خبر رحيله الهادئ خطف اهتمام المثقفين من صخب السياسة
سيد البيد .. محمد الثبيتي يرحل تاركا تراثا أدبيا مميزا في ذاكرة الثقافة

هيثم السيد من الرياض
في الوقت الذي كانت الأحداث السياسية في تونس تسيطر على جُلّ اهتمام المتابعة الإعلامية، تغيرت وجهة الاهتمام نحو الداخل سريعا حينما تلقى المشهد الثقافي عبر وسائل الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي، خبر وفاة الشاعر السعودي محمد الثبيتي في مكة المكرمة عن عمر يناهز 60 عاما بعد أزمة صحية وغيبوبة استمرت قرابة العامين على إثر تعرضه لجلطة في مارس من العام 2009، حيث تم نقله لتلقي الرعاية الطبية في وقت لاحق إلى المستشفى التخصصي في جدة، ثم إلى مدينة سلطان بن عبد العزيز للخدمات الإنسانية قبل أن يعود إلى مكة المكرمة. المستجد الصحي الذي عاشه الوسط الثقافي تفاصيله لحظة بلحظة، أعاد إلى الأذهان أن الثبيتي هو الحالة الخاصة في الشعر السعودي، فقد كان مميزا بجملته الشعرية التي تصنع طابعها وتكوينها المتفرد عبر أسلوب سهل ممتنع يتقاطع مع الرؤية العميقة التي لا تنعزل عن اشتراطات القصيدة الحديثة، ويتماس مع الفلسفة التي لا ينقصها الاشتغال الهادئ على بناء الفكرة وفتح مساحات الاكتشاف داخل الفضاء الفني للنص، ولربما كانت براعة الثبيتي في جزء منها مرتبطة بتصوره الشعري غير القابل للانضواء ضمن التصنيفات الافتراضية لمدارس واتجاهات القصيدة ضمن مرحلة وأخرى، وتماما كما نجح في خلق نسيج يتواءم على نحو لافت بين المشروع الجديد والحس التراثي، كان ناجحا في كتابة النص الذي يحتفي بالشكل البديعي والمضمون الرؤيوي في بيئة إيقاعية ولغوية لا يثقلها التكلف ولا تنزاح باتجاه الهاجس الجمالي المحض، لكنها تنحاز دائما إلى بناء القصيدة/ المرحلة - إن صحت تسميتها؛ ولهذا كان القارئ يعجب بنص الثبيتي، سواء فهم النص بوصفه المتعة الفنية أو الرؤية البصرية أو حتى باعتباره الحدث الثقافي الذي يمكن الاستدلال من خلاله على مستجدات حقبة أدبية كاملة. أدبيات قصائد محمد الثبيتي الشهيرة تظل أشبه بالثيمات التي ترسخت في الذاكرة الإبداعية المحلية، عبارة مثل ''أدر مهجة الصبح صب لنا وطنا في الكؤوس'' تتبادر بديهيا على اللسان والذاكرة، فضلا عن أن أعماله الشهيرة ''التضاريس'' و''تهجيت حلما'' و''بوابة الريح'' وغيرها مثلت في مجملها تجربة بنى عليها النقاد قراءتهم واستنتاجهم لمراحل تطور الحركة الشعرية السعودية، بل إن كثيرا منهم ذهب إلى أن الثبيتي هو النموذج الشعري الذي يمكن ربط اسمه بالمملكة، في حال تم ربط نزار بسورية ودرويش بفلسطين. وقد شهدت الفترة الأخيرة اهتماما لافتا بمشروع الثبيتي الأدبي، ولا سيما وهو المشروع الذي يتفق عليه الجميع، وقد شكل وضعه الصحي مدعاة لمزيد من اهتمام المشهد الثقافي بدءا من الوزير الدكتور عبد العزيز خوجة الذي ظل يتابع حالته، بجانب مختلف فئات المثقفين والمبدعين والأدباء والإعلاميين وغيرهم، طالبوا جميعا بإيجاد آلية تمنح الشخصيات الأدبية ذات الإسهام البارز ما تستحقه من رعاية على المستويات المعيشية والصحية والاجتماعية كافة.. كما شهدت هذه الفترة ارتفاعا ملحوظا في حجم الإقبال الكبيرة على قراءة المجموعة الكاملة لمحمد الثبيتي وديوانه الصوتي الصادرين على نادي حائل الأدبي، وهو ما وضعهما في مقدمة أكثر الكتب مبيعا في معرض الكتاب الماضي، في حين أصبح موضوعا لندوات ثقافية تكريمية سلطت الضوء على منجزه، وكذلك باتت قصيدته حاضرة حتى في الأعمال الفنية والأدبية المختلفة من مسرح وتشكيل وقصة.

