حين جلستُ أمام جهاز الكمبيوتر لم يخطر ببالي ما حدث ، لم أفكِّر للحظةٍ في ذلك ... لكنَّه وقَعَ ... وها أنا ذا أبحث كالمجنون في كلِّ مكانٍ ... كمن يبحث عن قطرةِ ماءٍ في محيطْ لا نهائي ... وكلَّما بحثت أكثر ... كلَّما عرفت استحالة ما أسعى إليه ... ووهنتِ قدرتي على الاستمرار ...
البداية :
عندما ألقيت نظراتي على سطورِ رسالتها على صفحة البريد الالكتروني ، شعرت بأناملها تُداعبُ خيالي ... تُشاكسني ... تحاول اجتذابي إليها بسحرها الملهم ... رأيت شفتيها تقولان لي : " منذ زمنٍ بعيدٍ وأنا أنظر في وجوه كلِّ رجالِ العالمِ بحثاً عنك ... فلم أجدُ هذا الرجل الفريد إلاَّ عندك أنتَ ... في صورتك الباهتة ... الشاحبة ... المختبئة خلف سكونها في عالم الإنترنت الواسع ... أريدك أن تصبح صديقاً لي ... " ...
و دونما أن أشعر امتدت أصابعي إلى لوحة المفاتيح لتحفر أولى رسائلي إليها : " نعم أقبل صداقتكِ ... " ...
بعد ذلك :
شغلني أمرها لعدِّة أيَّامٍ متتالية ، كنت أفتح خلالها صندوق بريدي الالكتروني بنشوةٍ بالغةٍ ، لعلي أجد ردَّاً منها ... وفي اليوم الرابع كان موعدي معها ، انتابني شعورُُ بالبهجة لمطالعة رسالتها تطلّ عليَّ من عالمها البعيد ... فتحت الرسالة ... رحت التهم سطورها التهاماً ... قالت لي إنَّها تبحث عن ذلك الشريك الغائب ؛ ذلك الإنسان الذي طالما حلمت به ... كاد قلبي أن يحتضن كلماتها الدافئة ... الآسـرة ... وعندما بلغتِ عينيَّ تلك الكلمات : " فأنا لم ألتقِ من قبل بهذا الإنسان الذي يوافق كلّ أحلامي... ويُرضي طموحي ... فأنا لا أبحث عن مغامرة أو مجرد نزوة عابرة ، وإنَّما أبحث عن هذا الإنسان فيك ... " ... شعرت بمسٍّ سِحري يسـري في عروقي ... يُدغدغني ... إذْ لم أسمع مثل تلك الكلمات الساحرة قبل ذلك ... يا لها من أنثى ! ... ورحت أكمل التهام كلماتها بنظراتي التي تستبق أحرفها : " ... لقد استطعت تكوين رأيي فيك من صورتك ... تبدو لطيفاً وساحراً ... وكليِّ ثقةً من أنَّك التقيت بالكثيراتِ غيري ، لكن أرجو أن تصدقني إن قلت أني لا أهدف إلى إغرائك رغم اجتذابك لي ... حقيقة أنا أعشق تدليل شريكي وغوايـته ... لكني مؤمنة بوجود الحب الحقيقي ... الحب الذي تشعله العاطفة الملتهبة وتُوقظه جّذوة الشوق ... " ...
همست أسائل نفسي بدهشةٍ ورغبة في التصديق :
- أيعقل ذلك ؟! ... أيمكن لفتاة بمثل هذا الجمال وتلك الأنوثة الفاتنة أن تُحبّ شخصاً مثلي دونما أن تراه ؟! ...
فكان صوت نفسي يُجيبني من فرطِ لهفته :
- ولِمَ لا ؟ رُبَّما أن القدر أرد أن يجمع بينكما ...
