حصة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مجدي السماك
    أديب وقاص
    • 23-10-2007
    • 600

    حصة

    حصة
    بقلم: مجدي السماك
    في ذلك اليوم البارد.. وصل الأستاذ مصطفى إلى غرفة الفصل وكان متأخرا سبعة دقائق.. وكان في عينيه حمّرة غريبة أخفت بياضهما وأطفأت ما فيهما من بريق كان بالأمس يلمع. وما إن دخل في هدوء الزاهدين ووقار الناسكين، حتى وقف أمام التلاميذ بكل ما في هيئته الضخمة من مهابة.. وعلى الفور انطفأت الضوضاء التي أشعلوها وأججوها بضحكاتهم الساخنة البريئة التي كانت تجلجل وهي تعلو لتنقلب بقدرة قادر إلى ما يشبه الفرقعات. ومع هذا نسي أن يقول لهم صباح الخير وانتصب أمامهم وهو عابس كالقضاء المستعجل فبدا جلد وجهه كأنه مدبوغ. ثم بيده اليمنى امسك قطعة تباشير بحجم منقار دجاجة، واتجه بها إلى الزاوية العليا من السبورة وبخط عريض كتب.. حكمة اليوم: من طلب العلا سهر الليالي.. ثم كتب تحتها بخط عريض أيضا: اطلبوا العلم ولو في الصين. بينما كانت كفه اليسرى منهمكة بالذهاب والإياب على فتحة فمه وهو يتثاءب محدثة قرقرة أحبها التلاميذ كثيرا فارتاحت قلوبهم لها وانتشت.. فابتسموا في خجل مكتوم. وتركوا العنان لأنوفهم لتتمتع برائحة عطره التي فاحت.. رائحة لذيذة عبقت الفصل وكانت أقرب إلى رائحة السيريلاك. ثم في بطء لف الأستاذ جسده الثقيل المتعب، وأدار وجهه المتجهم نحوهم محدقا إلى وجوهم المنكمشة من البرد.. وفكر مليا في طريقة مثلى يستطيع فيها أن ينام طوال الحصة ليرتاح.. دون أن يلومه ناظر المدرسة أو أي واحد من زملائه المدرسين الواقفين له بالمرصاد. وهو بالفعل كان يحس أنه بحاجة إلى مزيد من النوم.. فطوال الليل كان ساهرا يشاهد مباراة كرة قدم فاصلة بين فريقين أوربيين.. واستمر بعدها يشاهد الحوارات والتحليلات التي ليس لها أول.. وليس لها آخر. ثم بعد هذا.. قبل أن يدس جسده تحت اللحاف، تشاحن مع زوجته التي أيقظها دبيب قدميه العريضين وطرقعتهما المدوية على البلاط.. وهي بالفعل تمقت كرة القدم ولا تحتمل سيرتها وتفضل عليها الصور المتحركة التي يعشقها الأطفال.. استمرت المشاحنة لزمن لا يقل عن ثلاثة أرباع الساعة.. بما فيه الوقت الضائع في المهارات.
    بسرعة جاءته الفكرة لتسعفه وتخلصه من ثقل النعاس الذي كان يداهم جفنيه بلا هوادة.. وقال في نفسه: سوف اكتب للتلاميذ مسألة حلها يحتاج إلى يوم بأكمله.. لا بد أن تكون فوق مستواهم.. هم في الصف الخامس الابتدائي.. إذن سأكتب لهم مسألة عويصة من مستوى إعدادي.. لن يحلّوها حتى لو خبطوا رءوسهم بأسمك جدار.. والله حتى لو ساعدهم الجن الأزرق.
    بالفعل عاد الأستاذ إلى السبورة مرة أخرى وقد بدأ يتنفس الصعداء. وكتب السؤال التالي: ما هو خير جليس؟ وطلب منهم وهو يهزّ سبابته أن يسرعوا بإخراج دفاترهم.. وان يجتهدوا في حلها. ثم بكامل وزنه جلس على الكرسي المصنوع من البلاستيك.. واتكأ إلى طاولته وقد حفت بقلبه طمأنينة هدأت أعصابة وبرّدت قلبه المرهق.. وأطبق جفنيه إطباقة كاملة، ونام.