ولد محمد عواض الثبيتي عام 1952 في منطقة الطائف، وحصل على بكالوريوس في علم الاجتماع، وعمل في التعليم. وبدأ نظم الشعر وعمره 16 عاما، وظل ممزوجا بروح بدوية؛ مما أكسب قصائده نكهة تبلورت في عدم تخلي قصيدته عن الموسيقى والقافية، حتى عندما انتقل إلى كتابة قصيدة التفعيلة. وظلّ على تواصل مع الحركة الشعرية والثقافية في الوقت الذي التي عاش فيه من يوصفون بشعراء حداثة الثمانينات فترة من الانعزال. حصل الثبيتي على عدد من الجوائز، منها جائزة نادي جدة الثقافي عام 1991 عن ديوان ''التضاريس''، وجائزة اللوتس في الإبداع عن الديوان نفسه، وجائزة أفضل قصيدة في الدورة السابعة لمؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري عام 2000، عن قصيدة ''موقف الرمال.. موقف الجناس''، وجائزة ولقب ''شاعر عكاظ'' عام 2007 في حفل تدشين فعاليات مهرجان سوق عكاظ التاريخي الأول، وقد قام نادي حائل الأدبي أخيرا بطباعة كامل أعماله الأدبية. المثقفون الذين كانوا يستعذبون تسميته بألقاب مستوحاة من نصوصه، ولعل أشهرها ''سيد البيد''، عبروا عن حالات تأثرهم العميق عبر عبارات مقتضبة جاءت مباشرة بعد لحظة تلقي الخبر فقال الشاعر عيد الخميسي عنه: ''لقد صنع تاريخا شعريا للجمال، للصحراء، للوطن، هو الشاعر الأنبل والأعف، الذي لم يكتب سوى القصيدة ولم يورث سوى الجمال''، وأضاف: ''الثبيتي صنع بصوته المتفرد تاريخا للقصيدة في الجزيرة العربية، دفع بشعراء، ونقاد وكتاب وحمى ثقافية إلى أقصى حدود الممكن...غنى غناءه الساطع ومضى''. صديقه الشاعر خالد قماش، الذي كان قريبا منه في مختلف فترات مرضه: ''عزاؤنا فيه كبير.. ومصابنا جلل؛ فهو فقيد الوطن والشعر والإنسان''، فيما علقت القاصة والروائية ليلى الأحيدب بقولها: ''رحم الله الثبيتي... سيظل خالدا بنهر الشعر الذي لا زال يجري وما خطه من نبوءات الرمل سيظل مغروسا في ضمائرنا''، وقال الكاتب المسرحي عبد العزيز السماعيل: ''من نعزي في هذا الفقيد .. وأي فقْدٍ سينالنا من غيابه؟.. لك الله يا محمد.. علوت بنا وأبهجتنا في حضورك وآلمتنا كثيرا كثيرا في غيابك.. لك الله ولنا حزنك الغريب''، فيما فضّل كثير من محبيه الاكتفاء بالدعاء له، في الوقت الذي لم يجدوا فيه تعبيرا مناسبا ينصف شعورهم حيال رحيله.