كان عقلي يرتطم بجدار رأسي غارقاً في مناقشاته السقيمة ... بينما عيناي تتبعان قلبي الملتهب ... تُشبع نظراتها الظمآنة من حروفِ رسالتها التي تشع نوراً وأملاً : " أنا إنسانة متفائلة ، خفيفة الروح ، واسعة الأفق ، رومانسية ، أحب الحرية ... مغازلة ... يصفني البعض بأني محبوبة ... عاطفية ... دافئة ...أرسم بالكلمات لوحات رومانسية جـمـيلة ... قوية لكن حسَّاسة ... لدي قوام جميل ... صوتي ناعم ودافئ ذو نبرة جادة ... لا أسئ إلى أحدٍ ... حكيمة ... أحمل قلب طفلٍ في صدري ... الحب والمغفرة طريقي في الحياة ... بوهيمية ... أحلم برجل يؤمن بقــوةِ الحب ... لا يغيب عن الوعي ويغرق في سُباتٍ عميقٍ ... فالحب يقظة ونوم ... حلم وواقع ... وهم وحقيقة ... الحبّ لا يُجهد مع هذا فهو يؤلم ... الحبّ يُريح القلب ومع هذا فهو مقلق ... الحبُّ طريق الله للاعتناء بنا ... واستمرار الحياة ... هناك سعادة وحيدة في الحياة ؛ أن نُحِبُّ وأن نُحَبُّ ... " ...
عندئذٍ تملكتني رجـفة قوية ، وسيطرت علىَّ مشاعر شتَّى ... لم أستطع تحمل هذا القدر من المشاعر الجيَّاشة ... لم أتمالك نفسي حيال هذا الطوفان من مزيجٍ خُرافيٍ ما بين الإحساس والفكر ... كان ذلك أشدّ قسوةً على قلبي من أزمةٍ حادةٍ تُصيب المرء في صدرهِ وتُعطِّله عن إدراك الواقع من حولهِ ... ولم أجدْ بدَّاً لتفجير ثورتي سِوى الردّ على مِاري برسالةٍ أكثر فتكاً من رسالتها إلىَّ ... علَّ ذلك أن يزيح عنِّي هَمَّ انجذابي إليها ...
***
جمرات الانتظار:
وانتظرت رسالتها إليَّ ... كنت أبحث عنها كالمجنون عبر كلِّ مواقع الانترنت ... أيامُُ ثلاثُ مرتِ بي كمائة عـامٍ ... كلّ لحظة منها كانت تمضي جمـرةً في عروقي ...
وفي اليوم الرابعِ لم أحتمل البقاء بالمنزل ... خرجت ... سرتُ في الشارع شارداً ... لا أفكِّر إلاَّ في هذا الطوفان الذي اجتاحني ... حتى أغرقني تماماً ... جرجرتني قدميَّ إلى صديقٍ لي ... رحت أبثُّه حكايتي ... وكأني بذلك أحـاول .... لا أدري ما كنت أحاوله تحديداً غير تفريغ ما بداخـلي من شحنةٍ أشدُّ قـوة من قدرتي على الاحتمال ... ثم تركته ومضيت ... ذهبت إلى مقهى الانترنت ... وما كدت أدخل إلى موقع بريدي الالكتروني حتى أزاغ اسمها عينيَّ ... عجَّلت بفتح رسالتها ... رحت ألتهم كلماتها بنظراتي الجائعة : " ... أشكرك على الكتابة إليَّ مرة ثانية ... فكم أحبّ رسائلك إلىَّ ... وطريقتك فـي التعبير عن نفسك ... أنا يجب أن أقول بأني أبحث عن حبٍّ حقيقي وقـوي ، عاطفة برية تقودني إلى الجنون ... لكنه حبّ مستقر في الوقت ذاته ، يحملني على جناحي السعادة ويحلِّق بي في فضاءٍ الخيال ... علاقة قـوامها الحنان والاحترام ... لكن لا تخلو من تلك النَّار لإبقائهِ متأججاً في صدري ... أنا لا أستطيع العيش بلا عاطفـة .. نعم ! إن ذلك يشعرني بالبهجة لقراءة رسائلك ... إنه شعور رائع ! يسري في كياني ... بل يغرق في