أبو الهول
استيقظ في فجرٍ أوشك أن يطلع , فَبُسِطتْ ظِلاله الداكنة فوق السهول .
واستقر الظلام بين الجدران كأنه سرمديّا إلى أن تقوم الساعة.
اكتنفته دوامة الم حاد في احد أضراسه , من شدتها أيقظته مبكرا على
غير عادته .
وثبَتْ العصافير فوق غصونها تزقزق وترمقه بحذر وهو يتمطع بفراشه ,
يتقلب حول جنبيه كقطعة لحم تشوى على نار هادئة سائلة نفسها:
ــ ما هو الشئ الذي أيقظ صاحبنا في هذا الوقت المبكر ؟
فبدت وكأنها تغرد مهللةً لدفوق أشعة الشمس المتسللة من خلف التلال .
دخلت زوجته حجرة النوم بينما يدها تُقلِّب الملعقة في كوب عصير الليمون
لتذيب السكر الراكد يقعره . وضعت الكوب بمكانه المخصص فوق الكومودينا
التي بجانبه . فعَلَتْ ذلك , كما تفعل كل صباح , ولم تُرهق فكرها بهاجس
إيقاظه. فهي تعلم أن صوت رنين الملعقة بجدران الكوب, وصوت ارتطام
الكأس بزجاج المنضدة يقومان نيابة عنها بهذه المهمة كل يوم.
مدَّ يده , تناول حبة الدواء . ثم تجَرَّعَ معها العصير , وحين فرغ من احتساءه
تحسَّسَ موقع الألم بكف يده وقال :
ــ اليوم سوف أذهب إلى طبيب الأسنان.
نهَضَ الرجل , دخلَ الحمام وبدأ بتلييط الصابون فوق ذقنه . امسك بالموس
وهمَّ بالحلاقة. حدَّقَ بالمرآة متعجباً حتى كاد أن يلمسها.
بدت على وجهه , علامات دهشة واستغراب . نطر موس
الحلاقة من يده , وأخذ يتحَسَّسْ وجههُ والمرآة , كزَّ على أسنانه وازدرد
ريقه الجاف, كأنما لينحي الفزع الذي ابتلي به في صباحية هذا اليوم,
ثم مد يده نحو المرآة ثانية, فلمسها وقف أمامها يرنوها, فوجد مشقة
في قبول عدم مقدرته رؤية قسمات وجهه داخلها . تجمَّدَ في موقفه
كتمثال ولم يستطع حراكاً .
ثم غادر الحمام مهرولاً نحو حجرة النوم . وقف يرنو إلى مرآة الدولاب. فغدت
نظراته توحي بدهشة فاغرة فاها ،
حتى أدركه إحساس بالدوار .
فجلس فوق حافة السرير شابكاً يديه فوق رأسه. عبر نداء زوجته القادم
من الممر طبلة أذنه فأيقظه من حالة الإنجماد المستحوذة عليه صارخة به :
ــ ماذا بك يا رجل ؟ وما هذا التلَككْ . هيَّا , قُمّ واذهب إلى عملك .
لم يُجِبها .
أطلت من باب الغرفة , فرأته شارد الذهن , فبادرته مستفسرة :
ــ فهيم ............ فهيم , ماذا بك ؟ هل أنت مريض ؟
غادر الغرفة والبيت , ولم يُعِرْها أي اهتمام .
واستقر الظلام بين الجدران كأنه سرمديّا إلى أن تقوم الساعة.
اكتنفته دوامة الم حاد في احد أضراسه , من شدتها أيقظته مبكرا على
غير عادته .
وثبَتْ العصافير فوق غصونها تزقزق وترمقه بحذر وهو يتمطع بفراشه ,
يتقلب حول جنبيه كقطعة لحم تشوى على نار هادئة سائلة نفسها:
ــ ما هو الشئ الذي أيقظ صاحبنا في هذا الوقت المبكر ؟
فبدت وكأنها تغرد مهللةً لدفوق أشعة الشمس المتسللة من خلف التلال .
دخلت زوجته حجرة النوم بينما يدها تُقلِّب الملعقة في كوب عصير الليمون
لتذيب السكر الراكد يقعره . وضعت الكوب بمكانه المخصص فوق الكومودينا
التي بجانبه . فعَلَتْ ذلك , كما تفعل كل صباح , ولم تُرهق فكرها بهاجس
إيقاظه. فهي تعلم أن صوت رنين الملعقة بجدران الكوب, وصوت ارتطام
الكأس بزجاج المنضدة يقومان نيابة عنها بهذه المهمة كل يوم.
مدَّ يده , تناول حبة الدواء . ثم تجَرَّعَ معها العصير , وحين فرغ من احتساءه
تحسَّسَ موقع الألم بكف يده وقال :
ــ اليوم سوف أذهب إلى طبيب الأسنان.
نهَضَ الرجل , دخلَ الحمام وبدأ بتلييط الصابون فوق ذقنه . امسك بالموس
وهمَّ بالحلاقة. حدَّقَ بالمرآة متعجباً حتى كاد أن يلمسها.
بدت على وجهه , علامات دهشة واستغراب . نطر موس
الحلاقة من يده , وأخذ يتحَسَّسْ وجههُ والمرآة , كزَّ على أسنانه وازدرد
ريقه الجاف, كأنما لينحي الفزع الذي ابتلي به في صباحية هذا اليوم,
ثم مد يده نحو المرآة ثانية, فلمسها وقف أمامها يرنوها, فوجد مشقة
في قبول عدم مقدرته رؤية قسمات وجهه داخلها . تجمَّدَ في موقفه
كتمثال ولم يستطع حراكاً .
ثم غادر الحمام مهرولاً نحو حجرة النوم . وقف يرنو إلى مرآة الدولاب. فغدت
نظراته توحي بدهشة فاغرة فاها ،
حتى أدركه إحساس بالدوار .
فجلس فوق حافة السرير شابكاً يديه فوق رأسه. عبر نداء زوجته القادم
من الممر طبلة أذنه فأيقظه من حالة الإنجماد المستحوذة عليه صارخة به :
ــ ماذا بك يا رجل ؟ وما هذا التلَككْ . هيَّا , قُمّ واذهب إلى عملك .
لم يُجِبها .
أطلت من باب الغرفة , فرأته شارد الذهن , فبادرته مستفسرة :
ــ فهيم ............ فهيم , ماذا بك ؟ هل أنت مريض ؟
غادر الغرفة والبيت , ولم يُعِرْها أي اهتمام .
