أسرّة للجميع / محمد فطومي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    أسرّة للجميع / محمد فطومي

    أسرّة للجميع


    * دائما إلى شباب تونس الذين لم يتسنّ لهم أن يتذوّقوا شهد رمادهم..


    ارتعشت شفتاه،و أطرق،ثمّ رفع رأسه و قال تخنقه رغبة في النّشيج و يداه تخفيان عينيه:
    - ألف سنة يا أستاذ ..و ليس مدى الحياة..عقوبتي ألف عام..
    كره أن يبكي فرسم ابتسامة سخرية و تابع بصوت خافت نقيّ:
    - الكرة الآن في ملعبي كما ترى..من يدري..ربّما شملني عفو رئاسيّ في عيد ميلاد نمر ابنته،و أسقطوا عنّي مائة عام مثلا.
    و وخزه شعور مريع كالنّدم أو كما لو أنّه لم يصمت من ألف عام فصمت.
    أطلق المحامي زفرة حارّة و جال ببصره في أرجاء الزّنزانة،حتّى وقعت عيناه على لطخة عابسة خضراء طحلبيّة كصخور المرافىء،فسرى في معدته تيّار قلق و رهبة في آن واحد كما لو أنّه دُعي ليغنّي أمام سكّان العالم بعد لحظة.
    و ساد السّكون و عجن العدم بينهما الحيرة و أسئلة لا جدوى منها و راح ينشرها في ضيق الغرفة،و قوي صريرها فاستجاب رفيق:
    - الجُرب الأوغاد ..ذباب الجيف،ختموا بي زورهم و قذفوا بي في السّجن..
    ..لكنّي سأنتقم..بشرفي سأنتقم..
    و تذكّر العقوبة، فصاح :سأعيشها رغما عنهم..سأعيشها و سأخرج و سآكلهم..الأوغاد..سآكلهم يا أستاذ تأكّد..
    هنا لم ينجح المحامي في طرد خاطرة لئيمة كالتّفاوض على بيع أنقاض تحتها أنين،و عبثا حدّث نفسه بغربتها وسط عاداته.غلّفت تفكيره و سيطرت عليه فاستسلم لها و رأى في ومضة كيف أنّ رفيق يتسلّم أغراضه و يروّجها في السّوق السّوداء لتجّار الآثار و كيف سيجني من ورائها ثروة خرافيّة..
    اقترب رفيق من المحامي أكثر و أشعل سيجارة و سرحت أفكاره و ارتفع إلى مخيّلته كالحلم مشهد يرى نفسه فيه يقف على الرّصيف في قلب المدينة أمامه عربة بعجلتين فوقها صندوق زجاجي به أعضاء بشريّة لأفراد الجحر الحاكم الذين نسفوه لأنّه كاد يقاوم لمّا سرقوه؛صندوق به:كلى و رموش و جلود و عيون و شعر و دم و نخاع و أسنان و عظام بكلّ الأحجام..أسفل العربة كتب لافتة بخطّ رفيع أحمر:- بشرى للجميع - هنا يباع أعداء الشّعب بالتّفصيل..
    و سمع هتافه:
    - خذ ثأرك .. زيّن دارك..اطفِ نارك..
    و رأى النّاس مزدحمين على العربة عند باب مدينة الملاهي.كانوا يتعاركون و يتزايدون على بضاعته ،غير أنّهم كانوا مبتهجين حدّ الطّفولة.و كانت في الجوّ فقاعات صابون قزحيّة و طائرات ورقيّة و بالونات ملوّنة و ضحكات صبية من بعيد..و جلاء في الهواء..جلاء في الهواء.
    فُتحت أقفال الأبواب الثّلاثة للرّواق المؤدّي إلى الزّنزانة و الحارس يتقدّم ..قرع عليهما الباب بهراوته بنزق و نادى بعنف مائع كسول:
    اخرس يا كلب..الموت لكم .لا تنامون،و لا تتركون من ينام..


    محمّد فطومي
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    #2
    - خذ ثأرك .. زيّن دارك..اطفِ نارك..

    و رأى النّاس مزدحمين على العربة عند باب مدينة الملاهي.كانوا يتعاركون و يتزايدون على بضاعته ،غير أنّهم كانوا مبتهجين حدّ الطّفولة.و كانت في الجوّ فقاعات صابون قزحيّة و طائرات ورقيّة و بالونات ملوّنة و ضحكات صبية من بعيد..و جلاء في الهواء..جلاء في الهواء.



    الأستاذ القدير : محمد فطومي ...
    أهم ما في النص ...ذاك الأمل الذي لايخبو ، رغم قسوة الظّروف ..
    نصّ قوي..يسقط مواجع من عمر السنين ..
    من عمر الظّلم الذي فتّت الرئة المشتاقة إلى نسائم الحريّة ، والخلاص ..
    مازالت إرادة الحياة في الصّدور قويّة ...ومن أجل ذلك ...لا بدّ أن يستجيب القدر ..
    تقبّل تحيّاتي ...وأمنياتي ...أديبنا الرّائع محمد ...

