طفولتي ( 3 )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الله راتب نفاخ
    أديب
    • 23-07-2010
    • 1173

    طفولتي ( 3 )

    طفولتي ( 3 ) :

    كان والدي حريصاً رغم صغر سني على إيقاد جذوة التعلق بتراث الأمة في صدري أيما حرص ، فيخصص من وقته شيئاً ليس بالقليل لذلك ، بل قد بذل جهداً لجعلي أحفظ شواهد كتاب سيبويه الشعرية ، لكن مشروعه هذا لم يكتب له النجاح كما كتب لحفظي أبياتاً من حماسة أبي تمام و قصائد الجاهليين و متفرقات للمتنبي .
    و عندما بدأت أخطو نحو العالم الآخر المستقر خارج جدران منزلنا ، وجدت أشياء غريبة لم أعهدها ، وجدت المعلمات ذوات الفهم السقيم ، و المعرفة الضحلة ، و الأطفال الذين لا يعرفون سوى اللهو و اللعب ، وجدت المدرسة التي ضقت بها ذرعاً ، و كم بكيت كلما أزف موعدها .
    كانت والدتي حريصة على ألا أتاثر بعالم بيتنا أكثر مما ينبغي ، لإدراكها أنه لا يناسب عمري ، و لعلمها أيضاً أن عقلي ينبغي أن يتحرر من سطوة شخصية والدي التي شابها كثير من الألم و المعاناة في حياته ، و تخشى أن يزرع فيَّ عصارة ذلك فتسلَب مني طفولتي و إحساسي ببهجة الحياة ، لكنه كان يضيع عليها الفرصة ، و ببضع كلمات منه يحبط كثيراً مما تدأب عليه .
    لكنَّ شخصيته تلك بدأت تتكشف عما كان مستقراً في أعماقه لا يبديه ، فتحمل أثناء تكشفه نفحة من حزن بالغ ، ذلك هو الجانب الرقيق الشفاف منه ، الجانب الذي طالما حسب الجاهلون خلوه و براءته منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب .
    كان استشعاره لدنو الأجل يزداد يوماً إثر يوم ، و يزداد معه تكشف خلجات قلبه الشاعرية ، و يزداد كذلك تواصله مع العالم الخارجي ، صار يغدو إلى السوق و يأخذني معه ، و هو الذي لم يعتد ذلك حياته كلها ، و يشاهد بعض ما يُعرَض في التلفاز و هو الذي لم يكن قد فكر بشرائه قبل زواجه ، و يداعبني مداعبة الطفولة ، و يناغيني بما يلائمني لا بأشعار العرب وحدها .
    أخذ الجانب الإنساني منه في تلك الأيام يشرق إشراق شمس الضحى في كبد السماء ، كما كان إحساسه بقرب الموت يرسم ابتسامة رضا على شفتيه ، ابتسامة رضا يصنعها شعوره بقرب راحته التي طالما انتظرها ، بعدما أيقن – ربما متأخراً – أن تلك الراحة لا يمكن أن تكون له في هذا العالم الذي كثيراً ما ضاق به.
    و إن أنس كل شيء مر بي في حياتي ، لا أنس اللحظة التي ناداني فيها و أنا ألهو في غرفة زوارنا التي كانت خالية ساعتها على غير العادة ، ليهمس في أذني ببضع كلمات لا يزال لها الوقع نفسه على صدري كما يومها ، و صوته لا يزال يتردد في مسمعي كأنني سمعته في التو :
    - يا بني .... إنني سأموت ...... فكن حسن الخلق مع الناس .
    أجفلت حين سمعتها ، على أني حسبتها كلمة من كلمات التأهب للموت التي طالما ذكرها أمامي ، لكنَّ هذه الكلمة تحديداًً لم تكن كغيرها ، و لم يكن موعد قولها كغيره ، إذ كانت أقرب الكلمات التي قالها زمناً من موعد تحقق النبوءة التي فيها ، و أكثرها تصريحاً بها .
    و للحديث تتمة
    التعديل الأخير تم بواسطة عبد الله راتب نفاخ; الساعة 15-01-2011, 16:21.
    الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