بدا فهيم في الشارع وكأنه يُحادث نفسه قائلا :
ــ أمري غريب , واغرب من الخيال ! أنا لم أشاهدَ وجهي بالمرآة ! كيف ؟
حسناً , سأترك ما حدث لي في البيت خلف ظهري , وأقف أمام واجهة
هذا المحل وأبحلق بفترينته الزجاجية , فأتيقن إن كنت أشاهد نفسي
أم لا .
كانت هناك سيدة تجول بنظرها أمام الفترينة, رمقته مستهجنة وهي
تبتعد . اقترب من الهدف, حتى كاد رأسه أن يخترق الزجاج وهو يبحلق
به . مما جعل أحد المارّة يتمتم في سرِّه قائلا:
ــ المجانين في نعيم .
ها هو لم يرى نفسه مجددا . فكمر رأسه بكَفَّيه, وأخذ ينتحب .
بدأت الأفكار تحوم داخل جمجمته وحولها , كالبعوضة التي ما فتئت تزنُّ
وتزن , حتى هبطت بمدرج صفحة وجه صاحبنا .
صفع خدَّهُ بكف يده وهو يتمتم لذاته قائلا :
ــ إذاً, فالموضوع حقيقي وليس خداع رؤية. أنا غير مرئي من خلال أي
سطح عاكس, ولن أرى نفسي بعد اليوم أبدا. ترى , هل يراني باقي خلق الله ؟
وهل اجروء على سؤال احدهم إن أنا مرئي له من خلال المرآة ؟
لا, لن افعل خشية أن لا أسلم من ألسنتهم, أو انعت بالجنون. حسناً ,
سوف أبتعد عن أي مكان يوجد به مرايا. لكنني حتماً سوف أذهب إلى
الحلاق كي احلق شعري, إن لم يكن اليوم, فغداً أو بعد غد. صالونات الحلاقة
متروسة جدرانها بالمرايا, كما وأن الحلاقين هم ملوك الثرثرة وسلاطينها. يا
فضيحتك يا فهيم, ستُصبح سيرتك على كل لسان. ماذا أفعل ؟ هل اترك
لشعري العنان ينمو ويترعرع كيفما شاء ؟ هل أطلق لحيتي وألتزم بوضع
عمامة فوق رأسي كالمشايخ ؟ لكن اللحية والعمامة لا تتوافقان مع البذلة
ورباط العنق. عندها سوف أخطر بجلباب. كيف ؟ والجميع يعرف عني
تحَرُّري من القيود الاجتماعية والدينية . سوف أبدِّلْ وأغيّر من طباعي ,
وسوف أترَدَّدْ على دور العبادة ولن أقطع فرض صلاة. وبذلك أبدو كمّنْ عرف
طريق الصَلاح وسار به . لا بل وسوف أزيد على ذلك واذهب للعمرة والحج.
ودارت هذه الأسئلة برأس فهيم فطبَّقها بحذافيرها وعاد من رحلة الحج
إنسانا آخر . بادره محبوه ومريدوه بالقول :
ــ حجٌ مبرور يا حج فهيم .
ــ عُقبالكم .
ــ أمري غريب , واغرب من الخيال ! أنا لم أشاهدَ وجهي بالمرآة ! كيف ؟
حسناً , سأترك ما حدث لي في البيت خلف ظهري , وأقف أمام واجهة
هذا المحل وأبحلق بفترينته الزجاجية , فأتيقن إن كنت أشاهد نفسي
أم لا .
كانت هناك سيدة تجول بنظرها أمام الفترينة, رمقته مستهجنة وهي
تبتعد . اقترب من الهدف, حتى كاد رأسه أن يخترق الزجاج وهو يبحلق
به . مما جعل أحد المارّة يتمتم في سرِّه قائلا:
ــ المجانين في نعيم .
ها هو لم يرى نفسه مجددا . فكمر رأسه بكَفَّيه, وأخذ ينتحب .
بدأت الأفكار تحوم داخل جمجمته وحولها , كالبعوضة التي ما فتئت تزنُّ
وتزن , حتى هبطت بمدرج صفحة وجه صاحبنا .
صفع خدَّهُ بكف يده وهو يتمتم لذاته قائلا :
ــ إذاً, فالموضوع حقيقي وليس خداع رؤية. أنا غير مرئي من خلال أي
سطح عاكس, ولن أرى نفسي بعد اليوم أبدا. ترى , هل يراني باقي خلق الله ؟
وهل اجروء على سؤال احدهم إن أنا مرئي له من خلال المرآة ؟
لا, لن افعل خشية أن لا أسلم من ألسنتهم, أو انعت بالجنون. حسناً ,
سوف أبتعد عن أي مكان يوجد به مرايا. لكنني حتماً سوف أذهب إلى
الحلاق كي احلق شعري, إن لم يكن اليوم, فغداً أو بعد غد. صالونات الحلاقة
متروسة جدرانها بالمرايا, كما وأن الحلاقين هم ملوك الثرثرة وسلاطينها. يا
فضيحتك يا فهيم, ستُصبح سيرتك على كل لسان. ماذا أفعل ؟ هل اترك
لشعري العنان ينمو ويترعرع كيفما شاء ؟ هل أطلق لحيتي وألتزم بوضع
عمامة فوق رأسي كالمشايخ ؟ لكن اللحية والعمامة لا تتوافقان مع البذلة
ورباط العنق. عندها سوف أخطر بجلباب. كيف ؟ والجميع يعرف عني
تحَرُّري من القيود الاجتماعية والدينية . سوف أبدِّلْ وأغيّر من طباعي ,
وسوف أترَدَّدْ على دور العبادة ولن أقطع فرض صلاة. وبذلك أبدو كمّنْ عرف
طريق الصَلاح وسار به . لا بل وسوف أزيد على ذلك واذهب للعمرة والحج.
ودارت هذه الأسئلة برأس فهيم فطبَّقها بحذافيرها وعاد من رحلة الحج
إنسانا آخر . بادره محبوه ومريدوه بالقول :
ــ حجٌ مبرور يا حج فهيم .
ــ عُقبالكم .
ولما آن لابنة الحاج فهيم أن تتزوج. حُدِّدَ موعد زفافها , يوم الخميس
التالي لعيد الأضحى . قرَّرَ العريس أن يقيم حفل الزفاف بأحد الفنادق
ذات النجوم الخمس. كانت الصالة بالدور الأخير من الفندق . إذاً , فلا بد
من استعمال المصعد, وبالمصعد ثلاثة مرايا. يا مَتعوسْ يا حج فهيم ,
سَيُكتشفْ أمرك لا مُحال . تراجع قليلا للوراء , وقال لمن معه وهو يتظاهر
بالنظر نحو ساعة يده :
ــ أسبقوني إلى الصالة, سألحق بكم بعد أن أجري مكالمة هاتفية.
