نانوبيديا» - الحلقة السابعة
حكمة.. حرس.. حضارة
دائرة معارف مصغرة في 30 حلقة عن مصطلحات ومسميات عاشت في زماننا، الحكمة هي موافقة الحق وضالة المؤمن وذكرها القرآن في 20 موضعاً، من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة..
من الانجليزية الى العربية. ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
حكمة: هي ضالة المؤمن - بمعنى هدفه الذي يسعى إليه وغايته التي ينشدها على نحو ما جاء في الأثر الشريف. والحكمة في معجم اللغة هي موافقة الحق.. ولكنها في معناها الأشمل ترادف الفلسفة. وقد احتفل بها القرآن الكريم فأوردها في 20 موضعا ولكن حسب معان وأغراض شتى ويعرفها مولانا القرطبي (في الجامع لأحكام القرآن) بأنها المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى..
ولكنه ينقل عن مالك وقتادة وإضرابهما من رواد التفسير أن الحكمة هي: بيان الشرائع.. أو هي الحُكم والقضاء. ومن حيث أسلوب الدعوة إلى «سبيل ربك» يفسر شيخنا المفسّر الجليل الحكمة والموعظة الحسنة بأنها «الدعوة إلى دين الله وشريعته بتلطف ومن دون مخاشنة أو تعنيف»، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة (وهذه إشارة لطيفة، وحكيمة بدورها تومئ إلى تجنب المخاشنة التي قد نصادفها في زماننا الراهن في خطاب الوعظ أو التنّطع في مجال التوجيه والإرشاد).
وربما ارتأى رواد الحضارة العربية الإسلامية - خاصة في العصرين العباسي الأول والثاني - أن يترجموا مصطلح «فيلوسوفي» عن اليونانية إلى مصطلح الحكمة في اللغة العربية.. كانوا يدركون عن علم بأن فيلوسوفي تعني عن اليونانية محبة (فيلو) والحكمة (سوفي) أو بالأدق (صوفي) حيث أن الكلمة منسوبة إلى صوفيا وهي آلهة الحكمة في حضارات الأقدمين -،
وحيث تعرفّها المعاجم المحدثة بأنها الاشتغال ببحث الحقيقة الكبرى وبتدارس العلل والأسباب والمبادئ والقواعد التي تحرك نواميس هذا الكون الذي نعيش فيه والتعمق في ظواهرها وأنماط حركتها وتأمّل العلاقات التي تربط فيما بينها.. ويرجع الفضل إلى الفلسفة بمعنى محبة الحكمة والشغف بها إلى سنة 600 للميلاد تقريبا (على نحو ما تقول الموسوعة الأمريكية).
أما الموسوعات والبحوث العربية فتضفي على هذه المباحث جميعا عنوان «الاشتغال بالعلوم العقلية، في حين يرى البروفيسور الانجليزي نيكلسون (في التاريخ الأدبي للعرب) أن العرب، من مسلمين وغير مسلمين، عمدوا إلى التواصل مع ثقافة اليونان واللاتينية منذ فجر الفتوحات الإسلامية وكان لتشجيع الحكام أثر بالغ في تعزيز الاشتغال بالدراسات الفلسفية والعلوم العقلية ومن ثم البحوث المختبرية والتطبيقية مما أثمر نهضة شاملة في مجال التنظير والتطبيق على السواء.
ومثل كل أمة تنهض.. بدأ المسلمون بالترجمة تمهيدا لاستيعاب وهضم ما كانوا يترجمون. ويحدثنا العلامة الراحل حسن إبراهيم (في موسوعته عن تاريخ الإسلام بأجزائها الخمسة) عن خالد بن يزيد بن معاوية وهو من فروع الأسرة الأموية الحاكمة، وقد شغف بالعلوم فكان «أول من عني بنقل علوم الطب والكيمياء إلى العربية ودعا جماعات من اليونانيين المقيمين في مصر وطلب إليهم ترجمة أمهات الكتب اليونانية التي عنيت بصناعة الكيمياء العملية».
