البروباجاندا..بونابارتية..بلاك

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    البروباجاندا..بونابارتية..بلاك

    «نانوبيديا»الحلقة 3
    الدعاية اكتسبت سمعتها السيئة بوصفها قرينة الكذب والتضليل والتعتيم والخداع




    في اللغة اللاتينية ينصرف الفعل «روباجاندي» إلى معنى الانتشار والتوسع، وربما يعني تناسل البشر وتوالد الدعوات واتساع رقعة انتشار الأفكار ومن ثم تأثيرها على أكبر قاعدة من الناس..


    ومثل كل الظواهر والابتكارات البشرية نبعت البروباجاندا من احتياجات ماسّة لدى الكنيسة الكاثوليكية وعلى رأسها باباوات روما إلى محاولة توسيع قاعدة المؤمنين بعقيدتها باستخدام أدوات التبشير ومواصلة جهود الدعوة والتأثير والإقناع.. زادت هذه الحاجة الملحّة في خلال القرن السادس عشر للميلاد. لماذا في القرن 16 بالذات؟..


    لأنه ألزم الذي شهد اكتشاف أميركا ـ العالم الجديد بعد رحلة كولومبوس الشهيرة (1429) وبعدها دخلت أوروبا عصر الكشوف الجغرافية فكان أن ارتادت انجلترا تخوم أميركا وتحولت بعد ذلك إلى أصقاع شاسعة في افريقيا والشرق الأقصى.. واكب هذه الكشوف وحركات الاستيطان ازدهار مذاهب الكنيسة البروتستانتية ـ الانجيليكانية المناوئة للعقيدة الكاثوليكية..


    هنالك استشعر البابا جريجوري الخامس عشر أهمية مضاعفة جهود الدعوة - التبشير انتصاراً لكنيسة روما التي يتربع على عرشها في الفاتيكان.. صحيح أن تلك الكنيسة كانت تخدمها عناصر كاثوليكية أيضاً من أسبانيا والبرتغال، لكن البابا قرر أن يجمع كل هذه الجهود في إطار إدارة مركزية موحدة بحيث ينجم عن جهودها المكثفة أبلغ أنواع التأثير.


    هكذا صدر قراره يوم 22 يونيو 1622 بالمرسوم المقدس الذي يقضي بتأسيس «كونجراتيو دي بروباجاندو فيديه» وترجمتها عن اللاتينية هي «مجمع الدعاية العقيدية (أو الدينية) ونظراً لطول الاسم ـ كما ترى ـ وتعقيده رسماً ونطقاً، فقد درجت العادة على أن يعرفه الناس باسم «بروباجاندا». وكانوا يقصرونه كما ألمحنا على قضايا الدعوة الدينية.


    لكن الإنجليز ما لبثوا مع فاتح القرن التاسع عشر أن فارقوا المعاني الدينية إلى حيث شرعوا في استخدام مصطلح بروباجاندا ليصدق على كل أمور التواصل والتفاعل ومحاولات الإقناع واستهداف التأثير في جموع المخاطبين..


    هكذا انتقلت بروباجاندا من أيادي الكهان إلى أصابع السياسيين والإعلاميين. ثم تحولت من مجرد جهود متناثرة إلى أن تبلورت لتصبح مهنة احترافية مع بدايات القرن العشرين ودخول العالم إلى عصور الراديو ومن بعده التلفزيون.. ولأن المسألة لم تعد مجرد دعوات ولا مؤثرات بل أضيفت إليها مهام غريبة وربما غير مستحبة من قبيل نشر الشائعات وهي أمور تدخل بغير مواربة في باب بث الأكاذيب وترويج الافتراءات..


    فقد تحولت البروباجاندا إلى أن أضحت مؤسسة رهيبة التأثير بعد أن استخدمتها الدول والنظم سواء للتأثير على شعوبها في الداخل أو لخوض حروب الكلمة ـ حروب الدهاء كما كانوا يسمونها في صراعات الدول عبر الحدود.


    في القرن العشرين


    ومع سنوات العقد الثالث من القرن الماضي بدأت البروباجاندا تكتسب ترجمتها العربية باسم «الدعاية» وبدأت تتبلور كمفهوم في علوم الاتصال الجماهيري البازغة في ذلك الحين حيث ورد تعريفها عند رواد علوم الاتصال مثل والتر لبمان على أنها محاولات استمالة الجماهير بل وإغرائها (وربما خداعها وإغوائها) والتغرير بوعيها لصالح فكرة أو زعم أو لمعاداة فكرة أخرى (خارجية بالذات).


    في هذا الإطار توسعت البروباجاندا ـ الدعاية في استخدام أدوات متنوعة.. لم تعد الكلمة المكتوبة أو المذاعة هي الأداة الوحيدة.. بدأت تستخدم أنغام الموسيقى والتشكيلات الرياضية وفنون المسرح ثم السينما..