همهم في سره قائلا :
ــ ما أسوأ حظك يا فهيم , لولا سرعة بديهتك لسَقَطُّ في المحظور .
وقف في بهو الفندق يراقب المصعد .... وعندما أيقن أنه وحيدا ولن يشاركه
أحد في خلوته . مدَّ بخطاه , فتح الباب ودخل .
وإذا بتيس يجر عنزة قائلا لها:
ــ أدخلي بسرعة يا رباب قبل أن يُقفل باب المصعد .
استسلم فهيم لقدره . انزوى في الركن البعيد وتمَسْمَرَ بمكانه , فبدا كلص
مقبوضا عليه متلبساً بسرقة انعكاس صورته داخل مرآة فاخذ يتمتم في
سره قائلا :
ــ يا ألطاف الله , مَنْ رباب هذه ؟ وكيف اقتحمتْ مصعدي كقضاء
لا فكاك منه ؟
أخْفَتْ العنزة ابتسامة استهزاء وهي تهمس بأذن تيسها .
تسائل جَزِعاً :
ــ يا تُرى ماذا تقول لهُ ؟ هل أكتشف أمري ؟
تقوقعَ كدودة قز لحظة لمسها, إلى أن توقفَ المصعد وخرجت منه العنزة
وتيسها وهي لم تزل تهمس لرفيقها ضاحكة:
ــ هل رأيت الشعشبون وكيف يتمخطر بين شعر لحيته ؟
إذاً هو الشعشبون ولا شيء آخر .
لما أيقن انه أصبح وحيدا داخل المصعد, ألقى بالتمتمة جانباً وصرخ قائلاً:
ــ كيف كنتُ سأرى الشعشبون , وأنا لا أرى نفسي أصلاً ؟
التالي لعيد الأضحى . قرَّرَ العريس أن يقيم حفل الزفاف بأحد الفنادق
ذات النجوم الخمس. كانت الصالة بالدور الأخير من الفندق . إذاً , فلا بد
من استعمال المصعد, وبالمصعد ثلاثة مرايا. يا مَتعوسْ يا حج فهيم ,
سَيُكتشفْ أمرك لا مُحال . تراجع قليلا للوراء , وقال لمن معه وهو يتظاهر
بالنظر نحو ساعة يده :
ــ أسبقوني إلى الصالة, سألحق بكم بعد أن أجري مكالمة هاتفية.
همهم في سره قائلا :
ــ ما أسوأ حظك يا فهيم , لولا سرعة بديهتك لسَقَطُّ في المحظور .
وقف في بهو الفندق يراقب المصعد .... وعندما أيقن أنه وحيدا ولن يشاركه
أحد في خلوته . مدَّ بخطاه , فتح الباب ودخل .
وإذا بتيس يجر عنزة قائلا لها:
ــ أدخلي بسرعة يا رباب قبل أن يُقفل باب المصعد .
استسلم فهيم لقدره . انزوى في الركن البعيد وتمَسْمَرَ بمكانه , فبدا كلص
مقبوضا عليه متلبساً بسرقة انعكاس صورته داخل مرآة فاخذ يتمتم في
سره قائلا :
ــ يا ألطاف الله , مَنْ رباب هذه ؟ وكيف اقتحمتْ مصعدي كقضاء
لا فكاك منه ؟
أخْفَتْ العنزة ابتسامة استهزاء وهي تهمس بأذن تيسها .
تسائل جَزِعاً :
ــ يا تُرى ماذا تقول لهُ ؟ هل أكتشف أمري ؟
تقوقعَ كدودة قز لحظة لمسها, إلى أن توقفَ المصعد وخرجت منه العنزة
وتيسها وهي لم تزل تهمس لرفيقها ضاحكة:
ــ هل رأيت الشعشبون وكيف يتمخطر بين شعر لحيته ؟
إذاً هو الشعشبون ولا شيء آخر .
لما أيقن انه أصبح وحيدا داخل المصعد, ألقى بالتمتمة جانباً وصرخ قائلاً:
ــ كيف كنتُ سأرى الشعشبون , وأنا لا أرى نفسي أصلاً ؟
دخل القاعة . كانوا بانتظاره كي يفتتح بوفيه الطعام . حيَّاهم ,
ودعاهم قائلا :
ــ تفضّلوا باسم الله .
تناثرَ المدعوون كطابات البلياردو بين الطاولات وبين الكراسي وبين الأطباق
والشُوَكْ والسكاكين. منهُمْ مَنْ رصَّ المأكولات فوق طبَقهُ , فبدت كهرم
خوفو الكبير , ومنهم مَنْ قنِعَ بهرم خفرع , والبقية الباقية من المدعوين
كان لا بُدَّ لها أن ترضى بهرم منقرع الصغير . أما صاحبنا الحاج فهيم ,
فهو من مُريدي أبو الهول , ويعشق الشوربة كما يعشقها أبو الهول نفسه ,
وله طقوس مثلُه في التعامل معها واحتسائها . وضعَ قليلاً منها في طبق
وشرعَ في لعقها, ما هي إلاّ لحظات, حتى بدأ الألم ينخس فكيّهَ
وأسنانه, ُذكِّره بأمرٍ أهمله. وأصرَّ ألم الضرس على عناده, لا بل اخذ
بالازدياد التدريجي وكأن فقاعة الهواء التي بحجرة اللب تتمدد مع سخونة
الحساء وتكاد تنفجر. عالج الموقف بقليل من الماء البارد, تمضمض به قليلا
ثم ابتلعهُ كمن يبتلع همّا. بعد زوال الألم الناتج عن تقلّص فقاعة الهواء ,
استعاد وجه الحاج فهيم نضارته . وتمتم بسره قائلا :
ــ غدا هو يوم طبيب الأسنان.
أقترب أخ العريس من الحج فهيم وقال لهُ:
ــ تفضل يا حج , توسَّطْ العروسين لألتقط لكم صورة تذكارية بكمرتي
البولارويد ذات التحميض الفوري . وارجوا أن تسمحوا لي الاحتفاظ بالصورة
كي يراها أقاربنا هناك في أمريكا, حيث أني سوف أغادر صباح الغد.
