أحب تلك المدينة البدوية الصفصافة التي تنعس على كتف المتوسط.
أراها دوماً في ثوبها البراق تختال بالساحل تضع الوشم الأخضر الزاهي تحت شفتَي شاطئها وبين حاجبَي دروبها لتزيدها بهاءً وجمالاً.
نحن أبناء عروس البحر أختها القريبة منها اعتدنا دوماً الذهاب إليها فتستقبلنا بحضنها وننعم بدفئها وحنانها.
يأتي موعد زيارتنا لها..
نجمع حقائبنا وتجمعنا سيارتنا برحلة تموج بين الأزرق الحالم والأبيض الرقيق وعيوننا تمرح فوقهما وقلبنا يزيد نبضه كلما اقتربنا منها.
أقود سيارتي التي ترقص لتقترب مدينة الحب إلينا وكأنها اقتطعت نفسها من فوق الأرض واقتربت منا حباً.
تصل إلينا وتقابلنا بابتسامتها ووشمها الذي يتأرجح فوق ضحكتها فرحاً بنا.
نصل ونخرج إلى الشرفات التي تنعم بالنظر إلى هذا البحر الجميل ولا تمله فهو كبير وقد أحسن تربية موجه فتجد الموج هادئاً أو خجلاً يتوارى من زواره فلا نراه.
أضرب الهواء بقبضتي وأستنشق أريج هذه المدينة البدوية الرائعة.
عفواً؛ نسيت أن أقول إن لي جذوراً بدوية ؛ لهذا أشعر بأني زهرة من شجرة التين عادت إلى مهدها أو إلى أيام صباها ومرحها.!
ليس الاستحمام في مياه هذا الهادئ أو الجلوس عنده تلتهمنا شمسه هو كل آمالنا بل هناك سهرات ليلية نسمع فيها الأغاني البدوية الرائعة فتصبح كالخيل الذي يشق مضمار ذكرياتنا.
أهرع إلى هاتفي لأعلم أين يغني مطربي البدوي المفضل الذي اعتاد أن أكون أول الحضور له، اعتدت منه أن يلقاني بأغنية يرحب بي فيها دون الجميع.
عندما يراني أدخل المكان كان يغني:
كانت هذه الأغنية لها وقع في نفسي حتى إن الحضور قد عرفني بها.
طلبت رقم هاتفه لأسأله بأي الأماكن يغني.
لكني أسمع صوتاً آخر جذبتني نبرته من أول وهلة يجيب:
- من معي؟
- عفواً هل.... موجود؟
- لا، من معي؟
- واحدة من معجباته.. هلا أخبرته أن - سِجاوة - حضرت إلى مطروح وتريد أن تعرف أين يغني أو حتى قل لي متى أعيد الاتصال؟
نسيت أن أخبركم اسمي ليس سِجاوة بل هو من أطلقه علىّ، ومعناه (أنثى الصقر). أيضاً فرحت لأن هذا الاسم الجديد هو من انتقاه لي.
- بعد ساعة يكون موجوداً إن شاء الله.
مرت الساعة وعقاربها تلتف حول عنقي فأهرع مرة أخرى إلى الهاتف.
- أنتِ مرة أخرى؟
- أعتذر للإزعاج. هل حضر؟
- لم يحضر، عندما يحضر سأخبرك. هل هذا رقم هاتفك؟
- نعم، رجاء تخبره فالليل على وشك عناق الدنيا وأرغب في سماع صوته الليلة.
يغلق الهاتف في وجهي فترتد الحروف إلى فمي حزينة.
تغلق الدنيا ستائرها في وجه النهار ليدخل المغرب الخلاب الذي يقترن ببكاء الشمس وهي تحتضر وتدفن في قلب البحر.
أتفقد هاتفي كل حين .. هل دق ولم أسمعه؟ أم حوّل نفسه إلى صامت ليزيد حنقي وغيظي؟
تغلق الدنيا عينيها فتظلم، أنا أجتهد لنَيل بعض الصبر.
ينفد صبري وأهرع إلى هاتفي مرة أخرى فيرد علىّ نفس الشخص.
- ألا يوجد ما يشغلكِ غيره؟ ماذا تريدين؟
- هل حضر وأخبرته؟
- نعم حضر، لكني لم أخبره.
- لماذا؟! كلمتكَ أكثر من مرة.
- يا سيدتي نحن بدو.. وهو أخي الكبير، لا أستطيع أن أخبره أن هناك امرأة تطلبه ومن معجبيه ؛نحن نستحي من كبيرنا.
- والحل؟
- لا أدري ما الحل.
- إذن أعطني رقم هاتفه لأخبره بنفسي.
- لا، لن أعطيكِ إياه.
- لماذا؟
- لا أدري، لكني لن أعطيكِ إياه.
- أرجوك.
- يا الله.. ما الذي فعله معكِ لكل هذا الرجاء؟
- لا أسمح لك، فهو مجرد مطرب وأنا من محبي صوته.
- لن أعطيك إياه أبداً .. أبداً.
يغلق الهاتف في وجهي..
ولا أخفيكم سراً جذبتني نبرته البدوية وذلك الصوت الأجش الذي شعرت أنه يخرج من صخرة حنجرته وإصراره العجيب في عدم منحي ما أريد!
استقللت سيارتي وجُبت كل الأماكن التي سمعته فيها من قبل.
كل مكان أسأل عنه ولا أجده.. مرت ساعتان بحثاً وباءت كل محاولاتي بالفشل.. ما كان يدفعني إلى البحث أكثر هو أخوه الغامض الذي رفض منحي رقم هاتفه كأني لو وجدته سأنتقم بهذا منه.
أرهقني البحث.. عندما لم أجد بداً هاتفته مرة أخرى؛ لشيئين أولاً والأهم ولا أعرف السبب سماع صوته والثاني: السؤال عن أخيه.
- أنتِ مرة أخرى؟!
