الحكواتي - رواية عربية حديثة - الفصل الأول

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حنين شومان
    • 01-01-2011
    • 4

    الحكواتي - رواية عربية حديثة - الفصل الأول

    الحكواتي: حقيقة لا جنون

    يا سادة يا كرام...
    السلامُ لزام على من تبع خير الأنام، وهو حرام على سراة الظلام. بل أحرى ألا سلام ولا كلام حتى تكون الغلبة لأمة الصلاة على أهل الخصام. فاز من فاز من الكرام فثووا في سلام، وباد من باد من اللئام فهلكوا وكانوا العظام والحطام. فإما الصراط أو الانحطاط. بطُل التوسط والنفاق. فالموت آت، والله باق.
    ما تبعت يوما هذا السبيل في سردي الطويل، وما رويت إلا لأُسمع. كان لي من الحشود والتُبّع قومٌ إن وطئوا البلاد لا رايةٌ لغيرهم تُرفع، ولا ظلمٌ منهم يُجزع.
    كان هذا في زمن الرجال؛ فهيهات! هيهات!
    أما اليوم، للرواية شكل حديث تغيرت عروبة ملامحه، ولهذا غيرت مساري، وطفقت أمشط الأرصفة، وأحوم في أزقة رمادية موحشة. وأتساءل إن كنت ميتاً أم حياً. هذا الشيب مخادع، لم أشعر بتسلله إلى جبهتي. فقدت الاتصال مع الزمن بعد أن داهمتني صيحات العروبة المتعالية في الأذهان وما يليها من آهات كبت وضجر تصم الضمائر المنثنية عن سماع أصداء الحكايا المنسية في كهوف التراجع والهزيمة.
    لكل تاريخ آثم عناكب تحيك له المؤامرات في وحشة العتم. فهل تهزمنا عنكبوتات نسجت أكفاننا واعتصرت دماءنا وهي في واقع الحال تلوذ في أوهن البيوت؟
    صصصه!إصمت أيها التاريخ الآثم، لك شأنك! ما عدنا نرجو منك الحراك. ولتعلم يا تاريخنا، يا واصم العار على جباهنا أن للصمت زئير لا يسمعه الثقلان، وإنما تدركه الإحساسات المجروحة المتردية عن منحرفات واعوجاجات العدالة الإنسانية. ولتلك الإحساسات كلمات وصفحات أقطن عليها لا أبرحها حتى ولو جفت الأقلام، أو نكست الأعلام...