سيد البيد .. محمد الثبيتي يرحل تاركا تراثا أدبيا مميزا في ذاكرة الثقافة

هيثم السيد من الرياض
في الوقت الذي كانت الأحداث السياسية في تونس تسيطر على جُلّ اهتمام المتابعة الإعلامية، تغيرت وجهة الاهتمام نحو الداخل سريعا حينما تلقى المشهد الثقافي عبر وسائل الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي، خبر وفاة الشاعر السعودي محمد الثبيتي في مكة المكرمة عن عمر يناهز 60 عاما بعد أزمة صحية وغيبوبة استمرت قرابة العامين على إثر تعرضه لجلطة في مارس من العام 2009، حيث تم نقله لتلقي الرعاية الطبية في وقت لاحق إلى المستشفى التخصصي في جدة، ثم إلى مدينة سلطان بن عبد العزيز للخدمات الإنسانية قبل أن يعود إلى مكة المكرمة. المستجد الصحي الذي عاشه الوسط الثقافي تفاصيله لحظة بلحظة، أعاد إلى الأذهان أن الثبيتي هو الحالة الخاصة في الشعر السعودي، فقد كان مميزا بجملته الشعرية التي تصنع طابعها وتكوينها المتفرد عبر أسلوب سهل ممتنع يتقاطع مع الرؤية العميقة التي لا تنعزل عن اشتراطات القصيدة الحديثة، ويتماس مع الفلسفة التي لا ينقصها الاشتغال الهادئ على بناء الفكرة وفتح مساحات الاكتشاف داخل الفضاء الفني للنص، ولربما كانت براعة الثبيتي في جزء منها مرتبطة بتصوره الشعري غير القابل للانضواء ضمن التصنيفات الافتراضية لمدارس واتجاهات القصيدة ضمن مرحلة وأخرى، وتماما كما نجح في خلق نسيج يتواءم على نحو لافت بين المشروع الجديد والحس التراثي، كان ناجحا في كتابة النص الذي يحتفي بالشكل البديعي والمضمون الرؤيوي في بيئة إيقاعية ولغوية لا يثقلها التكلف ولا تنزاح باتجاه الهاجس الجمالي المحض، لكنها تنحاز دائما إلى بناء القصيدة/ المرحلة - إن صحت تسميتها؛ ولهذا كان القارئ يعجب بنص الثبيتي، سواء فهم النص بوصفه المتعة الفنية أو الرؤية البصرية أو حتى باعتباره الحدث الثقافي الذي يمكن الاستدلال من خلاله على مستجدات حقبة أدبية كاملة. أدبيات قصائد محمد الثبيتي الشهيرة تظل أشبه بالثيمات التي ترسخت في الذاكرة الإبداعية المحلية، عبارة مثل ''أدر مهجة الصبح صب لنا وطنا في الكؤوس'' تتبادر بديهيا على اللسان والذاكرة، فضلا عن أن أعماله الشهيرة ''التضاريس'' و''تهجيت حلما'' و''بوابة الريح'' وغيرها مثلت في مجملها تجربة بنى عليها النقاد قراءتهم واستنتاجهم لمراحل تطور الحركة الشعرية السعودية، بل إن كثيرا منهم ذهب إلى أن الثبيتي هو النموذج الشعري الذي يمكن ربط اسمه بالمملكة، في حال تم ربط نزار بسورية ودرويش بفلسطين. وقد شهدت الفترة الأخيرة اهتماما لافتا بمشروع الثبيتي الأدبي، ولا سيما وهو المشروع الذي يتفق عليه الجميع، وقد شكل وضعه الصحي مدعاة لمزيد من اهتمام المشهد الثقافي بدءا من الوزير الدكتور عبد العزيز خوجة الذي ظل يتابع حالته، بجانب مختلف فئات المثقفين والمبدعين والأدباء والإعلاميين وغيرهم، طالبوا جميعا بإيجاد آلية تمنح الشخصيات الأدبية ذات الإسهام البارز ما تستحقه من رعاية على المستويات المعيشية والصحية والاجتماعية كافة.. كما شهدت هذه الفترة ارتفاعا ملحوظا في حجم الإقبال الكبيرة على قراءة المجموعة الكاملة لمحمد الثبيتي وديوانه الصوتي الصادرين على نادي حائل الأدبي، وهو ما وضعهما في مقدمة أكثر الكتب مبيعا في معرض الكتاب الماضي، في حين أصبح موضوعا لندوات ثقافية تكريمية سلطت الضوء على منجزه، وكذلك باتت قصيدته حاضرة حتى في الأعمال الفنية والأدبية المختلفة من مسرح وتشكيل وقصة.