- أرجوك، لي ساعات أجوب الشاطئ بحثاً عن مكانه ولم أجده، أخبرني لتقتل حيرتي.
- لن أخبركِ.
- لماذا هذا الإصرار العجيب؟! هل لعاداتكم القديمة الراسخة...؟
- لا. سلام.
- ولماذا إذن...؟
وهمّ أن يغلق الهاتف فبادرته: لحظة. أنا بدوية وآتي كل عام هنا وأحب سماع صوته. سرقته كلمة "بدوية".
- بدوية من أي القبائل؟
أجبته وصار بيننا حوار مفتوح، وقد كان أكثر رقة من قبل وعندما نفد رصيدي ومات هاتفي كمداً قضمت شفتي غيظاً فقد ضاعت الليلة ولم أسمع فيها لحناً يعيد شجون الماضي.
أبتلع حنقي لكن صوته ما زال يجوب داخل دروب أذني.. مرة يطربني ومرة يغضبني.
ليدق هاتفي راقصاً برقمه.
لم أصدّقه.. لكن رنينه كان يزداد ليؤكد لي أنه هو.
لا أدري ما لذي حدث لي، رددت بسرعة لأسمعه مرة أخرى وسؤال يحيرني: ما هذا الإدمان المفاجئ؟
تخرج حروفه راقصة فرحة مغزولة على أحبال صوته فتستقبلها أذني سعيدة بهذا اللحن الجميل.
- أين ذهبتِ؟
- نفد رصيدي.
- أعتذر لكِ، كان المفروض أن أطلبك من هاتفي حتى لا ينفد رصيدك.. بعد الآن كل ما عليك هو إعطائي رنة واحدة وأطلبك فوراً.
دهشت.. ما كل هذه الطيبة والرجولة ؟! يا الله! خطفني هذا الرجل العجيب مني!
صمت مريب يمرّ بيننا عبر خطوط لا سلكية تشعر بشيء ما سينفجر داخلنا، فلأقتل هذا الصمت.
- ألن تخبرني برقم هاتف أخيك؟
وإجابة كانت كطلقة لا تبقي ولا تذر دهشتُ لها.
- هل أقتله لكِ لتستريحي؟
وصمت آخر يلتهم كل محاولات ردي.
- هل تحبينه؟
بسرعة كريح فقدت عقلها: كلا.. فقط تعيدني أغنياته إلى الأيام الخوالي مع أمي وعشيرتي.
لا أدري لماذا أجبته بهذه السرعة وبهذه الطريقة كمذنب يخشى إلصاق التهمة به!
أردفت: أتقتله لأني أريد رؤيته وسماعه؟!
- نعم، وربي أفعلها.
- أنت تمزح؟!
- قلت لكِ وربي أفعلها ولا أقسم كذباً.
- لماذا؟!
- مع السلامة.
إجابة كنت أنتظرها، سألت نفسي: من هذا؟ وأي إجابة تلك التي تنتظرينها من شخص لا تعرفينه ولا تعرفين حتى اسمه؟
ليلي لا يعرف الرحيل عن ساعاتي التي تعاني الأرق والسهد حتى حبسه النهار بنفسه وهو يعانده.
أتململ فوق فراشي أنا وهاتفي، ننتظر من..؟ لا أدري. أعبث برقمه، أحاول أن..
بضغط لا أعرف ممن.. هل مشاعري أم قلبي أم فرحتي بجملته المرعبة التي ستحوله إلى قابيل آخر ودون إبداء سبب وجيه، هل يغار منه لأن صوته شجي عذب؟ لكن نبرة الآخر تحمل بين طياتها صوتاً رخيماً لو غنى سيطرب...
بلعت أسئلتي المتكلسة وشربت فوقها مياه انتظاري لترحل دون رجوع.
مرّ نصف النهار ولم يحرك هاتفي ساكناً.
مرة أخرى أتصل بهذا الذي يسكن مشاعري فيغلق الاتصال، وأستعد بكل ما أوتيت من قوة للوقوف بثبات أمام اتصاله فترهق كل جنودي وهي تنتظره.
مرة أخرى أعيد الكره.. يغلق ولا مجيب.
أخرج إلى البحر ألقمه أعواد غضبي المشتعلة عله يطفئها وأشكو له ما حدث، لكن ما زال صوته يعبث بمدن ثباتي.. أسير أركل صدر البحر أعبث بقدمي فوق صدره الرملي.
يدق هاتفي برقمه.
- ألو، أين أنتَ؟ لماذا لم تجِب على اتصالاتي؟
بصوت حنون غير هذا الذي سمعته أمس، تعجبت مني؛ فقد عرفت كيف أفرق بين صوته من مجرد محادثتين.
- أعتذر لكِ، فابني كان مريضاً وكنت به عند الطبيب وبعدما اطمأننت عليه هاتفتك.. أخبريني كيف مرّت ليلتك ونصف نهارك؟
وقفت كلمة "ابني" هنيهة قبل أن تبتلعها أذني، بعدما سألت عن ابنه باغتّه، فلا وقت لدي، فأمامي ثلاثة أيام وأعود إلى مدينتي.
- أريد أن أراكَ.
يعود صوته يرتدي ثوب الغرور.
- لماذا؟ أخشى أن تفرّي مني، فأنا أسود الوجه قاسي الملامح أغبر أشعث.
- لا يهمني، أريد أن أراكَ فقط لمرة واحدة.
- أنا الآن في السوق، لو أتيتِ رأيتني.
- نصف ساعة وأكون هناك..لكن بأي الأماكن نتلاقى؟
هرعت إلى هناك وشوقي يسبقني، وانتظرت أن يأتي.
تلفحني سياط الشمس ولا أبالي، أسأل نفسي: من هذا الذي يشغلني؟ يقول إنه أسود أشعث أغبر وتصرّين على رؤيته؟ ارحلي.. كلا لن أرحل قبل أن أراه فأقطع هذا الحبل الواهي الذي يربطني بشخص وهمي إلا من صوت غزاني.