    أقطن هنا، على هذه الصفحات، حيث تنزلق الأقلام على السطور ويتنمق القول المنثور. لا أبرح وطني حتى ولو جفت الأقلام والمشاعر. حتى وإن صرنا نحن القصص المكتوبة، والشعوب المنكوبة، فنحن أبناء العروبة.
    إستمعي يا آهات الضجر إلى أنفاس الموت التي تتلفظها الصدور، فكيف إن كتمت الأنفاس ستكتمين الحق، وكيف ترضى بك الصدور، بعد أن حجبت عنها النور؟ مثلي لا يعرف الضجر، فأنا ابن القلم والحجر، لي من الأسماء كوناً وليس لي صورة تنعكس على مرايا الماء والسماء، مرآتي هي وجوه الناس. ترونني في دمعة تذرف، وابتسامة تشف نقاءً.
    تستحضرني المشاعر، وتنجبني الإبداعات. لا أخضع لقانون المادة، وكذا حال من تبعني. أتباعي هم قلة الكِتاب، وعلى عاهلم وزر أمة جنحت عن الصواب، ولا ريب في غلبتهم فذاك هو وعد الله. لا يشعر الناس بوجودهم فهم كالنسائم يحركون الأجواء، ويصنعون التاريخ ويحفرون بصماتهم على كل صفحة زمن تمر عليهم. يختارهم مردة الوحي ليكونوا سفراء الخيال في عصر الاضمحلال.
    سلاحهم بأس وإيمان، وعدوهم جبان، لا حيلة له عليهم، لا يهابون جور سلطان ولا قيد سجان. ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. ولكن خوفي الوحيد هو أن تطالهم نفثات اليأس التي طغت على يراعات العروبة من حولهم. نفثات صامتة وقاتلة. إنها آهات الضجر وتبعات الكلل. هي عدوٌ لدودٌ لكل نفسٍ تعشق التجديد وتصطدم بالفشل. تموت النسائم كلّما تلبّدت من حولها المُحبِطات والسفاسف والتفاهات. يهجرون الأصالة إلى الاتجار بما أسمته المادة بالفن المعاصر. سقط الكثير من شعرائي في تلك الدوامة، وصاروا من أصحاب الأرواح الراكدة بعد أن غزت صدورهم الآهات المتأففة اللائمة لدهر اختارهم من دون البشر ليمتحن صبرهم على الضجر.
    هل عرفتم من أكون؟ أنا روح طوافة أسكن خبايا النفوس، ومن السهل الوصول إلي، فأنا ضمير يعربي، أصحو إذا صحت العقول، وإن غفت صرت أسطورة تزول، فأسكن على الأرصفة وعلى الأسطح لا أجد مأوىً، أتأوه من غفلة جثمت على أمة أثمت...
    لا أحتاج إلى إثبات هوية، لساني هو هويتي، المجد يعرفني والخلود. أنا المارد العتيد؛ يطرق بابي الحبارون ينثرون على عتبتي الدرر فأزين بها فضاء اسودّ في بهامة وملل. تتلمس نوافذي الأنامل الكحلى في خشوع وتضرع، علها تشد مني خيطاً من النور. أنا محراب الأدباء، أنا حصن الشعراء، بلاطي يزخر بالخيرة المصطفاة. وتحت قصري جنان تمتد إلى الأفق البعيد.
    حرفتي هي الوسوسة في لحظات الشرود؛ لكنني لست بخناس حقود. أنا أمطر الأنفس بالوعود، فإن صدقتني كان لها الخلود وإن خذلتني تركت لها حصني لتأوي إليه إن عنتت بها الأقدار وعصفت عليها رياح الجهل والرجعية. لا أوصد بابي حتى ولو سقطت قلاعي، أو تدحرجت طموحاتي عن أبراج التألق. هجرني الشعراء إلى عالم المادة والوظائف الرتيبة، يرتجون معاشاً لا يسد الرمق ولا يملأ الفجوة في صدورهم. يعلمون أن الشعر في داخلهم لا يموت حتى وإن ماتت رغبات الناس فيهم، ومن أجل ذلك سأظل في إثرهم، فإن عادوا أعدنا بناء مدينة الخلود، وإن ظلوا على خوفهم، بقيت أنا في الأزقة أتفرج على أوجاع عروبتي. عودي إلي يا نسائمي الضائعة، أو اتركيني أعود ..