ولد محمد عواض الثبيتي عام 1952 في منطقة الطائف، وحصل على بكالوريوس في علم الاجتماع، وعمل في التعليم. وبدأ نظم الشعر وعمره 16 عاما، وظل ممزوجا بروح بدوية؛ مما أكسب قصائده نكهة تبلورت في عدم تخلي قصيدته عن الموسيقى والقافية، حتى عندما انتقل إلى كتابة قصيدة التفعيلة. وظلّ على تواصل مع الحركة الشعرية والثقافية في الوقت الذي التي عاش فيه من يوصفون بشعراء حداثة الثمانينات فترة من الانعزال. حصل الثبيتي على عدد من الجوائز، منها جائزة نادي جدة الثقافي عام 1991 عن ديوان ''التضاريس''، وجائزة اللوتس في الإبداع عن الديوان نفسه، وجائزة أفضل قصيدة في الدورة السابعة لمؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري عام 2000، عن قصيدة ''موقف الرمال.. موقف الجناس''، وجائزة ولقب ''شاعر عكاظ'' عام 2007 في حفل تدشين فعاليات مهرجان سوق عكاظ التاريخي الأول، وقد قام نادي حائل الأدبي أخيرا بطباعة كامل أعماله الأدبية. المثقفون الذين كانوا يستعذبون تسميته بألقاب مستوحاة من نصوصه، ولعل أشهرها ''سيد البيد''، عبروا عن حالات تأثرهم العميق عبر عبارات مقتضبة جاءت مباشرة بعد لحظة تلقي الخبر فقال الشاعر عيد الخميسي عنه: ''لقد صنع تاريخا شعريا للجمال، للصحراء، للوطن، هو الشاعر الأنبل والأعف، الذي لم يكتب سوى القصيدة ولم يورث سوى الجمال''، وأضاف: ''الثبيتي صنع بصوته المتفرد تاريخا للقصيدة في الجزيرة العربية، دفع بشعراء، ونقاد وكتاب وحمى ثقافية إلى أقصى حدود الممكن...غنى غناءه الساطع ومضى''. صديقه الشاعر خالد قماش، الذي كان قريبا منه في مختلف فترات مرضه: ''عزاؤنا فيه كبير.. ومصابنا جلل؛ فهو فقيد الوطن والشعر والإنسان''، فيما علقت القاصة والروائية ليلى الأحيدب بقولها: ''رحم الله الثبيتي... سيظل خالدا بنهر الشعر الذي لا زال يجري وما خطه من نبوءات الرمل سيظل مغروسا في ضمائرنا''، وقال الكاتب المسرحي عبد العزيز السماعيل: ''من نعزي في هذا الفقيد .. وأي فقْدٍ سينالنا من غيابه؟.. لك الله يا محمد.. علوت بنا وأبهجتنا في حضورك وآلمتنا كثيرا كثيرا في غيابك.. لك الله ولنا حزنك الغريب''، فيما فضّل كثير من محبيه الاكتفاء بالدعاء له، في الوقت الذي لم يجدوا فيه تعبيرا مناسبا ينصف شعورهم حيال رحيله.