تمرّ ساعة.. ساعتان.. هاتفه مغلق.
أعود أجمع غلة خيبتي الفاسدة بعدما قررت ألا أفكر فيه أو أجيب عليه إن طلبني.
بعد ساعتين يدق هاتفي، قطعتُ يد حنيني حتى لا تجيبه.. دقات طويلة وهاتفي يصرخ لأجيب.. ودون شعور.
- نعم.
بصوته الحنون الذي ينام فوق وسادات حنيني.
- سامحيني، فقد ذهبت خارج البلدة وكان هناك حادث بالطريق لم أستطع العودة في الموعد، أيضاً لم تكن هناك شبَكة اتصال فقد كنا داخل الجبل.
اعتذاره كان كمياه تُقبّل نيران غضبي.
عادت ملامح صوتي إلى طبيعتها.
- سنتقابل غداً بإذن الله.
خشيت أن أسأله عن أخيه حتى لا يغضب وأفقده.
يأتي الصباح متكاسلاً كأنه لم ينعم بالنوم مثلي طوال الليل.
هاتفي يدعوني إلى إفطار جميل على موائده.
كنت أتأهب إلى الذهاب إلى الشاطئ وعائلتي تتعجب من هذا الشرود العجيب الذي انتابني منذ حضوري معهم.
- هل أراكِ اليوم؟ حدثيني عن نفسك.
تمر ساعة ونحن نتبادل الحوار والضحكات تزين حوارنا، وقد اقتربنا من بعضنا برغم خوفي من مواصفاته التي أخبرني بها، كنت على استعداد أن أتقبل شكله حتى ولو كان قرداً يقفز.
- أنا قريب من مكان إقامتكم، هل أراكِ من الشرفة؟
- نعم، أنا بالشرفة.
- إذن خمس دقائق وأكون تحت البناية.. سيارتي لونها أزرق ونوعها...
مرت ساعة وكادت عيناي أن تقعا من محجريهما بحثاً عن سيارته، ساعتان لأجدني أبكي.. لكن لماذا أبكي؟ عنفت نفسي ولمتها لغباء يسكنها وفي محاولة مني لجرح مشاعري لأنزفه خارجها.
مر اليوم خانقاً وأنا نادمة.. فقد ضاع المصيف بين غرور وعناد رجل لا أعرفه وسذاجة مشاعري البلهاء.
قررت أن أدرك ما مرّ من أيامي فذهبت إلى البحر وأغلقت هاتفي حتى لا أنتظره بعدما مزقني انتظار هذا المجهول العابث بي وبكرامتي.
ضاع يومي وأنا أشاهد المصطافين يمرحون ويلعبون بهذا الهادئ الذي يتقبل بكل الحب صخبهم وضجيجهم كأنه أمّ حنون تفرح بلهو أطفالها.
برغم نسياني له إلا أنني كلما شاهدت رجلاً بدوياً أسمر نظرت إليه حتى إن الرجل ينظر حول نفسه سائلاً عن سبب نظراتي.
اليوم الأخير بالمصيف..
محنة قلبي وهاتفي المغلق ومشاعري القلقة التي دون أن أدري ستنهار مني على تلك الأرض التي شعرت أني أكرهها بعد كل هذا الحب الذي أسكنته داخلي عمراً.
بهاتفي خاصية تتلصص على كل من يطلبني وتخبرني.
أكثر من ثلاثون مرة طلبني وكل مرة تهدم لبنة من جدار إصراري لنسيانه ويرتفع جدار غروري أمامه فهو يريدني ويلهث خلفي.
يعود هاتفي يتراقص على نغمات رقمه.
بصوت يتراجع شوقاً وخجلاً وحنيناً يسبق الحروف بعلامات ترقيم تحمل كل معاني العشق.
- قبل أن تتحدثي.. أعتذر لك فقد حدث ظرف طارئ جعلني لا أحضر.
صمتٌ يتملكني وفكر يقيدني بين شعلتَين: شعلة احتراق روحي وشوقي لرؤيته، خصوصاً أنني سأرحل في الصباح، وإن لم أرَه فسأموت قهراً، بين إعراضي وحنقي لإهدار كرامتي.
- قولي شيئاً.. أرجوكِ لا تقتليني بصمتك.
تعجبني نبرة توسله كأني بها تعيد إليّ بعضي المذبوح بنصل إهماله، عندما طال صمتي عاد بنبرته الحادة ليضيع زهوتي بالانتصار.
- لو لم تجيبي فلن تسمعي صوتي مجدداً.
في محاولة مني لجمع حطام حروفي وخروجها ممزوجة بشوقي وخيبة أملي.
- سأسافر غداً.
- لماذا لم يمرّ سوى ثلاثة أيام فقط.. هل مدينتنا لا تستحق أياما أطول؟
- للأسف تنتهي إجازة والدي ويجب أن نرحل "بصوت خلع حياءه" لن أستطيع السفر دون أن أراكَ، أرجوكَ.
- أنا أكثر منكِ حرصاً على رؤيتكِ. أين ستسهرين اليوم؟
- بشاطئ رومل.. هل تصدق؟ أخشى أن تكون ثعلباً جديداً للصحراء تزرع داخل مشاعري ألغاماً فتنفجر تباعاً.
- أبداً والله، سآتي إليك اليوم حتى وإن مت.
يأتي الليل على عجل كأن مشاعري تدفع النهار من ظهره ليرحل سريعاً.
أرتدي أبهى ثيابي وأتزين بإتقان وبراعة وأذهب.. لكن هذه المرة كنت على يقين بأنه سيأتي لا محالة، فشوقه أضعاف شوقي.
هاتفني ليعرف كيف يعرفني.. أخبرني برقم سيارته ولونها.. كان رقمها مميزاً.. ذهبت مشاعري تعلق داخلي أفرع نور من فرح وسعادة.