    [align=left]إمام الأدب العربي
    مصطفى صادق الرافعي[/align]
  • عبد الله راتب نفاخ
    أديب
    • 23-07-2010
    • 1173

    #2
    طفولتي ( 3 ) :

    كان والدي حريصاً رغم صغر سني على إيقاد جذوة التعلق بتراث الأمة في صدري أيما حرص ، فيخصص من وقته شيئاً ليس بالقليل لذلك ، بل قد بذل جهداً لجعلي أحفظ شواهد كتاب سيبويه الشعرية ، لكن مشروعه هذا لم يكتب له النجاح كما كتب لحفظي أبياتاً من حماسة أبي تمام و قصائد الجاهليين و متفرقات للمتنبي .
    و عندما بدأت أخطو نحو العالم الآخر المستقر خارج جدران منزلنا ، وجدت أشياء غريبة لم أعهدها ، وجدت المعلمات ذوات الفهم السقيم ، و المعرفة الضحلة ، و الأطفال الذين لا يعرفون سوى اللهو و اللعب ، وجدت المدرسة التي ضقت بها ذرعاً ، و كم بكيت كلما أزف موعدها .
    كانت والدتي حريصة على ألا أتاثر بعالم بيتنا أكثر مما ينبغي ، لإدراكها أنه لا يناسب عمري ، و لعلمها أيضاً أن عقلي ينبغي أن يتحرر من سطوة شخصية والدي التي شابها كثير من الألم و المعاناة في حياته ، و تخشى أن يزرع فيَّ عصارة ذلك فتسلَب مني طفولتي و إحساسي ببهجة الحياة ، لكنه كان يضيع عليها الفرصة ، و ببضع كلمات منه يحبط كثيراً مما تدأب عليه .
    لكنَّ شخصيته تلك بدأت تتكشف عما كان مستقراً في أعماقه لا يبديه ، فتحمل أثناء تكشفه نفحة من حزن بالغ ، ذلك هو الجانب الرقيق الشفاف منه ، الجانب الذي طالما حسب الجاهلون خلوه و براءته منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب .
    كان استشعاره لدنو الأجل يزداد يوماً إثر يوم ، و يزداد معه تكشف خلجات قلبه الشاعرية ، و يزداد كذلك تواصله مع العالم الخارجي ، صار يغدو إلى السوق و يأخذني معه ، و هو الذي لم يعتد ذلك حياته كلها ، و يشاهد بعض ما يُعرَض في التلفاز و هو الذي لم يكن قد فكر بشرائه قبل زواجه ، و يداعبني مداعبة الطفولة ، و يناغيني بما يلائمني لا بأشعار العرب وحدها .
    أخذ الجانب الإنساني منه في تلك الأيام يشرق إشراق شمس الضحى في كبد السماء ، كما كان إحساسه بقرب الموت يرسم ابتسامة رضا على شفتيه ، ابتسامة رضا يصنعها شعوره بقرب راحته التي طالما انتظرها ، بعدما أيقن – ربما متأخراً – أن تلك الراحة لا يمكن أن تكون له في هذا العالم الذي كثيراً ما ضاق به.
    و إن أنس كل شيء مر بي في حياتي ، لا أنس اللحظة التي ناداني فيها و أنا ألهو في غرفة زوارنا التي كانت خالية ساعتها على غير العادة ، ليهمس في أذني ببضع كلمات لا يزال لها الوقع نفسه على صدري كما يومها ، و صوته لا يزال يتردد في مسمعي كأنني سمعته في التو :
    - يا بني .... إنني سأموت ...... فكن حسن الخلق مع الناس .
    أجفلت حين سمعتها ، على أني حسبتها كلمة من كلمات التأهب للموت التي طالما ذكرها أمامي ، لكنَّ هذه الكلمة تحديداًً لم تكن كغيرها ، و لم يكن موعد قولها كغيره ، إذ كانت أقرب الكلمات التي قالها زمناً من موعد تحقق النبوءة التي فيها ، و أكثرها تصريحاً بها .
    و للحديث تتمة
    الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

