مآزق الشِّعريّة ( بين قصيدة النثر والقِصّة القصيرة جِدًّا)[ الحلقة الأولى]

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    مآزق الشِّعريّة ( بين قصيدة النثر والقِصّة القصيرة جِدًّا)[ الحلقة الأولى]

    مآزق الشِّعريّة
    ( بين قصيدة النثر والقِصّة القصيرة جِدًّا )
    بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
    [ الحلقة الأولى ]

    -1-
    يقف الباحث في حلقات هذه الدراسة على شكل جديد تلفتُ إليه نصوص من قصيدة النثر، يتمثّل في أبنية إيقاعيّة، لكنها غير منضبطة على التفعيلة، ولا تخلو أيضًا من الاحتفاء بالتقفية. ومن ثَمَّ فهي لون جديد، يقع بَيْن بَيْن، أي بَيْن قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة.
    وتعرّج الدراسة على بعض من كتبوا القصيدة بذلك الشكل المزدوج، في السعودية خاصة. على أنه لم يكن من غاية الباحث الاستقراء والاستقصاء، بمقدار ما هدف إلى إلقاء الضوء على كشفٍ أجناسيٍّ من خلال تجارب محدّدة. ولمّا كانت التصنيفات المطروحة لا تسعف في تصنيف تلك النصوص- المعدودة من قصيدة النثر- فقد اجتهد الباحث في اقتراح مصطلح جديد يميّز ذلك الشكل الشعري.
    وتُظهر الدراسة أن بعض التجارب النصوصيّة لا تقف عند حدّ استخدام التفعيلة كيفما اتفق، بل إنها لتبتكر تشكيلات منتظمة، وكأنها تصطنع بحورًا وزنيّة، كثيرًا ما يردفها ترجيع القوافي.
    وبذا تحاول الدراسة كشف اتجاه فنّيّ غير معلن وتسميته كي تمنحه شهادة ميلاده المستقلّة. وهو اتجاه، لو تكاثف وأصبح له رصيده الواسع من التجارب والاستجابات، لأمكن التنبؤ بأن ينتهي إلى فتح بدائل إيقاعية، عن عروض الخليل وشعر التفعيلة معًا، لا بنبذ الموسيقى الشِّعْريّة العربيّة، ولكن بالدوران في فلكها، بروح عربية تستعيد بكارتها.
    في مقابل ذلك تقف الدراسة على نماذج من (القصة القصيرة جِدًّا)، تبدو أحيانًا قصائد نثرٍ وإنْ سُمّيت قصصًا قصيرة جِدًّا. والتزاوج بين هذين النوعين (قصيدة النثر والقصة القصيرة جِدًّا) هو من الدقة بحيث يتبدّى الفارق بينهما شفّافًا جِدًّا، حتى لا يكاد يميّز القصة القصيرة جِدًّا سوى التزامها حكائيّةً ما، في حين لا يلزم ذلك قصيدة النثر بالضرورة. وفي نماذج حلّلها الباحث يتضح توالج نصوصٍ من القصة القصيرة جِدًّا مع قصيدة النثر، إلى درجة التماهي. بل إن بعض تلك النصوص لتبدو- بما تتوافر عليه من خصائص شعريّة- أَشْعَر من كثيرٍ ممّا يسمّى قصيدة نثر.
    ولمّا كان الجوّ الشعريّ حاضرًا في القصة القصيرة جِدًّا، فإن الإيقاع يحضر أحيانًا على غرار ما يحدث في بعض نماذج قصيدة النثر. من حيث إن الشعر يستدعي بنية إيقاعيّة ما، تستتبع صنعة الشعر البلاغيّة، من كثافة تقديم وتأخير، وتشبيه، واستعارة ونحوها، متمخضةً الانحرافات الأسلوبية تلك عن إيقاعات صوتية وأخرى دلالية.
    وهكذا، فكما انزاح بعض الشعر صوب النثر عبر نافذة قصيدة النثر، فإن النثر قد ينزاح صوب الشعر عبر القصّة القصيرة جِدًّا! إذ يبدو أنه على غرار تشبّث قصيدة النثر بالشعريّة يأتي تشبّث بعض أنماط من القصّة بالقصصيّة، فيما القصصيّة في بعضها واهية، أو حتى مفقودة! وهذان الشكلان (قصيدة النثر والقصة القصيرة جِدًّا) شكلان خارجان على القانون في جنسَي الشعر والقصّة، وجمالهما يكمن في خروجهما، فلا غرابة أن يقع فيهما- وبينهما- ما يقع من تداخل. غير أن الإشكاليّة تظلّ في المصطلح، إذ ما ينسب إلى جنس الشعر يجب أن ينتمي إليه، وما ينسب إلى جنس القصّ يجب أن ينتمي إليه كذلك. فإن كان جنسًا مدجّنًا، وجب أن يأخذ تعريفه المائز وتسميته المستقلّة.
    وهكذا فإن هذه الدراسة تخوض في عملية استكشافية في ثنايا نماذج من النصوص الحديثة، ملتبسة البنى، مضطربة الهويّة، من أجل إعادة النظر في بعض التصنيفات الأجناسيّة، التي لا تقوم في كثير من الأحيان على سبر الخصائص الفنيّة لما ينضوي تحتها.

    -2-
    لقد كانت رؤية سوزان برنار(1) في قصيدة النثر تنطوي على فكرة التعايش النوعيّ بينها وقصيدة الشِّعْر، بخلاف ما يُشاع من أرباب قصيدة النثر في مشهدنا الشعريّ العربي غالبًا من رهان على أن قصيدة النثر شكلٌ شعريّ يَجُبّ ما قبله. بل إن برنار(2) لتخلص- في آخر سطرٍ من كتابها- إلى أن قصيدة النثر ليست بتجديد للشكل الشعريّ، بمقدار ما هي ثورة احتجاجٍ ونضالٍ فكريّة للإنسان ضدّ مصيره. وقد تبدّى لنا من مقاربة سابقة أن ما يُسَمَّى قصيدة نثر، كما تمخّضتْ عنه التجاربُ العربيّة إلى الآن، لا جديد حقيقيًّا فيه- لا من الوجهة الشعريّة ولا النثريّة- أكثر من تعليق مصطلح ملتبس لما كان يسمى قديمًا بالأقاويل الشعرية، أو الإشراقات الصوفيّة، أمّا الشكل المدعّى لقصيدة النثر فليس بالجديد(3). فيما تؤكّد (برنار)(4)نفسها أن قصيدة النثر: "نثرٌ"، لا "شِعْر"، وأنها "تستجيب لحاجات أخرى غير الشِّعْر".
    وفي التجربة النصوصيّة العربية الحديثة سمّى (جورجي زيدان، -1914) ما نشره (أمين الريحاني، -1940) في ديوانه "هتاف الأودية"، سنة 1905، من هذا الشكل الكتابي المجرّد من الوزن والقافية: شعرًا منثورًا(5). بل لقد تحدّث الريحاني نفسه عن هذا الشكل الكتابي باسم "الشِّعْر النثريّ"، وشبّهه بشعر الأمريكي (والت وايتمان)، في ديوان "أوراق العشب Grass leaves". كما كان لبعض الأسماء من العراق إسهام في تلك البدايات من قصيدة النثر العربيّة(6). ونُسب إلى الشاعر معروف الرصافي كتابة "قصيدة نثرٍ" ما، سنة 1924، قائلاً عنها إذ ذاك: إن "الشِّعْر المنثور العاري من الوزن والقافية هو شعر بالمعنى الأعمّ للكلمة"، واقترح تسميته بـ"الشِّعْر الصامت"؛ لعدم اقترانه بالموسيقى(7). ما يعني أن الرصافي إنما كان يرى فيه "الشِّعريّة"، بمعناها "الأعمّ"، لا "الشِّعر"، بصفته جنسًا أدبيًّا. وهذا يتّفق مع رؤية القدماء لهذا الشكل الكتابي في إطار ما أسموه "الأقاويل الشِّعريّة". ثم خلف من بعدهم خلْف ارتضوا تلك الكتابة شِعرًا، كأدونيس، وجبرا إبراهيم جبرا، وشوقي أبي شقرا، ومحمّد الماغوط، ويوسف الخال. وسمّاه بعضهم: "قصيدة الأدب"، أو "قصيدة التجاوز والتخطّي". ولعلّ نازك الملائكة هي من اقترحت اسم "قصيدة النثر"، تقليلاً من شأنه(8).
    إن التمرّدٌ على قانونٍ فنّي دون استبداله بآخر محض فوضى، ولا فنّ إلاّ بنظام. "وهل تكون قصائد لو لم يكن الأمر كذلك؟"- كما تساءلت (برنار)(9)- إذ تقول:

    "من المؤكّد أن قصيدة النثر تحتوي على مبدأ فوضويّ وهدّام؛ لأنها وُلدتْ من تمرّد على قوانين عِلْم العَروض، وأحيانًا على القوانين المعتادة للّغة، بيد أن أيّ تمرّد على القوانين القائمة سرعان ما يجد نفسه مكرهًا على تعويض هذه القوانين بأُخرى، لئلاّ يصل إلى اللا عضويّ واللا شكل، إذا ما أراد عمل نتاجٍ ناجح. إذ إن مطلب الوصول إلى خلق "شكل"، أي بعبارة أخرى تفسير وتنظيم العالم الغامض الذي يحمله الشاعر في نفسه هو شيء خاصٌّ بالشِّعْر. ولن يكون بمستطاع الشاعر عدم استخدام اللغة وعدم إعطائها قوانين، وإنْ كان ذلك لمجرد تفسير التمرّد والفوضى."

    وفي معمعة الاضطرابات تلك بين نظاميّ الشعريّ والنثريّ، جاءت سخريتنا- نحن العرب المُحدثين- من قُدامى النّقاد العرب حين قالوا: إن الشِّعْر هو: "كلام موزون مقفّى يدلّ على معنى"(10)، فسفّهنا قولهم، بنزوع للتخفّف من الوزن والقافية، ثم من موسيقى الشِّعْر جملةً، وإنْ بفهمٍ قاصر، لا يخلو من أدلجة، ومن تشويهٍ لحقيقة ما قالوه وعَنَوْه. إلاّ أن تلك المقولة تبقَى منطقيّة، لا بحسب تأوّلنا إيّاها كي نصم قائليها بالحمق النقديّ، ولكن بالنظر إلى أنهم حينما قالوها- مركّزين على الموسيقى اللغوية في الشِّعْر- كانوا ينظرون إلى أخصّ مميّزات الشِّعْر العربي: الوزن والتقفية؛ من حيث إن الخصائص الأسلوبية الأخرى كلها مشتركة بين الشِّعْر والنثر، لا يختلفان فيها إلاّ كمّيًّا؛ من حيث إن الشِّعْر يكثّف عناصرها- من صوتيّات، وصُوَر، وتقديم وتأخير، وغيرها- وجميعها تدخل في بناء النثر الأدبي، لكن بتكثيف أخفّ وتركيز أقلّ. أمّا ما يتفرّد به النصّ الشعريّ العربيّ- بوصفه جنسًا أدبيًّا- فالوزن والقافية وموسيقى اللغة. تلك هي علامته الفارقة التي التفت إليها تعريف النَّقد العربي القديم. وكذا من يريد أن يعرّف مادة تعريفًا فارقًا، فارزًا لها عن غيرها، سيعمد إلى تعيين أخص خصائصها التي لا يشاركها فيها غيرها. أمّا لو قال، مثلاً: "الشعر هو: كلام موزون، مقفّى، يدلّ على معنى، وفيه أخيلة، وتصوير، وعواطف إنسانيّة".. إلى آخر ما هنالك، فسوف يدخل فيما قاله كثير من النثر، باستثناء العنصرين الأوّلين.
    وتلكم إذن هي العلامة الفارقة التي لا يحفل بها النقد الحديث كثيرًا، بل يُسقطها الشِّعْر الحديث، أو يعيث فيها، وقد يتخلّى عنها برمّتها، كما في قصيدة النثر، ثم يصرّ مع ذلك على أن ما يفعل ينتمي إلى جنس الشِّعر، ليمسخ الشِّعْر نثرًا، ويدعو النثر شعرًا!(11)
    ــــــــــــــــــــ
    (1)انظر: (1993)، قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا، تر. زهير مجيد مغامس، مر. علي جواد الطاهر (بغداد: دار المأمون)، 277- 278 مثلاً. وللتفصيل، انظر: الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (2005)، حداثة النص الشِعري في المملكة العربيّة السعوديّة: (قراءة نقديّة في تحوّلات المشهد الإبداعيّ)، (الرياض: النادي الأدبي)، 124- 000.
    (2) انظر: م.ن، 288.
    (3) انظر: الفَيفي، 125- 129.
    (4) انظر مثلاً: 283- 285.
    (5) معروف أن الريحاني كان كاتبًا وخطيبًا أكثر منه شاعرًا، وقد عاش في الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحادية عشرة من عمره، ولم يتعلّم قواعد العربيّة إلا على كبر. (انظر: الزركلي، خير الدين، (1984)، الأعلام، (بيروت: دار العلم للملايين)، 2: 18- 19).
    (6) كرافائيل بطي (1898- 1954)، وحسين مردان (1928- 1980)، وميخائيل مراد (المولود في العراق 1906، المتوفّى في دولة إسرائيل 1988). (انظر: لعيبي، شاكر، (محرم 1428هـ يناير 2007م)، "إشكاليات قصيدة النثر المحلية (شعر وتواريخ)"، (مجلة "قوافل"، ع21، (نادي الرياض الأدبي)، 16- 18).
    (7) انظر: م.ن، 19.
    (8) انظر مثلاً: خليل، إبراهيم، مقدمة ديوان: (هُدى، نادر، (2001)، كذلك، (إربد: مطبعة البهجة))، 15.
    (9) 20- 23.
    (10) انظر مثلاً: ابن جعفر، قُدامة، (1948)، نقد الشِّعر، تح. كمال مصطفى (القاهرة: أنصار السُّنّة المحمّديّة)، 17.
    (11) أصل هذه الحلقات ورقة بحث مقدمة إلى ملتقى نادي القصيم الأدبي حول: "جماليات القصيدة الحديثة في المملكة العربية السعودية"، 1428هـ= 2007م.

    أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
    29- 12- 2010
    http://www.mhammed-jabri.net/
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    #2
    مآزق الشِّعريّة
    ( بين قصيدة النثر والقِصّة القصيرة جِدًّا )
    بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
    [ الحلقة الثانية ]

    كانت العلامة الفارقة للشِّعر عن النثر لدى العرب الوزن والقافية. وهي علامة لم يعد يحفل بها النقد الحديث كثيرًا، بل يُسقطها الشِّعْر الحديث، أو يعيث فيها، وقد يتخلّى عنها برمّتها، كما في قصيدة النثر، ثم يصرّ مع ذلك على أن ما يفعل ينتمي إلى جنس الشِّعر العربي، ليمسخ الشِّعْر نثرًا، ويدعو النثر شعرًا! مُلْقِيًا بمقولةٍ أسلوبيّة تذهب إلى أن "لبحور الشِّعْر وأوزانه أثرًا في الأداء، وفي قوّة الأسلوب"(1) عُرض البحر الميّت!
    ليس هذا فحسب، بل هناك أيضًا من ذهب يلتمس في التراث خروجًا عن الأعراف العربيّة للجنس الشِّعري، مدّعيًا أنها وُجدتْ في الماضي محاولات لإسقاط معياري الوزن أو التقفية. فمن ذلك ما خاض فيه بعض كبار النقاد المحدثين انطلاقًا ممّا أورده (ابن رشيق)(2)، حيث قال: "وقد جاء أبو نواس بإشارات أُخَر لم تَجْرِ العادة بمثلها، وذلك أن الأمين بن زبيدة قال له مرّة: هل تصنع شعرًا لا قافية له؟ قال نعم، وصنع من فوره ارتجالاً:

    ولقد قلتُ للمليحةِ قولي
    مِنْ بَعيدٍ لمَنْ يُحِبُّكِ: ... (إشارة قُبلة!)
    فأشارتْ بمِعْصَمٍ ثُمَّ قالتْ
    مِنْ بعيدٍ خلافَ قولي:... (إشارة لا لا!)
    فتـنفستُ سـاعةً ثم إنّي
    قلتُ للبغلِ عندَ ذلك:... (إشارة امشِ!)"