خلال دقائق كانت الصورة جاهزة .
التقط العريس الصورة من يد أخيه وأخذ يتفحصها مع عروسه, ثم قال
محذراً:
ــ يا جماعة , هناك شبه كبير بين عمي الحاج فهيم وبين أسامة ابن لادن
بهذه الصورة , ولا انصح أخي بحيازتها والاحتفاظ بها في أمريكا , لأسباب
تعرفونها .
خطف الحاج فهيم الصورة من يد زوج ابنته , وهو يهمس لذاته :
ــ أخيرا سوف أشاهد نفسي, لقد اشتقت لها , فهيّا عودي يا أيامي
الخوالي.
بَحْلقَ بالصورة جيداً حتى انه قلَّبها على وجهيها علله يجد ما يبحث عنه,
ولكن , بلا فائدة .
لم يغمض له جفن تلك الليلة . ليس من شدة الم الضرس فحسب , وإنما
من تزاحم الأفكار في رأسه . فهو لم يشاهد وجهه منذ ذاك اليوم الذي
آلمه به ضرسه , ولم يصرِّح له احد عن بشاعة منظره . إلى أن أوعز زوج
ابنته للحاضرين , أن يتبرءوا منه للشبه القائم بينه وبين المطلوب الأول
لجميع أجهزة مخابرات العالم . أدرك بعدها أن لا فائدة ترجى من بقاء
شكله على هذا النحو وكأنه ينكشُ عشاً للدبابير . قرَّر أخيرا الذهاب إلى
الحلاق ليُزيلَ عن كاهله شعر رأسه وشعر لحيته وشاربه أيضا .
ولكنه عاد يهمس لنفسه مجددا :
ــ المجازفة ما زالت موجودة, حتى ولو كانت واحد بالمليون، وهي أن أكون غير مرئيا من خلال
سطح المرآة العاكس لغيري من الناس أيضا. إذاً , فلن أجازف بذهابي للحلاق .
ودعاهم قائلا :
ــ تفضّلوا باسم الله .
تناثرَ المدعوون كطابات البلياردو بين الطاولات وبين الكراسي وبين الأطباق
والشُوَكْ والسكاكين. منهُمْ مَنْ رصَّ المأكولات فوق طبَقهُ , فبدت كهرم
خوفو الكبير , ومنهم مَنْ قنِعَ بهرم خفرع , والبقية الباقية من المدعوين
كان لا بُدَّ لها أن ترضى بهرم منقرع الصغير . أما صاحبنا الحاج فهيم ,
فهو من مُريدي أبو الهول , ويعشق الشوربة كما يعشقها أبو الهول نفسه ,
وله طقوس مثلُه في التعامل معها واحتسائها . وضعَ قليلاً منها في طبق
وشرعَ في لعقها, ما هي إلاّ لحظات, حتى بدأ الألم ينخس فكيّهَ
وأسنانه, ُذكِّره بأمرٍ أهمله. وأصرَّ ألم الضرس على عناده, لا بل اخذ
بالازدياد التدريجي وكأن فقاعة الهواء التي بحجرة اللب تتمدد مع سخونة
الحساء وتكاد تنفجر. عالج الموقف بقليل من الماء البارد, تمضمض به قليلا
ثم ابتلعهُ كمن يبتلع همّا. بعد زوال الألم الناتج عن تقلّص فقاعة الهواء ,
استعاد وجه الحاج فهيم نضارته . وتمتم بسره قائلا :
ــ غدا هو يوم طبيب الأسنان.
أقترب أخ العريس من الحج فهيم وقال لهُ:
ــ تفضل يا حج , توسَّطْ العروسين لألتقط لكم صورة تذكارية بكمرتي
البولارويد ذات التحميض الفوري . وارجوا أن تسمحوا لي الاحتفاظ بالصورة
كي يراها أقاربنا هناك في أمريكا, حيث أني سوف أغادر صباح الغد.
خلال دقائق كانت الصورة جاهزة .
التقط العريس الصورة من يد أخيه وأخذ يتفحصها مع عروسه, ثم قال
محذراً:
ــ يا جماعة , هناك شبه كبير بين عمي الحاج فهيم وبين أسامة ابن لادن
بهذه الصورة , ولا انصح أخي بحيازتها والاحتفاظ بها في أمريكا , لأسباب
تعرفونها .
خطف الحاج فهيم الصورة من يد زوج ابنته , وهو يهمس لذاته :
ــ أخيرا سوف أشاهد نفسي, لقد اشتقت لها , فهيّا عودي يا أيامي
الخوالي.
بَحْلقَ بالصورة جيداً حتى انه قلَّبها على وجهيها علله يجد ما يبحث عنه,
ولكن , بلا فائدة .
لم يغمض له جفن تلك الليلة . ليس من شدة الم الضرس فحسب , وإنما
من تزاحم الأفكار في رأسه . فهو لم يشاهد وجهه منذ ذاك اليوم الذي
آلمه به ضرسه , ولم يصرِّح له احد عن بشاعة منظره . إلى أن أوعز زوج
ابنته للحاضرين , أن يتبرءوا منه للشبه القائم بينه وبين المطلوب الأول
لجميع أجهزة مخابرات العالم . أدرك بعدها أن لا فائدة ترجى من بقاء
شكله على هذا النحو وكأنه ينكشُ عشاً للدبابير . قرَّر أخيرا الذهاب إلى
الحلاق ليُزيلَ عن كاهله شعر رأسه وشعر لحيته وشاربه أيضا .
ولكنه عاد يهمس لنفسه مجددا :
ــ المجازفة ما زالت موجودة, حتى ولو كانت واحد بالمليون، وهي أن أكون غير مرئيا من خلال
سطح المرآة العاكس لغيري من الناس أيضا. إذاً , فلن أجازف بذهابي للحلاق .
وتبَدَّتْ له السبل مقفلة, ومستحيلٌ الولوج عبرها . فتجهم دقيقة ثم
همس لنفسه ثانية :
كان حلاّقون زمان يبسِّطون فوق الأرصفة ولم يكن لديهم مرايا. أين أجد
مثل هذا الحلاق ؟ في القُرى البعيدة ؟ في مضارب البدو ؟ اممممم ؟
وجدتُها !
كانت خيامهم مضروبة على بعد كيلومترين من مزرعته الريفية الكائنة
بمنطقة الجيزة بعد المطار . في النهار تجدهم جوالون بين القرى وضواحي
العاصمة يبيعون ما تصنع أيديهم من أدوات نحاسية بسيطة , أو يبحثون عن
أرض بها كلأ لرعي مواشيهم .