    مسك التلاميذ أقلامهم للحظة واحدة وكان الفرح قد ملأ صدورهم الصغيرة وطفح.. ثم صوبوها بسرعة نحو صفحات كراساتهم البيضاء ومرروها عليها بخفة فيها استهتار، وكتبوا كلمة واحدة أو كلمتين.. ومن ثم على الفور راحوا كلهم يتحدثون ويصخبون ويتضاحكون فكهين. بينما شخير الأستاذ ظل يرتفع إلى درجة تسمح له بالوصول إلى غرفة الناظر.. والى غرفة السكرتير في الناحية المعاكسة من الممر الطويل.
    كان الأستاذ مصطفى بين لحظة وأخرى يستيقظ حانقا على شوشرتهم المدوية.. فيصيح بهم ورأسه تتطوح وتكاد أن ترتطم بالطاولة كأنها مربوطة ومعلقة بالسقف بواسطة حبل طويل مصنوع من المطاط: هيا حلّوا المسألة يا بجم.. يا بغال.. ثم يعود لنومه ليطرقع بشخير ممدود كأنه ثور يتنهد.
    بالكاد مرّ عشرون دقيقة أو يزيد.. حتى تجرأ واحد من التلاميذ وقام من مقعده وذهب ليقف بالقرب من خاصرة الأستاذ المليئة بالشحم، التي كانت تعلو وتهبط بلا توقف.. وتجرأ أكثر واقترب منه أكثر كي يوقظه.. حاملا كراسته ليريه الحلّ. وفي لحظات تجرأ الآخرون وفعلوا مثله.. وتكوّموا كلهم حول مدرسهم وحوطوه من كل النواحي كأنهم قصدوا حصاره.. كل هذا وسط صخب كثيف لا ينخفض إلا ليعود ويرتفع دويه من جديد.
    رفع الأستاذ رأسه بكسل لا يخلو من نكد.. ليجد نفسه أمام سلسلة جبال من الكراريس المفتوحة والمطوية.. ووسط مظاهرة حاشدة من أطفال لا ينامون ولا يتركون الناس تنام. فنهرهم بحزم أن عودوا إلى أماكنهم.. بعد أن لعن آباءهم وأمهاتهم، وأبا اليوم الذي اشتغل فيه بمهنة التدريس.. وسكت لحظة استرجع فيها أنفاسه وأطرق كمن يتذكر شيئا قد نسيه.. ثم عاد يلعن أبا الطبيب الذي سحب الواحد منهم من بطن أمه.. وبغيظ نفث نفخة ساخنة في الهواء البارد.
    نظر المدرس بسرعة إلى أجوبة التلاميذ في الكراسة. فاستغرب أنهم جميعا أجابوا تقريبا نفس الإجابة الخاطئة التي تسدّ النفس وتحرمها من الطعام. فالبعض منهم أجاب بأن خير جليس في الدنيا هو الإنترنت.. والبعض الآخر أجاب بأنه الكمبيوتر.. وبعض ثالث أجاب بأنه الفيس بوك. فانهال عليهم بالتقريع والشتم.. ولحظتها فقد قدرته على الإمساك بأعصابه وهو يزمجر ويكز بأقصى قوة كامنة في فكيه: إنه الكتاب يا حمير يا أولاد الحمير.. الكتاب خير جليس يا بهائم.. أما جيل آخر زمن.. جيل خايب مثل الزفت.
    لكن الطلاب لم يقتنعوا بإجابة المدرس.. فرددوا جميعا مرة واحدة في استغراب كبير: الكتاب!!. ثم غرقوا في ضحك صاخب مدو.. سرعان ما انقلب إلى قهقهات.
    لمّا يأس الأستاذ مصطفى من كل المحاولات التي بذلها لينام.. أكمل الحصة كيفما اتفق بوجه كساه حنق عظيم. وخرج عندما دق الجرس وهو يردد.. انتر نت.. كمبيوتر.. فيس بوك.. تلاميذ آخر زمن.. والله ما ينفع أي واحد فيكم.. يا كلاب يا أولاد الكلاب.
    يناير 2011
    Magdi_samak@yahoo.com
    عرفت شيئا وغابت عنك اشياء
  • ريما منير عبد الله
    رشــفـة عـطـر
    مدير عام
    • 07-01-2010
    • 2680