    فما كان من نقادنا المحدثين إلا أن تنافسوا في الاستناد إلى هذه الرواية للقول بأصول تراثية للتخلّي عن بناء القصيدة العربيّة، كُلٌّ يستغلّها لتأثيل شكلٍ مُحدَث من الشعر؛ فمن قائل- كمصطفى هدارة- إن ذلك (شِعْر مُرْسَل!)، إلى قائل- كأحمد بدوي-: "إذا صحّت هذه الرواية كان ذلك أول ما عُرف ممّا نسميه اليوم بالشِّعْر الحُرّ!"، ومن قائل- كيوسف بكّار(3)- إن تلك الأبيات "تجمع خصائص الشِّعْرين المُرسَل والحُرّ، فهي موزونة ولكنها متحرّرة من القافية، وهذه خصيصة من خصائص الشِّعْر المُرْسَل. ثم إنها متساوية التفعيلات، فالأشطار الأولى في ثلاث تفعيلات. وأما الأشطار الثانية ففي أربع. وهكذا تصرّف الشاعر في تفعيلات بحر الخفيف تصرّفًا يتفق مع مفهوم الشِّعْر الحُرّ!" كما عُدّت تلك في إحدى الدراسات المحاولة الوحيدة في الخروج عن إطار القافية وإسقاطها(4). بل هناك من أصّل بتلك الرواية لقصيدة النثر في التراث العربي، من خلال ما حسبه "شذرات شعريّة موزونة لكن غير مقفّاة"(5).
    تُرى أضلّل تلك القراءات قول الأمين: "هل تصنع شعرًا لا قافية له؟"، فغفلوا عن أن المقصود: "هل تصنع شعرًا لا قافية له من جنس الأصوات العربية؟"، وأن أبا نواس لم يجرّد الأبيات من القوافي، وإنّما جاء بقوافٍ ذوات أصوات متطابقة في السمع، لكنها من غير الحروف العربيّة؟ أم تراه ضلّلهم أنّ صاحب "العُمدة" لم يستطع أن ينقل إلى آذانهم بالكتابة ما يعتمد على السماع في فهم ما قَصَده بـ"إشارة قبلة" (مكررة مرتين)، ليسمع هؤلاء شفتي أبي نواس وهما تقبّلان مليحته قبلتين، أو "إشارتي لا لا"، وهو يُصْعَق بصوتهما من طَرَف لسانها، أو "إشارة امشِ"، وهو- يائسًا- يزجر بها بغله، مكرّرة مرتين؟! أ ولو استطاع أن يبعث إليهم تسجيلاً صوتيًّا بذلك كُلّه، فهموا إشاراته تلك إلى: القُبلة، والرفض، والزجر، فكانوا بمنجاة عن السقوط في ذلك الوهم المتناسخ؟ أم أنه إنّما حرّكهم أصلاً إلى التضليل شغفهم بالتأصيل، والزعم بأن الأول ما ترك للآخر شيئًا؟!
    مهما يكن من شيء، لو استبصر أولئك النقّاد بما أورده ابن رشيق إذن لأدركوا أن أبا نواس لم يخرق أعراف الشِّعْر العربي، فلم يتخلّ لا عن الوزن ولا عن القافية في أبياته، وإنما استبدل صوت (السبَّبَين الخفيفين) في آخر التفعيلة الأخيرة من كل بيت بأصوات متشابهة غير لغويّة في العربيّة، هي صوت التقبيل والرفض والزجر. فليس هناك إذن لا شِعْر مُرْسَل، ولا شِعْر حُرّ، ناهيك عن أن تكون قصيدة نثر، وإنما هي أبيات موزونة على البحر الخفيف (فاعلاتن/ مستفعلن/ فاعلاتن)، مقفّاة برويّ تلك الأصوات المشار إليها.
    وفي هذا ما يكشف أزمة النقد العربيّ الحديث حينما يتخلّى عن وظيفته العلميّة، وتتجاذبه تيارات المذاهب الأدبيّة، فيمسي هوى الناقد كهوى الشاعر، يخشى أن تصيبه دائرة التقليد، فيترامى لإظهار حداثته، أو تأصيلاته للحداثة تراثًا، في غير موضوعيّة، ولا بحثٍ، ولا تجرّدٍ.
    لقد كان الشِّعْر العربي- نظريةً وممارسة- يؤمن بأن لجنس الشِّعْر حدًّا فاصلاً عن الأجناس النثرية، وقانونًا فارقًا، ونظامًا مائزًا، وَجَدَ علامته الأبرز في الموسيقى الشِّعْريّة، ولاسيما الوزن والقافية. والشِّعْر العربي ونقده لم يعدوا في ذلك ما قاله- مثلاً- الشاعر الكندي الأمريكي مارك ستراند، فيما يذكره عنه محمود درويش(6)، حينما قال:

    "في نهاية الندوة المشتركة طُلِب مني أن أوجِّه سؤالاً إلى مارك ستراند. فسألته: ما هي الحدود الواضحة بين الشِّعر والنثر؟ تلعثم كما يتلعثم الشعراء الحقيقيون أمام صعوبة التحديد. ثم قال... وهو الذي يكتب الشِّعر النثري: الإيقاع الإيقاع. الشِّعر يُعَرَّفُ بالإيقاع... ولا أعرف لماذا تذكّرت قول نيتشه الحاذق: "الحكمة هي المعنى محرومًا من الغناء"!"

    وإذ يتقرّر هذا فليس عن موقفٍ مضادّ بالمطلق لقصيدة النثر، ولا مناوئ لخرق نظام فنّي بنظام آخر، بل هو موقف من أن تستتبع فوضى الأبنية الفنيّة فوضى نقديّة اصطلاحيّة في تسمية الأشياء بغير أسمائها. وهذا عين ما حذّر منه من قبل جان كوهين(7)، إذ قال: "إنه يمكن للشِّعْر أن يستغني عن النَّظْم، ولكن لماذا يستغني عنه؟ إنّ الفنّ الكامل هو الذي يستغلّ كل أدواته. والقصيدة النثريّة بإهمالها للمقومات الصوتيّة للّغة تبدو، دائمًا، كما لو كانت شِعرًا أَبْتَر." وسنرى أن ذلك البتر الشِّعريّ يقاوم إرادة صاحبه دون تحقّقه، فتنبتُ المقوّمات الصوتيّة الشِّعريّة في ثنايا النصّ، مخاتلةً كاتب قصيدة النثر.
    وعليه يمكن القول: إن مصطلح (قصيدة نثر) مجاز اصطلاحي يشار به إلى نصّ جميل مختلف، قد يبزّ الشِّعْر تعبيرًا وليس بشِعر، ويفوق النثر إفضاء وليس بنثر. وفي حصر النصوص بين حَدَّي الشِّعْر والنثر جناية عليها، وتقييد لمشاريعها عمّا تطمح إليه. وفي نماذج هذه الدراسة، ممّا يصنّف تارة في الشِّعر وتارة في النثر، برهانان على جناية ذلك التقييد المعيق لحركة الإبداع بقسرها على ولوج قالبين خرسانيّين موروثين، أحدهما اسمه شِعر والآخر اسمه نثر. ذلك أن بعض أنماط قصيدة النثر تُثبت أن الإيقاع ما ينفكّ يراود النصّ حين يتقمّص حالة الشِّعْر، حتى وهو يظنّ الخلاص منه، مثلما أن أشكالاً من الكتابات النثريّة، ومنها القِصّة القصيرة جِدًّا، تحمل شواهد على ذلك المأزق التصنيفي الأجناسي؛ حيث تتوالج بعض نصوصها مع قصيدة النثر، إلى درجة التماهي.
    ولقد مرّ النصّ الشعري الحديث بتجارب إيقاعية مختلفة، أفرزت أشكالاً شتّى، سُمّي منها في القرن الماضي (شِعْر التفعيلة)، ووقفنا إلى ذلك- في بحث سابق- على ما أسمّيناه (شعر التفعيلات)، وقَصَدنا به: أن لا يتقيّد الشاعر بتفعيلةٍ واحدة في النصّ(8). ونقف بالقارئ في هذه المقاربة على شكلٍ جديد تَلْفِتُنا إليه نصوص المبدعة السعوديّة منال العويبيل(9)، متمثّلاً في نصوص إيقاعيّة، لكنها غير منضبطة على التفعيلة، كما أنها تحتفي إلى جانب ذلك بالتقفية. ومن ثَمَّ فهي لون جديد، يقع بَيْن بَيْن، أي بَيْن قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة. ولهذا نقترح لها مصطلحًا خاصًّا، على طريقة العرب في النحت، مكونًا من (قصيدة النثر) و(قصيدة التفعيلة)، هو: (قصيدة النَّثْرِيْلَة)، تجنّبًا لاتخاذ صيغة مركّبة من قبيل: (قصيدة النثر-تفعيلة). ونعني بقصيدة النَّثْرِيْلَة: ذلك النصّ الذي يمزج قصيدة النثر بقصيدة التفعيلة، ليتولّد شكلاً ثالثًا(10).

    وتفصيل ذلك في الحلقة المقبلة، بإذن الله.

    ــــــــــــــــــــ
    (1) الشايب، أحمد، (1990)، الأسلوب: دراسة بلاغيّة تحليليّة لأصول الأساليب الأدبيّة، (مصر: مكتبة النهضة)، 82.
    (2) (1972)، العُمْدة في محاسن الشِّعْر وآدابه ونقده، تح. محمّد محيي الدين عبدالحميد (بيروت: دار الجيل)، 1: 310.
    (3) (1971)، اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري، (مصر: دار المعارف)، 378.
    (4) انظر: الدخيل، وفيقة، (1410هـ= 1990م)، شِعْر الكُتّاب في القرن الرابع الهجري، (مخطوطة رسالة دكتوراه، قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة الملك سعود)، 333.
    (5) انظر: لعيبي، شاكر، (محرم 1428هـ يناير 2007م)، "إشكاليات قصيدة النثر المحلية (شِعر وتواريخ)"، (مجلة "قوافل"، ع21، (نادي الرياض الأدبي))، 18.
    (6) (2008)، أثر الفراشة (يوميّات)، (بيروت: رياض الريّس)، 196- 197.
    (7) (1986)، بنية اللغة الشِّعريّة، تر. محمّد الولي ومحمّد العمري (الدار البيضاء: دار توبقال)، 52.
    (8) انظر: الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (2005)، حداثة النص الشِّعري في المملكة العربيّة السعوديّة: (قراءة نقديّة في تحوّلات المشهد الإبداعيّ)، (الرياض: النادي الأدبي)، 151.
    (9) منال عبد العزيز محمد العويبيل: شاعرة سعودية، تحمل شهادة بكالوريوس في التربية الفنيّة. إلى جانب التحاقها بدورات تدريبيّة فنيّة، وورش عمل ثقافيّة وأدبيّة مختلفة. ساهمت بنشر نصوص شعريّة ونثريّة في عدد من المطبوعات السعوديّة والعربيّة، وعبر الشبكة الإلكترونيّة. ولها مجموعة شِّعريّة أولى تحت عنوان: "كَذَب العشّاق ولو صَدَقوا"، لم تكن قد طبعت حين إعداد هذه الدراسة، 2007. كما عَمِلَتْ محرّرةً ثقافيّة صحفيّة. إضافة إلى دورها الإعلامي في عدد من الفعاليّات النسائيّة. ولها عدد من العضويّات الثقافيّة، منها عضويّتها وتحريرها في بعض المجلاّت الثقافيّة الإلكترونيّة. وهي، إلى كونها شاعرةً، فنّانةٌ تشكيليّة، لها مشاركات في عدد من المعارض التشكيليّة والأنشطة الفنّيّة.
    (10) ولا يناقض الاستمساك بمصطلح "قصيدة" هنا ما سبق من تحفّظ على نسبة قصيدة النثر إلى جنس الشِّعْر، فالأمر قد صار اصطلاحًا سائرًا، ولا مشاحّة في الاصطلاح، بل لا سبيل إلى تبديد الجهود في مشاحّة لا جدوى منها في تغيير ما سار في الناس. هذا إضافة إلى أن المصطلح يقيّد دلالته المضاف إليه: "النثر"، أو "النَّثْرِيْلَة". فضلاً عن أن قصيدة النَّثْرِيْلَة أقرب إلى خصائص الشِّعر من قصيدة النثر، الخالصة النثريّة.

    أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
    5- 1- 2011
    aalfaify@yahoo.com
    http://www.mhammed-jabri.net/

    تعليق

    • محمد جابري
      أديب وكاتب
      • 30-10-2008
      • 1915

      #3
      [align=center]مآزق الشِّعريّة[/align]
      [align=center]( قصيدة النَّثْرِيْلَة )
      بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي[/align]

      [align=center][ الحلقة الثالثة ][/align]

      مرّ النصّ الشِّعري الحديث بتجارب إيقاعيّة مختلفة، أفرزت أشكالاً شتّى، سُمّي منها في القرن الماضي (شِعْر التفعيلة)، ووقفنا إلى ذلك- في بحث سابق- على ما أسمّيناه (شعر التفعيلات)، وقَصَدنا به: أن لا يتقيّد الشاعر بتفعيلةٍ واحدة في النصّ(1). وهنا نقف بالقارئ على شكلٍ جديد تَلْفِتُنا إليه نصوص المبدعة السعوديّة منال العويبيل(2)، متمثّلاً في نصوصٍ إيقاعيّة، لكنها غير منضبطة على التفعيلة، كما أنها تحتفي إلى جانب ذلك بالتقفية. ومن ثَمَّ فهي لون جديد، يقع بَيْن بَيْن، أي بَيْن قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة. ولهذا نقترح لها مصطلحًا خاصًّا، على طريقة العرب في النحت، مكونًا من (قصيدة النثر) و(قصيدة التفعيلة)، هو: (قصيدة النَّثْرِيْلَة)، تجنّبًا لاتخاذ صيغة مركّبة من قبيل: (قصيدة النثر-تفعيلة). ونعني بقصيدة النَّثْرِيْلَة: ذلك النصّ الذي يمزج قصيدة النثر بقصيدة التفعيلة، ليتولّد شكلاً ثالثًا(3).
      وأجزم أن منال العويبيل لا تتعمّد ذلك التكوين النثريليّ، لكنها كانت مهمومة إبّان الدراسة الجامعيّة بتعلّم العَروض(4)، قبل أن تجد نفسها مضطرّة لتعبّر من خلال ما ظنّته قصيدة النثر، وفق التصنيف المطروح؛ إذ لم تتمكّن من الأداة العَروضية اللازمة للبناء التفعيليّ، كي تسير وفق ذلك النمط الدارج. فكان أن قادتها التجربة إلى ما أُسمّيه: (قصيدة النَّثْرِيْلَة)، التي أرى فيها شِبه جزيرة مجهولة التعيين والتسمية والتصنيف، بين قصيدة النثر وشِعْر التفعيلة.
      لقد انقادت العويبيل إذن بمحض الحاجة الداخليّة إلى التعبير إلى قصيدة النَّثْرِيْلَة، كما قادت الرغبة في التعبير نازك الملائكة من قبل إلى اكتشاف شِعْر التفعيلة. لكنّ هناك لديهما عوامل رديفة. فمثلما انتهى بنازك حسّها الموسيقي وعِلْمُها العَروضيّ إلى الخروج عن العَروض الخليليّ إلى (شِعر التفعيلة)، من داخل العَروض الخليليّ، انتهى بمنال حسّها الشعريّ وثقافتها التشكيليّة إلى الخروج عن العَروض الخليليّ وشِعر التفعيلة وقصيدة النثر جميعًا، إلى (شِعر النَّثْرِيْلَة)، من داخل العَروض الخليليّ وشِعر التفعيلة وقصيدة النثر. وإذا كانت نازك قد تراجعت عن تسمية ما أنجزتْه بـ"الشِّعْر الحُرّ"، واختارت له اسمًا أدقّ هو: "شِعر التفعيلة"، فكم بالحريّ أن تتراجع منال كذلك عن وهم أن ما تنجزه "قصيدة نثر"، فتختار له اسمًا أدقّ هو: "شِعر النَّثْرِيْلَة". وهو إنجازٌ لم تدّعه منال بل وقفتُ عليه لديها بالصُّدفة، حينما أطلعتني على بعض نصوصها على أنها قصائد نثر.
      على أن الظاهرة أوسع من تجربةٍ واحدة، أو وَهْم ريادةٍ بالضرورة. وحين عاود الدارس استقراء أعمال أخرى وَجَد- في عُجالة- عددًا ممّن كتبوا قصيدة النَّثْرِيْلِيَّة، وتُمكن الإشارة منهم إلى: عبدالرحيم مراشدة، من الأردن، في بعض نصوص مجموعته "كتاب الأشياء والصمت"(5)، إذ يقول، مثلاً:

