارك اليوم واهية..و رفعت له عينين ملؤهما غنج مفضوح غشّته الخمر على دهائه القديم و قالت:
- لن تلمسني قبل أن أتحلّى بمثل أساور زوجتك،و عقد ابنتك و مستقبل أولادك..
دنا منها ثملا يرهقه خزي ثقيل..ثجا على ركبتيه..الخلوة،مقفرة إلاّ منهما..قبّل كعب حذائها،ركلته تُمعن في تعبيد نفوذها بين أحشائه..و ككلب هرم طغى البياض على عينيه نظر إليها و قد اختلط الضّعف و العتاب بين أهدابه،و قال :
- خزامتي،حبيبتي،فتنتي..لك ما تشائين،أنت مسكني و حريقي..أنت تأمرين ..و همّ بضمّها،فتسربلت كحفنة رمل من بين ذراعيه و غابت..(لستُ رخيصة)..لحق بها متعثّرا فلم يجدها..على رخامة الصّفقات الحقيقيّة تركت مصقولة القدّ رقم هاتفها على فاتورة الحساب..ظنّه المبلغ المطلوب فحرّر فيه للنّادل صكّا و خرج أعمى.
في الغد عاد يطلبها و بحوزته حقيبة بها عقد و أساور تماما كما تمنّت،و مائة وظيفة أعدّها لها للفرز،عساها ترضى..توثّبت غرائزه و تهيّأت حواسّه لسهرة مستعرة،و هو يدخل قبو الجنون..طال انتظاره و لم تأت،و لم يعد يراها..مرّت الأيّام..بحث عنها كالمعتوه و لكن دون جدوى..لا أثر..
لمّا كفّ عن التّفتيش،جاءه النّبأ..أخبروه أنّ هناك جثّة أضخم قد سبقته و قدّمت لها مصاغة و ألف وظيفة محترمة للفرز..و لقد اختارت و تابت.
وجدت لدى الحقيبة الأكبر ما يناسبها و يسدّ نهمها للهيبة و القوة و المركز،و خرجت تذرع المدينة طولا و عرضا تنشر النّظام بين العباد،عن شمالها مارد و عن يمينها مارد،و على ملامحها ارتسم مزيج من الظّفر و اللّؤم كأنّ محتالا ختل لتوّه بدويّا و باعه صندوقا حديديّا مثبّتا في الأرض أعدّته شركة الهواتف مجمّعا لها.
وقفت أمامه،نحيلا،ضامرا كتجربة عابرة،و قالت بغلظة:
- ماذا تفعل هنا يا سيّد؟..ألا تعلم أنّ انتصابك ممنوع؟
أجاب بهدوء من ألِفَ الأدوار المقلوبة:
- أعلم ذلك سيّدتي..لكنّي لا أرى ما يمكن أن يصنعه أستاذ في بيولوجيا الأحياء غير الدّلالة و بيع الفواكه ليعيش..أم تراني مخطىء؟
هزّها كلامه،و ومض في ذاكرتها أنّ الكلمات التي ذكرها قد مرّ عليها ما يشبهها من قبل و هي تتصفّح لائحة الوظائف..فقدت صوابها و صرخت:
- أو تتشدّق معي في الكلام أيضا؟..لعلمك لست هنا لألهو معك أو مع غيرك..ارو قصّتك لغيري..البضاعة محجوزة و لديك مخالفة و تنبيه..
و بإشارة منها همّ أحدهما برفع الصّندوق..حال ببدنه دونه..و قاوم بغلّ و عناد شديدين.لم تحتمل أن تُعصى أوامرها.لم تعتد أن تُعصى أوامرها،فتقدّمت منه و بصقت عليه..تقهقر إلى الوراء،كما ليستوعب ما يحدث،ثمّ اندفع نحوها ليثأر.منعوه و شلّوا حركته ريثما تبتعد بالسيّارة،تاركة إيّاهما يتمّان المهمّة..مهمّة نشر السّلوك المهذّب و الحدّ من الفوضى.
أصابوه في دمه،و ساووا بينه و بين الحضيض،و بلغ به الضّيم منتهاه،فسكب على نفسه البنزين و أضرم النّار..و خرّ محروقا أمام الملأ.
و وقعت الواقعة..
لا يذكر التّاريخ على مرّ العصور أنّ أوّل الفارّين من هيمنة السّرادق قد نجا..لذا فإنّ "الأمين" قد مات.
اليوم لا مشكلة..زالت الحجب تماما،و عادت المياه جذلانة،مطيعة،إلى جداولها.
فقط ثمّة تغيير بسيط طرأ على نمط الحياة،ليس له فيما يرى اليقظ تأثيرا يُذكر على الأحداث..فقد صارت جميع العربات الجوّالة مجهزّة بدرج سرّيّ أسفل الخشبة تنام فيها قارورة بنزين..
تعليق