المرايا الفضية /بقلم حسام خالد السعيد
أنظر إلى مراّتي الفضية السحرية.. أجدك بجانبي ببساطتك المحبوبة، ونظراتك الجميلة البراقة .
أرى وجهك مبتسماً فتضحك الدنيا، وترقص الأشياء في عيني،وتتسع الرقعة حولي على الرغم من ضيقها.
أراك ساندريلا ريفية تستيقظ كل صباح، لتحمل معولاً ذهبياً..تكسرين به رتابة عمري ، وتحطمين به تشردي وشرودي ويأسي،وتخلعين به أشواك الضجر والهم والكدرمن صحرائي الحارقة،لتزرعين عطرك وأشياءك وأنسامك، فتتلاشى الرمال والحدود من خريطتي،فتتحول الصحراء فيَّ واحةً ظليلة تروي رغبتي بالراحة والطمأنينة ولو مؤقتاً.
أراك تمسكين بيديك الثلجيتين الدافئتين مشطاً أسوداً، فيمتزج البياض والسواد، ويتعانق الثلج والحرارة..فتموج بداخلي الألوان،وتتناغم الأحاسيس ،في زمنٍ تغتال فيه الألوان ،وتقتل فيه الأحاسيس.
فيولد قوس قزح يمدني بالنور والحياة ،لأعرف من أنا ومن هم،فتنكسر القيود، وأحس بالحرية على الرغم من بعدها .
تقربين المشط من شعري..تزيلين عنه تعب السنين ،وضبابية الحاضر الدامي،وأحزان الماضي الأليم ،ومخاوف المستقبل المظلم،ثمَّ تربتين على رأسي برفق وحنان..تحتضنين وحشتي وذبولي..ثمَّ تهمسين :
حبيبي الغالي أتعرف كم أحبك....
أحبك عدد حبات الندى والمطر ووسع الأرض والقمر.
أحبك عدد الجن والطير والبشر ووسع السماء وقت السحر.
فارس عمري أتعرف متى أحببتك....
أحببتك قبل أن أولد وقبل أن تولد.
أحببتك قبل أن يعرف الهوى طريقه.
أواصل نظري للمراّة،أراك بلبلاً شادياً يشدو في سمائي المكفهرة بأعزب الألحان،يعلمني كيف أكون خيّراً معطاءً ،وكيف أتخطى الحواجز والألغام بدون وجلٍ أو استكانة..يوقظني كلَّ صباح ليطعمني ما تبقى من خبز بلادي وتينه المغتصب.
فاّكل بيديك، وتفكرين بعقلي ،وأنظر بعينيك، وتتكلمين بلساني،فأسمع الارض من تحتنا ومن تحتهم تتكلم بلغة الضاد.. فنفهم بوحها ولايفهمون.
أشتم أنفاسك المعطرة بربيع بلادي ..تتداخل مع أنفاسي، تضج بأريج الزهور وأشجار الزيتون والسنديان،فأنسى رائحة البارود وحقد الطغاة.
ألمس روحك..أجدها قوية كرائحة الليمون..متفائلة كضحكة طفلٍ صغير..عظيمة كنهرٍ لا يعرف الهزيمة.
فأستمد منها قوتي وتفاؤلي وطموحي و انجازتي وصبري وأحلامي ..فوراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة ..ووراء كل امرأة عظيمة وطن عظيم..ووراء كل وطن عظيم شعب لا يقهر.
أشاهد نسوة بجانبك ، تصبين في قلوبهم كؤس الصبر والمصابرة والتضحية والإرادة..تداوين جراحهم وفقدهم، وتواسين نكباتهم وإحباطهم ..تعطيهن دروساً عن كيفية أن يكونوا مربياتٍ صالحات ،ينجبون الأبطال وقوافل الشهداء لتستمر المسيرة.