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميل القدير
      محمد فطومي
      هذه تحفة من الوجع
      تراكم سنين الوجع والقهر
      أوجعتني الألف عام كأني كنت صاحبتها
      هي ألف عام من الألم الذي مازال بعد
      نص مؤثر وفيه شجن قاهر لكن الأمل ومضة مضيئة فيه
      ودي الأكيد لك
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        أستاذة إيمان.
        أجمل تحيّة.
        لا أدري حقيقة كيف أعبّر لك عن امتناني لزيارتك الدّافئة الصّادقة.
        شكرا لك.
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        • محمد فطومي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 05-06-2010
          • 2433

          #5
          أستاذة عائدة.
          أُسر كثيرا حين أجد لك تعليقا على أحد أعمالي،و لا أذكر أنّك أهملت واحدا منها.
          أُسرّ و أُصاب بأنس غريب.
          أشكرك على ما تبذلينه من جهد من أجل التّواصل مع الأخوة الكتّاب،أعلم أنّ ذلك صعب للغاية و يحتاج صبرا و تضحية ،و لكنّك بإذن الله موفّقة و لديك أكثر ممّا نحتاج.
          إيمان أيضا لا تدّخر مجهودا،لكما كلّ المودّة و العرفان.
          التعديل الأخير تم بواسطة محمد فطومي; الساعة 18-01-2011, 14:25.
          مدوّنة

          فلكُ القصّة القصيرة

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            اقترب رفيق من المحامي أكثر و أشعل سيجارة و سرحت أفكاره و ارتفع إلى مخيّلته كالحلم مشهد يرى نفسه فيه يقف على الرّصيف في قلب المدينة أمامه عربة بعجلتين فوقها صندوق زجاجي به أعضاء بشريّة لأفراد الجحر الحاكم الذين نسفوه لأنّه كاد يقاوم لمّا سرقوه؛صندوق به:كلى و رموش و جلود و عيون و شعر و دم و نخاع و أسنان و عظام بكلّ الأحجام..أسفل العربة كتب لافتة بخطّ رفيع أحمر:- بشرى للجميع - هنا يباع أعداء الشّعب بالتّفصيل..



            و سمع هتافه:



            - خذ ثأرك .. زيّن دارك..اطفِ نارك..



            و رأى النّاس مزدحمين على العربة عند باب مدينة الملاهي.كانوا يتعاركون و يتزايدون على بضاعته ،غير أنّهم كانوا مبتهجين حدّ الطّفولة.و كانت في الجوّ فقاعات صابون قزحيّة و طائرات ورقيّة و بالونات ملوّنة و ضحكات صبية من بعيد..و جلاء في الهواء..جلاء في الهواء.


            الله عليك محمد
            ولغة العجز تستمد من الروح عنفوانها إلى مالا نهاية
            فهل كان حلما ، استمد أدواته من عنفوان الظلم و قسوته
            أم ترنم على ما كان هناك ، فى الثورة الفرنسية و ما كان فيها ؟
            و لكن و برغم كل ما كان كان الانكسار
            و الانحدار و المأساة



            كنت هنا حالما بقوة أحصنة سبع
            تتحدث كرجل الشارع القادر على الفعل ، و على جر عربته
            لا هذا الرقيق المكسور بالكلمات و لغة الأدب الرهيفة



            كم أنت أنت جميل محمد
            و أنا أتخيلك تقود عربتك بتلك ألأعضاء البشعة التى كانت هياكل الظلم و الظلمة يوما !!


            رحم الله البوعزيزى و أثابه عنا خيرا ، فلن يضيع هباء أبدا مهما طال عهد الظلم و الظلمة
            sigpic

            تعليق

            • محمد فطومي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 05-06-2010
              • 2433

              #7
              معلّمي ربيع.
              في قلب الحقيقة نحلم،كنّا نحمله حقيبة لا تفارقنا.و لمّا تحقّق لم ننس أن نقتصّ بالحلم أيضا،و يكأنّه السّبيل الأمثل للثّأر.
              دافع المحامي على العربة؛تكلّم و تكلّم فكان مصيره الحكم بالإصغاء وراء القضبان مدى ما رغب الجلاّد،و صارع رفيق؛الرّفيق، كما تملي الأيّام على صاحبها بانتزاع البقاء و الشّرف من أفواه الوحوش،فكان مصيره العزل في زنزانة ليس فيها من المرافق سوى عربة في الخيال.

              و البقيّة تعرفها أستاذي الجميل.

              كن دائما بالقرب ليصير لما نكتب معنى.
              مدوّنة

              فلكُ القصّة القصيرة

              تعليق

              يعمل...
              X