فرقة من بدو سيوة تقيم سرادقاً يرتاده المصطافين ليروا الرقصات والأغنيات السيوية.
جلست مع عائلتي نصفق إلى الراقصين ونستمع إلى الأغنيات الجميلة.
يأتي أحد الراقصين يمسكني من يدي ويراقصني على دفوفهم، أدور معه في فضاء سعادة لا أدري من أين تستقي روحها، هل من انتظار عشق سيدُكّ روحي حدوثه؟ أم من راحة ستتملكني بعد رؤيته لأبتعد وأنا أطرده من مشاعري دون رجعة؟
أفيق فأجدني أرقص داخل حلقة راقصة من الفتيات والجميع يرقص بسعادة.
جزء مني معهم وكلي هناك أقف على ناصية الطريق أنتظره.
طلب مني أخي الصغير أن أصطحبه ليركب دراجة،.. كنت أمرّ بالشارع، أتفادى السيارات المارة.. معي أخي الصغير.. عند مروري رأيت سيارة تحمل نفس الرقم واللون.
نظرت إلى من يقودها وتشبثت عيني بزجاجها تُقبّله، هالني ما رأيت!
قائدها ينظر إليّ، نسي أن الشارع يكتظ بالأطفال ونفيق من غفوة نظراتنا على صوت ارتطام طفل يقع بدراجته أمام السيارة.
عدوت بعيداً وهو يفرق الناس ليرى ماذا حدث ويختلس النظر إليّ.. ولما اطمأن على سلامة الطفل هرعت إلى سيارتي ليأتي خلفي بسيارته ونقف بعيداً عن الحشد.
يترجل من سيارته، وليته لم يفعل.
اقترب من نافذتي حتى صار وجهه بوجهي، وقال:
- بسم الله ما شاء الله. هل أنتِ هي؟
أجابته عيناي وهي تحمل في جوابها سؤالاً: أين الأشعث الأغبر الأسود؟
يضحك عالياً، جلجلة ضحكته تعبث بضفائر مشاعري كان كالبدر يوم اكتماله، تفوح رائحة عطره فتحلق بالوجدان أيما تحليق.
- كم أنتِ جميلة وفاتنة، كيف كنت أهرب منكِ؟!
- هل كنت تهرب مني؟
- الحقيقة نعم.
هممت بالرحيل من أمامه، فقد اعترف لي.
تشبث بجسد سيارتي لا يريد رحيلي.
- انتظري.. أعرف الكثيرات يأتين إلى المصيف وقد خدعتني أكثر من واحدة أما أنتِ فغيرهن جميعاً.
فجأة وجدته يضرب جسد سيارتي برأسه وكاد أن يُجرَح.
- يا لغبائي؛ كيف أضيعك من يدي وأهدر تلك الأيام الفائتة دون لقائك؟!
أنتشي وأنا أسمع أنين ندمه فتعود كرامتي تعتلي ملامحي وقسماتي.
- يجب أن أرحل.
- أرجوكِ، ابقي قليلاً.
- للأسف لا أستطيع فسنعود لتجهيز حقائبنا لأننا سنسافر في الصباح إن شاء الله.
- ألا تستطيعين البقاء يوماً أو يومين؟
- للأسف.
أرحل من أمامه لأجده يترنح ويجلس فوق الرصيف مهموماً حزيناً وأجدني قد تركت بعضي ناعساً بين يديه.
هاتفي يدق، نظرت إلى الخلف وجدته جالساً مكانه لم يبرحه.
- غبي أنا.. هل تصدقينني؟ لا أستطيع النهوض بعدما سرقتِ مني قوّتي وسقطتّ داخل بحر عينيك.
كان الحديث أكبر من حروفي.
- كيف كنت أفرّ منكِ؟! لعبة لعبها معي القدر بأن أراكِ في لحظة فقدك، أموت عشقاً وأنت تبتعدين. كوني على يقين بأني لن أنساك ما حييت يا أجمل من رأت عيني.
- أنا لن أنساكَ، فأنتَ الرجل الوحيد الذي استطاع أن يسرقني مني ويهدر كرامتي.
- أرجوكِ، اغفري لي خطيئتي، فوالله ستعاقبني مشاعري ألف ألف مرة بما فعلته وتضربني بشوقي وحنيني وحبي لكِ. متى تسافرين في الصباح؟
- لا تسأل، فأنت تستيقظ في الظُّهر كما أخبرتني.
- فقط أخبريني.
- في السادسة صباحاً.
ينقضي الليل وقد نعمت برؤيته، وإلا كنت سأتمزق مرات ومرات لو لم أرَه وبعد رؤيته شعرت بحبه يملأ زجاجات الروح بالعشق الأصعب.
وفي الصباح..
دقات هاتفي تمدّ يدها لتوقظني بهمسه الرقيق.
- صباح الخير حبيبتي.
- صباح الخير. ما هذا؟ كيف استيقظت مبكراً هكذا؟
- لم أنَم ولم أبرح من أمام مسكنكِ طوال الليل، قضيت ليلي وقلبي يلهب مشاعري بسوط غبائي.
- اذهب لترتاح.
- هل تتخيلين أني سأعرف طعم الراحة بقلبي هذا الذي يحتضر بفراقك؟!
لم أجد حروفاً لأجيبه فقد التهمها حزني ومحا أبجدية معاجمي.
نضع حقائبنا بالسيارات لأجد سيارته تقف على مقربة منا.. يجلس داخلها يرسل إليّ نظراته تُقبّل ملامحي وكأنها ترتشفها لتحتفظ بها بعد رحيلي.
تخرج السيارات في قوافل تسير خلف بعضها.
نظراته تلاحقنا، اعتذرت بأني نسيت شيئاً بغرفتي وعلىّ جلبه.
عدتُ إليه واقتربت منه لأجده ...........