وفي المساء تدب بهم الحياة رقصا وغناء وفرفشة ولا يكترثون إذا اختلى
أحد الزوار ببناتهم . هكذا حياتهم , لا يعترفون بحدود لأي شيء .
سأل صاحبنا احد عابري السبيل:
ــ أين أجد الحلاق ؟
فأجابه متسائلا :
ــ يبدو انك بحاجة شلاع السنون , أم أني على خطأ ؟
هزَّ رأسه موحياً له بصواب ظنه, ثم قال له:
ــ نعم , أنا بحاجة الاثنين معاً .
أشار بيده قائلا :
ــ هناك , قرب جدول الماء . هل ترى الشمسية البيضاء ؟ إنها لهُ .
كان هناك , قرب الموقع الذي أشار إليه الرجل مجموعة كبيرة من الناس
والغبار حولهم يحجب الرؤية .
عاد يسأل الرجل عن سبب هذا الجمع . فردَّ عليه قائلا :
ــ إنهم مجموعة من السائحين الأجانب يزورون تمثال أبو الهول الذي قامت
الحكومة المصرية بإهدائه للأردن قبل سنوات .
أصبحَ على بعد أمتار من مقر الحلاق . رأى رجلاً يجلس فوق صخرة تحت
الشمسية البيضاء وكف يده تحتضن خده.
وكان يقف خلف الرجل غلام متمنطق بطبلة كبيرة ممسكاً بعصا
لطرق الطبلة. وبالجوار , قريباً من الشط كان الحلاق مُمْسِكاً أداة معدنية
بيد , وباليد الأخرى خروف .
اقترب الحلاق من الرجل الجالس تحت الشمسية وقال له :
ــ هذا آخر خروف, سأجز صوفه وأتفرّغ لك .
غسل يديه بماء الجدول ومسحهما بمريوله الكاكي . كانت الكلاّبة بجيب
مريوله . التقطها بيده وقال للجالس :
ــ افتح فمك وأشر إلى الضرس الذي يؤلمك .
حضن الحلاق الضرس المشاغب بكلابته , وغمز بعينه للغلام كي يشرع
بقرع الطبل. لم تمر ثانية إلاّ والضرس مقلوع من جذره . الغريب بالأمر ,
أن الجدول لم يكف عن الجريان, مثلما كفَّ انسياب الدم في شرايين
صاحبنا الحاج فهيم .
لمح الحلاق الحاج فهيم وكان يرتجف جزعاً, فسأله:
ــ هل أنت خائف
أجابه بثقة مصطنعة :
ــ معاذ الله , ولكن هل تسمح لي بسؤال ؟
ــ تفضل .
ــ لماذا أشرت لغلامك بقرع الطبل, وأنت تهِمُّ بقلع الضرس ؟
ــ كي لا يسمع أحد صراخ الرجل فينفر الزبائن ويخافون مثلما خِفتْ. وحضرتك
على علم بأننا هنا لا نُخدِّر الأضراس قبل قلعها.
ــ ولكني لم أخف
ــ إذا , اشر إلى ضرسك المنخور كي اقلعه .
وبحركة لا شعوريّة وضع أصبعه فوق الضرس .
صَمَّ صوت الطبل أذنَي الحاج فهيم بينما الحلاق يحتضن الضرس بكلابته
الصدئة, ينتزعه من مكمنه وكأنه مجرم فار من وجه العدالةً.
ــ أرأيت ؟ كم هي سهلة عملية القلع ؟ وقد تخثرَ الدم بسرعة . أنظر .
مد الحلاق يده, وأعطاه شيئا يشبه المرآة.
بحلق بالمرآة وهو خالي الذهن عن حوادث ماضيهِ القريب وقال بهدوء :
ــ فعلا, لقد تخثَّرَ الدم.
وانطلقت من جوفه شرارة شك . استقام أمام المرآة يرنو بدهشة الوجه
الغريب داخلها . انتفض واقفا كمن يروم الابتعاد عن أفعى تكاد تلسع
عجيزته ثم قال وهو يتنهد في ارتياح :
ــ غير معقول ! يا لطف المولى. إني أرى نفسي بالمرآة ..
ولكنه عاد يتساءل في جزع: ــ منظري بشع ؟
اقترب منه الحلاق وسأله :
ــ هل تأذن لي بتهذيب شعر رأسك ولحيتك ؟
ــ بل أجرُدْهُما
أخذ الرجل الأداة المعدنية ذاتها التي جَزّ بها صوف الخروف, وبدأ بالثرثرة
والجرد. ثم بادره بالسؤال قائلا :
ــ يبدو أنك كنت لا ترى نفسك .
ــ وكيف عرفت ؟
فتح الحلاق علبة سجائره المعدنية , واخرج منها ورقة بفرة , وشرع في
حشوها ودكَها بالدخان النفل "الهيشي" , بللَ احد جنبيها بطرف لسانه
ولصقه بالآخر, ثم قضم احد طرفي السيجارة وبصقه وهو يقول:
ــ الشعشبون المُتمترس خلف شعر لحيتك . لو كنت ترى ؟ كنت َقوَّضتَ العش
الواهي الذي يحتمي به وذهب عنك. يبدو أنك وقعتَ في شباكه, فخدَّرك وجَدَعَ أنفكْ ، وحضرتك
غافل عمّا يحصل حولك ولك.
ــ ولكن , لماذا اختارني أنا بالذات ؟
أجابه وهو يشعل السيجارة :
ــ الشعشبون يا محترم من الحشرات التي تهوى الظُلمة والبَلادَة , لذلك
تراهُ في الأماكن المهجورة وحول البرك الآسنة . وأنت يا عزيزي, كنتَ
تُربة خصبة لهُ , حتى جرس الإنذار الذي انطلق من ضرسك المنخور ,
لم ينَبِّهَكْ كي تُصْلِحَ ما فسد, فأصاب النخر لُبّ حياتك. وها هو الضرس
أمامك, مهترئ ومتعفِّنْ وستقرضهُ الجرذان . نعيماً , هل أحضر لك المرآة
لترى نفسك بعد الحلاقة ؟
وإذ بزلزال عنيف يضرب موقع الرجلين . وتميد الأرض من تحتهما ويسقطان
قرب جدول الماء . والصخور المنحدرة من قمم الجبال المحاذية تفتك بهما .
ويغيب فهمي عن الوعي بينما ينهض الحلاق عاتلا فهمي إلى اقرب خيمة.
