عمر بلا سبب
دلقت الجعة الرخيصة في جوفها و ظلت تحملق في الفضاء و هي تمسك نصف سيجارة بيدين مرتجفتين جعّدهما الزمن و تشققتا بسبب الأعمال المتقطعة هنا و هناك في المصانع و البيوت و الأماكن العمومية.
كم صار عمرها؟ لا تدري بالتحديد فقد توقف عمرُها في تلك اللحظة التي أنجبت فيها ابنتَها "سماء" من فنان عاشق مجنون أهداها حُلما و حرمها واقعا كأبسط كائنات الطبيعة، و ضعت ابنتها "سماء" و هي في حالة يُرثى لها من الإجهاد و نقص التغذية و الإحباط و لم تكن تعرف أين تذهب بها فقدّمتها لعائلة ثرية، تنازلت عن كل شيء و رفضت أن تأخذ مقابل عملية التبني رغم أنها لم تكن تجد ثمن لقمة و ظلت هائمة على وجهها.
كم صار عمرها؟ لا تدري بالتحديد فقد توقف عمرُها في تلك اللحظة التي أنجبت فيها ابنتَها "سماء" من فنان عاشق مجنون أهداها حُلما و حرمها واقعا كأبسط كائنات الطبيعة، و ضعت ابنتها "سماء" و هي في حالة يُرثى لها من الإجهاد و نقص التغذية و الإحباط و لم تكن تعرف أين تذهب بها فقدّمتها لعائلة ثرية، تنازلت عن كل شيء و رفضت أن تأخذ مقابل عملية التبني رغم أنها لم تكن تجد ثمن لقمة و ظلت هائمة على وجهها.
كانت قد فرّت من الرقابة العائلية و التعاليم السماوية التي يخنق بها أهلُ الأرض أشباهَهم، صرخَتْ: "أنا ابنة الأرض، لستُ اُبنة السماء، أنا اُبنة الحياة و لست ابنة الموت. من حقي أن أعيش و أمارس أدنى حدود حريتي. لا دخل لأحد في تعليمي و تديّني و تفكيري. أنا أحبّ ربي و لن أكذب عليه و لن أتاجر باُسمه و لن أصادر حرية الناس لمجرّد أنني مقتنعة بأشياء لا تقنعهم، الله ملك الجميع و ليس عباءة يتجاذبها الناس في كل اُتجاه. من حقي أن أدرس في الجامعة، من حقي أن أعرف الأرض و أحس بها تحت قدمي عوض التحليق في سماء من المبادئ الفضفاضة و الجوفاء، لا تخرجي، لا تقرئي، لا تتكلمي، لا تفكري، لا تعرفي، لا تكتبي" هذه الغابة من اللاءات المتشابكة كأشجار تسد الأفق كانت تؤدي بها إلى الكذب فالكل يسألها عن كل شيء، عن أبسط الأشياء و عن أشياء لا تعنيه إطلاقا و كان عليها أن تجيب، كمومياء، عن كل الأسئلة و إلا اتهموها بما هو أسوأ، صارت تكذب، بل تتفنن في الكذب و تعدّ أجوبتها قبل الأوان لئلا ترتبك و تتضارب أقوالُها.
لم يسمح لها أحد بالذهاب إلى الجامعة فالعائلة ميسورة و أي شخص يتمنى مصاهرتها و هي ليست بحاجة للعمل أو المال أما الثقافة فيمكنها قراءة ما طاب لها من الجرائد و المجلات أما الكتب فتفسد المزاج و تغيّر الأفكار و تحض على الثورة و الانقلاب.
لم تذهب أمينة إلى الجامعة و لكنها تسللت خُفية إلى عرض مسرحي بعد أن قدمت الأعذار المناسبة للعائلة و رددت على أسماعها فروض الطاعة و الاحترام و ذكّرتها بالأخلاق الحميدة التي حفظتها عن ظهر قلب.