ملاحظة
( المدينة مطروح القريبة من الإسكندرية ومعظمها من البدو )
أراها دوماً في ثوبها البراق تختال بالساحل تضع الوشم الأخضر الزاهي تحت شفتَي شاطئها وبين حاجبَي دروبها لتزيدها بهاءً وجمالاً.
نحن أبناء عروس البحر أختها القريبة منها اعتدنا دوماً الذهاب إليها فتستقبلنا بحضنها وننعم بدفئها وحنانها.
يأتي موعد زيارتنا لها..
نجمع حقائبنا وتجمعنا سيارتنا برحلة تموج بين الأزرق الحالم والأبيض الرقيق وعيوننا تمرح فوقهما وقلبنا يزيد نبضه كلما اقتربنا منها.
أقود سيارتي التي ترقص لتقترب مدينة الحب إلينا وكأنها اقتطعت نفسها من فوق الأرض واقتربت منا حباً.
تصل إلينا وتقابلنا بابتسامتها ووشمها الذي يتأرجح فوق ضحكتها فرحاً بنا.
نصل ونخرج إلى الشرفات التي تنعم بالنظر إلى هذا البحر الجميل ولا تمله فهو كبير وقد أحسن تربية موجه فتجد الموج هادئاً أو خجلاً يتوارى من زواره فلا نراه.
أضرب الهواء بقبضتي وأستنشق أريج هذه المدينة البدوية الرائعة.
عفواً؛ نسيت أن أقول إن لي جذوراً بدوية ؛ لهذا أشعر بأني زهرة من شجرة التين عادت إلى مهدها أو إلى أيام صباها ومرحها.!
ليس الاستحمام في مياه هذا الهادئ أو الجلوس عنده تلتهمنا شمسه هو كل آمالنا بل هناك سهرات ليلية نسمع فيها الأغاني البدوية الرائعة فتصبح كالخيل الذي يشق مضمار ذكرياتنا.
أهرع إلى هاتفي لأعلم أين يغني مطربي البدوي المفضل الذي اعتاد أن أكون أول الحضور له، اعتدت منه أن يلقاني بأغنية يرحب بي فيها دون الجميع.
عندما يراني أدخل المكان كان يغني:
.. يا زين لا تدلل لا تكحل عيونك ..
.. يكفي ما بتحمل نظراتك وسكونك ..
طلبت رقم هاتفه لأسأله بأي الأماكن يغني.
لكني أسمع صوتاً آخر جذبتني نبرته من أول وهلة يجيب:
- من معي؟
- عفواً هل.... موجود؟
- لا، من معي؟
- واحدة من معجباته.. هلا أخبرته أن - سِجاوة - حضرت إلى مطروح وتريد أن تعرف أين يغني أو حتى قل لي متى أعيد الاتصال؟
نسيت أن أخبركم اسمي ليس سِجاوة بل هو من أطلقه علىّ، ومعناه (أنثى الصقر). أيضاً فرحت لأن هذا الاسم الجديد هو من انتقاه لي.
- بعد ساعة يكون موجوداً إن شاء الله.
مرت الساعة وعقاربها تلتف حول عنقي فأهرع مرة أخرى إلى الهاتف.
- أنتِ مرة أخرى؟
- أعتذر للإزعاج. هل حضر؟
- لم يحضر، عندما يحضر سأخبرك. هل هذا رقم هاتفك؟
- نعم، رجاء تخبره فالليل على وشك عناق الدنيا وأرغب في سماع صوته الليلة.
يغلق الهاتف في وجهي فترتد الحروف إلى فمي حزينة.
تغلق الدنيا ستائرها في وجه النهار ليدخل المغرب الخلاب الذي يقترن ببكاء الشمس وهي تحتضر وتدفن في قلب البحر.
أتفقد هاتفي كل حين .. هل دق ولم أسمعه؟ أم حوّل نفسه إلى صامت ليزيد حنقي وغيظي؟
تغلق الدنيا عينيها فتظلم، أنا أجتهد لنَيل بعض الصبر.
ينفد صبري وأهرع إلى هاتفي مرة أخرى فيرد علىّ نفس الشخص.
- ألا يوجد ما يشغلكِ غيره؟ ماذا تريدين؟
- هل حضر وأخبرته؟
- نعم حضر، لكني لم أخبره.
- لماذا؟! كلمتكَ أكثر من مرة.
- يا سيدتي نحن بدو.. وهو أخي الكبير، لا أستطيع أن أخبره أن هناك امرأة تطلبه ومن معجبيه ؛نحن نستحي من كبيرنا.
- والحل؟
- لا أدري ما الحل.
- إذن أعطني رقم هاتفه لأخبره بنفسي.
- لا، لن أعطيكِ إياه.
- لماذا؟
- لا أدري، لكني لن أعطيكِ إياه.
- أرجوك.
- يا الله.. ما الذي فعله معكِ لكل هذا الرجاء؟
- لا أسمح لك، فهو مجرد مطرب وأنا من محبي صوته.
- لن أعطيك إياه أبداً .. أبداً.
يغلق الهاتف في وجهي..
ولا أخفيكم سراً جذبتني نبرته البدوية وذلك الصوت الأجش الذي شعرت أنه يخرج من صخرة حنجرته وإصراره العجيب في عدم منحي ما أريد!
استقللت سيارتي وجُبت كل الأماكن التي سمعته فيها من قبل.
كل مكان أسأل عنه ولا أجده.. مرت ساعتان بحثاً وباءت كل محاولاتي بالفشل.. ما كان يدفعني إلى البحث أكثر هو أخوه الغامض الذي رفض منحي رقم هاتفه كأني لو وجدته سأنتقم بهذا منه.
أرهقني البحث.. عندما لم أجد بداً هاتفته مرة أخرى؛ لشيئين أولاً والأهم ولا أعرف السبب سماع صوته والثاني: السؤال عن أخيه.
- أنتِ مرة أخرى؟!
