عدم حذف ألف "ما" الاستفهامية عند سبقها بحرف الجر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فريد البيدق
    عضو الملتقى
    • 31-10-2007
    • 801

    عدم حذف ألف "ما" الاستفهامية عند سبقها بحرف الجر



    (1)

    إنَّ طالبَ العلم إذا اقتصر أخذُه على كتب القواعد البعيدة عن كتب الخلاف قد يفاجأ عند تعامُله مع النصوص بما يُخالفها، فيسرع إلى التخطئة، وإن مُراجِع النصوص القوية يَحتاج إلى عدة لغوية لا تقتصر على القواعد المشهورة.


    ما النصوص القوية؟
    إنَّها نصوصُ القرآن الكريم، ونصوصُ الحديث الشريف، ونصوص زمن الاحتجاج اللُّغوي من شعر ونثر.


    ومن المسائل التي قد يَجد المراجع اللُّغوي في النصوص ما يُخالف القواعد المشهورة فيها - مسألة عدم حذف ألف "ما" الاستفهامية بعد حرف الجر، التي تنص القاعدة على حذفها فرقًا بينها وبين "ما" الموصولة.


    هذه القاعدة مُقررة مشهورة، لكنَّك إذا تعاملت مع النُّصوص، وجدت شواهد تُخالفها؛ مما يَجعلك تتريث في التخطئة، لا سيما نصوص الحديث الشريف.


    وقد أورد ابنُ مالك جُلَّ هذه الشواهد في كتابه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح"، وحكم عليها بالشذوذ؛ مما جعل المحقق الدكتور (طه محسن) يعقب ص31 مُعلِنًا مُخالفةَ ابن مالك في هذه الجزئية منهجه في غيرها في عدم تشذيذ موضوعِ الشاهد الواحد، فما باله قد شذَّذ هذه الحالة، على الرَّغم من تعدُّد الشواهد؟!


    وقد وجدت شاهدين غير ما ذكر ابن مالك، وها هي الشواهد كلها.


    (2)

    تحتوي الشواهد على: شاهد قرآني، وشواهد حديثِيَّة، وشاهدين شعريين.
    أ - الشاهد القرآني.
    قال ابن مالك ص217 - 218:
    ونظير ثبوت الألف في الأحاديث المذكورة ثبوتها في ﴿ عَمَّا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ على قراءة عكرمة وعيسى.


    ب- شواهد من الحديث الشريف.
    أولاً: صحيح البخاري:
    أورد ابن مالك في كتاب "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" شاهدَيْن اقتصر فيهما على موضع الشاهد، لكنَّني أورد الرِّوايتين كاملتين:
    حدثنا المكي بن إبراهيم عن ابن جريج: قال عطاء: "قال جابر - رضي الله عنه -: أمر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عليًّا - رضي الله عنه - أن يقيمَ على إحرامه، وذكر قول سراقة، وزاد محمد بن بكر عن ابن جريج: قال له النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بما أهللت يا علي؟))، قال: بما أهل به النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((فأهدِ، وامكُث حرامًا كما أنت))".


    حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لَيَأْتِيَنَّ على الناس زمانٌ لا يبالي المرء بما أخذ المال؟ أمن حلال، أم من حرام؟)).


    ووجدتُ في صحيح البخاري حديثًا ثالثًا لم يُشِرْ إليه ابن مالك، أتت فيه الكلمة وَفْقَ القاعدة المشهورة مرة، وبعدها بقليل جاءت بالصورة المخالفة:
    حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله بن عبدالقاري القرشي الإسكندراني، قال: حَدَّثنا أبو حازم بن دينار أنَّ رجالاً أتوا سهلَ بن سعد الساعدي، وقد امتروا في المنبر مِمَّ عوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: والله إني لأعرفُ مما هو؟ ولقد رأيته أولَ يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أرسل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى فلانة امرأة من الأنصار قد سَمَّاها سهل: مُرِي غلامَك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأمر بها، فوضعت ها هنا، ثم رأيت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلى عليها، وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلَمَّا فرغ أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنَّما صنعت هذا؛ لتأتموا ولتعلموا صلاتي.


    ثانيًا: رواية في مصنف عبدالرزاق:
    ووجدت هذه الرواية في مصنف عبدالرزاق، الجزء السادس، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، من منشورات المجلس العلمي، ص192 - 193:
    10535 عبدالرزاق، عن ابن جُرَيْجٍ قال: حدثت أنَّ سلمانَ الفارسي تزوج امرأة، فلَمَّا دخل عليها، وقف على بابها، فإذا هو بالبيت مستورٌ، فقال: ما أدري أمَحْموم بيتكم أم تحولت الكعبة في كندة؟ والله لا أدخله حتى تُهَتَّكَ أستارُه، فلَمَّا هَتَّكُوها فلم يبقَ منها شيء، دخل فرأى متاعًا كثيرًا وجواريَ، فقال: ما هذا المتاع؟ قالوا: متاعُ امرأتك وجواريها، قال: والله ما أمرني حِبِّي بهذا، أمرني أنْ أُمْسِكَ مثل أثاث المسافر، وقال لي: ((مَن أمسك من الجواري فضلاً عما نكح أو يُنْكِح، ثم بَغَيْنَ، فإثْمُهن عليه))، ثم عمد إلى أهله، فوضع يدَه على رَأْسِها، وقال لمن عندها: ارتفعن، فلم يَبْقَ إلا امرأتُه، فقال: هل أنت مطيعتي رَحِمك الله؟ قالت: قد جلستَ مَجْلِسَ مَن يُطاع، قال: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لي: ((إِنْ تَزَوَّجْتَ يومًا، فليكن أولَ ما تلتقيان عليه على طاعة الله))، فقومي فلْنُصَلِّ ركعتين، فما سَمِعْتِنِي أدعو به فأَمِّنِي، فصليَا ركعتين وأمنت، فبات عندها، فلما أصبح جاءه أصحابه، فلَمَّا انتحاه رجل من القوم، فقال: كيف وجدت أهلك؟ فأعرض عنه، ثم الثاني، ثم الثالث، فلما رأى ذلك، صرف وجهه إلى القوم، وقال: رحمكم الله، فيما المسألة عما غيبت الجُدُرات، والحُجُب، والأَسْتَار؟ بحَسْبِ امرئٍ أن يسأل عما ظهر إن أُخْبِرَ أو لَم يُخْبَر.