أرى ملاكاً يقترب منك ومن النسوة،يحول انتباهك إليه..أجده طفلاً صغيراً يشبهني ويشبهك،يقول لي بابا..ويقول لك ماما..أراك تحملينه وتقبلينه..ألحظه يرنو إلى جده..أبي،وإلى عمه..أخي،يعاتبهم.. جدي ..عمي..أين أنتم كل هذه المدة،وأين السكاكر والشوكولا..فيلوح أبي وأخي للصغير.
أرى طفلي الحبيب يشير بيديه وسط حجرك لي ،يريد أن يقبلني.. يغير رغبته في أخر لحظة.. يترك حضنك النوراني ..يلتف إلى خلفك..يتشبث بطرف ثوبك بقوة..ويطلقها مدوية..تووووت ..تووووت..قطار القدس قادم.
يسير القطار ..يتجه نحوي..تتعلق يدك بقميصي لأستلم دفة القيادة.
فأترك النظر للمراّة..وألتفت للوراء اتجاهك واتجاهه..فلا أجدكم ولا أجد النسوة ولا أجد أبي وأخي !!.
أرى أخوتي جميعاً إلاّ واحداً،وأرى أمي دون أبي..مكانكم حيث يجب أن تكونوا،ينظرون إليَّ بحسرة وألم ؟.
تسرع أمي وترتمي عليَّ باكية شاحبة..تقول:
يابني ارحمني وارحم نفسك..أرجوك أرجوك أن تنساها،فتفكيرك وشرودك يقتلني..انساها سأخطب لك شبهاً بها وما أكثر من يشبهها في فلسطين.
لا تزد من جروحي..يكفيني استشهاد أبيك وأخيك على أيديهم منذ ثلاث سنوات عندما اقتحموا غزة كالوحوش المذعورة،فدمروا الزرع والنسل والضرع والمنازل..دمرهم الله كما دمرونا.
وتشهق أمي مختنقة ،فنسرع ونشربها كأس ماء.. تتجرعه بمرا رة، ثمَّ تجلس حزينة..تمسح دموعها ..تقول لي:
هل تريد أن يصيبني مكروه..إذن عد إلى حياتك الطبيعية..هم يريدوننا أن نستكين ونستسلم.
رحم الله أبوك وأخوك وخطيبتك وكل الشهداء،قد اختارهم المولى شاهدين على جرائمهم يوم القيامة،انساها يابني انساها، كلنا راحلون عن هذه الدنيا.
أحاول أن أداري أمي..أخفي دموعي..أتحامل على نفسي وأقهر قلبي وشوقي..أظهر لها أنَّ مضي ثلاثة أشهر على استشهادك قد أنساني فاجعتي.
أدخل غرفتي ..أوصد الباب..أجهش بالبكاء..أتذكر جسدك المقطع جانب سيارة الإسعاف..أتذكر وطني المقطع..أتذكر قنابلهم الفتاكة وفسفورهم العاهر..أسمع صوت انفجارات من الخارج وصيحات الله أكبر..
أراك عبر المراّة من جديد كزوجة بتول لم تتزوج بعد، وأرى ابني الصغير لم يولد بعد...
أسمعك تهمسين بمسمعي..اصبر اصبر..واصل المشوار..قم انهض..احمل الراية عني،وانفض عنها التراب وامسح الدماء..فأنتفض من ثباتي وأعود لقضيتي المصيرية.
أفتح خزانتي وأبحث عن مريولك الأبيض بين ملابسي..أحمله وأقبله..أفتش عن حقيبتك الطبية أضمها إلى صدري فيعبق برائحة انسانيتك البريئة.
أسرع الخطا إلى مقر الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة النازفة لأحمل الراية عنك، ولأتعلم أصول مهنتك غاليتي
أعود للمنزل بمريولي الناصع،هادئاً يلمع الإصرار فيَّ، وتلمع أربع مرايا فضية كبيرة ـ قد اشتريتها ـ داخل صندوق..أضع في كل زاوية من زوايا غرفتي مراّة ..لكي تبقي جانبي..ويبقى الحلم .. وتبقى القضية..أينما اتجهت.