- أرجوك، لي ساعات أجوب الشاطئ بحثاً عن مكانه ولم أجده، أخبرني لتقتل حيرتي.
- لن أخبركِ.
- لماذا هذا الإصرار العجيب؟! هل لعاداتكم القديمة الراسخة...؟
- لا. سلام.
- ولماذا إذن...؟
وهمّ أن يغلق الهاتف فبادرته: لحظة. أنا بدوية وآتي كل عام هنا وأحب سماع صوته. سرقته كلمة "بدوية".
- بدوية من أي القبائل؟
أجبته وصار بيننا حوار مفتوح، وقد كان أكثر رقة من قبل وعندما نفد رصيدي ومات هاتفي كمداً قضمت شفتي غيظاً فقد ضاعت الليلة ولم أسمع فيها لحناً يعيد شجون الماضي.
أبتلع حنقي لكن صوته ما زال يجوب داخل دروب أذني.. مرة يطربني ومرة يغضبني.
ليدق هاتفي راقصاً برقمه.
لم أصدّقه.. لكن رنينه كان يزداد ليؤكد لي أنه هو.
لا أدري ما لذي حدث لي، رددت بسرعة لأسمعه مرة أخرى وسؤال يحيرني: ما هذا الإدمان المفاجئ؟
تخرج حروفه راقصة فرحة مغزولة على أحبال صوته فتستقبلها أذني سعيدة بهذا اللحن الجميل.
- أين ذهبتِ؟
- نفد رصيدي.
- أعتذر لكِ، كان المفروض أن أطلبك من هاتفي حتى لا ينفد رصيدك.. بعد الآن كل ما عليك هو إعطائي رنة واحدة وأطلبك فوراً.
دهشت.. ما كل هذه الطيبة والرجولة ؟! يا الله! خطفني هذا الرجل العجيب مني!
صمت مريب يمرّ بيننا عبر خطوط لا سلكية تشعر بشيء ما سينفجر داخلنا، فلأقتل هذا الصمت.
- ألن تخبرني برقم هاتف أخيك؟
وإجابة كانت كطلقة لا تبقي ولا تذر دهشتُ لها.
- هل أقتله لكِ لتستريحي؟
وصمت آخر يلتهم كل محاولات ردي.
- هل تحبينه؟
بسرعة كريح فقدت عقلها: كلا.. فقط تعيدني أغنياته إلى الأيام الخوالي مع أمي وعشيرتي.
لا أدري لماذا أجبته بهذه السرعة وبهذه الطريقة كمذنب يخشى إلصاق التهمة به!
أردفت: أتقتله لأني أريد رؤيته وسماعه؟!
- نعم، وربي أفعلها.
- أنت تمزح؟!
- قلت لكِ وربي أفعلها ولا أقسم كذباً.
- لماذا؟!
- مع السلامة.
إجابة كنت أنتظرها، سألت نفسي: من هذا؟ وأي إجابة تلك التي تنتظرينها من شخص لا تعرفينه ولا تعرفين حتى اسمه؟
ليلي لا يعرف الرحيل عن ساعاتي التي تعاني الأرق والسهد حتى حبسه النهار بنفسه وهو يعانده.
أتململ فوق فراشي أنا وهاتفي، ننتظر من..؟ لا أدري. أعبث برقمه، أحاول أن..
بضغط لا أعرف ممن.. هل مشاعري أم قلبي أم فرحتي بجملته المرعبة التي ستحوله إلى قابيل آخر ودون إبداء سبب وجيه، هل يغار منه لأن صوته شجي عذب؟ لكن نبرة الآخر تحمل بين طياتها صوتاً رخيماً لو غنى سيطرب...
بلعت أسئلتي المتكلسة وشربت فوقها مياه انتظاري لترحل دون رجوع.
مرّ نصف النهار ولم يحرك هاتفي ساكناً.
مرة أخرى أتصل بهذا الذي يسكن مشاعري فيغلق الاتصال، وأستعد بكل ما أوتيت من قوة للوقوف بثبات أمام اتصاله فترهق كل جنودي وهي تنتظره.
مرة أخرى أعيد الكره.. يغلق ولا مجيب.
أخرج إلى البحر ألقمه أعواد غضبي المشتعلة عله يطفئها وأشكو له ما حدث، لكن ما زال صوته يعبث بمدن ثباتي.. أسير أركل صدر البحر أعبث بقدمي فوق صدره الرملي.
يدق هاتفي برقمه.
- ألو، أين أنتَ؟ لماذا لم تجِب على اتصالاتي؟
بصوت حنون غير هذا الذي سمعته أمس، تعجبت مني؛ فقد عرفت كيف أفرق بين صوته من مجرد محادثتين.
- أعتذر لكِ، فابني كان مريضاً وكنت به عند الطبيب وبعدما اطمأننت عليه هاتفتك.. أخبريني كيف مرّت ليلتك ونصف نهارك؟
وقفت كلمة "ابني" هنيهة قبل أن تبتلعها أذني، بعدما سألت عن ابنه باغتّه، فلا وقت لدي، فأمامي ثلاثة أيام وأعود إلى مدينتي.
- أريد أن أراكَ.
يعود صوته يرتدي ثوب الغرور.
- لماذا؟ أخشى أن تفرّي مني، فأنا أسود الوجه قاسي الملامح أغبر أشعث.
- لا يهمني، أريد أن أراكَ فقط لمرة واحدة.
- أنا الآن في السوق، لو أتيتِ رأيتني.
- نصف ساعة وأكون هناك..لكن بأي الأماكن نتلاقى؟
هرعت إلى هناك وشوقي يسبقني، وانتظرت أن يأتي.
تلفحني سياط الشمس ولا أبالي، أسأل نفسي: من هذا الذي يشغلني؟ يقول إنه أسود أشعث أغبر وتصرّين على رؤيته؟ ارحلي.. كلا لن أرحل قبل أن أراه فأقطع هذا الحبل الواهي الذي يربطني بشخص وهمي إلا من صوت غزاني.