يحفظ التاريخ أيضا سفرا من الأسفار القديمة الذي يحمل اسم «حكمة سليمان» وهو من كتب العهد التوراتي القديم ويضم عظات ونصوصا تتصل بخلود النفس وعبرة الخلق في الحياة الدنيا وما بعدها، وهو أقرب شبها إلى أسفار أيوب المفعمة بألم المعاناة البشرية، أو إلى الأسفار الأخرى التي تحفل بالأمثال التي تقّرب الحقيقة ودروسها المستفادة إلى أفهام عامة الناس.
وكل مشتغل بهذا اللون من الصناعة العقلية يندرج في سلك الحكماء.. وقد اصطلح التراث اليوناني على قوائم بأسمائهم لعل أشهرها قائمة الحكماء السبعة الذين يوليهم اليونان والعالم كل توقير، وأشهرهم اثنان هما الفيلسوف طاليس (ت 546 قبل الميلاد) الذي يرجع إليه الفضل في ترشيد أو تعقيل العلم بمعنى تخليص الفكر العلمي من أوشاب الخرافة.. فضلا عن تكريسه لعنصر الماء في الكون وفي حياة البشر حيث كان يرد الأشياء كافة إلى الماء، وكأنه بفطرة سليمة أدرك ما جاء به الكتاب الكريم حين قال: «وجعلنا من الماء كل شيء حي».!
أما الحكيم الثاني فهو سولون (ت عام 559 قبل الميلاد) الذي يرجع إليه الفضل في وضع الأسس والمبادئ التي قامت عليها القوانين والتشريعات التي تنظم العلاقات الاجتماعية على أساس من العدل والنُصفة بين فئات المجتمع، وهو ما أرسى ركائز ما أصبح يعرف بالممارسة الديمقراطية وأهمها توضيح وتوزيع الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع.
حرس: عندما أوفدوا رفاعة الطهطاوي خريج الأزهر الشريف في مصر إلى باريس، وكان ذلك عام 1826 استرعى اهتمامه ظاهرة كانت تموج بها العاصمة الفرنسية خلال إقامته التي امتدت نحوا من 4 سنوات.. لم يتورع الصعيدي الأزهري القادم من قاهرة - محمد علي عن إطلاق عبارة يصف بها تلك الظاهرة.. والعبارة تقول:
وكم كانت حيرة قراء ودارسي الكتاب الذي وضعه الطهطاوي عن رحلته تلك بعنوانه الشهير «تخليص الإبريز..» فالعبارة تبدو للقارئ المتعجل أنها تتصل بالحياء وتشير إلى علاقات حميمة بين رجل وامرأة، ولم يكن هذا الأمر ليخطر ببال رفاعة من قريب أو بعيد.. لقد عاش في باريس وهي على أبواب حركة تمرد أهلية، وقومية تبلورت فيما أصبح يسمى بثورة لويس فيليب عام 1830..
وكان طبيعيا أن تتشكل وقتها تنظيمات شبه عسكرية - ميليشيات شبه مسلحة رآها الطهطاوي وظل يرصد تحركاتها وتدريباتها ومدى تأثيرها في مجتمع فرنسا في ذلك الزمان. ولما سأل عن اسم هذه التشكيلات أجابوه بأن اسمها هو «جندارم ناسيونال» ولما حاول ترجمة المصطلح إلى العربية لم يجد سوى كلمة «خفير» للكلمة الأولى وكلمة «جنسي» أي حامل للجنسية بمعنى من رعايا فرنسا ولا ينتمي إلى أرومة أخرى أو إلى وطن أو جنسية أجنبية. وما كان الطهطاوي يدرك وقتها أنه يتكلم عن «الحرس.. الوطني» الذي اختار له - كما أسلفنا وصف الخَفَر.. الجنسي!
وما كان الطهطاوي يعرف أيضا أن تشكيلات وتنظيمات هذا الحرس الوطني لها تاريخ يرجع قبل وفوده إلى باريس بنحو جيل من الزمن.. وهي تشكيلات لها تاريخ غريب في حياة فرنسا بدأت باقتراح من مير أبو خطيب الثورة البليغ الشهير عام 1789 وكان هدفها جمع صفوف المتطوعين من أجل حماية الثورة الفرنسية وأوكلوا قيادته إلى المركيز لافاييت الذي كان له دور في حركة استقلال أمريكا وكانوا يعدونه من أهل الارستقراطية المؤيدين لنظام الثورة الجديد في باريس.