    نسماتي! لمَ أشحذ الإبداع وأنا مليكه؟ آمر فأحصل على ما أريد! هل تستحيون من المحاولة؟ هل تخافون الفشل؟ إن عزف النفس عن المحاولة هو الفشل بعينه. إن المادة أغوتكم وصرتم حصىً في خلاط يطمركم تحت التراب. تطايرت من هذا العالم نفحات الإنسانية. أصبح العرب كائنات بلا كينونة. إذهبوا إلى برد الشوارع إن شئتم، إحتموا بالأزقة مثلي، أحرقوا أمهات الكتب لتدفئوا جثثكم الهامدة في برد الروح القارص. يا عرب الحاضر، يا أمة القرآن، ألم يخترنا الله من بين الأمم لننطق بلسان كتابه الشريف؟ أليس الشعر هو حرفة العرب التي تقولبوها عبر العصور، حتى غدت كثبانهم بحوراً وشعراً؟
    حسناً، لن أسمح بأن يقال أن مارد الشعر قد ذل، تواضعي ليس بذل. فأنا عصارة آلام وتجارب، أنا شاهد على كل العصور، سأحافظ على بقائي، حتى وإن اضطررت إلى الظهور، سأكشف السر الذي ظل دفينا في الصدور، سأتراءى جهرة لشعرائي فأخرق لوائحاً وضعت من لحظة الخلق إلى اليوم. لن أغفل عنهم أبداً حتى إذا ضعفوا وأرادوا الانصياع إلى الوهن، ترصدت لهم وعدلتهم عن ذلك.
    والقصة التي تبدأ هنا باختصار، هي قصة البشرية في الألفية الثالثة. هي قصة طواف شددت له الرحال لأزور كل بيت عربي، اتفرج على ما يلهيهم عن عروبتهم. أشهد الزيجات، وأصلي في الجنازات، أناشد الأرواح علها تناشدني، أوعلني أبني جيشاً جديداً من النسائم التي تاهت مني مرة في التيه العظيم. واليوم، لا استسلام للتيه. فغرغرة الأحساسيس ستثور في بركان اليقظة؛ إنها حرب التحرير؛ إنها حرب التغيير؛ أنّى يكون الحلم باهتاً بعد أن تصبغه الدماء؟
    إنّ ما سيلي من الأحداث هو مزيج من تلاطم الأقدار وتخطيط الثوار، فإن كان أحدكم من المشككين أو المتثائبين، فقد آن الأوان له أن يتبع نهجا فكريا جديدا يرى به بطولاتٍ عجزت يديه عن تحقيقها.. لكلٍّ منكم الخيار فإما أن ينخرط في رحى الأحداث أو ينسحب من اللحظة، فبعد هذا لا سبيل للعودة.
    إحزموا الرّكب!!! هذا عالم الحكواتي يكشف عن تضاريسه، فإن تراءت لكم سبله انمحت من عقولكم خارطة الرجوع. إن ما يفصلنا عن الواقعية بضع كلمات تأسرنا للأبد في عوالم متباعدة ومترامية، نكون فيها ما بين متفرج ومشارك تتقاذفنا أقلام الكتاب. فيم الانتظار؟ هلمَّوا إلى الفَلك العظيم، إلى الملكوت المجهول. هاكمُ كأس المرار، فمنذ اللحظة لا مناص ولا فرار...
    يا من تعفرتت هواجسه في دلاهم الليل الطويل، تعال اليوم لتطرق أبواب الرحيل، إركب الرحل العسير، وشارك النسمات في الشجون، إن تراني فأنت لست بمجنون، بل أنت شاعر مفتون، عنواني هو الخلود وبلاطي في قصر موعود، تعالوا واستمعوا إلي، واستمتعوا بملذاتي، أنا مارد الشعر، أنا الحكواتي.. لقبوني بأبي النور، لا يخيفني الديجور، لصوتي صفير في الآذان يشابه زفير الإنسان، لست إنساً ولا جان، أنا ضمير حي لا يموت، قد استتر في أزمنة الجبروت، ولا أموت. أنا الراوية الحزين، والمسافر المسكين، أسافر مع غبار الزمن، لا بحثاً عن وطن، فوطني هو القلم، أتقلب مع صفحات الرزنامة، حبيس دهرٍ تشابهت أيامه.
    هلمي يا نسمات، فعصر الصحو آت...

    ۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
    إسراء - النسمة الحرة
    في اللحظة الآنية

    أرى من يحدق في ورقي ومكنوناتي! إذاً فقد طالك الحكواتي أنت أيضاً. هل تعلم إلى أين تأخذك هذه الصفحات؟ إحذر فقد دارت الدوائر، وتناثرت الخواطر، وتبعثرت شظايا الفكر في كل حدب وصوب.

    هل تؤمن أن الإنسان مخيرٌ في قدره؟ دع إيمانياتك جانبا، فنواميس المنطق تخبو في أروقة الخيال. كن على علمٍ بأن خواطرك لم تعد مكنونة في سرك، فهناك من يقرأ ما يجول في ذهنك، تماماً كما توغر أنت في أنقاب عقلي.

    إياك أن تتساءل إن كنتُ وهماً أم حقيقة، فقد أكون أنا الحقيقة وأنت الوهم. لا أرى صعوبةً في تفسير ما يجرى الآن، فالخيال والواقع يتمازجان في نسج واحد؛ فبينما يظن البعض أن الواقع السادي عدوٌّ للخيال والوهم، يلتقي الضدان في عقدة لا تُحل رموزها، وذلكم هو التاريخ وتلكم هي الرواية.

    هلمَّ إلى ذلك المارد العتيد، فاشرب من فراته، وانزل في بلاطه، وكن له التابع المأمور، ألا تراه الآن في وجهك يحدق تربصاً يلامس أنفاسك فينشقها ويعيدها إليك مزفَّرةً بريقه. نعم، صدق ظنك، تلك السلاسل في يده هي لاقتيادك إلينا. لا مفرَّ الآن، أصبحت نفراً في جيش النسائم، لك ما لنا، وعليك ما علينا.

    ستعلمُ بانضمامك إلينا، أنك كنت نائماً فاستفقت، وغافلاً فانتبهت. ستتعرف معنا على الحقيقة القابعة في لب الوهم. ستهجر الشياطين أوكار عقلك، فهي لن تطيق بصيص النور الثاقب في كل جحر في نفسك. إنطق الشهادة، وودّع تلك الروح الخرقة التي ارتضت بأنصاف الحلول لأعوام ودهور، صرت الآن معرضاً لوخزات الضمير، ولسع القلم. صبراً جميلاً على ما أوتيت، ففي الغد تتآلف القلوب، وتتحالف الأقلام، وتهب النسائم. في الغد ينتصر الضمير، وينطلق النفير. عليك الآن أن تنبلج مع السطور، لتسمع وترى أسرار الصدور، لك أن تصرخ، ويمكنك النحيب، أما الصمت ففعل غير مقبول. أهلاً بك ثانية، في ملكوت مكنون، وسر مدفون، هذا رعين الشعراء، حيث لا موتٌ ولا فناء.
    إسراء السّلوادية﴿﴾()
    ۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
    ۩۩ صوت الحكواتي: عفواً، أريد أن أضيف شرحاً بسيطاً لغرض التوضيح. إذا رأيتم علامتي هذه ۩۩ علمتم أن هذا الصوت صوتي، وأن الحديث حديثي، وأنني أتدخل للتعليق على ما يُروى على ألسن النسائم، فهم أحرار في كل قول أو فعل لهم. ليس لي سلطان عليهم، أنا ملهمهم ومعلمهم، أنا الصوت الذي يشدون به عزمهم، ولكنني لا أكون أبداً مسيطراً عليهم. أتحرك بين التواريخ لأربط خيوط الحكاية. أبحث عن نقاط البداية والنهاية. قد أصرخ، وقد أصمت، قد ألوم، وقد أغبط. أتحدث مع كل نسمة من خلال ضميرها. فمن النسمات من يراني ويدركني تمام الإدراك ومنها من يظنني صوت من الأعماق، ومنها من ينكرني ويكتم صوتي كلما اقتربت، أولئك هم الذين أدمنوا على الفشل، فاحتقروا الأمل.
    لكل نسمة صفة أعرفه – أو أعرفها- بها وله أو لها اسم يُعرفون به لدى الناس. ولكل نسمة علامة تتبع توقيعها في ختام كل إسهامة. كل تلك هي إضافات رأت يد الكاتب أنها تسهل على النسمات القارئة الوصل بين الحلقات والحبكات المتشابكة. كثرة الرواة وتقطعهم بين الحلقات قد يسبب بعض الشتات، ولكنها حال الحياة، لها في كل يوم شأن وتغيرات.
    وعودة لإسراء، أعرفكم على النسمة الحرة، هي وحدها من يحيط بلب الحكاية. تعرف وجهتها ولا تحيد عنها. ليت كل النسائم مثلها! فمنذ أن ترائيت لها وهي ساعيةٌ إلى حفظ الميثاق الذي بيننا. صادقة في إيمانها، متفانية في عملها. هي جناحي القتالي وشريكتي في التدبير. أعوِّل عليها في كثير من الأمور. هي نصفي البشري، وسفيرتي في أرض الواقع. منها أستمد قوتي، فهي التي أحيت عظامي بعد موتها. وعاهدتني على أن تعيد لي سلطاني على شعرائي، وأن تزحف بهم إلي. ومنذ ذاك العهد والنسمات تتكاثر والحلم يقترب.
    التعديل الأخير تم بواسطة حنين شومان; الساعة 14-01-2011, 03:11.
يعمل...
X