تمرّ ساعة.. ساعتان.. هاتفه مغلق.
أعود أجمع غلة خيبتي الفاسدة بعدما قررت ألا أفكر فيه أو أجيب عليه إن طلبني.
بعد ساعتين يدق هاتفي، قطعتُ يد حنيني حتى لا تجيبه.. دقات طويلة وهاتفي يصرخ لأجيب.. ودون شعور.
- نعم.
بصوته الحنون الذي ينام فوق وسادات حنيني.
- سامحيني، فقد ذهبت خارج البلدة وكان هناك حادث بالطريق لم أستطع العودة في الموعد، أيضاً لم تكن هناك شبَكة اتصال فقد كنا داخل الجبل.
اعتذاره كان كمياه تُقبّل نيران غضبي.
عادت ملامح صوتي إلى طبيعتها.
- سنتقابل غداً بإذن الله.
خشيت أن أسأله عن أخيه حتى لا يغضب وأفقده.
يأتي الصباح متكاسلاً كأنه لم ينعم بالنوم مثلي طوال الليل.
هاتفي يدعوني إلى إفطار جميل على موائده.
كنت أتأهب إلى الذهاب إلى الشاطئ وعائلتي تتعجب من هذا الشرود العجيب الذي انتابني منذ حضوري معهم.
- هل أراكِ اليوم؟ حدثيني عن نفسك.
تمر ساعة ونحن نتبادل الحوار والضحكات تزين حوارنا، وقد اقتربنا من بعضنا برغم خوفي من مواصفاته التي أخبرني بها، كنت على استعداد أن أتقبل شكله حتى ولو كان قرداً يقفز.
- أنا قريب من مكان إقامتكم، هل أراكِ من الشرفة؟
- نعم، أنا بالشرفة.
- إذن خمس دقائق وأكون تحت البناية.. سيارتي لونها أزرق ونوعها...
مرت ساعة وكادت عيناي أن تقعا من محجريهما بحثاً عن سيارته، ساعتان لأجدني أبكي.. لكن لماذا أبكي؟ عنفت نفسي ولمتها لغباء يسكنها وفي محاولة مني لجرح مشاعري لأنزفه خارجها.
مر اليوم خانقاً وأنا نادمة.. فقد ضاع المصيف بين غرور وعناد رجل لا أعرفه وسذاجة مشاعري البلهاء.
قررت أن أدرك ما مرّ من أيامي فذهبت إلى البحر وأغلقت هاتفي حتى لا أنتظره بعدما مزقني انتظار هذا المجهول العابث بي وبكرامتي.
ضاع يومي وأنا أشاهد المصطافين يمرحون ويلعبون بهذا الهادئ الذي يتقبل بكل الحب صخبهم وضجيجهم كأنه أمّ حنون تفرح بلهو أطفالها.
برغم نسياني له إلا أنني كلما شاهدت رجلاً بدوياً أسمر نظرت إليه حتى إن الرجل ينظر حول نفسه سائلاً عن سبب نظراتي.
اليوم الأخير بالمصيف..
محنة قلبي وهاتفي المغلق ومشاعري القلقة التي دون أن أدري ستنهار مني على تلك الأرض التي شعرت أني أكرهها بعد كل هذا الحب الذي أسكنته داخلي عمراً.
بهاتفي خاصية تتلصص على كل من يطلبني وتخبرني.
أكثر من ثلاثون مرة طلبني وكل مرة تهدم لبنة من جدار إصراري لنسيانه ويرتفع جدار غروري أمامه فهو يريدني ويلهث خلفي.
يعود هاتفي يتراقص على نغمات رقمه.
بصوت يتراجع شوقاً وخجلاً وحنيناً يسبق الحروف بعلامات ترقيم تحمل كل معاني العشق.
- قبل أن تتحدثي.. أعتذر لك فقد حدث ظرف طارئ جعلني لا أحضر.
صمتٌ يتملكني وفكر يقيدني بين شعلتَين: شعلة احتراق روحي وشوقي لرؤيته، خصوصاً أنني سأرحل في الصباح، وإن لم أرَه فسأموت قهراً، بين إعراضي وحنقي لإهدار كرامتي.
- قولي شيئاً.. أرجوكِ لا تقتليني بصمتك.
تعجبني نبرة توسله كأني بها تعيد إليّ بعضي المذبوح بنصل إهماله، عندما طال صمتي عاد بنبرته الحادة ليضيع زهوتي بالانتصار.
- لو لم تجيبي فلن تسمعي صوتي مجدداً.
في محاولة مني لجمع حطام حروفي وخروجها ممزوجة بشوقي وخيبة أملي.
- سأسافر غداً.
- لماذا لم يمرّ سوى ثلاثة أيام فقط.. هل مدينتنا لا تستحق أياما أطول؟
- للأسف تنتهي إجازة والدي ويجب أن نرحل "بصوت خلع حياءه" لن أستطيع السفر دون أن أراكَ، أرجوكَ.
- أنا أكثر منكِ حرصاً على رؤيتكِ. أين ستسهرين اليوم؟
- بشاطئ رومل.. هل تصدق؟ أخشى أن تكون ثعلباً جديداً للصحراء تزرع داخل مشاعري ألغاماً فتنفجر تباعاً.
- أبداً والله، سآتي إليك اليوم حتى وإن مت.
يأتي الليل على عجل كأن مشاعري تدفع النهار من ظهره ليرحل سريعاً.
أرتدي أبهى ثيابي وأتزين بإتقان وبراعة وأذهب.. لكن هذه المرة كنت على يقين بأنه سيأتي لا محالة، فشوقه أضعاف شوقي.
هاتفني ليعرف كيف يعرفني.. أخبرني برقم سيارته ولونها.. كان رقمها مميزاً.. ذهبت مشاعري تعلق داخلي أفرع نور من فرح وسعادة.