الجزء اللاشعوري من يمِّ العقل ... إنه شعور يتخللني ... يضمني بقوةٍ ... يحتويني طوال النهار والليل ... ولا أرغب في التخلص منه ... أنا لا أعلم كيف أضع الأشياء مرتبة لك ... لكن لا بأس حتماً ستفهمني ... لأني أشعر بالإحساس العميق الذي بقدرتهِ أن يُحـوّل مصير الإنسـان ... أعرف كلّ ما بإمكانهِ أن يبقي على وهجِ العاطفة مشتعلاً ... لأن ذلك كل ما تحتاجه المرأة في علاقة سويةٍ ؛ لأني أؤمن بأن الشعور بالسلام ضروري في كلِّ حبٍّ ناجحٍ ... أو بمعنى آخر ، كلما التهبت مشاعر الألفة كلما ازدادت العلاقة تماسكاً وازداد الحفاظ على روح السلام والاحترام المتبادل بين الحبـيـين ... أؤمن كذلك بأن الحبّ الحقيقي ... والعاطفة القوية ... بإمكانهما أن يظلاَّ ثابتين في مواجهة الظروف ... الحبّ وحـده يأخذك من الأوقات التعيسة إلى السعادة ... لقد ظللت أبحث طويلاً عن ذلك الحبّ ... لكني لم أستطع اللحاق به ... لكن دعني أخبرك بأن قــربك الالكتروني ... و كلماتك الحانية إليَّ قد جعلاني أعي ذلك ؛ أن شخصاً ما في مكانٍ ما قـد بـدأ يُداعب خيالي ... ولابدّ من الالتقاء به ... لذا رأيت دعوتك إلى عالمي ... حياتي التي أعيشها ... لتصبح أنت الطرف الآخر فيها ... سنعيش معاً طقوساً من السعادة الأبدية ... " ...
في تلك اللحظات زاغ بصري ... وهامتِ روحي في عالمها الذي أصبح أقرب مني إلى نفسي ...
في أثناء ذلك ... ودونما أن أشعر... سقطت نظراتي على بعض الأسطــر في ذيل رسالتها : " ولكي يتحقق لنا ذلك ، فسوف أتحمل كلّ نفقات وصولك إليَّ ... وما عليك سوى أن تُسدد قيمة إقامتك الأولى في الفندق الذي أرشحه لك ... إنَّه فندق زهيد الثمن ... لكن لن تبقى فيه كثيراً حيث أني سأوفـر لك العمل الملائم والمسكن الذي سيحتضن أسعد لحظاتنا معاً " ...
ومن فرطِ ما بي من شوقٍ قررت الرحيل إلى عالمها ...
واتخذت أولى خطواتي على ذلك الدَّربِ ... فأرسلت نفقات إقامتي إلى الفندق الذي رشَّحته لي ...
وانتظرتُ دعوتها لي ... كانت الأيَّام تمرّ بي بطيئةً مؤلمةً ... كأنها مسمار يتوغلّ في عظامي ... كنت أتصل بالسفارة مع إطلالة شمس كلّ يومٍ جـديد ... يغمرني الأمل في أن أجـد ما وعـدتني به ؛ إذ لم أصدِّق للحظة أن تلك الكلمات الدافئة ... الحانية ... المزينة بغلافٍ من الصدق والشوق الملتهبين يمكن أن تصدر عمن لا يملك مفاتيحها فعلاً ...
كنت أسأل عن أي شيء يأخذني إلى عالمها ... لكنهم كانوا يعــتذرون لي في كلِّ مـرةٍ ... كان اليوم يمضي تلو اليوم ... والحلم يكــبر في صدري ... حتى صار غولاً يلتهمني ...
وفي إحدى المرات قال لي المسئول بالسفارة :
- يبدو أنك تبحث عن وهمٍ في خيالك ! ...
رغم ذلك لم أستسلم ... صرت أبحث عنها كالمجنون... فلا أجدها ... أين اختفتِ ؟! ... لا أعلم ... ولا أجد تفسيراً مقنعـاً يريحني من عناءِ التفكير في أمرها ... حتى بريدها الالكتروني قد ضنَّتِ به عليَّ فجأة ...