همس لنفسه ثانية :
كان حلاّقون زمان يبسِّطون فوق الأرصفة ولم يكن لديهم مرايا. أين أجد
مثل هذا الحلاق ؟ في القُرى البعيدة ؟ في مضارب البدو ؟ اممممم ؟
وجدتُها !
كانت خيامهم مضروبة على بعد كيلومترين من مزرعته الريفية الكائنة
بمنطقة الجيزة بعد المطار . في النهار تجدهم جوالون بين القرى وضواحي
العاصمة يبيعون ما تصنع أيديهم من أدوات نحاسية بسيطة , أو يبحثون عن
أرض بها كلأ لرعي مواشيهم .
وفي المساء تدب بهم الحياة رقصا وغناء وفرفشة ولا يكترثون إذا اختلى
أحد الزوار ببناتهم . هكذا حياتهم , لا يعترفون بحدود لأي شيء .
سأل صاحبنا احد عابري السبيل:
ــ أين أجد الحلاق ؟
فأجابه متسائلا :
ــ يبدو انك بحاجة شلاع السنون , أم أني على خطأ ؟
هزَّ رأسه موحياً له بصواب ظنه, ثم قال له:
ــ نعم , أنا بحاجة الاثنين معاً .
أشار بيده قائلا :
ــ هناك , قرب جدول الماء . هل ترى الشمسية البيضاء ؟ إنها لهُ .
كان هناك , قرب الموقع الذي أشار إليه الرجل مجموعة كبيرة من الناس
والغبار حولهم يحجب الرؤية .
عاد يسأل الرجل عن سبب هذا الجمع . فردَّ عليه قائلا :
ــ إنهم مجموعة من السائحين الأجانب يزورون تمثال أبو الهول الذي قامت
الحكومة المصرية بإهدائه للأردن قبل سنوات .
أصبحَ على بعد أمتار من مقر الحلاق . رأى رجلاً يجلس فوق صخرة تحت
الشمسية البيضاء وكف يده تحتضن خده.
وكان يقف خلف الرجل غلام متمنطق بطبلة كبيرة ممسكاً بعصا
لطرق الطبلة. وبالجوار , قريباً من الشط كان الحلاق مُمْسِكاً أداة معدنية
بيد , وباليد الأخرى خروف .
اقترب الحلاق من الرجل الجالس تحت الشمسية وقال له :
ــ هذا آخر خروف, سأجز صوفه وأتفرّغ لك .
غسل يديه بماء الجدول ومسحهما بمريوله الكاكي . كانت الكلاّبة بجيب
مريوله . التقطها بيده وقال للجالس :
ــ افتح فمك وأشر إلى الضرس الذي يؤلمك .
حضن الحلاق الضرس المشاغب بكلابته , وغمز بعينه للغلام كي يشرع
بقرع الطبل. لم تمر ثانية إلاّ والضرس مقلوع من جذره . الغريب بالأمر ,
أن الجدول لم يكف عن الجريان, مثلما كفَّ انسياب الدم في شرايين
صاحبنا الحاج فهيم .
لمح الحلاق الحاج فهيم وكان يرتجف جزعاً, فسأله:
ــ هل أنت خائف
أجابه بثقة مصطنعة :
ــ معاذ الله , ولكن هل تسمح لي بسؤال ؟
ــ تفضل .
ــ لماذا أشرت لغلامك بقرع الطبل, وأنت تهِمُّ بقلع الضرس ؟
ــ كي لا يسمع أحد صراخ الرجل فينفر الزبائن ويخافون مثلما خِفتْ. وحضرتك
على علم بأننا هنا لا نُخدِّر الأضراس قبل قلعها.
ــ ولكني لم أخف
ــ إذا , اشر إلى ضرسك المنخور كي اقلعه .
وبحركة لا شعوريّة وضع أصبعه فوق الضرس .
صَمَّ صوت الطبل أذنَي الحاج فهيم بينما الحلاق يحتضن الضرس بكلابته
الصدئة, ينتزعه من مكمنه وكأنه مجرم فار من وجه العدالةً.
ــ أرأيت ؟ كم هي سهلة عملية القلع ؟ وقد تخثرَ الدم بسرعة . أنظر .
مد الحلاق يده, وأعطاه شيئا يشبه المرآة.
بحلق بالمرآة وهو خالي الذهن عن حوادث ماضيهِ القريب وقال بهدوء :
ــ فعلا, لقد تخثَّرَ الدم.
وانطلقت من جوفه شرارة شك . استقام أمام المرآة يرنو بدهشة الوجه
الغريب داخلها . انتفض واقفا كمن يروم الابتعاد عن أفعى تكاد تلسع
عجيزته ثم قال وهو يتنهد في ارتياح :
ــ غير معقول ! يا لطف المولى. إني أرى نفسي بالمرآة ..
ولكنه عاد يتساءل في جزع: ــ منظري بشع ؟
اقترب منه الحلاق وسأله :
ــ هل تأذن لي بتهذيب شعر رأسك ولحيتك ؟
ــ بل أجرُدْهُما
أخذ الرجل الأداة المعدنية ذاتها التي جَزّ بها صوف الخروف, وبدأ بالثرثرة
والجرد. ثم بادره بالسؤال قائلا :
ــ يبدو أنك كنت لا ترى نفسك .
ــ وكيف عرفت ؟
فتح الحلاق علبة سجائره المعدنية , واخرج منها ورقة بفرة , وشرع في
حشوها ودكَها بالدخان النفل "الهيشي" , بللَ احد جنبيها بطرف لسانه
ولصقه بالآخر, ثم قضم احد طرفي السيجارة وبصقه وهو يقول:
ــ الشعشبون المُتمترس خلف شعر لحيتك . لو كنت ترى ؟ كنت َقوَّضتَ العش
الواهي الذي يحتمي به وذهب عنك. يبدو أنك وقعتَ في شباكه, فخدَّرك وجَدَعَ أنفكْ ، وحضرتك
غافل عمّا يحصل حولك ولك.
ــ ولكن , لماذا اختارني أنا بالذات ؟
أجابه وهو يشعل السيجارة :
ــ الشعشبون يا محترم من الحشرات التي تهوى الظُلمة والبَلادَة , لذلك
تراهُ في الأماكن المهجورة وحول البرك الآسنة . وأنت يا عزيزي, كنتَ
تُربة خصبة لهُ , حتى جرس الإنذار الذي انطلق من ضرسك المنخور ,
لم ينَبِّهَكْ كي تُصْلِحَ ما فسد, فأصاب النخر لُبّ حياتك. وها هو الضرس
أمامك, مهترئ ومتعفِّنْ وستقرضهُ الجرذان . نعيماً , هل أحضر لك المرآة
لترى نفسك بعد الحلاقة ؟
وإذ بزلزال عنيف يضرب موقع الرجلين . وتميد الأرض من تحتهما ويسقطان
قرب جدول الماء . والصخور المنحدرة من قمم الجبال المحاذية تفتك بهما .