مع ذلك فقد سرحوا قوات الحرس الوطني تحت طائلة اتهامها بأنها يمكن أن تناصر أركان نظام البوربون الملكي القديم. مع ذلك أعاد نابليون تلك التشكيلات التي ظلت تؤدي دورا مؤثرا في كل الانتفاضات التي شهدتها فرنسا على مدار القرن التاسع عشر. أمريكا لديها قوات الحرس الوطني ويقال أنها كانت الملجأ.. الجراج.. أو الملاذ الذي كان كبار الساسة وأركان المجتمع الأمريكي يلجأون إليها لإلحاق أبنائهم بصفوفها بدلا من تجنيدهم إجباريا للخدمة في مسرح العمليات في ؟يتنام.
إذن كان هناك الواسطة والمحسوبية واستغلال النفوذ.. وهذا بالضبط ما يشير إليه خصوم الرئيس الحالي بوش بأصابع الاتهام.. حيث تهيأت لبوش - الشاب سبل خدمة عسكرية مريحة في سلك الحرس الوطني إلى جوار أسرته وفي إطار من الدعة والأمان.. وبهذا أنقذوه - يقول الخصوم - من خطر التجنيد في مجال الحرب الحقيقية والقتال الشرس الذي خاضه أبناء جيله في حقول الموت بالشرق الآسيوي البعيد.. وكان الفصل بالطبع لمؤسسة الحرس الوطني أو.. الأهلي.. الخَفَر الجنسي كما وصفه رفاعة الطهطاوي منذ 175 سنة أو نحوها من عمر الزمان.
حضارة: حارت الأفهام في إيجاد تعريف جامع مانع لمصطلح «حضارة» اللهم إلا إذا أوردت المعاجم الرصينة عدة مرادفات لها من قبيل: ثقافة.. نماء فكري.. صقل ودقة وتهذيب لأساليب الحياة.. بناء وتطور ونضوج.. خبرة متعمقة ودراسة منسقة واعية بأحوال العالم.. صعود في أكثر من مضمار.. حالة تدفع إلى التجديد وتشجع على الابتكار وتعزز روح الإبداع.. نهوض عام في شتى نواحي الحياة.. إمكانية السيطرة على موارد الطبيعة وتدجين أو ترويض عناصرها الصعبة أو العصّية أو المتمردة الجامحة..
شيوع الروح الإنسانية بكل شمائلها الايجابية من رقة الحاشية ومشاعر التعاطف والتراحم والتفاهم واحتمال كل طرف لسواه (قبول الآخر بتعبيرات عصرنا).. التحول من حال الهمجية إلى حال النظام الاجتماعي المستقر والقابل للتحسن.. انتشار التعليم والحث على التعلم وإتاحة سبل نقل أو انتقال المعارف النظرية والتطبيقية..
الفكرية والامبريقية (الميدانية - العملية) من جيل من البشر إلى أجيال تأتي من بعده وتتواصل معه.. فضلا عن ممارسة هذا الانتقال أو هذه الوصايا المعرفية أو هذا الإرث من الخبرات والتجارب التاريخية لا من خلال جهود لأفراد أو حتى لتجمعات بشرية.. بل من خلال جهود مؤسسية وبأساليب منهجية تتم من خلال عملية متسقة ومنتظمة وتقوم على أمرها مؤسسات متخصصة يأتي في مقدمتها مؤسسات التعليم والبحث العلمي والتطبيق التكنولوجي والاتصال الاعلامي وما في حكمها.
وفي عربيتنا تترادف كلمة «حضارة» مع كلمة «مدنية» وتشير كلتاهما إلى التحول من أوضاع البداوة بمعنى الترحل وعدم الاستقرار إلى أوضاع التحضر بمعنى الانتقال من مجتمع البادية غير المستقر إلى مجتمع الحضارة - المدنية الذي يتيح بفضل استقراره إمكانية التطور والنضوج والترقّي وسبل التواصل والاستمرار أما في لغات الغرب فيشنقون لفظة الحضارة من الجذر اللاتيني سيفيكوس ويشير إلى حال المواطنة ويفيد بوضعية الفرد الذي يتمتع بمركز المواطن في إمبراطورية روما القديمة وهو الإنسان الحر (ضد العبد الرقيق) ويشتقون من نفس المادة مصطلح سيفيك الذي يفيد بدوره بمعنى وعي الفرد والجماعة بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.