    لكن الأهم كانت لعبة استخدام الرموز والشعارات. والأشهر في هذا المجال كان استخدام شعار الصليب المعقوف(سواستيكا) الذي اكتشفه زعيم ألمانيا النازية هتلر ـ كما يقول مؤرخه الأشهر «ويليام شيرر» (ت 1993). كان ذلك في صيف عام 1920 وكان يعيش بداخل هتلر نفسه فنان محبط لم يشق طريقه إلى شهرة في عالم الرسم والتصوير..


    في تلك الفترة توصل هتلر إلى رسم السواستيكا شعاراً للحزب النازي الذي كان في حالة صعود في ألمانيا ولم يكن الشعار جديداً تماماً بل شهدته بصور شتى حضارات قديمة وعريقة في طروادة وفي مصر وفي الهند والصين.


    ثم توسع النظام النازي في جهود الدعاية إلى أن عينوا لها وزيراً ذاع اسمه في كل أنحاء الدنيا هو جوزيف جوبلز (ت1945) الذي نقلوا عنه خلال وقائع الحرب العالمية الثانية مقولته الشهيرة:


    ـ كتمان الحق أكثر فاعلية من نشر الباطل ظلت الدعاية.


    ومازالت العبارة أداة طيعة في أيدي النظم السياسية وخاصة نظم الاستبداد والقهر السياسي. لهذا اكتسبت سمعتها السيئة بوصفها قرينة الكذب والتضليل والتعتيم والخداع مقارنة بالإعلام الذي يتولى - نظرياً على الأقل توعية الناس بما يدور من حولهم، الطريف أن حكومات عربية كثيرة استغرقت وقتاً طويلاً إلى أن تنبهت إلى أهمية هذا التمييز..


    في فاتح الخمسينات تشكلت وزارات نهاية عصر الباشوات في مصر وكان من مواقعها منصب فلان باشا وزيراً للدعاية!. بعدها تحولت ثورة 1952 بالتسمية إلى منصب وزير الإرشاد ولم تكن التسمية موفقة بدورها إذ كانت تومئ إلى نوع من الوصاية على الجماهير..


    وبعدها استقر الأمر على مصطلح وزارة الإعلام.. ومازالت الدعوات تتوالى في الوطن العربي.. لا إلى رفض البروباجاندا ولا إلى تكريس مصطلح الإعلام.. بل حتى إلى إلغاء وزارات الإعلام من الأساس وبحيث يصبح أمر الدعوة والتوعية شأناً قومياً وأهلياً ومدنياً بعيداً عن السيطرة الحكومية والتوجيهات الرسمية.


    بونابارتية:


    المصطلح منسوب بداهة إلى رأس أسرة بونابرت وهو نابوليون (الأول) الذي بدأ ضابطاً صغيراً من أهالي جزيرة كورسيكا (كان أبوه كارلو محامياً يدعو إلى ضم الجزيرة المتوسطية إلى فرنسا ـ الأم) ثم تحولت حظوظ الضابط الصغير إلى حيث أصبح قنصلاً وفاتحاً مغواراً وقائداً للحملة الشهيرة علة الشرق (الحملة الفرنسية على مصر والشام) وبعدها أصبح نابوليون امبراطوراً.. إلى أن مات مهزوماً ومنفياً في جزيرة سانت هيلانة عام 1821.


    نجمت عن أسرة بونابرت فروع كثيرة من رجال ونساء منهم أخوه «لوسيا» بونابرت الذي عارض إعلان امبراطورية فرنسا واعتزل الحياة العامة مقيماً في مدينة روما. ومنهم أخته كارولين التي جعلها أخوها ملكة على نابولي ولكنها تآمرت عليه وهربت بجلدها إلى النمسا.


    ومن جيل الأسرة الثاني شارل ابن أخيه الذي عاش في أميركا وتفرغ للدراسات العلمية وترك كتابه الشهير من 4 مجلدات عن «الطيور الأميركية». ومنهم ابن أخ آخر هو نابليون الثالث الذي أصبح إمبراطوراً على فرنسا في الفترة (1852 - 1781) وكان يتطلع إلى إمبراطورية فرنسية في أميركا اللاتينية..


    واشتهرت معه زوجته أويني التي شهدت احتفال افتتاح قناة السويس عام 1869 الذي هيأ له حاكم مصر وقتها الخديوي إسماعيل جواً شبه أسطوري. وآخر من أتت المراجع على سيرته كان شارل نابوليون وهو من أحفاد الأسرة وتولى منصب وكيل وزارة الحربية الفرنسية في أوائل القرن العشرين ثم منصب النائب العام في الفترة 1906 ـ 1909.


    البونابرتية.. ما هي


    البونابرتية اتجاه سياسي بدأ يتبلور من أجل المطالبة بولاية عرش فرنسا، وبالطبع انتهى هذا الاتجاه إلى التبدد والانقراض. وما لبث أن تبلورت معالم أخرى اكتسبها ليصبح مذهباً في مجال العمل العام في أي بلد ومصطلحاً في معاجم العلوم السياسية ليصدق على أي نظام يستند إلى نوع من الشمولية أو القوة العسكرية أو إلى حكم شعبوي يستند إلى زعامة فرد قائد ويمارس سلطاته وسط تأييد جماهيري عام.