ويغيب فهمي عن الوعي بينما ينهض الحلاق عاتلا فهمي إلى اقرب خيمة.
في يوم من الأيام بينما كان الحلاق يحلق ذقن فهمي ويهذب شعره ناوله
المرآة كي يرى نفسه بعد الحلاقة .
كاد فهمي أن يطير من الفرح وهو يرنو منظره بالمرآة :
ــ الله ينعم عليك . لقد جعلت مني جوهرة ! سلمت يداك .
أخذ فهمي يبحث بجيوبه عن محفظته كي ينفح الرجل إكرامية قلع الضرس
وإكرامية الحلاقة . حين أيقن أنها ليست بحوزته . قال للحلاق هامسا :
ــ يبدو أن محفظتي قد سقطت في مكان ما , أو أن ابن حلال قام بالسطو
عليها . على كل حال اطمئن تعبك لن يذهب سدى . سأعود بعد يومين
وإكراميتك عندي , لا تقلق .
لم يكن يدري انه قد عاش في ظل ورعاية الحلاق مدة أربع سنوات فاقدا
فيها الوعي . ولم يشأ الحلاق أيضا إخباره . فأجابه قائلا :
ــ لا تقلق . المهم أن تذهب الآن إلى بيتك وأهل بيتك. من المؤكد أنهم
باشتياق لك .
مد الحلاق يده يصافح فهمي, وبها مبلغا من الفلوس قائلا له:
ــ خذ, هذا مبلغ بسيط, تدبر أمرك لحين ميسرة.
المرآة كي يرى نفسه بعد الحلاقة .
كاد فهمي أن يطير من الفرح وهو يرنو منظره بالمرآة :
ــ الله ينعم عليك . لقد جعلت مني جوهرة ! سلمت يداك .
أخذ فهمي يبحث بجيوبه عن محفظته كي ينفح الرجل إكرامية قلع الضرس
وإكرامية الحلاقة . حين أيقن أنها ليست بحوزته . قال للحلاق هامسا :
ــ يبدو أن محفظتي قد سقطت في مكان ما , أو أن ابن حلال قام بالسطو
عليها . على كل حال اطمئن تعبك لن يذهب سدى . سأعود بعد يومين
وإكراميتك عندي , لا تقلق .
لم يكن يدري انه قد عاش في ظل ورعاية الحلاق مدة أربع سنوات فاقدا
فيها الوعي . ولم يشأ الحلاق أيضا إخباره . فأجابه قائلا :
ــ لا تقلق . المهم أن تذهب الآن إلى بيتك وأهل بيتك. من المؤكد أنهم
باشتياق لك .
مد الحلاق يده يصافح فهمي, وبها مبلغا من الفلوس قائلا له:
ــ خذ, هذا مبلغ بسيط, تدبر أمرك لحين ميسرة.
بطريق عودته, تناهى إلى أذنيه صوت احدهم يقول لرفيقه وهما بطريقهما
إلى الحلاق :
ــ ألا تريدني أن أكون كأخيك ؟ لا تضطرني إلى تغيير معاملتي لك .كما ترى ,
الحياة مستحيلة إن كنت لا تبصر. ربما تحيد عن الصواب في يوم من الأيام . فكيف
ستُقوِّم ذاتك يا صديقي إن لم تكن ترى نفسك على حقيقتها ؟ واعلم أن الله من
هنا يرى كل شي ويروز كل فعل .
أجابهُ الآخر :
ــ صدقت يا أخي, وأعدك بتصويب خُطاي بعد قلع هذا الضرس الملعون
الذي طيَّرَ صوابي . فكل شيء يهون بالقياس إلى عذابي من ألمه .
إلى الحلاق :
ــ ألا تريدني أن أكون كأخيك ؟ لا تضطرني إلى تغيير معاملتي لك .كما ترى ,
الحياة مستحيلة إن كنت لا تبصر. ربما تحيد عن الصواب في يوم من الأيام . فكيف
ستُقوِّم ذاتك يا صديقي إن لم تكن ترى نفسك على حقيقتها ؟ واعلم أن الله من
هنا يرى كل شي ويروز كل فعل .
أجابهُ الآخر :
ــ صدقت يا أخي, وأعدك بتصويب خُطاي بعد قلع هذا الضرس الملعون
الذي طيَّرَ صوابي . فكل شيء يهون بالقياس إلى عذابي من ألمه .
تابع فهيم سيره منتصبَ القامة نحو منزله . وقف أمام واجهة احد المحلات
تفقَّدَ شكله . ثم همس باسماً :
ــ لمَ لا ارتدي ملابس جديدة ؟
اختار بذلة وقميص وربطة عنق شبابية ودخل غرفة القياس . خلع عن بدنه
الجلباب والعمة وألقى بهما في سلة المهملات.
خرج من الغرفة إنسانا آخر غير الذي دخل وكأنه عاد للوراء سنوات .
تفقد سلسلة مفاتيحه بينما كان واقفا أمام باب منزله. عندما لم يجدها
أدرك انه قد ألقى بها مع هلاهيله القديمة. نقر الباب بإصبعه ثلاث نقرات
متتالية كعادته , وانتظر وهو يهمس بصوت خافت :
ــ هل ستعرفني زوجتي بعد كل هذه التعديلات التي طرأت على شكلي ؟
أم ستتغشم علي وتصفق الباب في وجهي ؟
فتحت المرأة الباب وقالت مستندة إلى الجدار :
ــ نعم , ماذا تريد ؟
ابتسم لها متوددا وهو يهم بالدخول :
ــ محسوبك فهيم . زوجك .
صرخت في وجهه وهي تعيد غلق الباب:
ــ على رسلك يا رجل . أليس للبيوت حرمة ؟
قاوم فهيم إغلاق الباب بقدمه, وتدفق من فيه سيلا من التوسلات.
فحدجته المرأة بنظر حاد وسألته :
ــ وماذا عاد بك بعد هذه الغيبة الطويلة ؟
وإذا بضوء النهار يحتجبُ خلفَ رجل قادم من غرفة النوم فبدا بطول وعرض
خزنة البتراء الرابضة بوادي موسى .