وسواء أخذنا بمصطلح حضارة أو مصطلح مدنية فكلاهما يفيد بمعنى التقدم والنهوض.. ولعل هذا هو الذي دفع الرائد الصحفي جورجي زيدان (مؤسس دار الهلال بالقاهرة) أن يؤرخ للحضارة العربية الإسلامية في 5 مجلدات اختار لها عنوان «تاريخ التمدن الإسلامي».
من ناحية أخرى تزدان الثقافة الانجليزية الحديثة بعمل فكري جامع وشامل عمل على دراسة الحضارات الإنسانية وأنصف من بينها حضارة وثقافة المسلمين.. وقد بدأ مؤلفه البروفيسور «أرنولد توينبي» في تصنيفه في عام 1922 بعنوانه الشهير «دراسة في التاريخ» وأودعه دراسته العميقة والمنصفة إلى حد كبير لما يقرب من 27 من حضارات الإنسانية وهي دراسة راصدة وثاقبة لمسار تلك الحضارات ما بين صعودها إلى اضمحلالها وزوالها وتلك سّنة الله في خلقه على مر العصور.
تقول الموسوعة البريطانية: كان الأستاذ توينبي يرى أن الحضارات تتحرك وتنمو وتكتهل بمنطق التحدي الذي يواجهها والاستجابة التي تختارها لمواجهة ذلك التحدي. وعلى خلاف المفكر الألماني شبنجلر (صاحب كتاب سقوط الغرب) لم يكن توينبي يرى أن سقوط الحضارات أمر حتمي.. وفيما كان كارل ماركس يرى أن تاريخ الحضارات تحركه أساسا العوامل المادية كان توينبي يرى أن الحضارات تحركها عوامل روحية تتمثل في أشواق الإنسان نحو الأفضل والأجمل والأرقى.. والله أعلم.
يكتبها : محمد الخولي
حكمة.. حرس.. حضارة
دائرة معارف مصغرة في 30 حلقة عن مصطلحات ومسميات عاشت في زماننا، الحكمة هي موافقة الحق وضالة المؤمن وذكرها القرآن في 20 موضعاً، من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة..
من الانجليزية الى العربية. ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
حكمة: هي ضالة المؤمن - بمعنى هدفه الذي يسعى إليه وغايته التي ينشدها على نحو ما جاء في الأثر الشريف. والحكمة في معجم اللغة هي موافقة الحق.. ولكنها في معناها الأشمل ترادف الفلسفة. وقد احتفل بها القرآن الكريم فأوردها في 20 موضعا ولكن حسب معان وأغراض شتى ويعرفها مولانا القرطبي (في الجامع لأحكام القرآن) بأنها المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى..
ولكنه ينقل عن مالك وقتادة وإضرابهما من رواد التفسير أن الحكمة هي: بيان الشرائع.. أو هي الحُكم والقضاء. ومن حيث أسلوب الدعوة إلى «سبيل ربك» يفسر شيخنا المفسّر الجليل الحكمة والموعظة الحسنة بأنها «الدعوة إلى دين الله وشريعته بتلطف ومن دون مخاشنة أو تعنيف»، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة (وهذه إشارة لطيفة، وحكيمة بدورها تومئ إلى تجنب المخاشنة التي قد نصادفها في زماننا الراهن في خطاب الوعظ أو التنّطع في مجال التوجيه والإرشاد).
وربما ارتأى رواد الحضارة العربية الإسلامية - خاصة في العصرين العباسي الأول والثاني - أن يترجموا مصطلح «فيلوسوفي» عن اليونانية إلى مصطلح الحكمة في اللغة العربية.. كانوا يدركون عن علم بأن فيلوسوفي تعني عن اليونانية محبة (فيلو) والحكمة (سوفي) أو بالأدق (صوفي) حيث أن الكلمة منسوبة إلى صوفيا وهي آلهة الحكمة في حضارات الأقدمين -،
وحيث تعرفّها المعاجم المحدثة بأنها الاشتغال ببحث الحقيقة الكبرى وبتدارس العلل والأسباب والمبادئ والقواعد التي تحرك نواميس هذا الكون الذي نعيش فيه والتعمق في ظواهرها وأنماط حركتها وتأمّل العلاقات التي تربط فيما بينها.. ويرجع الفضل إلى الفلسفة بمعنى محبة الحكمة والشغف بها إلى سنة 600 للميلاد تقريبا (على نحو ما تقول الموسوعة الأمريكية).
