فرحة تحت الركام
استلم الموظف يوسف قرار نقله إلى مدينة نائية لم يزرها قط في حياته.. فاضبارته الأمنية حاصرته بين ما " أحلاهما مر".. إما خازوق الاعتقال أو تعسف النفي..
مال إليه مدير القسم قبيل وداعه وقال:
- أنصحك ياأستاذ يوسف أن لاتأخذ زوجتك معك إلى تلك المدينة.. لاسيما وأنها صغيرة ..
- خير ياأستاذ عدنان..مالمانع؟
- أنا قضيت هناك أربع سنوات وكانت سنوات عجاف.. وخبرت معدن الناس في تلك المدينة وطريقة تفكيرهم وسلوكهم.
- وضح لي أرجوك.
- سيتردد لعندك هناك كل يوم الزملاء والمسؤولون والجيران والمعارف..وتكثر السهرات والهدايا و الدعوات والموائد والذرائع كي يجدوا منفذا إلى سرير زوجتك
- أعوذ بالله .. ماذا تقول يارجل.. ألهذه الدرجة؟
- أربع سنوات ياعزيزي رأيت فيها العجب.
- ولكنني ياأستاذ عدنان متزوج منذ أشهر ولايمكنني ترك زوجتي وحيدة لفترة يعلم الله مدتها.
- حاول أن تتدبر أمرك.
انسحب المدير إلى مكتبه تاركا يوسف في دوامة تهرس تفكيره..فلئن رفض السفر سيكون المعتقل مكان إقامته ولئن سافر من دون زوجته الصبية ستطحنها هنا في غيابه شفرات الشائعات و"حديث الإفك"..لذا قرر أن يأخذها معه ويحتاط ويتجنب الاختلاط مع الناس.
سرّب هذه الفكرة إلى الأستاذ عدنان للمشورة فقال له:
- ياابني يايوسف..إذا طرق باب بيتك جارك أو زميلك أو مسؤولك في الوظيفة بماذا سوف تجيبه ؟ هل سترده قائلا الزيارات ممنوعة عد من حيث أتيت.. أنت هناك يايوسف ستكون مع الناس وتعيش في وسطهم فلايمكنك التقوقع وحبس نفسك وزوجتك في البيت..
- والله ماعدت أدري ياأستاذ عدنان ..فأنا بين نارين..
- لدي فكرة لمشكلتك ولكنها تحتاج إلى تطبيق حازم وحرص شديد.
- قول ياأستاذ وأنا جاهز للتنفيذ بكل دقة وصرامة.
- حينما تصل إلى هناك أشع بين الناس أن زوجتك هيفاء هي أختك العزباء التي جاءت معك لخدمتك..وليس لها أحد غيرك.. بذلك تقطع الطريق على أي محاولة.. وتظاهر أمام الناس بأنها أختك وعش في البيت معها كزوجة..
- بارك الله فيك ياأستاذي..إنه فعلا حل رائع.
سافر الموظف المنفي يوسف إلى تلك المدينة وتسلم وظيفته وبيته وعمل بفكرة الأستاذ عدنان منذ وصوله وعاش أيامه على مايرام .. فلم يتجرأ أحد على زيارته أو التعرف " بأخته " العزباء.. لأن هذا يعني خطوبة ومهر وارتباط بعقد قران..وحتى لو فكر أحدهم بالزواج فليس من المعقول أن يتقدم لطلب يد فتاة لايعرف ماضيها.. ولايوجد من يسأله عنها سوى أخيها يوسف..
مضت الأيام جميلة هانئة لدى الموظف الغلبان يوسف..وارتاح لتلك المدينة الصغيرة جدا والهادئة فعلا واستأنس بجوها المنعش وتجول مع " أخته " هيفاء في شوارعها وحدائقها واستنعم بالأمن والأمان..
ذات مساء وأثناء إعداد طعام العشاء.. داخت زوجته هيفاء وسقطت في أرض المطبخ وغابت عن الوعي..حاول يوسف إسعافها بجهوده فلم يفلح فاضطر لنقلها إلى المشفى..
بعد إجراء التحاليل والفحوصات الطبية تقدم الطبيب من يوسف وقال:
- أريدك في كلمة على انفراد لو سمحت.
- خير دكتور في خطر على حياتها؟
- والله لاأدري ياأستاذ يوسف كيف أنقل لك الخبر.. ولكني أرجوك أن تتمالك أعصابك وتتعامل مع الموضوع بحكمة وروية ودون تهور.. أختك هيفاء ياأستاذ يوسف حامل في الشهر الثالث.
تعليق