إهداء خاص لكل أخوتي وأخواتي أقباط مصر بمناسبة عيد الميلاد المجيد
إطلالة على أيام منسية
كنت أحسبنا عائلة واحدة ، لم أكن أعرف أن بيت عم منصوريختلف عن بيتنا في شيء،فالشقتان مفتوحتان طوال اليوم وكان الممر الفاصل بينهما امتددا لكليهما .
كنت أصغر من أن أدرك أن عم منصور لاعلاقة له باسمي الثالث فقد مات جدي الذي يحمل نفس الاسم قبل ولادتي بزمن بعيد ،كان لدي إحساس غامض بأنه لابد ينتمي بشكل ما لعائلتنا ، فهو يحمل اسمنا ، كما أنه رفيق أبي الدائم في كل تحركاته ، وكانت "طنط أنجيل" زوجته ، رفيقة أمي الوحيدة تقريباً .
القواسم التي جمعت أسرتينا صهرتنا ومزجتنا معاً، أسرتنا قدمت من الإسكندرية للعيش في القاهرة ، وكذلك أسرة العم منصور ، والأغراب يأتلفون سريعاً ، فلاأقارب لهم بالعاصمة المترامية الأطراف ، حتى سطح المنزل الذي ضمنا معاً كان مملكة مشتركة لأمي وطنط أنجيل ، كان مزرعة دواجن مصغرة تمتزج طيورنا وطيورها ، فلم أكن أعرف كيف تميز أمي طيورنا من طيور طنط أنجيل والأغلب انها لم تكن تهتم لذلك فقد كنت وأشقائي مكلفين بنثرالحبوب ووضع الطعام للدواجن في مواقيت ثابتة دون تمييز ، مرة تبعث بها أمي ومرة تكلفنا طنط أنجيل بالمهمة ذاتها.
كنت ألعب وأخوتي لعبة "الأستغماية " فألوذ بشقة العم منصور واختبيء في حجرة "الخزين" تحيط بي أقفاص وكراتين ، فأشعر بسعادة بالغة وأنا أجلس مختبئاً في الظلام ، كان يروق لطنط أنجيل أحياناً أن تشاركنا لهونا ،فتدفع بي داخل خزانة الملابس بحجرة نومها ،وتقف امام المرآة الكبيرة تصفف شعرها المنساب على ظهرها بينما ترقب من طرف خفي أخوتي وهم يتجولون في شقتها بحثاً عني حتى إذا عثروا علي محشوراً بجسدي الصغير داخل الخزانة انطلقت الضحكات من القلب صافية ومجلجلة ..
لم تكن "ماما أنجيل" كما كنا ندعوها قد رزقت بأطفال فكانت تعتبرنا أولادها الذين لم يقدر لها أن تنجبهم ، تشاركنا اللعب وتبقى في شقتنا صحبة أمي أغلب الوقت حتى يعود أبي صحبة العم منصور من المقهى في المساء ، كنا جميعاً متشابهين كأحجار النرد، أبي يشبه عم منصور وأمي نسخة أخرى من "ماما أنجيل"، لم نكن نعرف أن لنا ديناً آخر غير دينهم ،كانت تخرج في رحلات صباحية أيام الآحاد فتغيب لبعض الوقت ثم تعود محملة بألوان الحلوى توزعها علينا وكأنه اعتذار صريح عن الغياب ،لم نكن نعلم أين تذهب ، وعبثاً حاولنا استدراجها لنعرف أين تختفي عن أعيننا ، ولماذا أيام الآحاد تحديداً فكانت تضحك وتقول وهي تشير إلى سجادة الصلاة المفروشة دائماً في جانب من الصالة الواسعة :
- أصلي في الجامع بتاعي .
ثم تواصل الضحك وهي تلمح أسئلة كثيرة تتقافز في وجوهنا دون إجابة .
هكذا مضت أيامنا سنين طويلة ،كبرنا وزادت معارفنا وعلمنا مالم نكن نعلم ومع ذلك فقد استمرت الحياة المشتركة بيننا حتى تخرجنا وتفرقت بناالسبل ، مات أبوانا ومات عم منصور ولحقت به ماما أنجيل في تاريخ لاحق وسكن شقتهما أقارب لهما ، وكلما زرت بيتنا القديم وقفت في الممر الفاصل بين الشقتين أتأمل البابين المغلقين على سكان جدد وكأنما أراهما للمرة الأولى .
تعليق