      كلمُ الشاعر ترتيلٌ ونزفُ
      نصف مقتولِ الجفونِ ونصفُ
      يقرأ اللحظةَ
      يرنو... ويزفُّ

      فمن السهل هنا أن يقال: إن هذا نصّ تفعيليّ أخطأ الشاعر في سطره الثاني، وكان بإمكانه أن يقول: "نصف مقتولِ الجفونِ ثم نصفُ"، مثلاً، لتستقيم التفعيلة. غير أن صاحب النصّ إنما يَلِجُ بنَصِّه حافّةً أخرى غير قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، هي قصيدة النَّثْرِيْلَة. ولاسيما أنه أكاديميّ متخصّص، وما كانت لتفوته كلمة ترمّم تفعيلة (فاعلاتن)، لو أراد. أو قوله:

      سَكْرةٌ
      رشفةُ الشِّعْر من كاسها
      سبحان شاعرنا من أسكره؟(6)

      فهل هذا نصّ تفعيليّ أم قصيدة نثر؟
      لن تسعفنا التصنيفات المطروحة في تصنيفه؛ لأن سطرَيه الأوّلين على تفعيلة (فاعلن)، والسطر الأخير ناشز. ومَنْ لم يقف على نصوص مراشدة قد يلجّ في تصحيح خطئه هاهنا، ليقسر النصّ على ولوج سَمّ (فاعلن)، كي يكون نصًّا تفعيليًّا. وكذا نجد في بعض نصوص أردنيّ آخر، هو: نادر هُدى(7)، كقوله من قصيدته "أنيسة":

      يا عذابي الأصيلْ
      اتئدْ
      إنّني محضُ طيفٍ
      والرؤَى
      أدمعي النازفة
      للملاكِ الجميلِ
      الملاكِ الذي لم يغبْ لحظةً
      وأنا أحتضر ...

      ويتجلّى هذا الضرب المختلف من الإيقاع كذلك في ديوان علاء عبدالهادي، من مصر، بعنوان "مُهْمَل"، 2007، حيث تتجاور التفعيلة والنثر في نصٍّ واحد، كنصّ "الغريب"، ولكن دون امتزاج، في حين يمتزج الشكلان في نصوص أخرى، كما في نصوصه: "فلسفة الجمال"؛ "الوجود والعدم"؛ "نهاية اليوتوبيا"؛ و"الأيديولوجيَّة الانقلابيَّة". وعندئذٍ يتعانق الإيقاع التفعيليّ بالنثر، ليتخلّق بينهما مخلوق ثالث، هو ما نطلق عليه: (قصيدة النَّثْرِيْلَة). ولنأخذ عليها مثالاً شاهدًا من قصيدة "الوجود والعدم"(8)، حيث نقرأ:

      كُلُّ شَي/ءٍ ثَقِيـ/ـلٌ هُنَا!
      مَائِدَةٌ/ مَحْفُورَةٌ/ فِي خَشَبْ,
      إنْسَا/نٌ مَحْـ/ـفُورٌ/ فِي جَسَدْ,
      وَمَكَا/نٌ مَحْـ/ـفُورٌ/ فِي سَا/عَةٍ مُكْـ/ـتَظَّةْ,
      الْزَمَا/نُ فَارِغٌ,
      وَدَمُهُ خَفِيفٌ.. مِثَلُ عَدَّادِ "تَاكسِي" تَمَامًا.. فَأَسْأَلُ:

      (وَأَنَا أَنْتَظِرُ.. مَنْ سَيَظْـ/هَرُ لِي/.. بَغْتَةً/,
      كَيْمَا يَفْتَحُ لِيَ الْبَابَ,
      لأًَدْفَعَ حِسَابي.. وَأرْحَل)
      مَاذَا أَشْتَرِي.. بِكُلِّ هَذَا الشَّهِيق؟

      فهل هذه قصيدة نثر أم قصيدة تفعيلة؟

      بل هذا ما أسميه (قصيدة النَّثْرِيْلَة). وسأواصل تحليل هذه الظاهرة الفنيّة في الحلقة الرابعة.

      ــــــــــــــــــــ
      (1) انظر: الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (2005)، حداثة النص الشِّعري في المملكة العربيّة السعوديّة: (قراءة نقديّة في تحوّلات المشهد الإبداعيّ)، (الرياض: النادي الأدبي)، 151.
      (2) منال عبد العزيز محمد العويبيل: شاعرة سعودية، سبق التعريف بها في الحلقة الثانية من هذه الدراسة.
      (3) ولا يناقض الاستمساك بمصطلح "قصيدة" هنا ما سبق من تحفّظ على نسبة قصيدة النثر إلى جنس الشِّعْر، فالأمر قد صار اصطلاحًا سائرًا، ولا مشاحّة في الاصطلاح، بل لا سبيل إلى تبديد الجهود في مشاحّة لا جدوى منها في تغيير ما سار في الناس. هذا إضافة إلى أن المصطلح يقيّد دلالته المضاف إليه: "النثر"، أو "النَّثْرِيْلَة". فضلاً عن أن قصيدة النَّثْرِيْلَة أقرب إلى خصائص الشِّعر من قصيدة النثر الخالصة النثريّة.
      (4) هذه المعلومة نقلتْها العويبيل إلى الدارس في وصف رحلتها مع المحاولات الشِّعريّة.
      (5) (إربد: منشورات ملتقى إربد الثقافي، 2002)، 26.
      (6) م.ن.
      (7) (2001)، كذلك، (إربد: مطبعة البهجة)، 81. وانظر ملاحظة (خليل، إبراهيم) في مقدمته لمجموعة " كذلك"، 26- 27.
      (8) نكتفي هنا بالتوثيق بعنوان النصّ؛ إذ ليست بين أيدينا إلاّ نسخة إلكترونيّة من العمل.

      أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
      أستاذ النقد الحديث- جامعة الملك سعود
      12- 1- 2011
      aalfaify@yahoo.com





      تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
      1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
      2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
      3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.
      http://www.mhammed-jabri.net/

      تعليق

      • محمد جابري
        أديب وكاتب
        • 30-10-2008
        • 1915

        #4
        مآزق الشِّعريّة
        ( قصيدة النَّثْرِيْلَة )

        بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
        [ الحلقة الرابعة ]

        يتجلّى ذلك الضرب المختلف من الإيقاع الذي أسميناه (قصيدة النَّثْرِيْلَة) في ديوان علاء عبد الهادي، من مصر، بعنوان "مُهْمَل"، 2007، حيث تتجاور التفعيلة والنثر في نصٍّ واحد، كنصّ "الغريب"، ولكن دون امتزاج، في حين يمتزج الشكلان في نصوص أخرى، كما في نصوصه: "فلسفة الجمال"؛ "الوجود والعدم"؛ "نهاية اليوتوبيا"؛ و"الأيديولوجيَّة الانقلابيَّة". وعندئذٍ يتعانق الإيقاع التفعيليّ بالنثر، ليتخلّق بينهما مخلوق ثالث، هو ما نطلق عليه: (قصيدة النَّثْرِيْلَة). ولنأخذ عليها مثالاً شاهدًا من قصيدة "الوجود والعدم"(1)، حيث نقرأ:

        كُلُّ شَي/ءٍ ثَقِيـ/ـلٌ هُنَا!
        مَائِدَةٌ/ مَحْفُورَةٌ/ فِي خَشَبْ,
        إنْسَا/نٌ مَحْـ/ـفُورٌ/ فِي جَسَدْ,
        وَمَكَا/نٌ مَحْـ/ـفُورٌ/ فِي سَا/عَةٍ مُكْـ/ـتَظَّةْ,
        الْزَمَا/نُ فَارِغٌ,
        وَدَمُهُ خَفِيفٌ.. مِثَلُ عَدَّادِ "تَاكسِي" تَمَامًا.. فَأَسْأَلُ:

        (وَأَنَا أَنْتَظِرُ.. مَنْ سَيَظْـ/هَرُ لِي/.. بَغْتَةً/,
        كَيْمَا يَفْتَحُ لِيَ الْبَابَ,
        لأًَدْفَعَ حِسَابي.. وَأرْحَل)
        مَاذَا أَشْتَرِي.. بِكُلِّ هَذَا الشَّهِيق؟

        فهل هذه قصيدة نثر أم قصيدة تفعيلة؟
        لا هذه ولا تلك، بل هي قصيدة (نَثْرِيْلَة). انتظم صدرها وبعض عجزها حسب الجدول الآتي:

        كُلُّ شَي ءٍ ثَقِيـ لٌ هُنَا فاعلن فاعلن فاعلن
        مَائِدَةٌ مَحْفُورَةٌ فِي خَشَبْ مستعلن مستفعلن فاعلن
        إنْسَا نٌ مَحْـ فُورٌ في جَسَدْ فاعلْ فاعلْ فاعلْ فاعلن
        وَمَكَا نٌ مَحْـ فُورٌ في سَا عَةٍ مُكْـ تَظَّةْ فعِلُن فاعلْ فاعلْ فاعلْ فعولن فاعلْ
        الزَّمَا نُ فَارِغٌ فاعلن مُتَفْعِلُن
        مَنْ سَيَظْ هَرُ لِي بَغْتَةً فاعلن فَعِلن فاعلن

        وهاهنا يُلحظ خليطٌ من الوحدات النغميّة، على النحو الآتي:

        1. يتألّف السطر الأول من وحدات نغميّة مكوّنة كلّ واحدة من سبب خفيف ووتد مجموع: (فاعلن).
        2. في السطر الثاني يتحوّل الإيقاع إلى وحدتين، مكوّنة كلّ منهما من سببين خفيفين ووتد مجموع: (مستفعلن)، يلحق أولاهما الطَّيُّ: (مستعلن)، ليختم السطر بوحدة نغميّة كتلك التي سادت السطر الأول: (فاعلن). وكأنما ثِقَل الإيقاع هنا مصاقب لثِقَل المائدة المعبّر عنها في هذا السطر: "مائدة محفورةٌ من خَشَبْ".
        3. وتتكرّر منذ السطر الثالث الوحدة الأولى المكوّنة من سببٍ خفيف ووتد مجموع: (فاعلن)، بتشكيلتيها: (فاعلن)، (فاعلْ).
        4. كما تتكرّر تلك الوحدة في السطر الرابع، بتشكيلتيها: (فَعِلُن)، (فاعلْ). أو مقلوبها، المكوّن من وتدٍ مجموع وسببٍ واحد خفيف: (فعولن).
        5. تعود الوحدة النغميّة الموجودة في السطر الثاني (مستفعلن) في السطر الخامس، مرّة واحدة، مخبونةً في: (مُتَفْعِلُن).
        6. كما تعود نغمة الوحدة النغميّة الأولى في السطر السادس، بتشكيلتَيها: (فاعلن)، (فَعِلُنْ).

        سيُقال إن التنغيم مصاحب للكلام العربيّ بعامّة، شِعره ونثره. وهذا صحيح، غير أن هذا التركيب- كما تجلّى في النماذج السابقة- ليس من قبيل التنغيم العفويّ، ولم يكن ليقع بمحض المصادفة. نعم، قد لا تكون هناك مقصديّة واعية، غير أن الشاعر، وهو يكتب قصيدة نثر، ما ينفكّ متلبّسًا بالإيقاع، ليس لأنه وريث لغة موسيقيّة، ولا لأن الذاكرة الشِّعْريّة العربيّة تحاصره بأصداء إيقاعيّة فحسب، ولكن، إلى ذلك؛ لأن الشاعر نفسه حين يعاقر هذه البنى الإيقاعيّة على اختلافها، بلا تحجّر في قديم، ولا اعتناقٍ مطلقٍ لجديد، إذا تلك الأشكال تتجاور في نصوصه، وتتوالج، وتتناسل بحريّة مطلقة.
        وشِعْر النَّثْرِيْلَة هو ما نجده كذلك في بعض نصوص الشاعر السعودي محمّد خِضْر الغامدي، كنصّه "هنّ"(2):

        قد تمرّ بكَ امرأةٌ
        تكتفي بكتابتها
        ثم تمضي حزينا
        ***
        يقولون ماءهن سِرّ الحياة
        وسِرّ التغلغل في الطُّرُق الشائكة
        واحمرار الشَّفق
        ***
        يقولون ينضج فيهنّ
        نهرُ الخرافةْ
        فيعطين للأرض صيغتها المُثْلَى
        يمتزجنَ بالرَّمل
        يغشاهنّ منه شيء
        يرى/ لا يرى

        ففي هذا الجزء من القصيدة نكاد نقرأ قصيدة تفعيلة، ينتظم مقطعها الأول على تفعيلة (فاعلن)، هكذا:
        قد تمر/ ربك امـ/ـرأةٌ/
        تكتفي/ بكتا/ بتها/
        ثم تمـ/ضي حزيـ/ـنا

        فيما ينتقل في بداية المقطع الثاني إلى (فعولن)، فيعود إلى (فاعلن):
        يقولو/ن ماء/هنّ سر/ر الحيا/ةِ
        وسر/ر التغلـ/ـغل في الطـ/طرق الشـ/شائكة
        واحمرا/ر الشفق
        على أنه يمكن الأخذ بتركيب آخر للإيقاع، بحيث تكون التفعيلة الأولى من المقطع الثاني امتدادًا للتفعيلة الأخيرة من المقطع الأول. إلاّ أنّ حركةً ستعكّر استمرار هذا النَّسَق، هي حركة الهمزة من كلمة "ماءهن":
        نا يقو/لون ما/[ء]/هنّ سر/ر الحيا/ةِ ...
        فيما يدخل المقطع الثالث في تفعيلة (فعولن)، لولا أنه يعود إلى (فاعلن) في السطر الرابع: "يمتزجـ"، والخامس: "هنّ من":
        يقولو/ن ينضـ/ـج فيهنـ/ن
        نهـر الـ/ـخرافةْ
        فيعطيـ/ـن للأر/ض صيغـ/ـتها المثـ/[ـلى]
        [يمتزجـ]/ـن بالرمـ/ـل
        يغشا/[هن منـ]/ـه شيءٌ
        يرى لا/ يرى