وقفت أمينة مشدودة أمام طارق و هو يقوم بدوره على خشبة المسرح، كانت المسرحية كوميدية و بقدر ما كان الجمهور يضحك كانت تبكي بصمت و هي تضغط على فمها بيدها كما لو كانت تتفادى الصراخ، كانت تشعر بألمِه خلف ذلك الماكياج الغريب و النص المثير للضحك.كانت تعرف أنه يتألم في تلك اللحظة أكثر من أي وقت آخر و أنه ينزف و يبكي و يتفجر يأسا و دمارا مثلها تماما لكنه يملك الأسلوب للتعبير و فعل شيء مُضاد أما هي فالأوامرُ سببُ وجودها و البهرجُ الاجتماعي كيانُها و عددُ العرسان هو المحدِّد لقيمتها الحقيقية.
راقبته لدقائق و هو يُقدّم ، بعد العرض، توقيعَه للمعجبين. اِنتبه لوجودها لكنها غادرت بسرعة و هي تلملم نفسها حتى لا تندلق منها.
قُدّم العرض ثلاثة أيام متتالية و كانت في كل مرة تجد مُبرّرا أو تذهب بصحبة إحدى القريبات لتعيش معه تلك اللحظة البديعة التي يكون فيها ذاتَهُ تلك اللحظة التي يعرق فيها، يغطس و يطفو فيها ليجد نفسه و تتحرر هي معه و لوْ وَهْمًا.
في اليوم الثالث، بحث عنها بعد العرض، كان أبوها قد أتى يبحث عنها و الشررُ يقدح من عينيه :"أنهاكِ عن قراءة الكتب فأجدُكِ ترتادين المسارح!!" اِرتجفت كالطائر المقرور بين يديه و لكنها اُستطاعت أن تترك ورقة تسقط من يدها كانت قد كتبت عليها اسمها و رقم هاتفها، اِلتقطها طارق و هو يلاحق شبحها الذي لفـّهُ الأب بذراعه و سار به خطوات عريضة.
أرداها أبوها النقابَ و فرض عليها أن لا تبرح البيت و في الأثناء تقدم لها شاب من الملتزمين دينيا فقبل أبوها و أعلمتها أمها بموعد الزفاف الذي لم يتطلب أكثر من أسبوعين.
رتّبت مع طارق فرارها و قبل الزفاف بيومين لم تكن في فراشها و الناس نيام بل كانت تستنشق عبير حرية مسمومة بين ذراعي طارق و هي لا تدري و هي معه لماذا جاءت و ماذا عليها أن تفعل فيما بعد و هل كانت محقة فيما فعلت؟
ظلت مع طارق خمسة أشهر، كانت تطلب منه كل يوم أن يعقد قرانه عليها فيماطلها و يلفها بذراعيه و معسولِ كلامه و لما علمت أنه يخونُها تحجج بالقول:
-"كلهن صورة لأصل واحد هو أنتِ"
قالتْ: -" لقد تركتُ كل العالم، عائلتي و مقامي الاجتماعي من أجلك"
أجاب: -"سأصحح لكِ مفهوما بسيطا: لقد تركت العالم من أجل حريتكِ و أنت تخلطين الآن بيني و بينها"
قالت: -"هذا ليس صحيحا أنا لم أعرف معنى الحرية إلا معك و لكن كان عليّ أن أعيش حياتين، واحدة للمجتمع و الأخرى لي و لكنني لا أستطيع، أنا لا أتحمل أن أعيش في بوتقة من الكذب"
تركَتْهُ بعد يأس و تعرفت على شاب لم يَرَ فيها هو الآخر غير دُمية للفراش، كان متزمتا أخلاقيا في الظاهر و لكن سلوكَه كان عكس ذلك، رضِيَت بأن تقاسمه فراشَه و تطبخ طعامه و تغسل ثيابَه على ألا تعود إلى الشارع مرّة أخرى، كان يُكثر من شرب الخمر في البيت و يجلب لها في كل مرة اُمرأة قائلا إنها من الأخوات اللواتي يساهمن في الدعوة أو من التائبات حديثا و يريد أن يربح من هدايتها أجرا عند الله و لم تكن تمرّ عليها تلك المساءاتُ و الليالي دون ألم فقد كانت تُحسن ضيافة المرأة و هي تعلم جيدا أنها تشاركها فيه و لما ضاقت ذرعا عاتبته فردّ:
-"أنا هنا أشرب الخمرة و في الخارج أعاقب شاربَها و أنام معكِ و مع غيرك و في الخارج أعاقب كل الخاطئين (ثم بِصَلَفٍ) يحقّ للقادة ما لا يحقّ لغيرهم". نظرت إليه بخوف و قررت الفرار مع الصباح.