كان عقلي يُلحّ عليَّ في نسيان أمرهـا ... بينما قلبي يعـجز عن تصديق سبب غيابها المفاجئ ... أو حتى تفسيره على أنه ......
هل يمكن ذلك فعلاً ؟ ... يجب أن أصل إلى حقيقة تُريح قلبي المنكسر ... وقررت الرحيل إلى عالمها ... سأبحث عنها في كلِّ مكانٍ ... ولن أرجع بدونــها ... لعلَّ الحلم يصبح واقعـاً ... ولو لمرةٍ واحـدة في الحياة ...
البداية :
عندما ألقيت نظراتي على سطورِ رسالتها على صفحة البريد الالكتروني ، شعرت بأناملها تُداعبُ خيالي ... تُشاكسني ... تحاول اجتذابي إليها بسحرها الملهم ... رأيت شفتيها تقولان لي : " منذ زمنٍ بعيدٍ وأنا أنظر في وجوه كلِّ رجالِ العالمِ بحثاً عنك ... فلم أجدُ هذا الرجل الفريد إلاَّ عندك أنتَ ... في صورتك الباهتة ... الشاحبة ... المختبئة خلف سكونها في عالم الإنترنت الواسع ... أريدك أن تصبح صديقاً لي ... " ...
و دونما أن أشعر امتدت أصابعي إلى لوحة المفاتيح لتحفر أولى رسائلي إليها : " نعم أقبل صداقتكِ ... " ...
بعد ذلك :
شغلني أمرها لعدِّة أيَّامٍ متتالية ، كنت أفتح خلالها صندوق بريدي الالكتروني بنشوةٍ بالغةٍ ، لعلي أجد ردَّاً منها ... وفي اليوم الرابع كان موعدي معها ، انتابني شعورُُ بالبهجة لمطالعة رسالتها تطلّ عليَّ من عالمها البعيد ... فتحت الرسالة ... رحت التهم سطورها التهاماً ... قالت لي إنَّها تبحث عن ذلك الشريك الغائب ؛ ذلك الإنسان الذي طالما حلمت به ... كاد قلبي أن يحتضن كلماتها الدافئة ... الآسـرة ... وعندما بلغتِ عينيَّ تلك الكلمات : " فأنا لم ألتقِ من قبل بهذا الإنسان الذي يوافق كلّ أحلامي... ويُرضي طموحي ... فأنا لا أبحث عن مغامرة أو مجرد نزوة عابرة ، وإنَّما أبحث عن هذا الإنسان فيك ... " ... شعرت بمسٍّ سِحري يسـري في عروقي ... يُدغدغني ... إذْ لم أسمع مثل تلك الكلمات الساحرة قبل ذلك ... يا لها من أنثى ! ... ورحت أكمل التهام كلماتها بنظراتي التي تستبق أحرفها : " ... لقد استطعت تكوين رأيي فيك من صورتك ... تبدو لطيفاً وساحراً ... وكليِّ ثقةً من أنَّك التقيت بالكثيراتِ غيري ، لكن أرجو أن تصدقني إن قلت أني لا أهدف إلى إغرائك رغم اجتذابك لي ... حقيقة أنا أعشق تدليل شريكي وغوايـته ... لكني مؤمنة بوجود الحب الحقيقي ... الحب الذي تشعله العاطفة الملتهبة وتُوقظه جّذوة الشوق ... " ...
همست أسائل نفسي بدهشةٍ ورغبة في التصديق :
- أيعقل ذلك ؟! ... أيمكن لفتاة بمثل هذا الجمال وتلك الأنوثة الفاتنة أن تُحبّ شخصاً مثلي دونما أن تراه ؟! ...
فكان صوت نفسي يُجيبني من فرطِ لهفته :
- ولِمَ لا ؟ رُبَّما أن القدر أرد أن يجمع بينكما ...