        ونواصل تحليلنا أغصانَ هذا الإيقاع في الحلقة المقبلة، بإذن الله.
        ــــــــــــــــــــ
        (1) نكتفي هنا بالتوثيق بعنوان النصّ؛ إذ ليست بين أيدينا إلاّ نسخة إلكترونيّة.
        (2) هكذا كان النص على موقع محمّد خِضْر، على الإنترنت:

        وقد وجدتُ هذا الموقع معطّلاً الآن. والنص على موقع "الموسوعة العالميّة للشِّعر العربي":
        أدب هي ديوان العرب وأضخم موسوعة عالمية للشعر العربي بما في ذلك الفصيح والعامي والنبطي تضم أكثر من ثلاث ملايين بيت شعر في أكثر من ثمانين ألف قصيدة لآلاف الشعراء العرب على مر العصور مصنفة حسب النوع والموضوع وكذلك حسب الدول للشعر العربي الحديث

        إلاّ أنها قد أضيفت إليه كلمتان، انكسر بهما الإيقاع السابق، الذي استقرأناه حين القيام بهذه الدراسة قبل سنوات: "قد تمرّ بك امرأة [لا تقطفها]". ما يؤكّد أن الإيقاع يأتي لدى الكاتب هكذا عفو الخاطر، وقد يعنّ له إقحام كلمات على النصّ تفسد موسيقاه.
        أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
        أستاذ النقد الحديث- جامعة الملك سعود
        19- 1- 2011
        aalfaify@yahoo.com



        تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
        1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
        2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
        3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.
        http://www.mhammed-jabri.net/

        تعليق

        • محمد جابري
          أديب وكاتب
          • 30-10-2008
          • 1915

          #5
          مآزق الشِّعريّة
          ( قصيدة النَّثْرِيْلَة )
          بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
          [ الحلقة الخامسة ]

          في الحلقة الرابعة رأينا تجلّيات ذلك الضرب الإيقاعيّ الشعريّ الذي أسميناه (قصيدة النَّثْرِيْلَة) في بعض نصوص علاء عبدالهادي، من مصر. ورأينا ثمّة خليطًا من الوحدات النغميّة، قمنا بتحليله. وتوصّلنا إلى أن ذلك التركيب ليس من قبيل التنغيم العفويّ، ولم يكن ليقع بمحض المصادفة. ذلك أن الكاتب- أيّما كاتب- وهو يكتب قصيدة نثر، ما ينفكّ متلبّسًا بالإيقاع، فإذا تلك الأشكال الإيقاعيّة تتجاور في نصوصه، وتتوالج، وتتناسل بحريّة مطلقة. وقلنا إن شِعر النَّثْرِيْلَة هو ما نجده كذلك في بعض نصوص الشاعر السعودي محمّد خِضْر الغامدي، كنصّه "هنّ- كما رأيناه في الحلقة السابقة- الذي يمضي على النحو الآتي:

          قد تمرّ بكَ امرأةٌ [لا تقطفها]
          تكتفي بكتابتها
          ثم تمضي حزينا
          ***
          يقولون ماءهن سِرّ الحياة
          وسِرّ التغلغل في الطُّرُق الشائكة
          واحمرار الشَّفق
          ***
          يقولون ينضج فيهنّ
          نهرُ الخرافةْ
          فيعطين للأرض صيغتها المُثْلَى
          يمتزجنَ بالرَّمل
          يغشاهنّ منه شيء
          يرى/ لا يرى

          حيث نقرأ جزءًا من النص يكاد يكون قصيدة تفعيلة، ينتظم مقطعه الأول على تفعيلة (فاعلن)، ثم ينتقل في بداية المقطع الثاني إلى (فعولن)، فيعود إلى (فاعلن). على أنه إذا أُخذ بتوزيعٍ آخر للأسباب والأوتاد في النص وما تكوّنه من تفعيلات، أمكن القول إن تنشيز المقطع الثالث من النصّ يتمثّل في الوتد المجموع الذي ابتدأ به، وهو صوت المتحركين والساكن في: "يقو". ثم تستمر بعده تفعيلة (فاعلن) منسابةً، حتى تتعثّر في (فعولن)، في الأسطر (4-5-6) من هذا المقطع:

          [يقو]/لون ينـ/ـضج فيـ/ـهنّ
          نهـ/ـر الخرا/فةْ
          فيعـ/ـطين للـ/أرض صيـ/ـغتها الـ/ـمثلى/
          يمتزجـ/[ن بالرمـ]/[ـل
          يغشا]/هن منـ/[ـه شيء]
          [يرى لا]/ يرى

          وتداخل (فاعلن) بـ(فعولن) ظاهرة سبق تحليلها في كتاب "حداثة النصّ الشِعري"(1)، حيث أشرنا إلى أن "هناك نمطًا من الشِّعر الحديث هو ما يمكن أن يتخذ مصطلح (الشِّعر الحُرّ)، بحقّ، أو (شِعر التفعيلات)؛ وذلك حيث لا يتقيّد الإيقاع بتفعيلةٍ واحدة لكنه ينداح في موسيقى الشِّعر العربيّ، ليبتدع أشكالاً تمليها التجربة. وقد بدا أن محمود درويش كان يفعل ذلك، فيمزج نظامًا تفعيليًّا بآخر... فكيف إذا كانت هناك علاقةٌ أصلاً بين وحدتي الإيقاع في النصّ، (فاعلن) و(فعولن)؛ لأنهما من دائرة عروضيّة واحدة، (دائرة المتّفق أو المتقارب)؟... وهذه الظاهرة فاشيةٌ في القصيدة الحديثة."
          وبعيدًا عن تحليلات نصّ محمّد خِضْر إيقاعيًّا واحتمالاتها التركيبيّة، فلعله قد اتّضح جليًّا مدى حضور التفعيلة في بعض ما يسمّى قصيدة النثر. وهذا إذن ما نطلق عليه: (قصيدة النَّثْرِيْلَة).
          وكذا يتبدّى من ملامح هذا النمط الاحتفاظ بالتقفية، إلاّ أن ذلك قد يظهر في قصيدة النثر الخالصة، كما في جلّ نصوص مجموعة "كذلك"، لنادر هُدى، على سبيل المثال(2). غير أن ما نسميه قصيدة النَّثْرِيْلَة لا بُدّ أن يتوافر على قدرٍ من الإيقاع التفعيليّ، لا على التقفية فقط. وهو ما يميّزه عن قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر معًا.
          ولعلّ المرور بمرحلة (النَّثْرِيْلَة) كان ينتهي ببعض الشعراء إلى قصيدة التفعيلة. كأنما بعض تجارب قصيدة النثر ما هي إلاّ تلمّس الروح الشاعرة ذاتها، قبل أن تثقف أدواتها وتثق بتمكّنها من ولوج الشِّعر الإيقاعيّ، وهذا ما مرّت به الشاعرة لطيفة قاري، على سبيل المثال؛ إذ تقول: "ديوان "هديل العشب والمطر" لا أعرف كيف كنتُ أثناء كتابتي له... وانتهت معه قصيدة النثر والآن أجد نفسي في شِعر التفعيلة."(3) وربما انتهى الأمر بشاعرٍ آخر إلى محاولة تصفية فنّيّة لنصِّه من الإيقاع، بعد أن يكتشف أنه قد انزلق إليه. وفي ذلك انحياز (مُغْرِض)، وكأن الإيقاع قد صار منقصة، يجب التنصّل منها لدى بعض متبنّي قصيدة النثر. وفي هذا الاتجاه انحرافات فنّيّة، يرتكبها المبدع في حقّ نفسه وعمله، تنمّ على عدم وعيٍ نقديٍّ، تتمثل في الآتي:
          1) مقصديّة اصطناع شكلٍ بعينه، دون غيره، وبوعيٍ مؤدلج.
          2) نفي الشاعر نفسه عن حريّتها في الإفضاء والاختيار، إذ يرضخ لإملاءات ذهنيّة أو مذهبيّة.
          3) تجرّده من الصدق، إنْ على الصعيد اللغويّ أو النفسيّ.
          4) حرمان الذات الشاعرة من شخصيّتها الإبداعيّة الحقيقيّة المستقلّة؛ من حيث يفضّل الشاعر أن يبقى تابع مدرسةٍ ومقلّد نموذجٍ، على أن يُنتج أشكالاً جديدة، أو يقترح لمن يأتي بعده آفاقًا تعبيريّة مختلفة.
          5) قصور رؤيته في نطاق إبداعِ نصٍّ وَفق قوالب جاهزة، عن الطموح إلى تخطّي ذلك إلى إبداعٍ نوعيّ. ذلك الإبداع النوعيّ الذي انبثقت عنه مختلف الأشكال الأدبيّة، شِعريّة ونثريّة، حين تَحَرَّر مبتكروها عن رقابة ما يمكن أن يُسمّى (الأنا العليا) المدرسيّة، أو المعتقد الفنّي الصارم (Dogma).
          6) انغماسٌ في تقليديّة متعصّبة أخرى باسم الحداثة.
          إن قصيدة النثر تتجلّى في صفائها النثريّ الخالص لدى أُنسي الحاج، على سبيل المثال، في مثل قوله من نص بعنوان "نجوم الصباح"(4):

          أصابع يديكِ هي نجوم الصباح في أغرب المدن، تلك التي أبوابُها مرصّعة بنياشين الكبت الخافض العيون إلى ملكوتِ الحريّة.
          فليكنْ بيننا وسيطًا ستارُ الكلْفة، مَلاكُ الخطايا الرزين!

          فهل هذا كذاك؟
          كلاّ!
          نصّ الحاج هو قصيدة النثر الخالص، في حين أن النصوص الأخرى، ذات الجرس والتفعيلة، من حقّها أن تُفرد بتصنيف مستقلّ، وليكن: (قصيدة النَّثْرِيْلَة)، كما تقترح هذه القراءة.
          غير أن ليس من غاية الباحث هاهنا استقراء البدايات ولا البحث عن الريادات، فما ضيّع جانبًا من جهود البحث النقدي العربيّ إلا الانشغال المبالغ فيه بالنبش عن البدايات أو الريادات، في مجالٍ لا يمكن القطع فيه ببداية ما ولا ريادة؛ من حيث إن أشكال الفنون والآداب تنشأ عن جينات شتّى، وتتمخّض بها تراكمات معرفيّة وفنّيّة لا حصر لها، والتأريخ لسلالاتها يُعدّ ضربًا من التَّرَف المعرفيّ، من المجازفة بمكان وصفه بـ"العِلْميّ". وها قد رأينا- في الحلقة الثانية- شاهدًا على الهوس بالبحث عن بدايات للشِّعر الحُرّ، أو المرسَل، أو قصيدة النثر، من قِبَل بعض النقاد المحدثين، ممّا أوقعهم في تيهٍ بعيد، حين أوغلوا في تأثيل ذلك وصولاً إلى أبي نواس، بناء على أبيات له لم يفقهوها، فضلّوا وأضلّوا!(5) كما أن رصد الظاهرة في تحقّقها، ودراستها في تمثّلها، هو أجدى هاهنا من تقصّي نماذجها، مكانًا أو زمانًا. وعليه، فإنما يهدف الباحث في هذه الخطوة إلى إلقاء الضوء على هذا الكشف الأجناسيّ، ومن خلال تجارب محدّدة. وقد نرى لاحقًا أن التوالج بين قصيدة النثر وشِعر التفعيلة لا يقتصر على الجانب الإيقاعيّ، وإنْ كان هو أبرز المعالم.
          ــــــــــــــــــــ
          (1) الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (2005)، حداثة النص الشِّعري في المملكة العربيّة السعوديّة: (قراءة نقديّة في تحوّلات المشهد الإبداعيّ)، (الرياض: النادي الأدبي)، 151.
          (2) تلك الخاصيّة التي وقف عليها يوسف بكّار، في تقديمه لتلك المجموعة، (انظر: هُدى، نادر، (2001)، كذلك، (إربد: مطبعة البهجة)، 15).
          (3) انظر: صحيفة "الوطن"، السبت 29 جمادى الآخرة 1428هـ= 14 يوليو 2007م، عدد 2479، على الإنترنت:

          (4) الحاج، أُنسي، (1994)، الوليمة، (لندن: رياض الريس)، 79.
          (5) راجع ما قيل- في منطلق البحث- حول استنتاجاتهم الغريبة من أبيات طريفة لأبي نواس، رواها ابن رشيق في "العمدة". (الحلقة الثانية): على رابط "الأربعاء": http://www.al-madina.com/node/282013/arbeaa

          أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
          أستاذ النقد الحديث- جامعة الملك سعود
          9- 2- 2011
          aalfaify@yahoo.com



          تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
          1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
          2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
          3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.
          http://www.mhammed-jabri.net/

          تعليق

          • محمد جابري
            أديب وكاتب
            • 30-10-2008
            • 1915

            #6
            مآزق الشِّعريّة
            (قصيدة النَّثْرِيْلَة لدى منال العويبيل- نموذجًا)


            بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
            [ الحلقة السادسة ]

            تأتي تجربة منال العويبيل الشِعريّة والثقافيّة بمثابة بشارة تسير بين تطرّفات شتّى في الوسط الأدبي والثقافي المحلّي والعربيّ، بين صوتيٍّ وبصَريٍّ، بين محافظةٍ ودعوَى جرأةٍ وصخبِ تهتّكٍ إعلاميّ، بين نسويّةٍ وذكوريّةٍ، قدامةٍ وحداثةٍ، نثريّةٍ وشِعريّةٍ، إلى نهاية هذه التيارات الثنائيّة المتقارضة، تمزّق الأحشاء والوجوه. ولعل وعيها الفنيّ التشكيليّ قد عصمها من الأمواج الذي تجتاح كثيرًا من أبناء جيلها وبناته. أولئك الذين اتخذوا القضيّة الأدبيّة حماسيّات وحزبيّات، وعقائد وأيديولوجيّات، فالتجديد لدى فريق يعني القفز على اللغة والتراث، فيما الأصالة تعني العيش في كهوف الماضي لدى فريقٍ مضادّ، فلا جدّد هنالك المجدّدون ولا أصّل المحافظون!(1)
            في قصيدتها "ابتسم أنتَ في الرياض"(2)، سنقرأ:

            مَدِيْنَتِي/ تُدَخِّنُ/ رُوَّادَهَا/ كَالسَجَائرِ المَهِيْلَة
            لا تُبْـ/ـكيكَ/
            لا تُضْـ/ـحككَ/
            تَصْلبُ/ عَلَى وَجْهِكَ شِفَاهًا سَتَعِيْهَا /حِيْنَ تَخْـ/ـتَلِقُ/ فِي الصَّبَا/حَاتِ لُطْ/ـفاً
            لا/ يَجِيء !
            فَاحذَرْ/ فِي هَزِيْـ/ـعٍ مِنَ الـ/ـوِحْدَةِ/ شَمَاتَتَهَا
            سَتَضْحَكُ/ حِيْنَهَا/ مِلْءَ الشْـ/شِـدْقَيـ/ـنِ
            عَلَيْك!/
            يَا هُنَا!/
            يَا للهَنَا!/
            اِبْتَسِمْ/ أَنْتَ فِي الرْ/رِيَاض
            * * *
            شَهِدَ/ شَاهِدٌ/ مِنْ أَهْلِهَا:
            ‘‘ أَذْكُرُ/ أنِّي _/ ذَاتَ دَرْ/بٍ _ اِبْتَسَمْـ/ـتُ لِنَخْلَةٍ/
            فَاحْمَرْ/رَ بِسْرُهَا/
            مدَّتْ/ مِنْ خُضْـ/ـرِ السَّعَفِ/ كَفَّهَا/
            فَمَا أَنْ/ رَاوَدَ الـ/ـودُّ كَفْـ/ـفِي عَنْ/ سَلامِهَا/
            تَنَحْنَحَتِ الـ/إِشَارَةُ : أن/ اعْبُرُون ‘‘
            /يَا هُنَا!/
            /يَا للهَنَا!/
            اِبْتَسِمْ/ أَنْتَ فِي الرْ/رِيَاض
            وعلى هذا النحو تمضي. ويُلحظ هاهنا خليط من الوحدات النغميّة، على النحو التالي:
            1. تبدأ وحدة نغميّة مكوّنة من سببين خفيفين ووتد مجموع: (مستفعلن)، قد يلحقها زحاف الخبن: (مُتَفْعِلُن)، أو الطيّ: (مُسْتَعِلُن).
            2. قد تصبح تلك الوحدة مكوّنة من سببين، أحدهما ثقيل والآخر خفيف، ومن وتدٍ مجموع: (متفاعلن)، كما في "ـتِ لنخلةٍ".
            3. تتردّد وحدةٌ أكثر من غيرها مكوّنة من سببٍ واحد خفيف ووتد مجموع: (فاعلن)، بتشكيلاتها المختلفة: (فاعلن)، (فَعِلُن)، (فاعلْ)، (فاعلُ).
            4. تَعْرِض وحدةٌ نغميّة، هي مقلوبة الوحدة المذكورة في (الفقرة2)، مكوّنة من وتد مجموع وسببين، أولهما ثقيل والآخر خفيف: (مفاعلَتن)، في: "تَنَحْنَحَتِ الـ/ إِشَارَةُ : أن".
            وقد تولّدت الوحدتان الرئيستان (فاعلن- مستفعلن) من اللازمة المكرّرة في نهاية كلّ مقطع:

            يَا هُنَا! يَا لَلْهَنَا! اِبْتَسِمْ أَنْتَ فِرْ رِيَاضْ
            o||o| O||o|o| o||o| o||o| oo||
            فاعلن مستفعلن فاعلن فاعلن مُتَفْعْ

            والشاعرة كانت تنظر في قصيدتها إلى قصيدة بدر شاكر السيّاب "أنشودة المطر"، يدلّ على ذلك تناصّها مع تلك القصيدة في مثل قولها:
            مَطَرٌ
            مَطَرْ
            عَرَجَت الصَلَوَاتُ عَلَى أكتافِ الـمَآذِن
            ‘‘ صَعَدَ الدُّعَاءُ ..
            مَطَرٌ نَزَلْ ‘‘
            وَكُلَّمَا رَحَلْ ..
            تَرَكَ فِي العَيْنَيْنِ غَيْمَتَيْن
            ‘‘ مَا مَرَّ شِتَاءٌ
            والرِّيَاضُ لَيْسَ فِيْهَا
            دُمُوْع ! ‘‘
            مع توظيفها عنصر "المَطَر" بدلالة ملتبسة بين استجابة (الغيث) حضورًا، وتخليف (الحُزن والدموع) رحيلاً، فيما وظيفة "المَطَر" في قصيدة السيّاب كانت أقرب إلى التعبير عن: نزول الشرّ، والانتقام، والجوع، والموت، وهطول الفواجع، وإنْ كان الشاعر يمنحه في نهاية الأنشودة فرصة: الإزهار، والابتسام، والتورّد، والحياة(3).
            وقصيدة السيّاب على (مستفعلن)، كما هو معروف، تلك الوحدة النغميّة المتجاوبة في تضاعيف نصّ منال. ولحرص الشاعرة على التنغيم، فقد ضبطتْ "مطَرٌ مطَرْ" هكذا، لتكوّن وحدة نغميّة على (متفاعلن)، مقابلة: "مطَرٌ نزلْ".
            والتقفية كذلك ملازمة لنصوص العويبيل. وهي تتنوّع في قصيدة "ابتسم أنت في الرياض". ففضلاً على اللازمة المردّدة في نهاية كل مقطع، التي تجيء بمثابة قافية (ضاديّة) تربط مقاطع النصّ، هناك قافية النون، المنطلقة منذ مطلع النص: "وَاو طَاء نُون.. هَذَا البَلد الحَزِيْن.. أنِ اعْبُرُون... غَيْمَتَيْن... سَتَكُون... فَحَتَّى تَكُون". إلى جانب تشكيلةٍ من القوافي، أو شِبْه القوافي، الداخلية، المتداخلة: "تَُبْكيك... عليك... أَهْلهَا... بِسْرهَا... كَفّهَا... سَلامهَا... نِشَاءهَا... مِشْوَارهَا... آنَاءها... البعَاد... صَبْرهَا... السَوَاد... لِغَيْرهَا... العَجَاج... العَجَاج... نَزَلْ... رَحَلْ... الزُجَاج". وهو ما يُلحظ في نصوص أخرى لديها، كنصٍّ بعنوان "عفا القلب عمّن مضى"، أو "كلّ ما منكِ حاضرٌ عداكِ"، وغيرهما.
            ولا تقف تجربة العويبيل عند هذا الحدّ من استخدام التفعيلة، بل إنها لتبتكر منها تشكيلات منتظمة، تؤكّد وجاهة هذه الأطروحة الذاهبة إلى أنها بصدد اكتشاف شكلٍ شِعريّ جديد غير مكتشف من قبل وتسميته، هو: "شِعر النَّثْرِيْلَة". وسوف أستقرئ ذلك في الحلقات اللاحقة من الدراسة.
            ــــــــــــــــــــ
            (1) انظر مصداق هذا من خلال إجاباتها في الحوار المُجرَى معها في صحيفة (الرياض، الخميس 5 رجب 1428هـ= 19 يوليو 2007م، العدد 14269). على الإنترنت:
            في ظل شح الأصوات الشعرية النسائية الشابة.تبدو تجربة الشاعرة الشابة منال العيويبيل على مستوى جيلها هي الأكثر تميزا .حيث أخذت تجربتها الشعرية تتشكل ببصمة تخصها.لم تتناسخ مع تجارب سابقة.وكذلك غردت وحيدة بصوتها الشعري.سواء على مستوى اللغة أو الرؤية.ولأن الشاعرة تترقب صدور ديوانها

            (2) من مجموعة شِّعريّة تحت عنوان: "كَذَب العشّاق ولو صَدَقوا"، لم تكن قد طُبعت حين إعداد هذه الدراسة، 2007، والاعتماد على نصٍّ منها إلكترونيّ.
            (3) في هذا الصدّد يقول (الجاحظ، (1975)، البيان والتبيين، تح. عبدالسلام محمّد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 1: 20): "وقد يستخفّ الناسُ ألفاظًا ويستعملونها وغيرها أحقّ بذلك منها... [فالمطر] لا تجد القرآن يلفظ به إلاّ في موضع الانتقام. والعامّة، وأكثر الخاصّة، لا يفصلون بين ذكر (المطر) وبين ذكر (الغيث)."


            أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
            أستاذ النقد الحديث- جامعة الملك سعود
            16- 2- 2011
            aalfaify@yahoo.com

            تابع الحلقات السابقة من الدراسة:
            الحلقة الأولى: http://khayma.com/faify/index253.html
            الحلقة الثانية: http://khayma.com/faify/index256.html
            الحلقة الثالثة: http://khayma.com/faify/index258.html
            الحلقة الرابعة: http://khayma.com/faify/index259.html
            الحلقة الخامسة: http://khayma.com/faify/index262.html



            تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
            1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
            2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
            3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.
            http://www.mhammed-jabri.net/

            تعليق

            • محمد جابري
              أديب وكاتب
              • 30-10-2008
              • 1915

              #7
              مآزق الشِّعريّة الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

              مآزق الشِّعريّة

              (حوار الأصابع.. الإيقاع البَصَريّ والإيقاع الصوتيّ!)
              بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
              [ الحلقة السابعة ]

              [align=justify] لا تقف تجربة منال العويبيل- التي استقرأنا أطرافًا منها في الحلقة السابقة- عند ذلك الحدّ من استخدام التفعيلة في نصوصها النثريّة، بل إنها لتبتكر منها تشكيلات منتظمة، تؤكّد وجاهة أطروحتنا الذاهبة إلى أننا بصدد اكتشاف شكلٍ شِعريّ جديد غير مكتشف من قبل وتسميته، هو: "شِعر النَّثْرِيْلَة". إنها تبتدع تلك التشكيلات وكأنها تصطنع بحرًا وزنيًّا، كثيرًا ما يردفه ترجيعُ تقفية المطلع في القَفلة، بحيث يبدأ المقطع بمطلعٍ نغمي يتردّد في نهاية النصّ، كما في قولها، من نصها بعنوان "أمّا بعدَكَ": [/align]

              إذْ(1) حُقَّ عَلَى الفُؤَادَينِ الوَدَاع ..
              أكانَ لُكُلِّ غُثَاءَاتِ الأمَانِي ..

              أيّ دَاع ؟

              إذْ حُقـْ/ قعَلَى الـ/ فُؤَادَيـ/ ـنِ الوَدَاع= فاعلْ/ فعِلُن/ فعولن/ فاعلان
              أكانَ/ لُكُلِّ/ غُثَاءَا/ تِ الأمَاني= فعولُ/ فعولُ/ فعولن/ فاعلاتن
              أيّ دَاع؟= فاعلان

              اِمْضِ وَسَامِحْ ..
              فإنَّمَا قَلْبِي "مُهَلْهِل" ..

              "يَمُتْ لَو يُصَالِحْ!"

              اِمْضِ وَسَا/ مِحْ= مستفعلن/ مسـ
              فإنَّمَا/ قَلْبِي مُهَلْـ= مُتَفْعِلُن/ مستفعلن
              ـهِلٌ يَمتْ/ لو يصالحْ= مُتَفْعِلُن/ فاعلاتن

              اِنْتَهَى !
              أَقْصَرُ مِن حَبْلِ الكَذِب ..

              كَانَ هَذَا "الهَوَى"

              اِنْتَهَى!= فاعلن
              أَقْصَرُ مِن/ حَبْلِ الكَذِب ..= مستعلن/ مستفعلن
              كَانَ هَا/ ذا الهَوَى= فاعلن/ فاعلن

              كلّمَا أَوْثَقْتُ يَأسِي ..
              صَبَوْتُ إِلَيكَ ..

              "خُنْتُ نَفْسِي!"

              كلّمَا أَوْ/ ثَقْتُ يَأسِي..= فاعلاتن/ فاعلاتن
              صَبَوْتُ/ إِلَيكَ ..= فعولُ/ فعولُ
              "خُنْتُ نَفْسِي!"= فاعلاتن
              [align=justify]وشبيهٌ بهذه التراكيب التنغيميّة القائمة على التقفية يظهر في نصّها بعنوان "مسرح أصابع". ويصحب هذا في ذلك النصّ إيقاعٌ بَصَريّ، من خلال توزيع النصّ على البياض، في مقاطع تتأرجح بين وسط الصفحة ويمناها. إلاّ أن غياب ذلك التركيب التنغيمي عن المقاطع (2، 4، 5، 6)(2) لا تعليل له، لا من حيث البناء الشكليّ ولا الدلاليّ؛ إذ لو عُدّت المقاطع تعبيرًا مسرحيًّا عن حوار أصابع، بين الأنثى وحبيبها، فإن اختفاء ذلك البناء الصوتيّ عن المقاطع المشار إليها لا يمكن فهمه على هذا الأساس. وسنكتفي هنا بعرض المقاطع المنغّمة محلّ الشاهد:
              (1)[/align]
              اُرسمْ يَدِيْ ..
              صِلْ خطَّ كفِّكَ بِخُطُوطِي ..
              زَكِّ غَدِي !

              (3)
              كَانَتْ كَفُّكَ لِحَافَ خَدِّي ..
              لِمَ نَزَعْتَ الدِّفْءَ فِي بَرْدِ الهَوَى ؟
              لِمَاذا..
              فَضَحْتَ وَرْدِي؟

              (7)
              أنبتَ الحُسنُ فيكِ سَاقَي وَرْدٍ ..
              ذَاتَ الشِّمَال ..
              وَذَاتَ اليَمِينْ
              وأزْهرتْ أَصَابِعُكِ بَتَلات عِطْرٍ
              لِكَفَّينِ مِنْ يَاسمِينْ ..
              قُوْلِي كَيْفَ لا ذَنْبَ لَكِ فِي الغوَايَة ..
              وَفَوحُكِ وَحْدَهُ .. فَخُّ حَنِينْ ؟

              (8)
              أَمُوعُ بَرررد ..
              فَتَفْرُكُ يَدَيَّ بيديكَ ..
              تُتِيْحُ في الراحتين شَمْس
              فَكَيْفَ حِينَ تَـنْفُخُ الدَّفءَ فِيْهَا؟
              ذَكِّرْ الصَّيْفَ فِيَّ حِيْنَهَا:
              أَمَرَّ الشِّتَاءُ بِبَابِي أَمْس؟!

              (9)
              حِينَ تَعُود ..
              سَأُصافِحُ يَدَيْكَ .. شِمَالَهَا وَاليَمِينْ ..
              وسأَعْصُرُ أَصَابِعَكَ الَلاتِي بِمَرَّاتِ الغِيَاب ..
              إلى أنْ تَرْتَـدَّ طِينْ
              فَأَعْجُنُ يَدَيَّ فِي يَدَيْكَ :
              تَبْقَى لَدَيّ ؟
              أَوْ نَرْحَلُ أَجْمَعِينْ ؟

              (10)
              حكّ أَدِيْمَ هَذَا الهَوَى
              نُثّ نَدَاه
              سَيَصِيْحُ العَاذِلُونَ فِـيْنَـا :
              كُفَّا أَذَاه

              (11)
              اُطْرُقْ بِكَفِّكَ بَاباً لَطَالَمَا انْتَظَرَكَ
              كَلَهْفَةٍ على البَرِيد ..
              وعَفِّرْ بِالسَّلامِ يَدَيَّ ..
              سَتَنْبُتُ حَبِيْبِي فِي سُطُورِ جَبِيْنِكَ ..
              أَبْيَاتُ قَصِيد

              (12)
              مُـدِّي يدكِ ..
              فرِّجِي مَا بَيْنَ الأَصَابِع
              إِنْ لَمْ تُحِسِّي يَدِي ..
              أَقسمِيْ علَيَّ : لَيْسَ بِرَاجِع !

              (13)
              خُذْ بِيَدِي
              اُغْرُسْ تَحْتَ الذِّرَاعِ جَنَاحْ
              عَلِّمْنِي كَيْفَ أَطِيرُ فِيْكَ
              مِنْ أَقْصَى ذَنْبِكَ لأَدْنَى السَّمَاحْ
              [align=justify]أفيصحّ أن تُعدّ تلك النصوص- بكثافتها الموسيقيّة- من قصيدة النثر، ليس إلاّ لأنها لم تلتزم بانتظام القوالب المألوفة في الشِّعر الموزون المقفّى أو في شِعر التفعيلة؟
              إنها قصيدة النَّثْرِيْلَة، في تجلّيها المختلف عن: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر معًا. [/align]
              [align=left][ونواصل].[/align]
              ــــــــــــــــــــ
              (1) قد تكون الكلمة "إذا" هاهنا، وعندها تكون التفعيلة: (فعولن)، كنظيرتها في السطر الثاني. أو: "إنْ حُقّ"؛ فتبقى على "فَعْلُنْ"، غير أن الدلالة في كلتا الحالتين تصبح ذات بنيةٍ شَرطيّة، بخلاف صيغة "إذْ حُقّ"، وهي الصيغة التي اختارتها الشاعرة، وأكّدتْها حين سؤالها عنها.
              (2) الترتيب هنا حسب مخطوطة القصيدة المتلقّاة من الشاعرة، والملحقة بالدراسة الأصل.

              أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
              أستاذ النقد الحديث- جامعة الملك سعود
              23l
              تابع الحلقات السابقة من الدراسة:
              الحلقة الأولى: http://khayma.com/faify/index253.html
              الحلقة الثانية: http://khayma.com/faify/index256.html
              الحلقة الثالثة: http://khayma.com/faify/index258.html
              الحلقة الرابعة: http://khayma.com/faify/index259.html
              الحلقة الخامسة: http://khayma.com/faify/index262.html
              الحلقة السادسة: http://khayma.com/faify/index279.html


              تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
              1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
              2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
              3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.
              http://www.mhammed-jabri.net/

              تعليق

              • محمد جابري
                أديب وكاتب
                • 30-10-2008
                • 1915

                #8
                مآزق الشِّعريّة

                (حوار الأصابع.. الإيقاع البَصَريّ والإيقاع الصوتيّ!)
                بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
                [ الحلقة السابعة ]

                [align=justify] لا تقف تجربة منال العويبيل- التي استقرأنا أطرافًا منها في الحلقة السابقة- عند ذلك الحدّ من استخدام التفعيلة في نصوصها النثريّة، بل إنها لتبتكر منها تشكيلات منتظمة، تؤكّد وجاهة أطروحتنا الذاهبة إلى أننا بصدد اكتشاف شكلٍ شِعريّ جديد غير مكتشف من قبل وتسميته، هو: "شِعر النَّثْرِيْلَة". إنها تبتدع تلك التشكيلات وكأنها تصطنع بحرًا وزنيًّا، كثيرًا ما يردفه ترجيعُ تقفية المطلع في القَفلة، بحيث يبدأ المقطع بمطلعٍ نغمي يتردّد في نهاية النصّ، كما في قولها، من نصها بعنوان "أمّا بعدَكَ": [/align]

                إذْ(1) حُقَّ عَلَى الفُؤَادَينِ الوَدَاع ..
                أكانَ لُكُلِّ غُثَاءَاتِ الأمَانِي ..

                أيّ دَاع ؟

                إذْ حُقـْ/ قعَلَى الـ/ فُؤَادَيـ/ ـنِ الوَدَاع= فاعلْ/ فعِلُن/ فعولن/ فاعلان
                أكانَ/ لُكُلِّ/ غُثَاءَا/ تِ الأمَاني= فعولُ/ فعولُ/ فعولن/ فاعلاتن
                أيّ دَاع؟= فاعلان

                اِمْضِ وَسَامِحْ ..
                فإنَّمَا قَلْبِي "مُهَلْهِل" ..

                "يَمُتْ لَو يُصَالِحْ!"

                اِمْضِ وَسَا/ مِحْ= مستفعلن/ مسـ
                فإنَّمَا/ قَلْبِي مُهَلْـ= مُتَفْعِلُن/ مستفعلن
                ـهِلٌ يَمتْ/ لو يصالحْ= مُتَفْعِلُن/ فاعلاتن

                [align=center]اِنْتَهَى !
                أَقْصَرُ مِن حَبْلِ الكَذِب ..

                كَانَ هَذَا "الهَوَى"[/align]

                اِنْتَهَى!= فاعلن
                أَقْصَرُ مِن/ حَبْلِ الكَذِب ..= مستعلن/ مستفعلن
                كَانَ هَا/ ذا الهَوَى= فاعلن/ فاعلن

                كلّمَا أَوْثَقْتُ يَأسِي ..
                صَبَوْتُ إِلَيكَ ..

                "خُنْتُ نَفْسِي!"

                كلّمَا أَوْ/ ثَقْتُ يَأسِي..= فاعلاتن/ فاعلاتن
                صَبَوْتُ/ إِلَيكَ ..= فعولُ/ فعولُ
                "خُنْتُ نَفْسِي!"= فاعلاتن


                [align=justify]وشبيهٌ بهذه التراكيب التنغيميّة القائمة على التقفية يظهر في نصّها بعنوان "مسرح أصابع". ويصحب هذا في ذلك النصّ إيقاعٌ بَصَريّ، من خلال توزيع النصّ على البياض، في مقاطع تتأرجح بين وسط الصفحة ويمناها. إلاّ أن غياب ذلك التركيب التنغيمي عن المقاطع (2، 4، 5، 6)(2) لا تعليل له، لا من حيث البناء الشكليّ ولا الدلاليّ؛ إذ لو عُدّت المقاطع تعبيرًا مسرحيًّا عن حوار أصابع، بين الأنثى وحبيبها، فإن اختفاء ذلك البناء الصوتيّ عن المقاطع المشار إليها لا يمكن فهمه على هذا الأساس. وسنكتفي هنا بعرض المقاطع المنغّمة محلّ الشاهد:[/align]
                (1)
                اُرسمْ يَدِيْ ..
                صِلْ خطَّ كفِّكَ بِخُطُوطِي ..
                زَكِّ غَدِي !

                (3)
                كَانَتْ كَفُّكَ لِحَافَ خَدِّي ..
                لِمَ نَزَعْتَ الدِّفْءَ فِي بَرْدِ الهَوَى ؟
                لِمَاذا..
                فَضَحْتَ وَرْدِي؟

                (7)
                أنبتَ الحُسنُ فيكِ سَاقَي وَرْدٍ ..
                ذَاتَ الشِّمَال ..
                وَذَاتَ اليَمِينْ
                وأزْهرتْ أَصَابِعُكِ بَتَلات عِطْرٍ
                لِكَفَّينِ مِنْ يَاسمِينْ ..
                قُوْلِي كَيْفَ لا ذَنْبَ لَكِ فِي الغوَايَة ..
                وَفَوحُكِ وَحْدَهُ .. فَخُّ حَنِينْ ؟

                (8)
                أَمُوعُ بَرررد ..
                فَتَفْرُكُ يَدَيَّ بيديكَ ..
                تُتِيْحُ في الراحتين شَمْس
                فَكَيْفَ حِينَ تَـنْفُخُ الدَّفءَ فِيْهَا؟
                ذَكِّرْ الصَّيْفَ فِيَّ حِيْنَهَا:
                أَمَرَّ الشِّتَاءُ بِبَابِي أَمْس؟!

                (9)
                حِينَ تَعُود ..
                سَأُصافِحُ يَدَيْكَ .. شِمَالَهَا وَاليَمِينْ ..
                وسأَعْصُرُ أَصَابِعَكَ الَلاتِي بِمَرَّاتِ الغِيَاب ..
                إلى أنْ تَرْتَـدَّ طِينْ
                فَأَعْجُنُ يَدَيَّ فِي يَدَيْكَ :
                تَبْقَى لَدَيّ ؟
                أَوْ نَرْحَلُ أَجْمَعِينْ ؟

                (10)
                حكّ أَدِيْمَ هَذَا الهَوَى
                نُثّ نَدَاه
                سَيَصِيْحُ العَاذِلُونَ فِـيْنَـا :
                كُفَّا أَذَاه

                (11)
                اُطْرُقْ بِكَفِّكَ بَاباً لَطَالَمَا انْتَظَرَكَ
                كَلَهْفَةٍ على البَرِيد ..
                وعَفِّرْ بِالسَّلامِ يَدَيَّ ..
                سَتَنْبُتُ حَبِيْبِي فِي سُطُورِ جَبِيْنِكَ ..
                أَبْيَاتُ قَصِيد

                (12)
                مُـدِّي يدكِ ..
                فرِّجِي مَا بَيْنَ الأَصَابِع
                إِنْ لَمْ تُحِسِّي يَدِي ..
                أَقسمِيْ علَيَّ : لَيْسَ بِرَاجِع !

                (13)
                خُذْ بِيَدِي
                اُغْرُسْ تَحْتَ الذِّرَاعِ جَنَاحْ
                عَلِّمْنِي كَيْفَ أَطِيرُ فِيْكَ
                مِنْ أَقْصَى ذَنْبِكَ لأَدْنَى السَّمَاحْ
                [align=justify]
                أفيصحّ أن تُعدّ تلك النصوص- بكثافتها الموسيقيّة- من قصيدة النثر، ليس إلاّ لأنها لم تلتزم بانتظام القوالب المألوفة في الشِّعر الموزون المقفّى أو في شِعر التفعيلة؟
                إنها قصيدة النَّثْرِيْلَة، في تجلّيها المختلف عن: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر معًا.[/align]
                [ونواصل].
                ــــــــــــــــــــ
                (1) قد تكون الكلمة "إذا" هاهنا، وعندها تكون التفعيلة: (فعولن)، كنظيرتها في السطر الثاني. أو: "إنْ حُقّ"؛ فتبقى على "فَعْلُنْ"، غير أن الدلالة في كلتا الحالتين تصبح ذات بنيةٍ شَرطيّة، بخلاف صيغة "إذْ حُقّ"، وهي الصيغة التي اختارتها الشاعرة، وأكّدتْها حين سؤالها عنها.
                (2) الترتيب هنا حسب مخطوطة القصيدة المتلقّاة من الشاعرة، والملحقة بالدراسة الأصل.

                أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
                أستاذ النقد الحديث- جامعة الملك سعود
                23- 2- 2011
                aalfaify@yahoo.com

                تابع الحلقات السابقة من الدراسة:
                الحلقة الأولى: http://khayma.com/faify/index253.html
                الحلقة الثانية: http://khayma.com/faify/index256.html
                الحلقة الثالثة: http://khayma.com/faify/index258.html
                الحلقة الرابعة: http://khayma.com/faify/index259.html
                الحلقة الخامسة: http://khayma.com/faify/index262.html
                الحلقة السادسة: http://khayma.com/faify/index279.html


                تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
                1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
                2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
                3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.

                --
                http://www.mhammed-jabri.net/

                تعليق

                • سلطان الصبحي
                  أديب وكاتب
                  • 17-07-2010
                  • 915

                  #9
                  الأديب القدير الأستاذ/محمد جابري

                  مساء النور

                  جهد رائع تشكر عليه..

                  دراسة قيّمة جداً تساهم بشكل مباشر في دفع حركة التطويرالأدبي

                  أستفدت كثيراً من هذه الدراسة

                  سأكون متابعاً لجميع موضوعاتك فمثل هذا القلم يجب أن نقرأ له ونتابع انتاجه

                  تحياتي

                  واهدائي










                  كيف أقوى على الرحيل؟



                  وفي زمني توقف كل شئ



                  انني أنشودة ماتت على وهم كبير



                  وهم يقيدني..ويجعلني أسير



                  خطواتنا باتت ثقيلة



                  وأحلامنا صارت مستحيلة



                  في كل يوم أبكي فرقة النفس العليلة



                  وأذوب في صمت الحنايا..


                  والقلوب المستحيلة


                  أين الطريق؟



                  طريق عشق قد تغلغل في الفؤاد



                  لا تصرخي ..يآفاتنه



                  العمر ذاب



                  والنفس باتت تشتكي من هجرها



                  من بعدها جمر الانتظار



                  أتعود قصة عشقنا؟



                  أتعود أنثى تبعثرت تحت التراب



                  أتعود بسمة تاهت وأصبحت مثل السراب



                  واليوم أبكي لوعة



                  وغداً سأبكي على طول الغياب



                  متى نرقص شوقاً في عناق؟



                  متى نجلس تحت الشمس ننظر في السحاب؟



                  نضحك مثل طفلين ونجري بلا حساب



                  متى أغامر تحت المطر؟



                  وأبحث عن قطعة من برد



                  والثوب قد تبلل بالمياه



                  والثغر ذاب مع البرد



                  والدفء أعمق



                  والبسمات لآهم ولا قلق



                  دعني أنوح صبابة مثل الحمام

                  دعني أرآقص حبّات المطر

                  دعني أنشر الأشواق في قلوب حائرة

                  أضناها السهر

                  دعني أغامر في قلوب ريحها مسك العمر

                  دعني أقبّل تلك المقل

                  دعني أنوح على غصون من حرير

                  دعني أذوب من الرحيق

                  دعني أقبّل فيك كل شئ ينبض

                  دعني أغفو بحضنك كي لآأستفيق

                  والجرح ينزف..والغطاء حديد

                  وتموت أحلام كثيرة

                  وأضل وحدي أبكي لوعة عند القمر




                  عبدالرسول معله "رحمه الله

                  أشعر أنني أمام شاعر كبير
                  سيزاحم الكبار على مقاعدهم يوما ما
                  ارتشفت نميرا عذبا ونهلت شهدا مصفى وأريد المزيد

                  تعليق

                  • محمد جابري
                    أديب وكاتب
                    • 30-10-2008
                    • 1915

                    #10
                    الأستاذ سلطان صبحي؛

                    شكر الله لك مرورك، الأستاذ عبد الله الفيفي أحد أقطاب النقد الأدب العربي، وكتاباته محكمة، كما هو عضو مجلس الشورى والمسئول عن الجانب الثقافي.
                    ما يميز أبحاثه غوصها، في مجالها، وبعد أغوارها، ودقة مراميها، وجدة مستجداتها، تنطيرا وتأصيلا... وهي ميزة قل من تشربها، فأنى يضاهيها.
                    http://www.mhammed-jabri.net/

                    تعليق

                    • محمد جابري
                      أديب وكاتب
                      • 30-10-2008
                      • 1915

                      #11
                      مآزق الشِّعريّة: (في النقد التكويني الإنترنتّي)

                      مآزق الشِّعريّة:

                      (في النقد التكويني الإنترنتّي)


                      بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

                      [ الحلقة التاسعة ]

                      [align=justify]
                      يُعدّ (النقد التكويني) إحدى أدوات الاستبصار بنشوء النصّ، وتحوّله، وتطوّره. ومن أدوات هذا النقد تتبّع خربشات الكاتب الأولى، ومخطوطات نصّه، بما فيها من حذف أو إضافة أو تعديل، قبل أن يستقرّ النصّ إلى صورته النهائيّة. وسبر هذه الرحلة من خلال ما يسمّى "وثائق الكتابة" مهمّ جدًّا في التعرّف على تخلّق النصّ.

                      وقيمة الملحوظات في هذا المضمار تتخطّى عمليّة دراسة النصّ في ذاته، وفي وضعيته السكونيّة النهائيّة، كمعطى ثابت، ووثيقة ختاميّة، إلى دراسة عمليّة الإبداع نفسها، وأسرار الظاهرة الأدبيّة، في تشكّلها، وصراعها، ومَورها، إقدامًا وإحجامًا، إثباتًا ونفيًا. وهي إجراءات بالغة الدلالة على المستوى النفسي، والذهني، واللغوي، والأدبي.

                      ويذهب (بيير. مارك دو بيازي Pierre-Marc de Biasi) تحت عنوان "النقد التكويني La critique génétique" إلى أن النص النهائي ما هو إلاّ حصيلة نشوء تدريجي وتحوّل طويل(1). ومن ثم فإن النقد التكويني يستقرئ التطوّر الإبداعي في العمل الأدبي؛ لمعرفة الآليّة الذهنيّة التي مرّ بها الكاتب. ذلك أن العمل الأدبي- حسب جوستاف رودلر G. Rudler- يسري قبل إرساله إلى المطبعة في مراحل عديدة تبدأ بفكرته الأولى، ثم تنتهي بتنفيذه النهائي.

                      ويهدف النقد التكوينيّ إلى إظهار قوانين العمل الذهنيّة، التي تُنتج النص. وهي تَظهر أحيانًا كثيرة في صورة "بدايات خاطئة"، تتوالى متفرّقة زمانيًا، قبل أن يظهر المشروع بصورة فكرة للكتابة، يمكن أن تتطوّر إيجابيًّا.