اعترض الرجل الموقف ما بين المرأة والطارق وقال بصرامة:
ــ لطول غيبتك , وفقدان أثرك بعد الزلزال المدمر الذي ضرب منطقتنا .
تقدمتُ لهذه المرأة طالبا الزواج منها على سنة الله ورسوله. والآن ,
تفضَّلْ انصرف من هنا قبل أن أجعل من رأسك كرة يتقاذفها أولاد الحي.
تقهقر فهيم للوراء ثم قال باحتجاج :
ــ ولكني لم أغب عن البيت سوى ساعات.
وانضم إلى الحشد طفل بعمر أربع سنين . حافي القدمين , اقترب من
المرأة وامسك بتلابيب ثوبها يشدها للخلف.
وفي لحظة من لحظات اليأس سأل فهيم المرأة مخترقا بُنيانها قائلا
بسخرية وهو يشير للطفل :
ــ من هذا الطفل يا سلمى ؟
ــ انه حفيدك . ابن ابنتك .
واخذ بصره في الزوغان وبدت الجدران من حوله تهتز, فأسند ظهره إلى
حافة الباب . وود لو تنشق الأرض وتبلعه.
تناهى إلى سمعه صوت مذيع نشرة الأخبار الآتي من التلفاز الذي بحجرة
الصالون . فبدا كفحيح الأفاعي وهو يتلو النشرة :
ــ بعد انحسار العاصفة الرملية . ظَهَرَ اليوم فوق صحراء الجنوب بالجيزة
تمثال أبو الهول , الذي انطمر واختفى من جراء الزلزال المدمر الذي ضرب
المنطقة قبل أربع سنوات .
تفقَّدَ شكله . ثم همس باسماً :
ــ لمَ لا ارتدي ملابس جديدة ؟
اختار بذلة وقميص وربطة عنق شبابية ودخل غرفة القياس . خلع عن بدنه
الجلباب والعمة وألقى بهما في سلة المهملات.
خرج من الغرفة إنسانا آخر غير الذي دخل وكأنه عاد للوراء سنوات .
تفقد سلسلة مفاتيحه بينما كان واقفا أمام باب منزله. عندما لم يجدها
أدرك انه قد ألقى بها مع هلاهيله القديمة. نقر الباب بإصبعه ثلاث نقرات
متتالية كعادته , وانتظر وهو يهمس بصوت خافت :
ــ هل ستعرفني زوجتي بعد كل هذه التعديلات التي طرأت على شكلي ؟
أم ستتغشم علي وتصفق الباب في وجهي ؟
فتحت المرأة الباب وقالت مستندة إلى الجدار :
ــ نعم , ماذا تريد ؟
ابتسم لها متوددا وهو يهم بالدخول :
ــ محسوبك فهيم . زوجك .
صرخت في وجهه وهي تعيد غلق الباب:
ــ على رسلك يا رجل . أليس للبيوت حرمة ؟
قاوم فهيم إغلاق الباب بقدمه, وتدفق من فيه سيلا من التوسلات.
فحدجته المرأة بنظر حاد وسألته :
ــ وماذا عاد بك بعد هذه الغيبة الطويلة ؟
وإذا بضوء النهار يحتجبُ خلفَ رجل قادم من غرفة النوم فبدا بطول وعرض
خزنة البتراء الرابضة بوادي موسى .
اعترض الرجل الموقف ما بين المرأة والطارق وقال بصرامة:
ــ لطول غيبتك , وفقدان أثرك بعد الزلزال المدمر الذي ضرب منطقتنا .
تقدمتُ لهذه المرأة طالبا الزواج منها على سنة الله ورسوله. والآن ,
تفضَّلْ انصرف من هنا قبل أن أجعل من رأسك كرة يتقاذفها أولاد الحي.
تقهقر فهيم للوراء ثم قال باحتجاج :
ــ ولكني لم أغب عن البيت سوى ساعات.
وانضم إلى الحشد طفل بعمر أربع سنين . حافي القدمين , اقترب من
المرأة وامسك بتلابيب ثوبها يشدها للخلف.
وفي لحظة من لحظات اليأس سأل فهيم المرأة مخترقا بُنيانها قائلا
بسخرية وهو يشير للطفل :
ــ من هذا الطفل يا سلمى ؟
ــ انه حفيدك . ابن ابنتك .
واخذ بصره في الزوغان وبدت الجدران من حوله تهتز, فأسند ظهره إلى
حافة الباب . وود لو تنشق الأرض وتبلعه.
تناهى إلى سمعه صوت مذيع نشرة الأخبار الآتي من التلفاز الذي بحجرة
الصالون . فبدا كفحيح الأفاعي وهو يتلو النشرة :
ــ بعد انحسار العاصفة الرملية . ظَهَرَ اليوم فوق صحراء الجنوب بالجيزة
تمثال أبو الهول , الذي انطمر واختفى من جراء الزلزال المدمر الذي ضرب
المنطقة قبل أربع سنوات .
منذ ذلك اليوم والعالم قد ألِفَ اختفاء أبو الهول الذي كان هدية شعب مصر
للأردن . لكنه قد عاد , وها هو الآن قابعٌ بموقعه في منطقة الجيزة .
توالت الفصول الأربع ، ومرّت الأيام كئيبة لاحتباس المطر .
والحاج فهيم ينحدر في دروب العزلة ، يفتقد ربيع أيامه وصيفها والشتاء
وكأن الخريف بات له ملاذا .
للأردن . لكنه قد عاد , وها هو الآن قابعٌ بموقعه في منطقة الجيزة .
توالت الفصول الأربع ، ومرّت الأيام كئيبة لاحتباس المطر .
والحاج فهيم ينحدر في دروب العزلة ، يفتقد ربيع أيامه وصيفها والشتاء
وكأن الخريف بات له ملاذا .
ذات مساء , اقترب رجل من تمثال أبو الهول , كان يرتدي جلبابا قذرا , أما
رأسه فبدا عاريا مشعث الشعر وغزير حتى أسفل ذقنه . وكان متعبا
لدرجة الإنهاك حين وصل مبتغاه . وانهار تحت قدمي التمثال في غيبوبة .
رأسه فبدا عاريا مشعث الشعر وغزير حتى أسفل ذقنه . وكان متعبا
لدرجة الإنهاك حين وصل مبتغاه . وانهار تحت قدمي التمثال في غيبوبة .
تعليق