أسرّة للجميع
* دائما إلى شباب تونس الذين لم يتسنّ لهم أن يتذوّقوا شهد رمادهم..
ارتعشت شفتاه،و أطرق،ثمّ رفع رأسه و قال تخنقه رغبة في النّشيج و يداه تخفيان عينيه:
- ألف سنة يا أستاذ ..و ليس مدى الحياة..عقوبتي ألف عام..
كره أن يبكي فرسم ابتسامة سخرية و تابع بصوت خافت نقيّ:
- الكرة الآن في ملعبي كما ترى..من يدري..ربّما شملني عفو رئاسيّ في عيد ميلاد نمر ابنته،و أسقطوا عنّي مائة عام مثلا.
و وخزه شعور مريع كالنّدم أو كما لو أنّه لم يصمت من ألف عام فصمت.
أطلق المحامي زفرة حارّة و جال ببصره في أرجاء الزّنزانة،حتّى وقعت عيناه على لطخة عابسة خضراء طحلبيّة كصخور المرافىء،فسرى في معدته تيّار قلق و رهبة في آن واحد كما لو أنّه دُعي ليغنّي أمام سكّان العالم بعد لحظة.
و ساد السّكون و عجن العدم بينهما الحيرة و أسئلة لا جدوى منها و راح ينشرها في ضيق الغرفة،و قوي صريرها فاستجاب رفيق:
- الجُرب الأوغاد ..ذباب الجيف،ختموا بي زورهم و قذفوا بي في السّجن..
..لكنّي سأنتقم..بشرفي سأنتقم..
و تذكّر العقوبة، فصاح :سأعيشها رغما عنهم..سأعيشها و سأخرج و سآكلهم..الأوغاد..سآكلهم يا أستاذ تأكّد..
هنا لم ينجح المحامي في طرد خاطرة لئيمة كالتّفاوض على بيع أنقاض تحتها أنين،و عبثا حدّث نفسه بغربتها وسط عاداته.غلّفت تفكيره و سيطرت عليه فاستسلم لها و رأى في ومضة كيف أنّ رفيق يتسلّم أغراضه و يروّجها في السّوق السّوداء لتجّار الآثار و كيف سيجني من ورائها ثروة خرافيّة..
اقترب رفيق من المحامي أكثر و أشعل سيجارة و سرحت أفكاره و ارتفع إلى مخيّلته كالحلم مشهد يرى نفسه فيه يقف على الرّصيف في قلب المدينة أمامه عربة بعجلتين فوقها صندوق زجاجي به أعضاء بشريّة لأفراد الجحر الحاكم الذين نسفوه لأنّه كاد يقاوم لمّا سرقوه؛صندوق به:كلى و رموش و جلود و عيون و شعر و دم و نخاع و أسنان و عظام بكلّ الأحجام..أسفل العربة كتب لافتة بخطّ رفيع أحمر:- بشرى للجميع - هنا يباع أعداء الشّعب بالتّفصيل..
و سمع هتافه:
- خذ ثأرك .. زيّن دارك..اطفِ نارك..
و رأى النّاس مزدحمين على العربة عند باب مدينة الملاهي.كانوا يتعاركون و يتزايدون على بضاعته ،غير أنّهم كانوا مبتهجين حدّ الطّفولة.و كانت في الجوّ فقاعات صابون قزحيّة و طائرات ورقيّة و بالونات ملوّنة و ضحكات صبية من بعيد..و جلاء في الهواء..جلاء في الهواء.
فُتحت أقفال الأبواب الثّلاثة للرّواق المؤدّي إلى الزّنزانة و الحارس يتقدّم ..قرع عليهما الباب بهراوته بنزق و نادى بعنف مائع كسول:
اخرس يا كلب..الموت لكم .لا تنامون،و لا تتركون من ينام..
تعليق