                      إن مسوّدات العمل الأدبي الأولى تعطي الناقد إذن معرفة جذريّة عن أيّ طورٍ من أطوار الكتابة، ومتى أُدخلت هذه المعلومة، أو حُذفت تلك الكلمة أو أُضيفت؟ كيف تمّ تكييفها أو رفضها؟ وعليه فإن المسوّدات "لا تكون مكتملة، ولا غير مكتملة: إنها فضاء آخر، ولا يدخل التفاوت بينها وبين النصّ في مفهوم التطوّر، ولا في مفهوم الاكتمال: إنه يدخل في مفهوم الآخر المقابل وفي الاختلاف الأساسي بين الكتابة والنصّ".

                      ولذا فإن مسوّدة النصّ لا تحكي، بل تُبدي عنف الصراعات، وثمن الخيارات، والرقابة الذاتيّة.. إلى غير ذلك من العمليّات الذهنيّة والنفسيّة واللغويّة والجماليّة التي تصاحب تولّد النصّ(2).

                      ولقد كانت إجراءات هذا الاستقراء النقدي التكويني تتمّ في الماضي من خلال تتبع الناقد مخطوطات الشاعر الورقيّة، إن توافرت. واليوم تأتي رحلة النص عبر الإنترنت بديلاً عن ماضي الحبر والورق؛ إذ لم تعد هناك مخطوطات ورقيّة للنصوص الأدبيّة، في الغالب، ولاسيما الشعريّة. بل إن كثيرًا من الأدباء استبدلوا الشاشات بالأوراق كلّيًّا، قراءة وكتابة. لأجل هذا أصبحت من الآفاق الجديدة المتاحة لدراسة العمليّة الإبداعية دراسةُ تطوّرات النصوص عبر ما يتيحه النطاق التفاعلي الإنترنتي، تتبّعًا لرحلة الكلمة، من الظهور الإلكتروني في مواقع مختلفة، إلى مثواها الأخير بين دفّتي كتابٍ ورقيّ منشور.

                      إن هذا هو عصر الإنترنت، وعصر النشر الإلكتروني، لا عصر المطابع والورق. بل أزعم أن الكتاب الورقيّ، والنشر الورقيّ عمومًا، سيصبحان بعد سنوات جزءًا من التاريخ. ولسوف نستذكر عهد الورق حينئذٍ كما نستذكر اليوم العهود الشفاهيّة الغابرة. على أن هناك من لم يصدّق هذا بعد، ولا يتصوّر مستقبله الوشيك، و"لكلّ امرئٍ من دهره ما تعودَ"! وبما أن ذلك كذلك- شئنا أم أبينا- فإن الإنترنت يُعَدّ اليوم الوعاء المعرفي، والعلمي، والأدبي، والتوثيقي المعاصر.

                      وهو- في المجتمعات المتحضّرة- مرجع إحاليّ جديد على موادّ عِلميّة وأدبيّة شتّى، تمامًا كالكتاب والمجلّة والصحيفة. بل إن موادّ هذه الأنواع جميعها قد أصبحت على الشبكة اليوم؛ فأنت تجد الموسوعات، والكتب العلميّة، والدوواين الشعريّة، والمجلاّت والصحف، وغير ذلك، متاحًا، مرقومًا إلكترونيًّا، أو مصوَّرًا طِبق أصله الورقيّ. كما تجد الباحثين الجادّين- لا العابثين، كما يحلو لبعض أهلنا هنا عدم مغادرة تصوّرهم الدارج لهذا العالم الجديد- يحيلون في قسمٍ واسع من مرجعيّات أطروحاتهم على صفحات الإنترنت، وإنْ كان العمل مطبوعًا في كتاب ورقيّ.

                      ذلك أن شبكة الإنترنت مرجعيّة كونيّة، متاحة للجميع، وهي توفّر الوصول إلى المعلومة في أسرع الأوقات، وبأسهل الطرق. وعمّا قريب ستندمج تقنيات المعلومات الحديثة في تقنية واحدة؛ ليصبح الجوال مفتاح التواصل مع شتّى أوعية المعلومات في العالم. من هذا المنطلق يصبح هذا الميدان ميدانًا حيويًّا حديثًا للنقد الأدبي. بل إن الأدب نفسه أصبح يوظّف التقنيات الحاسوبيّة والإنترنتيّة في ما يسمّى "الأدب التفاعلي". وسار في العالم مذ وقت طويل مفهوم (النص المترابط Hypertext)، الذي استعمله للمرة الأولى (تيد نيلسون)، 1965، ثم تخطّاه الزمن إلى ما أُفضّل تسميته بـ"النصّ الإلكتروني التفاعلي"، ولاسيما أن مفهوم (النصّ الإنترنتّي Cyber text)، الذي كان أوّل من استعمله (آرسيت Espen J Aarseth)، لم يعد يدلّ على خصوصيّة "النصّ الإلِكتروني التفاعلي"(3).

                      ويأتي ميدان نقد النصّ الأدبي تكوينيًّا عبر انتقالاته الإنترنتية وصولاً إلى النشر الورقيّ ضربًا جديدًا من نقد البنى التكوينيّة في النص. ولقد لحظتُ في كثير من النصوص التي قاربتُها في هذه الدراسة- وكثير منها كان إلكترونيًّا- تحوّلات يمرّ به بعضها، بين تقديم وتأخير، وحذف وإضافة، وتعديل وعدول، إلى غير ذلك من تلك العمليّات التي كانت تجرى في الماضي بقلم الكاتب أو الشاعر، واليوم بات يجريها عبر الحاسوب والإنترنت.

                      واستقراء ذلك كله- على صعوبته- مجال خصب للناقد في تحليله تاريخيّة النص، وبخاصة أن تلك النصوص تُنشر مصحوبة آليًّا بتواريخها غالبًا، وبخاصّة إذا كانت منشورة في منتديات عامّة، أو في مدوّنات، أو ما شابه.

                      غير أن الإشكالية تنشأ هنا عن تخلّف التقنية أو مستخدميها في عالمنا العربي؛ وتبعًا لذلك تعطّلها، أو عدم ثباتها، فأنت قد تحيل على مجلّة، مثلاً، ثم تجد موقعها بعد حين قد تغيّر رابطه، أو انحذف موقعها من الشبكة نهائيًّا، أو قد تستند إلى نصّ إلكتروني لشاعر، ثم تلفي الصفحة الشبكيّة التي كان عليها قد تعطّلت أو حُجبت أو حُذفت، وبالجملة قد ألمّت بها من ملمّات الزمان كارثة من كوارثنا التاريخيّة الكثيرة، في "النت" وغير "النت"! وهنالك تبقى العهدة على الرواي/ قارئ النص في مسوّدته القديمة! وهذا الاضطراب التقني لدينا نادرًا ما يُلحظ نظيره في المواقع الغربيّة، وبخاصّة الأميركية، فبوسعك في معظم الحالات الإحالة على صفحة إنترنتية هناك بثقة، كما تحيل إلى صفحة في كتاب، ولن تجدها بين عشيّة وضحاها قد تبخّرت، فأُخفيت أو حُجبت أو اجتثّت! وحتى إنْ تَغَيَّرَ الرابطُ، وجدتَ ما يَهديك إلى وصلته الجديدة.

                      وهذا- بطبيعة الحال- وضعٌ لا يتعلّق بالفارق التقني بيننا وبينهم فحسب، لكنه لا ينفصل كذلك عن الفاصل الثقافي، على مستوى الأفراد والجماعات. فثقافتنا ثقافة تصحّر، وترحل، وأطلال، وتبديل ديار، وعدم استقرار، ومزاجيّات متقلّبة، وبنى ثقافيّة غير مؤسّسة، لا يمكن الركون إليها، ولا التنبؤ بمآلاتها. وحالة الإنترنت ومواقعها لدينا ليست ببِدْعٍ من ذلك كلّه. ولذا تكون عمليّة النقد التكويني الإلكتروني محفوفة أحيانًا بغياب الوثائق فجأة من هذا الفضاء، وكانت بالأمس بين أيدينا.

                      إلاّ أن رابط المادّة وحده يعدّ حينئذٍ شاهدًا على ما اندثر، أو شُطب، أو غُيّب من نصوص ومخطوطات، لسبب أو آخر. ولا بدّ أن نمرّ بهذه المرحلة، كما مررنا بمرحلة الرواية الشفهيّة وعثراتها، المعتمدة على أمانة الراوي، ثم بمرحلة المخطوطات البدائيّة، بأدواتها االبدائية القابلة للتلف أو الغرق أو الحرق أو الامحاء، قبل الوصول إلى عصر المطبعة في القرن الخامس عشر، بما أتاحه من ضمانات نسبيّة أكبر لبقاء الشواهد النصيّة.

                      على أن إشكاليّة أخرى هنا تنجم من قِبَل بعض الكُتّاب أنفسهم. وقد كان مثل هذا يحدث في الماضي أيضًا، حينما لم يكن يرضى بعض الكُتّاب عن كشف أوراقهم، وكان يُخفي بعض الشعراء- بصفة خاصة- تجاربهم الخطيّة الأولى في كتابة القصيدة؛ لأسباب كثيرة، من أبرزها كي يقال إن القصيدة جاءت هكذا بنت لحظتها، مباشرة من وادي عبقر، وأن بديهة صاحبنا العبقريّ- وفق معايير العبقريّة القديمة- تُسعفه بالنصوص ناجزة، بلا مكابدة ولا حكحكة. وتلك تركةٌ شفاهيّة عتيقة.

                      وقد نجد مثل هذا الآن حين يسعى بعض الكتّاب إلى التنصّل من تجاربهم المبكّرة، والسعي إلى إلزام الدارسين بمنشوراتهم الورقيّة، المصادق عليها، وكأنّ في كشف الشاشات القديمة سوأتهم التي يجب سترها! وما تلك بسوأة، ولكن من وظائف النقد- كما أشرنا- تتبع العمل حسب تاريخ نشوئه وترقّيه.

                      بل لقد يلجّ الكتّاب في إملاءاتهم على النقّاد، لإلزامهم بالإحالة إلى مواليدهم الأخيرة فقط، كما تمخّضت ورقيًّا، فهي الوثائق المعترف بها رسميًّا، من وجهة نظر أولئك الكتاب! وما عداها ضروب من التخمينات والتكهّنات، لا تتماشى مع تحري الدقّة، والطرح الموثق، وفق أصوله التقليديّة! قائلين: إن على الناقد- إن هو أراد النجاة من مغبّة ذلك وأن يتحلّى بعلميّة أكثر- أن يقرأ النص مع الكاتب نفسه، ومن الكتاب نفسه، بحسب صيغته المنقّحة المزيدة!..

                      وإلاّ فعليه غضب الشعراء والكتّاب أجمعين! بل ربما اتّهم المؤلّفُ- رغم افتراض رولان بارت موته!- الناقدَ بأغراض تآمريّة عليه، وعلى حياته، وعلى ما خلّف من نصوص عصماء، جرّاء نبشه المتطفّل على أوراق قديمة، وإجراء المقارنة بين صيغ أكل الكاتب عليها وشرب، وتبرأ منها، أو لم يعد يرتضيها، ولا يعترف بها.

                      نعم، من حق أيّ مؤلّف أن يتنصّل من صيغة قديمة، غير أن من حق الناقد تتبع بنيات النص التكوينية، دونما إملاءات فيما يأخذ به أو يدع. والحق أن رضى الكتّاب عن النقّاد تظلّ غايةً دونها خرط القتاد. فمِن هؤلاء من يرضى إن أشدت به وينقم إن سجّلت ملحوظة، ولو عابرة! وهي حساسيّة ينبغي أن يتفهّمها الناقد، ولا يحمّلها بدوره أكثر ممّا تحتمل. بل هي في ذاتها قد تمثّل ردّات فعل نفسيّة يمكن أن تكون للناقد حقلَ حفرٍ تكوينيّ جديدة.

                      ذلك أن غيرة المبدع على تجربته أمر طبيعي، إلاّ أن ذلك لا ينبغي أن يدفعه إلى إساءة الظن بالنقّاد، وكيل التهم لهم، أو تصوّرهم واقفين له بالمرصاد، فهو ما لم يذبّ عن نفسه، التهموه! كما أن مجالات النقد الأدبي، من تكوينيّة، أو نفسيّة، أو اجتماعيّة، أو نصوصيّة، لا تنطلق أساسًا من استهداف مبيّت لشخوص الأدباء، ولا حتى للنيل من تجاربهم. بل على العكس من ذلك، من حيث إن جعل نتاج كاتب ما أو شاعر محور دراسة هو بمثابة اعترافٍ ضمنيّ بمكانته، وإقرار بجدارته بالدرس والتقييم، ولو كان دون ذلك، لما استأهل الالتفات أصلاً، ناهيك عن التوقّف وبذل الجهد في تتبع أعماله ونصوصه والكتابة عنها.

                      لقد أتى على الثقافة العربيّة حين من الدهر كانت مفردة "النقد" فيه مرادفة لمفردة "العيب" و"النقص". وتحوّلت- بسببٍ من ذلك- العلاقةُ بين النقاد والأدباء إلى خصومات مريرة، ومعارك تستدعي المحاكم أحيانًا والقضاة والوساطات بين الأطراف المتنازعة، من قبيل "الوساطة بين المتنبي وخصومه"، للقاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني، على سبيل المثال. أفما آن أن يرتفع المبدع اليوم عن تلك العقليّة النسقيّة من تصوّر الخصومة بينه وبين النقّاد، وعن شخصنة العلاقة بينه وبينهم؟! فالنقد مجال علميّ مجرّد، الأصل فيه أن لا أغراض له غير الكشف، وتسجيل الرأي الفنّي والعلمي في هذا العمل أو ذاك، دون توخّي الرضى من أحد أو الإسخاط لأحد، وإلاّ فَقَدَ النقد مصداقيّته ووظيفته.
                      ــــــــــــــــــــ
                      (1) انظر: مجموعة من الكُتّاب، (مايو 1997)، مدخل إلى مناهج النقد الأدبي، ترجمة: رضوان ضاضا (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- سلسلة عالم المعرفة)، 13.
                      (2) انظر: م.ن، 13- 48.
                      (3) انظر بحثنا بعنوان "نحو نقدٍ إلِكترونيّ تفاعليّ!"، بحث محكّم ومنشور في (مجلّة آداب المستنصريّة، كليّة الآداب، الجامعية المستنصريّة، العراق، العدد السابع والأربعون، 1429هـ= 2008م، ص ص 241- 250).
                      (*) للأخ محمّد خِضْر: تأكيدًا لما ورد في حاشية الحلقة الرابعة (15 صفر)- التي استفزته للتعقيب (13 ربيع الأوّل)- وإيضاحًا للقارئ: فإنما جاءت الدراسة لتصف النصّ وتقارن صِيَغَه، لا لتُسقط ولا لتَلْوِي؛ وصيغة نصّه الأولى مقتبسة من موقعه الشخصي (ghimah.net)، لا من "مكان آخر"، كما ذَكَر. ولقد أُثبتت بيانات ذلك بوضوح، وأُشير إلى ورود التعديل في موقع إنترنتي آخر. أمّا (ديوانه الورقيّ)- ولم يكن حين كتابة مسودة الدراسة قد نشر ديوانًا- فلا يختلف عمّا أشير إليه من تعديل. ومهما يكن من شيء، فالشاهد كان- تحديدًا- أن نصّ خِضْر لم يكن بقصيدة تفعيلة، ولا بقصيدة نثر، لا من قبل ولا من بعد، وتلك هي الإشكاليّة محلّ النظر، لا أقل ولا أكثر.