أما الموسوعات والبحوث العربية فتضفي على هذه المباحث جميعا عنوان «الاشتغال بالعلوم العقلية، في حين يرى البروفيسور الانجليزي نيكلسون (في التاريخ الأدبي للعرب) أن العرب، من مسلمين وغير مسلمين، عمدوا إلى التواصل مع ثقافة اليونان واللاتينية منذ فجر الفتوحات الإسلامية وكان لتشجيع الحكام أثر بالغ في تعزيز الاشتغال بالدراسات الفلسفية والعلوم العقلية ومن ثم البحوث المختبرية والتطبيقية مما أثمر نهضة شاملة في مجال التنظير والتطبيق على السواء.
ومثل كل أمة تنهض.. بدأ المسلمون بالترجمة تمهيدا لاستيعاب وهضم ما كانوا يترجمون. ويحدثنا العلامة الراحل حسن إبراهيم (في موسوعته عن تاريخ الإسلام بأجزائها الخمسة) عن خالد بن يزيد بن معاوية وهو من فروع الأسرة الأموية الحاكمة، وقد شغف بالعلوم فكان «أول من عني بنقل علوم الطب والكيمياء إلى العربية ودعا جماعات من اليونانيين المقيمين في مصر وطلب إليهم ترجمة أمهات الكتب اليونانية التي عنيت بصناعة الكيمياء العملية».
يحفظ التاريخ أيضا سفرا من الأسفار القديمة الذي يحمل اسم «حكمة سليمان» وهو من كتب العهد التوراتي القديم ويضم عظات ونصوصا تتصل بخلود النفس وعبرة الخلق في الحياة الدنيا وما بعدها، وهو أقرب شبها إلى أسفار أيوب المفعمة بألم المعاناة البشرية، أو إلى الأسفار الأخرى التي تحفل بالأمثال التي تقّرب الحقيقة ودروسها المستفادة إلى أفهام عامة الناس.
وكل مشتغل بهذا اللون من الصناعة العقلية يندرج في سلك الحكماء.. وقد اصطلح التراث اليوناني على قوائم بأسمائهم لعل أشهرها قائمة الحكماء السبعة الذين يوليهم اليونان والعالم كل توقير، وأشهرهم اثنان هما الفيلسوف طاليس (ت 546 قبل الميلاد) الذي يرجع إليه الفضل في ترشيد أو تعقيل العلم بمعنى تخليص الفكر العلمي من أوشاب الخرافة.. فضلا عن تكريسه لعنصر الماء في الكون وفي حياة البشر حيث كان يرد الأشياء كافة إلى الماء، وكأنه بفطرة سليمة أدرك ما جاء به الكتاب الكريم حين قال: «وجعلنا من الماء كل شيء حي».!
أما الحكيم الثاني فهو سولون (ت عام 559 قبل الميلاد) الذي يرجع إليه الفضل في وضع الأسس والمبادئ التي قامت عليها القوانين والتشريعات التي تنظم العلاقات الاجتماعية على أساس من العدل والنُصفة بين فئات المجتمع، وهو ما أرسى ركائز ما أصبح يعرف بالممارسة الديمقراطية وأهمها توضيح وتوزيع الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع.
