غلبان أفندي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسن الحسين
    عضو الملتقى
    • 20-10-2010
    • 299

    غلبان أفندي

    غلبان أفندي


    اختتم عبد الحكيم وجبة عشائه بكوب من اللبن وحملق في شاشة التلفزيون يودعها قبل أن يجمع أهداب عينيه وتثاؤبه في حقيبة نومه ويستقل سريره في سفرة هانئة إلى يوم الغد.
    اغتالته الغفوة قبل أن يسحب غظاءه ويبتز الدفء منه وشرع شخيره التصاعدي بالكشف عن ألحانه الطازجة.
    التقى عبد الحكيم على الفور بأصحابه التقليديين زملاء الوظيفة محسن أفندي وعبد الكريم ومع لفائف التبغ الوطني مدمر الرئتين وقاصف العمر وملوث البيئة . تأفف عبد الحكيم من وظيفته في الدائرة التي ابتلعت ربع قرن من حياته وقال:
    - ايه ده ياجماعة.. الوظيفة عقوبة حياتية.. وتأبيدة لايشملها العفو ولاتحدد بمدة..
    - بس الوظيفة دي ياعبد الحكيم ساترتك وبتوكلك عيش أنت وعيالك..وأهي على قد مواهبك.
    - هو ده اللي أنت فالح بيه يامحسن أفندي..مواعظ وتنظير وتثبيط همم.. وإلا أنت ايه رأيك ياعبد الكريم أفندي.
    بهذا السؤال تمت زحلقة عبد الكريم الى ساحة الحوار فقال:
    - والله معاك حق.. طيب ياعبد الحكيم قولي وحياتك لولا أنت موظف دلوقت يعني لامؤاخذة كنت عايز تكون ايه حضرتك..طبيب مثلا.
    - لا .. لا ياعمي.. أنا مابحبش أشوف عيانين ولا دم ولاسبيرتو..
    وتدخل محسن أفندي هنا وقال:
    - طيب لو سعادتك يعني تقبل تشتغل باش مهندس.
    - أنت عايزني أأقضي وقتي في الاسمنت والحديد والغبرا.. وعمارة وقعت وجسر اتهد..لاياعمي حل عني ربنا يهديك.
    - أنا لقيت لك شغلانة حلوة أوي ..ايه رأيك في الأبوكاتو .. محامي يعني.
    - محامي ياشيخ..؟ أنا مشاكلي مكفياني ومغرقاني ياكدع أنت .. بقى انت عايزني أسمع مشاكل وهمموم غيري كمان.
    نادى عبد الكريم على صبي المقهى وطلب كوبا من الليمون لعبد الحكيم وقال له:
    - طيب اشرب الليمون دلوقت وأنا ح أعينك وزير..
    - وزير ياصاحبي ؟.. أنت عايز تخلص مني والا ايه ياعبد الكريم..وزير وبعد كام سنة يقولوا لي " من أين لك هذا" ويودوني التحقيق ويحجزوا على البيت والعفش والعيال.. وبعدين يرموني في السجن لغاية مايفرجها ربنا.
    عندها مال إليهما محسن أفندي وهمس:
    - يعني عندك طموح ياعبد الحكيم تصير رئيس جمهورية؟
    امتعض عبد الكريم ورد على زميله:
    - ماكنا كويسين يامحسن أفندي.. الله .. بلاش الغلط اللي يودي في ستين داهية
    تجرأ عبد الحكيم وقال :
    - رئيس جمهورية ايه ياصاحبي ماخلاص عملوها عائلية والمنصب ده بقى وراثة وضمن التركة.
    أعلن محسن أفندي استسلامه ونفض يديه من ايجاد مهنة لصاحبه قائلا:
    - أنا خلاص غلب حماري.. بس ولايهمك ياعبد الحكيم أنا عندي اللي ح يريحك أوي..تعال ياعزرائيل شوف الزبون اللي قاعد مستنيك من زمان.
    هبط عليه عزرائيل على الفور وسحبه من قفاه وقال:
    - تفضل ياسي عب حكيم..ده انت شرفتنا والله.
    تلفت عبد الحكيم نحو صاحبيه ليستنجد بهما فلم يعثر لهما على أثر فقال مرتعشا:
    - على فين ياعزرائيل بيه؟
    - مطرحك جاهز ياحبيبي مترين بمتر..خش.
    رماه في قبر ضيق..وقال:
    - هنا ح ترتاح أوي ياسي عب حكيم.. من الوظيفة والمواصلات وطلبات العيال .
    - بس لو سمحت يعني..
    لم ينصت اليه عزرائيل بل أغلق القبر عليه وجعله فريسة للعتمة..وتراءت له على الفور أشباح تحوم حوله وسط الظلام تنهره وتستجوبه فصاح:
    - أنتو مين ؟؟ مباحث ولا مخابرات..
    فتح عبد الحكيم عينيه مخلوعا من الفزع فرأى الوجه اليومي الروتيني الذي أدمن الاصطدام به كل صباح على مدى عشرين عاما.. فتنهد وابتسم وقال :
    - هو ده أنت ياأم العيال .. أول مرة في حياتي تيجيني في وقتك..خلصتيني والعياذ بالله من كابوس وحش أوي.... اديني بوسة وتعالي جنبي.. الله يخرب بيوتكم ياعبد الكريم ومحسن أفندي.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    الكاتب المبدع حسن حسين.
    تحيّة لك أخي.
    تقتحم بجرأة و سلاسة مراضيعك،و تنفذ بيسر في عمق المآسي الاجتماعيّة على اختلافها.و هذا ما يجعلك حقيقة من الكتاب المتميّزين في الملتقى.
    أحببت النصّ و تفاصيله السّاخرة.
    دمت بخير.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • فايزشناني
      عضو الملتقى
      • 29-09-2010
      • 4795

      #3
      أخي حسن الحسين
      نصوصك جميلة ومعبرة

      وهنا في سخريتك تحكي عن يوميات المواطن الغلبان
      والذي صارت هواجسه تلاحقه حتى في منامه وأحلامه
      وضحكت أكثر عندما كانت الزوجة طوق نجاته هذه المرة
      في حين أنها كانت في الغالب تكون ضربتها قاضية بـ نقها المتكرر
      تحية عاطرة بالجوري
      مع محبتي
      هيهات منا الهزيمة
      قررنا ألا نخاف
      تعيش وتسلم يا وطني​

      تعليق

      • مجدي السماك
        أديب وقاص
        • 23-10-2007
        • 600

        #4
        تحياتي

        تحياتي
        نص راق لي كثيرا..قرأته بمتعة حقيقية..اسلوب ساخر لاذع..يغوص في عمق الواقع اليومي..ببساطة كبيرة وصعبة في الوقت نفسه.اتمنى لك دوام التوفيق والابداع.
        عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

        تعليق

        يعمل...
        X