أنظر إلى مراّتي الفضية السحرية.. أجدك بجانبي ببساطتك المحبوبة، ونظراتك الجميلة البراقة .
أرى وجهك مبتسماً فتضحك الدنيا، وترقص الأشياء في عيني،وتتسع الرقعة حولي على الرغم من ضيقها.
أراك ساندريلا ريفية تستيقظ كل صباح، لتحمل معولاً ذهبياً..تكسرين به رتابة عمري ، وتحطمين به تشردي وشرودي ويأسي،وتخلعين به أشواك الضجر والهم والكدرمن صحرائي الحارقة،لتزرعين عطرك وأشياءك وأنسامك، فتتلاشى الرمال والحدود من خريطتي،فتتحول الصحراء فيَّ واحةً ظليلة تروي رغبتي بالراحة والطمأنينة ولو مؤقتاً.
أراك تمسكين بيديك الثلجيتين الدافئتين مشطاً أسوداً، فيمتزج البياض والسواد، ويتعانق الثلج والحرارة..فتموج بداخلي الألوان،وتتناغم الأحاسيس ،في زمنٍ تغتال فيه الألوان ،وتقتل فيه الأحاسيس.
فيولد قوس قزح يمدني بالنور والحياة ،لأعرف من أنا ومن هم،فتنكسر القيود، وأحس بالحرية على الرغم من بعدها .
تقربين المشط من شعري..تزيلين عنه تعب السنين ،وضبابية الحاضر الدامي،وأحزان الماضي الأليم ،ومخاوف المستقبل المظلم،ثمَّ تربتين على رأسي برفق وحنان..تحتضنين وحشتي وذبولي..ثمَّ تهمسين :
حبيبي الغالي أتعرف كم أحبك....
أحبك عدد حبات الندى والمطر ووسع الأرض والقمر.
أحبك عدد الجن والطير والبشر ووسع السماء وقت السحر.
فارس عمري أتعرف متى أحببتك....
أحببتك قبل أن أولد وقبل أن تولد.
أحببتك قبل أن يعرف الهوى طريقه.
أواصل نظري للمراّة،أراك بلبلاً شادياً يشدو في سمائي المكفهرة بأعزب الألحان،يعلمني كيف أكون خيّراً معطاءً ،وكيف أتخطى الحواجز والألغام بدون وجلٍ أو استكانة..يوقظني كلَّ صباح ليطعمني ما تبقى من خبز بلادي وتينه المغتصب.
فاّكل بيديك، وتفكرين بعقلي ،وأنظر بعينيك، وتتكلمين بلساني،فأسمع الارض من تحتنا ومن تحتهم تتكلم بلغة الضاد.. فنفهم بوحها ولايفهمون.
أشتم أنفاسك المعطرة بربيع بلادي ..تتداخل مع أنفاسي، تضج بأريج الزهور وأشجار الزيتون والسنديان،فأنسى رائحة البارود وحقد الطغاة.
ألمس روحك..أجدها قوية كرائحة الليمون..متفائلة كضحكة طفلٍ صغير..عظيمة كنهرٍ لا يعرف الهزيمة.
فأستمد منها قوتي وتفاؤلي وطموحي و انجازتي وصبري وأحلامي ..فوراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة ..ووراء كل امرأة عظيمة وطن عظيم..ووراء كل وطن عظيم شعب لا يقهر.
أشاهد نسوة بجانبك ، تصبين في قلوبهم كؤس الصبر والمصابرة والتضحية والإرادة..تداوين جراحهم وفقدهم، وتواسين نكباتهم وإحباطهم ..تعطيهن دروساً عن كيفية أن يكونوا مربياتٍ صالحات ،ينجبون الأبطال وقوافل الشهداء لتستمر المسيرة.