    #2
    قصة جميلة وسرد موفق ولكن عابها ادخال بعض الكلمات العامية وطريقة حشو السطوربشكل غير منسق
    شكرا لك
    بارك الله فيك وكل عام وأنت بخير

    تعليق

    • آسيا رحاحليه
      أديب وكاتب
      • 08-09-2009
      • 7182

      #3
      يا لها من حصة..
      كان الله في عون التلاميذ على أمثال هذاالمعلم..
      أحببت السخرية هنا ..
      نص جميل ..
      تحيّتي لك.
      يظن الناس بي خيرا و إنّي
      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

      تعليق

      • مختار عوض
        شاعر وقاص
        • 12-05-2010
        • 2175

        #4
        أخي الكريم الأستاذ
        مجدي السماك
        جميل أن تكون قصصنا واقعية، وجميل أن تكون هادفة، وهنا بالفعل كانت قصتك هكذا؛ لقد أردتَ أن تثير من خلالها نقاشا حول أهمية الكتاب التي راحت تتوارى خلف مخترعات العصر من خلال خلق موقف يجمع عناصر العملية التربوية (المعلم والتلميذ وحصة الدرس)، ولم تنس أن تبدأ وخزك لهذا الواقع بما آل إليه حال المعلم من تدهور بتقديمك لشخصية الأستاذ مصطفى لحظة دخوله الفصل ومغالبته النعاس الذي كان سببه قلة نومه بسبب ضياع ليلته السابقة أمام مباراة كرة القدم وتحليلاتها و "بسرعة جاءته الفكرة لتسعفه وتخلصه من ثقل النعاس الذي كان يداهم جفنيه بلا هوادة.. وقال في نفسه: سوف اكتب للتلاميذ مسألة حلها يحتاج إلى يوم بأكمله.. لا بد أن تكون فوق مستواهم.. هم في الصف الخامس الابتدائي.. إذن سأكتب لهم مسألة عويصة من مستوى إعدادي.. لن يحلّوها حتى لو خبطوا رءوسهم بأسمك جدار.. والله حتى لو ساعدهم الجن الأزرق".
        وهنا بالذات أجد الأمر يحتاج لبعض مناقشة حول حبكتك القصصية، لأن بناء قصة واقعية كقصتك يستلزم الدقة الكفيلة بإقناع قارئك؛ فهل كان السؤال الذي سأله الأستاذ مصطفى لتلاميذه من مستوى طلبة المرحلة الإعدادية دون طلبة الصف الخامس؟
        إنه كما نرى يعتمد على محض ثقافة شخصية دون أن يكون له علاقة بمرحلة تعليمية؛ فهي مقولة شهيرة تقال عادة للحث على أهمية القراءة وقد يكون أحد التلاميذ الصغار سمعها تتردد في بيته من أبيه أو من أحد إخوته الكبار أو من معلم آخر غير الأستاذ مصطفى، وقد لا يعرفها طلاب في المرحلتين الإعدادية والثانوية لأنهم لم يسمعوا بها من قبل..
        أقول هذا لأنك أكدت في سردك على أن الأستاذ مصطفى قد قرر أن يوجه مسألة من منهج المرحلة الإعدادية لطلابه في الصف الخامس لتشغلهم عنه حتى يتفرغ للنوم فكانت النتيجة أن جاءت الإجابة في كلمة أو اثنتين وهذا أمر طبيعي، وهنا يعنُّ لي أن أشير إلى قصة مشهورة تحاكي ما نحن نتحدث فيه بطلها هو العالم الفيزيائي الشهير "جاوس" حين كان طفلا عمره في مثل واحد من تلامذة قصتنا، فقد أراد المعلم أن يشغل "جاوس" وزملاءه ليتفرغ هو للنوم فطلب منهم أن يجمعوا الأعداد الصحيحة من 1 إلى 100، وهو كما نرى عمل شاق يحتاج الكثير من الوقت؛ فما كان من جاوس إلا أن فكر بطريقة فذة وانتهى من النتيجة في سرعة البرق عندما لاحظ أن هذه الأعداد إذا أخذناها أزواجا بحيث نضع الأول مع الأخير والثاني مع السابق للأخير وهكذا فإننا نجدها تتكون من خمسين زوجا قيمة كل منها (101) فتكون النتيجة حاصل ضرب 50 في 101 مما أذهل المدرس وكشف مبكرا عبقرية "جاوس"..
        وقد ذكرت هذه القصة لأبين كيف تكون المسائل التي يطرحها معلم يريد أن يشغل طلابه لينام..
        أعرف أنني أطلت، ولكنني كنت راغبا في الحديث حول ضرورة الإقناع في الحبكة القصصية..
        تقديري ومودتي لك.

        تعليق

        • مجدي السماك
          أديب وقاص
          • 23-10-2007
          • 600

          #5
          تحياتي

          المشاركة الأصلية بواسطة ريما منير عبد الله مشاهدة المشاركة
          قصة جميلة وسرد موفق ولكن عابها ادخال بعض الكلمات العامية وطريقة حشو السطوربشكل غير منسق
          شكرا لك
          بارك الله فيك وكل عام وأنت بخير
          اختي ريما منير عبد الله..تحياتي
          اشكرك على مرورك.
          ارجو الاشارة الى الحشو وتحديدة بالضبط..كي تعم الفائدة على الجميع.
          مودتي
          عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

          تعليق

          • إيمان الدرع
            نائب ملتقى القصة
            • 09-02-2010
            • 3576

            #6
            زميلي الغالي الأستاذ مجدي السّمّاك :
            اقتطفت صورة من واقع تعليميّ موجعٍ ، محزنٍ ، مربكٍ ، مؤسف ...
            كان الله في عون التّلميذ ، والأستاذ ، والأسرة ...، والمجتمع بأسره ....
            مع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...

            تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

            تعليق

            • د.محمد فؤاد منصور
              أديب
              • 12-04-2009
              • 431

              #7
              أخي العزيز مجدي السماك
              سعدت بقراءة هذا النص الساخر لك .. تمنياتي لك بدوام التوفيق.

              تعليق

              • عائده محمد نادر
                عضو الملتقى
                • 18-10-2008
                • 12843

                #8
                الزميل القدير
                مجدي السماك
                أتفق جدا مع الزميل القدير مختار عوض حول تلك المسألة
                ما أثار انتباهي أن المعلم كان ينطق بكلمات نابية كثيرة
                وبعد تجربتي المريرة صرت أصدق كل شئي حتى لو كان أمر لا يصدق
                أمر محزن أن ينطق معلم الأجيال ومربيها بكل تلك الشتائم
                فماذا سيعلمهم
                والله لو مدرس تجرأ وقال هذا لأحد أولادي لما سكت عليه مطلقا
                ودي الأكيد لك
                الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                تعليق

                يعمل...
                X