اِتجهت رأسا إلى محطة القطار، لم يكن لديها من تُودّع أو تستقبل سوى ذكرياتها في حضن عائلتها و شبابها الذي ضاع بحثا عن وَهْم في الحرية لم يكن ليتحقق في مجتمع يُكرّس التناقضات و لا يعترف بمنطقة وسط أو ممارسة حرة عاقلة في إطار الفضيلة فالفضيلة أربعة جدران و سقف و الرذيلة نافذتُها.
كانت غارقة في هواجسها عندما سمعت صافرة القطار و دون وعي منها انطلقت كعروس تقابل حبيبها، هناك عرفت لذة الحُلول و القطارُ يُمزق جسمها و يتداخل حديدُه بعظامها و لحمها و أعصابها.هناك عرفت الحرية و تذوقتها لأول مرة فلذ ّة الفراش لم تكن كافية لنشوة العقل. و بعد ساعة كان العمالُ قد حملوا أشلاءَها التي كان فيها وجهٌ يبتسم.
لم يسمح لها أحد بالذهاب إلى الجامعة فالعائلة ميسورة و أي شخص يتمنى مصاهرتها و هي ليست بحاجة للعمل أو المال أما الثقافة فيمكنها قراءة ما طاب لها من الجرائد و المجلات أما الكتب فتفسد المزاج و تغيّر الأفكار و تحض على الثورة و الانقلاب.
لم تذهب أمينة إلى الجامعة و لكنها تسللت خُفية إلى عرض مسرحي بعد أن قدمت الأعذار المناسبة للعائلة و رددت على أسماعها فروض الطاعة و الاحترام و ذكّرتها بالأخلاق الحميدة التي حفظتها عن ظهر قلب.
وقفت أمينة مشدودة أمام طارق و هو يقوم بدوره على خشبة المسرح، كانت المسرحية كوميدية و بقدر ما كان الجمهور يضحك كانت تبكي بصمت و هي تضغط على فمها بيدها كما لو كانت تتفادى الصراخ، كانت تشعر بألمِه خلف ذلك الماكياج الغريب و النص المثير للضحك.كانت تعرف أنه يتألم في تلك اللحظة أكثر من أي وقت آخر و أنه ينزف و يبكي و يتفجر يأسا و دمارا مثلها تماما لكنه يملك الأسلوب للتعبير و فعل شيء مُضاد أما هي فالأوامرُ سببُ وجودها و البهرجُ الاجتماعي كيانُها و عددُ العرسان هو المحدِّد لقيمتها الحقيقية.
راقبته لدقائق و هو يُقدّم ، بعد العرض، توقيعَه للمعجبين. اِنتبه لوجودها لكنها غادرت بسرعة و هي تلملم نفسها حتى لا تندلق منها.
قُدّم العرض ثلاثة أيام متتالية و كانت في كل مرة تجد مُبرّرا أو تذهب بصحبة إحدى القريبات لتعيش معه تلك اللحظة البديعة التي يكون فيها ذاتَهُ تلك اللحظة التي يعرق فيها، يغطس و يطفو فيها ليجد نفسه و تتحرر هي معه و لوْ وَهْمًا.
في اليوم الثالث، بحث عنها بعد العرض، كان أبوها قد أتى يبحث عنها و الشررُ يقدح من عينيه :"أنهاكِ عن قراءة الكتب فأجدُكِ ترتادين المسارح!!" اِرتجفت كالطائر المقرور بين يديه و لكنها اُستطاعت أن تترك ورقة تسقط من يدها كانت قد كتبت عليها اسمها و رقم هاتفها، اِلتقطها طارق و هو يلاحق شبحها الذي لفـّهُ الأب بذراعه و سار به خطوات عريضة.