    يقول معجم المصطلحات التاريخية: البونابرتية نظام يقوم على غير مبادئ الحكم الملكي المتعارف عليه.. إنه نظام يقوم على أساس شبه ديمقراطي .


    حيث السيادة نظرياً للشعب، وحيث لا ينفك النظام الحاكم عن استمالة الجماهير والتمسك بالإرادة الشعبية والعمل عند اللزوم على تنظيم استفتاءات عامة يمكن التلاعب بنتائجها.. ومن أساتذة علم السياسة من يذهب إلى أن هذه النوعية من البونابرتية نظام يقوم ويحكم في أعقاب أي ثورة تحدث في هذا البلد أو ذاك.. أما أصحاب الفكر الماركسي فهم يذهبون إلى أن البونابرتية نظام يقوم.


    ويشتد ساعده عندما يكون هناك فراغ طبقي بمعنى أن لا يكون هناك طبقة اجتماعية ناضجة وقادرة ومن ثم مؤهلة لكي تحكم المجتمع وتقيم نظامها السياسي المعبر بداهة عن مصالحها الاقتصادية وتوجهاتها الفكرية أو الأيديولوجية.. وبهذا ـ يضيف الماركسيون ـ فالنظام البونابرتي ينشأ لكي يحافظ على علاقات وامتيازات أصحاب الممتلكات في مواجهة مصالح العمال الذين ينتجون كل شيء ولا يكادون يملكون شيئاً.


    وعندنا، فلأن التاريخ يكتبه المنتصرون وبالتالي تطل طروحاته ومصطلحاته لغير صالح المهزومين، فقد عمد الانجليز بالذات، وهم أعداء نابوليون بونابرت والمنتصرون في صراعهم معه ـ إلى إطلاق اسمه على هذا الاتجاه السياسي لكي ينددوا بأي نظام يستند إلى تأييد جماهير الشعب ويحاول قادته التعبير عن آمال هذه الجماهير والدفاع عن مصالحها دون أن يتبع هذا النظام أو ذاك القائد أو الزعيم الأصول الحرْفية للعبة الديمقراطية كما وضع الغرب نصوصها ورسم أعرافها وتقاليدها.


    ببلاك:


    هي بالطبع أسود في الانجليزية.. ومن عجب أنها تنفرد عن سائر اللغات بهذه التسمية - أسود في الفرنسية هي نوار وفي الاسبانية نجرو وفي الألمانية شوارز وفي السويدية أ؟ارت وفي الهنغارية فيكيتي وفي التركية كارا وفي اليابانية كوروي.. الخ، مع هذا كله فالذي اشتهر في مصطلحات العالم هي بلاك - الانجليزية التي يسجل لها التاريخ القريب والبعيد العديد من المداخل والتسميات.


    هناك بالطبع بلاد أفريكا ـ إفريقيا السوداء وهي ليست كما يردد البعض امتداد قارة إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى في محاولة لتمييزها عن الشمال الإفريقي الممتد شرقاً في مصر حتى شبه جزيرة سيناء ومفاتيح البحر الأحمر ويمتد غرباً عبر المنطقة المغاربية العربية إلى سواحل المحيط الأطلسي:


    إفريقيا السوداء ـ كمصطلح سياسي ـ ينصرف إلى حكم الأغلبية من الأفارقة، سكان وأصحاب البلاد الأصليين في مواجهة السيطرة الامبريالية التي طالما خضعت لها القارة السمراء على امتداد عصور الاستعمار بكل صنوفه من برتغالي إلى اسباني إلى هولندي إلى ايطالي إلى بريطاني وفرنسي..


    وقد أحرزت القارة استقلالها على مدار عقود طويلة من النضال والمعاناة كان آخرها حكم إفريقيا السوداء - بلاك إفريقيا الذي انتزعه نيلسون مانديلا من براثن سيطرة البوير ـ المستوطنين البيض في جنوب إفريقيا في سنوات العقد الأخير من القرن العشرين.


    هناك أيضاً مصطلح «بلاك تانس» ويصدق على فرقة الحرس الأيرلندي التابع للتاج البريطاني وقد استمدت اسمها هذا من اسم فصيلة من كلاب أيرلندا وخلعوا عليها زياً خاصاً من لون شديد الاخضرار إلى حد السواد.


    وعهدوا إليها مع مطالع عشرينات القرن الماضي بملاحقة المعارضة الوطنية الأيرلندية للحكم البريطاني فكان أن تعاملت مع أفراد هذه المعارضة بقسوة وحشية بدعوى أنهم «إرهابيون» (ما أشبه الليلة بالبارحة!). ويقال ان هذه الفرقة كانوا يجندون أفرادها من خريجي السجون.. أي من مجرمي أيرلندا شخصياً.


    د. أبوبكر علي الصديق
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    كما عودتنا أستاذ محمد رحلة جميلة شيقة باهرة ، تجلو غبار التاريخ فيتجلى المصطلح نيرا وضيئا

    تعليق

    يعمل...
    X