كان عقلي يرتطم بجدار رأسي غارقاً في مناقشاته السقيمة ... بينما عيناي تتبعان قلبي الملتهب ... تُشبع نظراتها الظمآنة من حروفِ رسالتها التي تشع نوراً وأملاً : " أنا إنسانة متفائلة ، خفيفة الروح ، واسعة الأفق ، رومانسية ، أحب الحرية ... مغازلة ... يصفني البعض بأني محبوبة ... عاطفية ... دافئة ...أرسم بالكلمات لوحات رومانسية جـمـيلة ... قوية لكن حسَّاسة ... لدي قوام جميل ... صوتي ناعم ودافئ ذو نبرة جادة ... لا أسئ إلى أحدٍ ... حكيمة ... أحمل قلب طفلٍ في صدري ... الحب والمغفرة طريقي في الحياة ... بوهيمية ... أحلم برجل يؤمن بقــوةِ الحب ... لا يغيب عن الوعي ويغرق في سُباتٍ عميقٍ ... فالحب يقظة ونوم ... حلم وواقع ... وهم وحقيقة ... الحبّ لا يُجهد مع هذا فهو يؤلم ... الحبّ يُريح القلب ومع هذا فهو مقلق ... الحبُّ طريق الله للاعتناء بنا ... واستمرار الحياة ... هناك سعادة وحيدة في الحياة ؛ أن نُحِبُّ وأن نُحَبُّ ... " ...
عندئذٍ تملكتني رجـفة قوية ، وسيطرت علىَّ مشاعر شتَّى ... لم أستطع تحمل هذا القدر من المشاعر الجيَّاشة ... لم أتمالك نفسي حيال هذا الطوفان من مزيجٍ خُرافيٍ ما بين الإحساس والفكر ... كان ذلك أشدّ قسوةً على قلبي من أزمةٍ حادةٍ تُصيب المرء في صدرهِ وتُعطِّله عن إدراك الواقع من حولهِ ... ولم أجدْ بدَّاً لتفجير ثورتي سِوى الردّ على مِاري برسالةٍ أكثر فتكاً من رسالتها إلىَّ ... علَّ ذلك أن يزيح عنِّي هَمَّ انجذابي إليها ...
***
جمرات الانتظار:
وانتظرت رسالتها إليَّ ... كنت أبحث عنها كالمجنون عبر كلِّ مواقع الانترنت ... أيامُُ ثلاثُ مرتِ بي كمائة عـامٍ ... كلّ لحظة منها كانت تمضي جمـرةً في عروقي ...
وفي اليوم الرابعِ لم أحتمل البقاء بالمنزل ... خرجت ... سرتُ في الشارع شارداً ... لا أفكِّر إلاَّ في هذا الطوفان الذي اجتاحني ... حتى أغرقني تماماً ... جرجرتني قدميَّ إلى صديقٍ لي ... رحت أبثُّه حكايتي ... وكأني بذلك أحـاول .... لا أدري ما كنت أحاوله تحديداً غير تفريغ ما بداخـلي من شحنةٍ أشدُّ قـوة من قدرتي على الاحتمال ... ثم تركته ومضيت ... ذهبت إلى مقهى الانترنت ... وما كدت أدخل إلى موقع بريدي الالكتروني حتى أزاغ اسمها عينيَّ ... عجَّلت بفتح رسالتها ... رحت ألتهم كلماتها بنظراتي الجائعة : " ... أشكرك على الكتابة إليَّ مرة ثانية ... فكم أحبّ رسائلك إلىَّ ... وطريقتك فـي التعبير عن نفسك ... أنا يجب أن أقول بأني أبحث عن حبٍّ حقيقي وقـوي ، عاطفة برية تقودني إلى الجنون ... لكنه حبّ مستقر في الوقت ذاته ، يحملني على جناحي السعادة ويحلِّق بي في فضاءٍ الخيال ... علاقة قـوامها الحنان والاحترام ... لكن لا تخلو من تلك النَّار لإبقائهِ متأججاً في صدري ... أنا لا أستطيع العيش بلا عاطفـة .. نعم ! إن ذلك يشعرني بالبهجة لقراءة رسائلك ... إنه شعور رائع ! يسري في كياني ... بل يغرق في الجزء اللاشعوري من يمِّ العقل ... إنه شعور يتخللني ... يضمني بقوةٍ ... يحتويني طوال النهار والليل ... ولا أرغب في التخلص منه ... أنا لا أعلم كيف أضع الأشياء مرتبة لك ... لكن لا بأس حتماً ستفهمني ... لأني أشعر بالإحساس العميق الذي بقدرتهِ أن يُحـوّل مصير الإنسـان ... أعرف كلّ ما بإمكانهِ أن يبقي على وهجِ العاطفة مشتعلاً ... لأن ذلك كل ما تحتاجه المرأة في علاقة سويةٍ ؛ لأني أؤمن بأن الشعور بالسلام ضروري في كلِّ حبٍّ ناجحٍ ... أو بمعنى آخر ، كلما التهبت مشاعر الألفة كلما ازدادت العلاقة تماسكاً وازداد الحفاظ على روح السلام والاحترام المتبادل بين الحبـيـين ... أؤمن كذلك بأن الحبّ الحقيقي ... والعاطفة القوية ... بإمكانهما أن يظلاَّ ثابتين في مواجهة الظروف ... الحبّ وحـده يأخذك من الأوقات التعيسة إلى السعادة ... لقد ظللت أبحث طويلاً عن ذلك الحبّ ... لكني لم أستطع اللحاق به ... لكن دعني أخبرك بأن قــربك الالكتروني ... و كلماتك الحانية إليَّ قد جعلاني أعي ذلك ؛ أن شخصاً ما في مكانٍ ما قـد بـدأ يُداعب خيالي ... ولابدّ من الالتقاء به ... لذا رأيت دعوتك إلى عالمي ... حياتي التي أعيشها ... لتصبح أنت الطرف الآخر فيها ... سنعيش معاً طقوساً من السعادة الأبدية ... " ...
في تلك اللحظات زاغ بصري ... وهامتِ روحي في عالمها الذي أصبح أقرب مني إلى نفسي ...
في أثناء ذلك ... ودونما أن أشعر... سقطت نظراتي على بعض الأسطــر في ذيل رسالتها : " ولكي يتحقق لنا ذلك ، فسوف أتحمل كلّ نفقات وصولك إليَّ ... وما عليك سوى أن تُسدد قيمة إقامتك الأولى في الفندق الذي أرشحه لك ... إنَّه فندق زهيد الثمن ... لكن لن تبقى فيه كثيراً حيث أني سأوفـر لك العمل الملائم والمسكن الذي سيحتضن أسعد لحظاتنا معاً " ...
***
واتخذت أولى خطواتي على ذلك الدَّربِ ... فأرسلت نفقات إقامتي إلى الفندق الذي رشَّحته لي ...
***
كنت أسأل عن أي شيء يأخذني إلى عالمها ... لكنهم كانوا يعــتذرون لي في كلِّ مـرةٍ ... كان اليوم يمضي تلو اليوم ... والحلم يكــبر في صدري ... حتى صار غولاً يلتهمني ...
وفي إحدى المرات قال لي المسئول بالسفارة :
- يبدو أنك تبحث عن وهمٍ في خيالك ! ...
رغم ذلك لم أستسلم ... صرت أبحث عنها كالمجنون... فلا أجدها ... أين اختفتِ ؟! ... لا أعلم ... ولا أجد تفسيراً مقنعـاً يريحني من عناءِ التفكير في أمرها ... حتى بريدها الالكتروني قد ضنَّتِ به عليَّ فجأة ...
كان عقلي يُلحّ عليَّ في نسيان أمرهـا ... بينما قلبي يعـجز عن تصديق سبب غيابها المفاجئ ... أو حتى تفسيره على أنه ......
هل يمكن ذلك فعلاً ؟ ... يجب أن أصل إلى حقيقة تُريح قلبي المنكسر ... وقررت الرحيل إلى عالمها ... سأبحث عنها في كلِّ مكانٍ ... ولن أرجع بدونــها ... لعلَّ الحلم يصبح واقعـاً ... ولو لمرةٍ واحـدة في الحياة ...
***
تعليق