                      أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
                      أستاذ النقد الحديث- جامعة الملك سعود
                      9- 3- 2011
                      aalfaify@yahoo.com

                      تابع الحلقات السابقة من الدراسة:
                      الحلقة الأولى: http://khayma.com/faify/index253.html
                      الحلقة الثانية: http://khayma.com/faify/index256.html
                      الحلقة الثالثة: http://khayma.com/faify/index258.html
                      الحلقة الرابعة: http://khayma.com/faify/index259.html
                      الحلقة الخامسة: http://khayma.com/faify/index262.html
                      الحلقة السادسة: http://khayma.com/faify/index279.html
                      الحلقة السابعة: http://khayma.com/faify/index281.html
                      الحلقة الثامنة: http://khayma.com/faify/index284.html



                      تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
                      1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
                      2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
                      3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.

                      --[/align]
                      http://www.mhammed-jabri.net/

                      تعليق

                      • محمد جابري
                        أديب وكاتب
                        • 30-10-2008
                        • 1915

                        #12
                        مآزق الشِّعريّة:
                        (القِصّة القصيرة جِدًّا لدى هيام المفلح- نموذجًا)

                        بقلم: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

                        [ الحلقة الحادية عشرة ][/CENTER]

                        -1-
                        استهلّ محمود درويش مجموعته الشِّعريّة بعنوان "كزهر اللوز أو أبعد" بمقولة (أبي حيّان التوحيدي)، في "الإمتاع والمؤانسة"، (الليلة الخامسة والعشرين):
                        "أحسنُ الكلام ما... قامت صورته بين نَظْمٍ كأنه نثر، ونثرٍ كأنه نَظْم...".
                        وكأن محمودًا أراد أن يستبق بذلك الاقتباس إحساسَ القارئ بنثريّة بعض نصوص مجموعته تلك. ولكن هل عنَى أبو حيّان بـ"النَّظْم كأنه النثر" النمط الذي رأيناه في الحلقة السابقة في نصّ درويش "لا أعرف الشخص الغريب"(1)؟
                        الواقع أنْ ليس نصّه ذاك من قبيل "النَّظْم الذي كأنه نثر"، ولا "النثر الذي كأنه نَظْم"، بل هو: "نظمُ نثرٍ، أو نثرٌ منظومٌ إيقاعيًّا"، أو هو بالأحرى: "نثر موزون"(2)! وهو يضعنا أمام جُملة حقائق:
                        أُوْلاها، وأُسُّها: أن خدعة الإيقاع بالشِّعريّة ليست خدعة قديمة متّصلة بالبحور والقوافي، بل هي متّصلة بالإيقاع الموسيقيّ عمومًا.
                        وثانيتها: أن المنزلق الإيقاعيّ الخدّاع عن عناصر الشِّعريّة الأخرى، لا ينفي أنّ الإيقاع جوهريُّ التأثير في منح النصّ اللغويّ حِسّه الشِّعريّ، وأنّ المستمسكين به في البنية الشِّعريّة محقّون في استمساكهم به؛ من حيث إنه قد ثبت إضفاؤه على اللغة رونقه الشِّعريّ، وبَثَّه المتوتّر- البالغ أحيانًا حدّ التَّعْمِيَة على غياب مكوّنات شِعريّة أخرى من النصّ- وأنّ له كذلك تأثيره النفسيّ؛ من حيث إن النفس مسكونة بالإيقاع، بدءًا من نبضات القلب، التي هي أوّل إيقاع يقرع سمع الجنين عن قلب أُمّه، ثم عن قلبه نفسه، وصولاً إلى معايشة نبض الإيقاع الكونيّ، على اختلاف ضروبه وأشكاله.
                        وثالثتها: أن القصّة القصيرة جِدًّا لا فرادة جنسيّة فيها، إلاّ في خصلتين: (القَصَصِيَّة) و(القِصَر). والأُولى هي الأهمّ في إكساب هذا الشكل الكتابيّ هويّته الأُمّ. وهاتان خصلتان لا تستقلّ بهما القِصّة القصيرة جِدًّا، بوصفها جنسًا أدبيًّا، بل هما شائعتان في الأدب، يمكن أن تتجلّيا في نصوص أخرى منه، قديمة أو حديثة، نثريّة أو شِعريّة. لأجل ذلك فإن بعض النصوص الشِّعريّة الحديثة (من شِعر تفعيلة، فضلاً عن قصائد نثر)، لو جُرّدت من الإيقاع، لتحوّلت إلى قِصص قصيرة جِدًّا، كما أن بعض القِصص القصيرة جِدًّا لو زُوّدت بلمسات إيقاعيّة- كما سنرى لاحقًا لدى الكاتبة السعوديّة هيام المفلح(3)- لجاءت أَشْعَر من نصّ درويش المشار إليه!
                        وعلى غرار تشبّث قصيدة النثر بالشِّعْريّة يبدو تشبّث بعض أنماط ما يُسمّى "القِصّة القصيرة جِدًّا" بالقِصّة، فيما القِصّة في بعضها واهية، أو حتى مفقودة. فهذان الشكلان (القِصّة القصيرة جِدًّا) و(قصيدة النثر) شكلان خارجان على القانون في جنسَي الشِّعْر والقِصّة، وجمالهما يكمن في خروجهما. غير أن الإشكاليّة تظلّ في المصطلح؛ إذ ما يُنسب إلى جنس الشِّعْر يجب أن ينتمي إليه، وما يُنسب إلى جنس القَصّ يجب أن ينتمي إليه كذلك. فإنْ كان جنسًا مدجَّنًا، وجب أن يأخذ تعريفه المائز وتسميته المستقلّة. أمّا جِدّة النصّ نفسها، فكما قلنا عن قصيدة النثر: أنْ ليس من جديد فيها على التراث العربيّ، إلاّ تعليق المصطلح(4)، فإنه يمكن القول عن (القِصّة القصيرة جِدًّا).
                        ولعل الإشكاليّة عمومًا تتمثّل، إنْ على صعيد النوع أو المصطلح، في غياب المرجعيّة التراثيّة العربيّة- على ما ضاع من التراث- فإذا بعض الأشكال التي تحاكي نماذج من آداب أخرى (غربيّة بصفة غالبة) تبدو جديدة(5). على الرغم من أن تلك الآداب ناشئة نسبيًّا، الرواية نفسها فيها متأخّرة المولد قياسًا إلى تراث "ألف ليلة وليلة"، و"حيّ بن يقظان"، و"التوابع والزوابع"، و"رسالة الغفران"، وغيرها من أنماط الكتابات والمخاطبات والرسائل. كأنّ استيراد التقنية قد خلّق في الموازاة ثقافة استيرادٍ للأفكار والأشكال الفنّيّة، لا تنفصل عن الحسّ الحضاريّ الواهم بأن الوافد اختراعٌ حديث بالضرورة، كسائر المخترعات التي تُستورد، فيُؤخذ ببِنياته وتسمياته، وإنْ لم يكن في معظمه إلاّ "بضاعتنا رُدّت إلينا"، بعد تغيير التسميات. هنالك يكمن لُبّ القضيّة في معظم الجدل الدائر بساحاتنا الثقافيّة والنقديّة حول بعض ما تُزعم جِدّته من الأنواع الأدبيّة وتُدَّعَى الريادات الحديثة فيه. ومِن ثَمَّ تُعرض بعض تلك الكتابات- التي منها الجميل ومنها دون ذلك- في غير قليلٍ من تهويل المنجز، علاوةً على تسمية الأشياء بغير أسمائها.

                        -2-
                        وحين نقف على تجربة هيام المفلح، من خلال المجموعة القصصيّة التي نشرتها بعنوان "كما القلق يتكئ الجمر"(6)، يتبدّى التداخل بين قصيدة النثر والقصة القصيرة جدًّا. ونصوص المفلح تعبّر عن موضوعة "القلق"، فهو الذي يهطل بحسب لوحة رَسْمٍ داخليّة خُطّت فوقها عبارة: "يتّكئ الجمر، فينثقب قلبي، ويهطل القلق"(7)، وذلك على طريقة هطول "المطر"، لدى السيّاب: "...ويهطلُ المطر". فقد كان "القلق" إذن أَولَى بالتشبيه بـ"الجمر"(8). أم تُرى الكاتبة توخّت قلب التشبيه، وكأن القلق قد صار أشدّ من الجمر إحراقًا؟ ذلك لها، على سبيل المبالغة. وإنْ كانت هذه الدلالة البلاغيّة المفترضة ستتلاشى بملاحظة قِسْمَي المجموعة، حيث يَرِد قِسْمٌ تحت عنوان "كما القلق"، وآخر بعنوان "اتّكاء الجمر". ولا يلوح بين ذينك القِسْمَين فرقٌ موضوعيّ يسوّغ فصلهما تحت عنوانين.
                        غير أن الأمر لا يقف عند شِعريّة العنوان، ولا عند عبارات مجنّحة الانزياح في سياقات النصوص، أو صُوَرٍ بلاغية مبتكرة التركيب. بل إن بعض نصوص كاملة من المجموعة تتوالج مع قصيدة النثر، إلى درجة التماهي. ولنقرأ على سبيل المثال نَصًّا بعنوان "مشكلة"(9):
                        المشكلة:
                        أن أسوارها عالية..
                        أعلى من قامته..
                        من هامته..
                        من كل سلالمه!
                        المشكلة:
                        أن لا سبيل يوصله إليها.. إلاّ القَفَص!

                        فهل هذه (قِصّة قصيرة جِدًّا) أم هي أشبه بـ(قصيدة نثر)؟
                        وهل من كبير فرقٍ بين مثل هذا النصّ عمومًا وقصيدة النثر، بما حملتْ وألقتْ من خداجٍ ونضيج؟
                        ذلك ما سنحاول تتبعه في الحلقة الآتية.
                        ــــــــــــــــــــ
                        (1) درويش، محمود، (2005)، كزهر اللوز أو أبعد، (بيروت: رياض الريّس)، 67- 69.
                        (2) الحقّ أنْ ليس كبير فرقٍ بين كثيرٍ من شِعر درويش في سنواته الأخيرة ونثره، خلا حضور التفعيلة في الشِّعر. ومَن يقرأ كتابه "ذاكرة للنسيان"، مثلاً، يُدرك ذلك. فالمعادلات اللفظيّة ذاتها، هناك وهنا، واللَّعِب البديعيّ؛ فقصيدته تشتغل على اللغة، من حيث هي، لتجعل اللغة تحرّك المعنى، لا المعنى هو الذي يحرّك اللغة، كما هو الأصل ومنبثق الشِّعر العظيم. وهو ما يُفضي إلى شِعريّة الفِكْرة، لا شِعريّة الصورة والخيال، في نمطٍ درويشيّ لا تجديد مهمًّا فيه- يذكّرنا بتجربة أبي العلاء المعرّي في "اللزوميّات"- بات يجترّ قاموسًا محدودًا واحدًا، ونواميس أسلوبيّة لا تخلو من التصنّع أحيانًا، ومضامين فِكريّة وفلسفيّة، ورؤى تعبيريّة تتردّد، إلى درجة أن القارئ يجد كأنْ قد قرأ آخر نصٍّ لدرويش من قبل! لذا قد يمكن القول: إن النموّ التجديديّ الحقيقي في لغة درويش الشعريّة قد توقّف في الثمانينيّات من القرن العشرين، ثم ظلّ- على الرغم من إنتاجه الغزير اللاّحق، وسعيه لافتراع بناءات فنّيّة مختلفة- ينسج على منوال ماضيه، ويحفر فيه، دون أن يخرج عن دائرته ليقتحم فضاءات مختلفة بعيدًا عن تكرار الذات. كما أنه حَصَر تجربته- إيقاعيًّا- في التفعيلة، محرّمًا على نفسه العودة إلى بناء القصيدة العربيّة، إلاّ نادرًا. [على أن محمود درويش في كتاب يوميّاته- الشعريّة النثريّة- بعنوان "أثر الفراشة"، (بيروت: رياض الريس، 2008)، يعود إلى الشِّعر البيتيّ في عددٍ من النصوص القصيرة جدًّا، كنصّه بعنوان "على قلبي مشيت"، ص87- 88، على (البحر الوافر)؛ "في صحبة الأشياء"، ص115؛ "ربيع سريع"، ص127؛ "مناصفة"، ص231، وكلها على (البحر البسيط).] ومن جهةٍ مقابلة لم يجرؤ على تجاوز التفعيلة إلى سواها. بل إنه، حتى في ميدان التفعيلة، قد حَشَر قصيدته في (دائرة المؤتلف أو المتقارب)، من خلال وحدتَي النَّغَم (فاعلن) و(فعولن)، اللتين يكاد لا يعزف على سواهما! وليس في تقريرنا هذا انتقاص من تجربة درويش الشِّعريّة، إجمالاً، ذات الطول والغِنى والعُمق.
                        (3) هي: هيام حسّون المفلح. صَدَرَ لها قبل عملها هذا، محلَّ الدراسة: "صفحات من ذاكرة منسيّة"، قصص، (دمشق: دار دانية، 1989)؛ "الكتابة بحروف مسروقة"، قصص، (دمشق: دار دانية، 1998). وهي كاتبة ومحرّرة صحفيّة بجريدة "الرياض"، منذ 11 سنة، تكتب زاوية أسبوعيّة فيها. إضافة إلى تولّيها مسؤوليّة (صفحة الطفل) الأسبوعيّة في الجريدة. جمعتْ مقالاتها الصحفيّة ضمن كتاب بعنوان "عطر عشر سنوات.. وسنة". فائزة بالجائزة الثانية في القِصّة القصيرة بأندية الفتيات بالشارقة، على مستوى كاتبات الوطن العربي.
                        (4) انظر: الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (2005)، حداثة النصّ الشِّعري في المملكة العربيّة السعوديّة: (قراءة نقديّة في تحوّلات المشهد الإبداعيّ)، (الرياض: النادي الأدبي)، 125- 000.
                        (5) ويزداد دَهَش الجيل الناشئ لما يُعوزه من تأسيسٍ مَكِيْنٍ في العربيّة وآدابها، إنْ لم يكن مُعْرِضًا عن التراث العربيّ إعراضًا أو مصروفًا عنه صرفًا. ولقد يُسنده من النقّاد أمثالُه، أو مَن لهم مواقف خاصّة مِن عِلْم من علوم العربيّة، أو فنٍّ من فنونها، فيَظهر خطابٌ نقديٌّ يُلبس طلاء النقد العِلميّ ما ليس بنقدٍ ولا بعِلْم.
                        (6) (2007)، (بيروت: الدار العربية للعلوم).
                        (7) م.ن، 5.
                        (8) مع أن تلك العبارة تكشف عن أن العلاقة بين "القلق" و"الجمر" ليست بعلاقة تشبيه، كما في العنوان، بل علاقة سببٍ بنتيجة، وأن الجمرَ جمرٌ مجازيٌّ لا حقيقيّ.
                        (9) المفلح، هيام، كما القلق يتّكئ الجمر، 14.

                        أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
                        أستاذ النقد الحديث- جامعة الملك سعود
                        23- 3- 2011
                        p.alfaify@yahoo.com

                        تابع الحلقات السابقة من الدراسة:
                        الحلقة الأولى: http://khayma.com/faify/index253.html
                        الحلقة الثانية: http://khayma.com/faify/index256.html
                        الحلقة الثالثة: http://khayma.com/faify/index258.html
                        الحلقة الرابعة: http://khayma.com/faify/index259.html
                        الحلقة الخامسة: http://khayma.com/faify/index262.html
                        الحلقة السادسة: http://khayma.com/faify/index279.html
                        الحلقة السابعة: http://khayma.com/faify/index281.html
                        الحلقة الثامنة: http://khayma.com/faify/index284.html
                        الحلقة التاسعة: http://khayma.com/faify/index287.html
                        الحلقة العاشرة: http://khayma.com/faify/index290.html


                        تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
                        1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
                        2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.
                        3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.

                        --
                        http://www.mhammed-jabri.net/

                        تعليق

                        يعمل...
                        X