أرداها أبوها النقابَ و فرض عليها أن لا تبرح البيت و في الأثناء تقدم لها شاب من الملتزمين دينيا فقبل أبوها و أعلمتها أمها بموعد الزفاف الذي لم يتطلب أكثر من أسبوعين.
رتّبت مع طارق فرارها و قبل الزفاف بيومين لم تكن في فراشها و الناس نيام بل كانت تستنشق عبير حرية مسمومة بين ذراعي طارق و هي لا تدري و هي معه لماذا جاءت و ماذا عليها أن تفعل فيما بعد و هل كانت محقة فيما فعلت؟
ظلت مع طارق خمسة أشهر، كانت تطلب منه كل يوم أن يعقد قرانه عليها فيماطلها و يلفها بذراعيه و معسولِ كلامه و لما علمت أنه يخونُها تحجج بالقول:
-"كلهن صورة لأصل واحد هو أنتِ"
قالتْ: -" لقد تركتُ كل العالم، عائلتي و مقامي الاجتماعي من أجلك"
أجاب: -"سأصحح لكِ مفهوما بسيطا: لقد تركت العالم من أجل حريتكِ و أنت تخلطين الآن بيني و بينها"
قالت: -"هذا ليس صحيحا أنا لم أعرف معنى الحرية إلا معك و لكن كان عليّ أن أعيش حياتين، واحدة للمجتمع و الأخرى لي و لكنني لا أستطيع، أنا لا أتحمل أن أعيش في بوتقة من الكذب"
تركَتْهُ بعد يأس و تعرفت على شاب لم يَرَ فيها هو الآخر غير دُمية للفراش، كان متزمتا أخلاقيا في الظاهر و لكن سلوكَه كان عكس ذلك، رضِيَت بأن تقاسمه فراشَه و تطبخ طعامه و تغسل ثيابَه على ألا تعود إلى الشارع مرّة أخرى، كان يُكثر من شرب الخمر في البيت و يجلب لها في كل مرة اُمرأة قائلا إنها من الأخوات اللواتي يساهمن في الدعوة أو من التائبات حديثا و يريد أن يربح من هدايتها أجرا عند الله و لم تكن تمرّ عليها تلك المساءاتُ و الليالي دون ألم فقد كانت تُحسن ضيافة المرأة و هي تعلم جيدا أنها تشاركها فيه و لما ضاقت ذرعا عاتبته فردّ:
-"أنا هنا أشرب الخمرة و في الخارج أعاقب شاربَها و أنام معكِ و مع غيرك و في الخارج أعاقب كل الخاطئين (ثم بِصَلَفٍ) يحقّ للقادة ما لا يحقّ لغيرهم". نظرت إليه بخوف و قررت الفرار مع الصباح.
اِتجهت رأسا إلى محطة القطار، لم يكن لديها من تُودّع أو تستقبل سوى ذكرياتها في حضن عائلتها و شبابها الذي ضاع بحثا عن وَهْم في الحرية لم يكن ليتحقق في مجتمع يُكرّس التناقضات و لا يعترف بمنطقة وسط أو ممارسة حرة عاقلة في إطار الفضيلة فالفضيلة أربعة جدران و سقف و الرذيلة نافذتُها.
كانت غارقة في هواجسها عندما سمعت صافرة القطار و دون وعي منها انطلقت كعروس تقابل حبيبها، هناك عرفت لذة الحُلول و القطارُ يُمزق جسمها و يتداخل حديدُه بعظامها و لحمها و أعصابها.هناك عرفت الحرية و تذوقتها لأول مرة فلذ ّة الفراش لم تكن كافية لنشوة العقل. و بعد ساعة كان العمالُ قد حملوا أشلاءَها التي كان فيها وجهٌ يبتسم.
كوثر خليل
تعليق