حرس: عندما أوفدوا رفاعة الطهطاوي خريج الأزهر الشريف في مصر إلى باريس، وكان ذلك عام 1826 استرعى اهتمامه ظاهرة كانت تموج بها العاصمة الفرنسية خلال إقامته التي امتدت نحوا من 4 سنوات.. لم يتورع الصعيدي الأزهري القادم من قاهرة - محمد علي عن إطلاق عبارة يصف بها تلك الظاهرة.. والعبارة تقول:
وكم كانت حيرة قراء ودارسي الكتاب الذي وضعه الطهطاوي عن رحلته تلك بعنوانه الشهير «تخليص الإبريز..» فالعبارة تبدو للقارئ المتعجل أنها تتصل بالحياء وتشير إلى علاقات حميمة بين رجل وامرأة، ولم يكن هذا الأمر ليخطر ببال رفاعة من قريب أو بعيد.. لقد عاش في باريس وهي على أبواب حركة تمرد أهلية، وقومية تبلورت فيما أصبح يسمى بثورة لويس فيليب عام 1830..
وكان طبيعيا أن تتشكل وقتها تنظيمات شبه عسكرية - ميليشيات شبه مسلحة رآها الطهطاوي وظل يرصد تحركاتها وتدريباتها ومدى تأثيرها في مجتمع فرنسا في ذلك الزمان. ولما سأل عن اسم هذه التشكيلات أجابوه بأن اسمها هو «جندارم ناسيونال» ولما حاول ترجمة المصطلح إلى العربية لم يجد سوى كلمة «خفير» للكلمة الأولى وكلمة «جنسي» أي حامل للجنسية بمعنى من رعايا فرنسا ولا ينتمي إلى أرومة أخرى أو إلى وطن أو جنسية أجنبية. وما كان الطهطاوي يدرك وقتها أنه يتكلم عن «الحرس.. الوطني» الذي اختار له - كما أسلفنا وصف الخَفَر.. الجنسي!
وما كان الطهطاوي يعرف أيضا أن تشكيلات وتنظيمات هذا الحرس الوطني لها تاريخ يرجع قبل وفوده إلى باريس بنحو جيل من الزمن.. وهي تشكيلات لها تاريخ غريب في حياة فرنسا بدأت باقتراح من مير أبو خطيب الثورة البليغ الشهير عام 1789 وكان هدفها جمع صفوف المتطوعين من أجل حماية الثورة الفرنسية وأوكلوا قيادته إلى المركيز لافاييت الذي كان له دور في حركة استقلال أمريكا وكانوا يعدونه من أهل الارستقراطية المؤيدين لنظام الثورة الجديد في باريس.
مع ذلك فقد سرحوا قوات الحرس الوطني تحت طائلة اتهامها بأنها يمكن أن تناصر أركان نظام البوربون الملكي القديم. مع ذلك أعاد نابليون تلك التشكيلات التي ظلت تؤدي دورا مؤثرا في كل الانتفاضات التي شهدتها فرنسا على مدار القرن التاسع عشر. أمريكا لديها قوات الحرس الوطني ويقال أنها كانت الملجأ.. الجراج.. أو الملاذ الذي كان كبار الساسة وأركان المجتمع الأمريكي يلجأون إليها لإلحاق أبنائهم بصفوفها بدلا من تجنيدهم إجباريا للخدمة في مسرح العمليات في ؟يتنام.
إذن كان هناك الواسطة والمحسوبية واستغلال النفوذ.. وهذا بالضبط ما يشير إليه خصوم الرئيس الحالي بوش بأصابع الاتهام.. حيث تهيأت لبوش - الشاب سبل خدمة عسكرية مريحة في سلك الحرس الوطني إلى جوار أسرته وفي إطار من الدعة والأمان.. وبهذا أنقذوه - يقول الخصوم - من خطر التجنيد في مجال الحرب الحقيقية والقتال الشرس الذي خاضه أبناء جيله في حقول الموت بالشرق الآسيوي البعيد.. وكان الفصل بالطبع لمؤسسة الحرس الوطني أو.. الأهلي.. الخَفَر الجنسي كما وصفه رفاعة الطهطاوي منذ 175 سنة أو نحوها من عمر الزمان.
حضارة: حارت الأفهام في إيجاد تعريف جامع مانع لمصطلح «حضارة» اللهم إلا إذا أوردت المعاجم الرصينة عدة مرادفات لها من قبيل: ثقافة.. نماء فكري.. صقل ودقة وتهذيب لأساليب الحياة.. بناء وتطور ونضوج.. خبرة متعمقة ودراسة منسقة واعية بأحوال العالم.. صعود في أكثر من مضمار.. حالة تدفع إلى التجديد وتشجع على الابتكار وتعزز روح الإبداع.. نهوض عام في شتى نواحي الحياة.. إمكانية السيطرة على موارد الطبيعة وتدجين أو ترويض عناصرها الصعبة أو العصّية أو المتمردة الجامحة..