فرقة من بدو سيوة تقيم سرادقاً يرتاده المصطافين ليروا الرقصات والأغنيات السيوية.
جلست مع عائلتي نصفق إلى الراقصين ونستمع إلى الأغنيات الجميلة.
يأتي أحد الراقصين يمسكني من يدي ويراقصني على دفوفهم، أدور معه في فضاء سعادة لا أدري من أين تستقي روحها، هل من انتظار عشق سيدُكّ روحي حدوثه؟ أم من راحة ستتملكني بعد رؤيته لأبتعد وأنا أطرده من مشاعري دون رجعة؟
أفيق فأجدني أرقص داخل حلقة راقصة من الفتيات والجميع يرقص بسعادة.
جزء مني معهم وكلي هناك أقف على ناصية الطريق أنتظره.
طلب مني أخي الصغير أن أصطحبه ليركب دراجة،.. كنت أمرّ بالشارع، أتفادى السيارات المارة.. معي أخي الصغير.. عند مروري رأيت سيارة تحمل نفس الرقم واللون.
نظرت إلى من يقودها وتشبثت عيني بزجاجها تُقبّله، هالني ما رأيت!
قائدها ينظر إليّ، نسي أن الشارع يكتظ بالأطفال ونفيق من غفوة نظراتنا على صوت ارتطام طفل يقع بدراجته أمام السيارة.
عدوت بعيداً وهو يفرق الناس ليرى ماذا حدث ويختلس النظر إليّ.. ولما اطمأن على سلامة الطفل هرعت إلى سيارتي ليأتي خلفي بسيارته ونقف بعيداً عن الحشد.
يترجل من سيارته، وليته لم يفعل.
اقترب من نافذتي حتى صار وجهه بوجهي، وقال:
- بسم الله ما شاء الله. هل أنتِ هي؟
أجابته عيناي وهي تحمل في جوابها سؤالاً: أين الأشعث الأغبر الأسود؟
يضحك عالياً، جلجلة ضحكته تعبث بضفائر مشاعري كان كالبدر يوم اكتماله، تفوح رائحة عطره فتحلق بالوجدان أيما تحليق.
- كم أنتِ جميلة وفاتنة، كيف كنت أهرب منكِ؟!
- هل كنت تهرب مني؟
- الحقيقة نعم.
هممت بالرحيل من أمامه، فقد اعترف لي.
تشبث بجسد سيارتي لا يريد رحيلي.
- انتظري.. أعرف الكثيرات يأتين إلى المصيف وقد خدعتني أكثر من واحدة أما أنتِ فغيرهن جميعاً.
فجأة وجدته يضرب جسد سيارتي برأسه وكاد أن يُجرَح.
- يا لغبائي؛ كيف أضيعك من يدي وأهدر تلك الأيام الفائتة دون لقائك؟!
أنتشي وأنا أسمع أنين ندمه فتعود كرامتي تعتلي ملامحي وقسماتي.
- يجب أن أرحل.
- أرجوكِ، ابقي قليلاً.
- للأسف لا أستطيع فسنعود لتجهيز حقائبنا لأننا سنسافر في الصباح إن شاء الله.
- ألا تستطيعين البقاء يوماً أو يومين؟
- للأسف.
أرحل من أمامه لأجده يترنح ويجلس فوق الرصيف مهموماً حزيناً وأجدني قد تركت بعضي ناعساً بين يديه.
هاتفي يدق، نظرت إلى الخلف وجدته جالساً مكانه لم يبرحه.
- غبي أنا.. هل تصدقينني؟ لا أستطيع النهوض بعدما سرقتِ مني قوّتي وسقطتّ داخل بحر عينيك.
كان الحديث أكبر من حروفي.
- كيف كنت أفرّ منكِ؟! لعبة لعبها معي القدر بأن أراكِ في لحظة فقدك، أموت عشقاً وأنت تبتعدين. كوني على يقين بأني لن أنساك ما حييت يا أجمل من رأت عيني.
- أنا لن أنساكَ، فأنتَ الرجل الوحيد الذي استطاع أن يسرقني مني ويهدر كرامتي.
- أرجوكِ، اغفري لي خطيئتي، فوالله ستعاقبني مشاعري ألف ألف مرة بما فعلته وتضربني بشوقي وحنيني وحبي لكِ. متى تسافرين في الصباح؟
- لا تسأل، فأنت تستيقظ في الظُّهر كما أخبرتني.
- فقط أخبريني.
- في السادسة صباحاً.
ينقضي الليل وقد نعمت برؤيته، وإلا كنت سأتمزق مرات ومرات لو لم أرَه وبعد رؤيته شعرت بحبه يملأ زجاجات الروح بالعشق الأصعب.
وفي الصباح..
دقات هاتفي تمدّ يدها لتوقظني بهمسه الرقيق.
- صباح الخير حبيبتي.
- صباح الخير. ما هذا؟ كيف استيقظت مبكراً هكذا؟
- لم أنَم ولم أبرح من أمام مسكنكِ طوال الليل، قضيت ليلي وقلبي يلهب مشاعري بسوط غبائي.
- اذهب لترتاح.
- هل تتخيلين أني سأعرف طعم الراحة بقلبي هذا الذي يحتضر بفراقك؟!
لم أجد حروفاً لأجيبه فقد التهمها حزني ومحا أبجدية معاجمي.
نضع حقائبنا بالسيارات لأجد سيارته تقف على مقربة منا.. يجلس داخلها يرسل إليّ نظراته تُقبّل ملامحي وكأنها ترتشفها لتحتفظ بها بعد رحيلي.
تخرج السيارات في قوافل تسير خلف بعضها.
نظراته تلاحقنا، اعتذرت بأني نسيت شيئاً بغرفتي وعلىّ جلبه.
عدتُ إليه واقتربت منه لأجده ...........
ملاحظة
( المدينة مطروح القريبة من الإسكندرية ومعظمها من البدو )
تعليق