أرى ملاكاً يقترب منك ومن النسوة،يحول انتباهك إليه..أجده طفلاً صغيراً يشبهني ويشبهك،يقول لي بابا..ويقول لك ماما..أراك تحملينه وتقبلينه..ألحظه يرنو إلى جده..أبي،وإلى عمه..أخي،يعاتبهم.. جدي ..عمي..أين أنتم كل هذه المدة،وأين السكاكر والشوكولا..فيلوح أبي وأخي للصغير.
أرى طفلي الحبيب يشير بيديه وسط حجرك لي ،يريد أن يقبلني.. يغير رغبته في أخر لحظة.. يترك حضنك النوراني ..يلتف إلى خلفك..يتشبث بطرف ثوبك بقوة..ويطلقها مدوية..تووووت ..تووووت..قطار القدس قادم.
يسير القطار ..يتجه نحوي..تتعلق يدك بقميصي لأستلم دفة القيادة.
فأترك النظر للمراّة..وألتفت للوراء اتجاهك واتجاهه..فلا أجدكم ولا أجد النسوة ولا أجد أبي وأخي !!.
أرى أخوتي جميعاً إلاّ واحداً،وأرى أمي دون أبي..مكانكم حيث يجب أن تكونوا،ينظرون إليَّ بحسرة وألم ؟.
تسرع أمي وترتمي عليَّ باكية شاحبة..تقول:
يابني ارحمني وارحم نفسك..أرجوك أرجوك أن تنساها،فتفكيرك وشرودك يقتلني..انساها سأخطب لك شبهاً بها وما أكثر من يشبهها في فلسطين.
لا تزد من جروحي..يكفيني استشهاد أبيك وأخيك على أيديهم منذ ثلاث سنوات عندما اقتحموا غزة كالوحوش المذعورة،فدمروا الزرع والنسل والضرع والمنازل..دمرهم الله كما دمرونا.
وتشهق أمي مختنقة ،فنسرع ونشربها كأس ماء.. تتجرعه بمرا رة، ثمَّ تجلس حزينة..تمسح دموعها ..تقول لي:
هل تريد أن يصيبني مكروه..إذن عد إلى حياتك الطبيعية..هم يريدوننا أن نستكين ونستسلم.
رحم الله أبوك وأخوك وخطيبتك وكل الشهداء،قد اختارهم المولى شاهدين على جرائمهم يوم القيامة،انساها يابني انساها، كلنا راحلون عن هذه الدنيا.
أحاول أن أداري أمي..أخفي دموعي..أتحامل على نفسي وأقهر قلبي وشوقي..أظهر لها أنَّ مضي ثلاثة أشهر على استشهادك قد أنساني فاجعتي.
أدخل غرفتي ..أوصد الباب..أجهش بالبكاء..أتذكر جسدك المقطع جانب سيارة الإسعاف..أتذكر وطني المقطع..أتذكر قنابلهم الفتاكة وفسفورهم العاهر..أسمع صوت انفجارات من الخارج وصيحات الله أكبر..
أراك عبر المراّة من جديد كزوجة بتول لم تتزوج بعد، وأرى ابني الصغير لم يولد بعد...
أسمعك تهمسين بمسمعي..اصبر اصبر..واصل المشوار..قم انهض..احمل الراية عني،وانفض عنها التراب وامسح الدماء..فأنتفض من ثباتي وأعود لقضيتي المصيرية.
أفتح خزانتي وأبحث عن مريولك الأبيض بين ملابسي..أحمله وأقبله..أفتش عن حقيبتك الطبية أضمها إلى صدري فيعبق برائحة انسانيتك البريئة.
أسرع الخطا إلى مقر الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة النازفة لأحمل الراية عنك، ولأتعلم أصول مهنتك غاليتي
أعود للمنزل بمريولي الناصع،هادئاً يلمع الإصرار فيَّ، وتلمع أربع مرايا فضية كبيرة ـ قد اشتريتها ـ داخل صندوق..أضع في كل زاوية من زوايا غرفتي مراّة ..لكي تبقي جانبي..ويبقى الحلم .. وتبقى القضية..أينما اتجهت.
تعليق