    [align=left]إمام الأدب العربي
    مصطفى صادق الرافعي[/align]

    تعليق

    • عبد الله راتب نفاخ
      أديب
      • 23-07-2010
      • 1173

      #3
      [align=center]بارك الله بكم جميعاً !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!![/align]
      الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

      [align=left]إمام الأدب العربي
      مصطفى صادق الرافعي[/align]

      تعليق

      • د. محمد أحمد الأسطل
        عضو الملتقى
        • 20-09-2010
        • 3741

        #4
        الأستاذ عبد الله راتب نفاخ
        تحية المساءالأجمل
        طفولة ملأى بمحاولات تنضيج مبكرة
        تترك ذكرى منحوته بعمق , في النفس
        نتابع بتمعن وبشغف
        لك التقدير والشكر والمحبة
        احترامي الدائم وقصفة صفصاف
        قد أكونُ احتمالاتٍ رطبة
        موقعي على الفيس بوك https://www.facebook.com/doctorastal
        موقع قصيدة النثر العربية https://www.facebook.com/groups/doctorastal/
        Green Moon-مجلة فنون https://www.facebook.com/green.moon.artline

        تعليق

        • عبد الله راتب نفاخ
          أديب
          • 23-07-2010
          • 1173

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة د. محمد أحمد الأسطل مشاهدة المشاركة
          الأستاذ عبد الله راتب نفاخ
          تحية المساءالأجمل
          طفولة ملأى بمحاولات تنضيج مبكرة
          تترك ذكرى منحوته بعمق , في النفس
          نتابع بتمعن وبشغف
          لك التقدير والشكر والمحبة
          احترامي الدائم وقصفة صفصاف
          [align=center]أستاذي الكريم ...
          بارك الله بكم و سلمكم ...
          و ألف شكر لكم لمروركم العطر النديّ ...
          بوركتم
          [/align]
          الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

          [align=left]إمام الأدب العربي
          مصطفى صادق الرافعي[/align]

          تعليق

          • عبير هلال
            أميرة الرومانسية
            • 23-06-2007
            • 6758

            #6
            أديبنا الرائع

            والراقي

            عبد الله

            متابعين معك للنهاية عن ذكرياتك



            تأثرت جداً بما قرأت وأنتظر البقية


            أرق تحياتي لك
            sigpic

            تعليق

            • عبد الله راتب نفاخ
              أديب
              • 23-07-2010
              • 1173

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة أميرة عبد الله مشاهدة المشاركة
              أديبنا الرائع


              والراقي

              عبد الله

              متابعين معك للنهاية عن ذكرياتك



              تأثرت جداً بما قرأت وأنتظر البقية



              أرق تحياتي لك
              [align=center]
              الغالية أميرة ...
              بارك الله بك .. و بمرورك الطيب ....
              سلمك الله ..
              دمت بكل خير
              [/align]
              الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

              [align=left]إمام الأدب العربي
              مصطفى صادق الرافعي[/align]

              تعليق

              • محمد زكريا
                أديب وكاتب
                • 15-12-2009
                • 2289

                #8
                متابع معك .. وأنتظر مشاهدة بقية هذهِ اللوحة التي تُتم لنا كشف ملامحها يوماً بعد يوم
                راقني جداً سردك لشخصية والدك الذي جعل من طفلهِ رجلاً خارجاً عن الإعتيادية المقيتة
                والتي من الصعب على من يكرهها أن يتعايش معها
                \\
                ننتظر البقية
                حتماً
                نحن الذين ارتمينا على حافة الخرائط ، كحجارة ملقاة في مكان ما ،لايأبه بها تلسكوب الأرض
                ولاأقمار الفضاء
                .


                https://www.facebook.com/mohamad.zakariya

                تعليق

                • عبد الله راتب نفاخ
                  أديب
                  • 23-07-2010
                  • 1173

                  #9
                  [align=center]
                  البقية قادمة قريباً بإذن الله أيها العزيز محمد ...
                  شرفني مرورك أيما تشريف
                  [/align]
                  الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

                  [align=left]إمام الأدب العربي
                  مصطفى صادق الرافعي[/align]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X