شيوع الروح الإنسانية بكل شمائلها الايجابية من رقة الحاشية ومشاعر التعاطف والتراحم والتفاهم واحتمال كل طرف لسواه (قبول الآخر بتعبيرات عصرنا).. التحول من حال الهمجية إلى حال النظام الاجتماعي المستقر والقابل للتحسن.. انتشار التعليم والحث على التعلم وإتاحة سبل نقل أو انتقال المعارف النظرية والتطبيقية..
الفكرية والامبريقية (الميدانية - العملية) من جيل من البشر إلى أجيال تأتي من بعده وتتواصل معه.. فضلا عن ممارسة هذا الانتقال أو هذه الوصايا المعرفية أو هذا الإرث من الخبرات والتجارب التاريخية لا من خلال جهود لأفراد أو حتى لتجمعات بشرية.. بل من خلال جهود مؤسسية وبأساليب منهجية تتم من خلال عملية متسقة ومنتظمة وتقوم على أمرها مؤسسات متخصصة يأتي في مقدمتها مؤسسات التعليم والبحث العلمي والتطبيق التكنولوجي والاتصال الاعلامي وما في حكمها.
وفي عربيتنا تترادف كلمة «حضارة» مع كلمة «مدنية» وتشير كلتاهما إلى التحول من أوضاع البداوة بمعنى الترحل وعدم الاستقرار إلى أوضاع التحضر بمعنى الانتقال من مجتمع البادية غير المستقر إلى مجتمع الحضارة - المدنية الذي يتيح بفضل استقراره إمكانية التطور والنضوج والترقّي وسبل التواصل والاستمرار أما في لغات الغرب فيشنقون لفظة الحضارة من الجذر اللاتيني سيفيكوس ويشير إلى حال المواطنة ويفيد بوضعية الفرد الذي يتمتع بمركز المواطن في إمبراطورية روما القديمة وهو الإنسان الحر (ضد العبد الرقيق) ويشتقون من نفس المادة مصطلح سيفيك الذي يفيد بدوره بمعنى وعي الفرد والجماعة بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.
وسواء أخذنا بمصطلح حضارة أو مصطلح مدنية فكلاهما يفيد بمعنى التقدم والنهوض.. ولعل هذا هو الذي دفع الرائد الصحفي جورجي زيدان (مؤسس دار الهلال بالقاهرة) أن يؤرخ للحضارة العربية الإسلامية في 5 مجلدات اختار لها عنوان «تاريخ التمدن الإسلامي».
من ناحية أخرى تزدان الثقافة الانجليزية الحديثة بعمل فكري جامع وشامل عمل على دراسة الحضارات الإنسانية وأنصف من بينها حضارة وثقافة المسلمين.. وقد بدأ مؤلفه البروفيسور «أرنولد توينبي» في تصنيفه في عام 1922 بعنوانه الشهير «دراسة في التاريخ» وأودعه دراسته العميقة والمنصفة إلى حد كبير لما يقرب من 27 من حضارات الإنسانية وهي دراسة راصدة وثاقبة لمسار تلك الحضارات ما بين صعودها إلى اضمحلالها وزوالها وتلك سّنة الله في خلقه على مر العصور.
تقول الموسوعة البريطانية: كان الأستاذ توينبي يرى أن الحضارات تتحرك وتنمو وتكتهل بمنطق التحدي الذي يواجهها والاستجابة التي تختارها لمواجهة ذلك التحدي. وعلى خلاف المفكر الألماني شبنجلر (صاحب كتاب سقوط الغرب) لم يكن توينبي يرى أن سقوط الحضارات أمر حتمي.. وفيما كان كارل ماركس يرى أن تاريخ الحضارات تحركه أساسا العوامل المادية كان توينبي يرى أن الحضارات تحركها عوامل روحية تتمثل في أشواق الإنسان نحو الأفضل والأجمل والأرقى.. والله أعلم.
يكتبها : محمد الخولي
تعليق