    ب- شاهدان شعريان:
    أورد الكتاب هذين الشاهدين:
    قول حسان - رضي الله عنه -:
    عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ
    كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ




    قول عمر بن أبي ربيعة:
    عَجَبًا مَا عَجِبْتُ مِمَّا لَوَ ابْصَرْ
    تَ خَلِيلِي مَا دُونَهُ لَعَجِبْتَا

    لِمَقَالِ الصَّفِيِّ فِيمَا التَّجَنِّي
    وَلِمَا قَدْ جَفَوْتَنَا وَهَجَرْتَا




    ثم قال ابن مالك ص218:
    وفي عدول حسان عن "علامَ" وعدول عمر عن "لماذا" مع إمكانهما دليلٌ على أنَّهما مُختاران لا مضطران.


    (3)

    ماذا يعني هذا؟
    يعني أنَّ مَن يتعامل مع النصوص التراثية يلزمه التريُّث عند وجود ما يُخالف ما درسه، ويلزمه البحث، وإذا لم يَجِدْ نتيجةً لبحثه، فعليه بالتوقُّف حتى يُوجَد له علمٌ في مسألة المخالفة تلك.
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    تحياتى البيضاء

    كل الشكر للأستاذ فريد على هذه الدرة اللغوية التى نثرها على متابيعه وقرائه ، شكرا جزيلا لهذا الجهد اللغوى المثمر بإذن الله

    تعليق

    • فريد البيدق
      عضو الملتقى
      • 31-10-2007
      • 801

      #3
      بوركت شاعرنا الحبيب الأستاذ محمد!

      تعليق

      • بلقاسم علواش
        العـلم بالأخـلاق
        • 09-08-2010
        • 865

        #4
        [align=center]شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك أستاّذنا المحقق/ فـريـد البيدق
        على التنويربهذه المسائل الخلافية، التي تجعل غير المطلع مندفعا متسرعا ظانا(الظن بمعنى الشك لا اليقين) أن الصواب حليفه، في حين هو على طرف من طرفي المعادلة،ومعرفة هذه المسائل الخلافية يكبح جماح التسرع، ويوزن النقد بميزان الإعتدال.
        شكرا لك مجدداً أخي فريد
        وفقك الله
        ولك مني أجمل تحية .

        [/align]
        لا يَحـسُـنُ الحـلم إلاّ فـي مواطـنِهِ
        ولا يلـيق الـوفـاء إلاّ لـمـن شـكـرا

        {صفي الدين الحلّي}

        تعليق

        • حسين ليشوري
          طويلب علم، مستشار أدبي.
          • 06-12-2008
          • 8016

          #5
          لا يسعني إلا أن أشكر أستاذنا المحقق و المدقق اللغوي فريد البيدق على ما يتحفنا به من مواضيع قيمة في اللغة العربية الشريفة و أدعو الله ليجزيه عنا و عنها خيرا، اللهم أمين يا رب العالمين.
          لقد سبق الأستاذ عبد السلام هارون، رحمه الله تعالى، في تحقيقه كتاب أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد، رحمه الله تعالى،"الإشتقاق" إلى صحة إثبات ألف ما الاستفهامية هذه في مكانين من الكتاب في الصفحة 13 و الصفحة 26، طبعة دار الجيل ببيروت لعام 1411/1991 الأولى، ففي الصفحة 13 يعلق على كلام ابن دريد في المتن و هو يشرح كلمة "الشَّوب" حيث يقول ابن دريد : "... و لا أدري مما اشتق في هذا الموضع ..." فيقول في الهامش : "هذا تعبير صحيح، وقرئ :"عما يتساءلون" و قد جرى ابن دريد كثيرا على إثبات ألف ما الاستفهامية في مثل هذا ..."؛ كما يعلق مرة أخرى في صفحة 26 على قول ابن دريد في المتن عند ذكر قول رجل من الصحابة، رضي الله عنهم، طعن :" فزت و الله " فقال طاعنه " بما فاز ؟"، يقول الأستاذ هارون معلقا في الهامش: "كذا ورد في الأصل بإثبات الألف، و هي لغة عاليةقرأ بها عكرمة و عيسى في قوله تعالى:"عما يتساءلون" اهـ بنصه مختصرا.
          إذن إثابت ألف ما الاستفهامية لغة عالية حسب زعم الأستاذ عبد السلام هارون رحمه الله تعالى و هذا ما يجعلنا نتساءل عن اللغة التي لا تثبت هذه الألف ما هي ؟
          أكرر شكري إلى الأستاذ فريد البيدق على مواضيعه القيمة.
          تحيتي و تقديري أستاذنا الفاضل.
          sigpic
          (رسم نور الدين محساس)
          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

          "القلم المعاند"
          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

          تعليق

          • منذر أبو هواش
            أديب وكاتب
            • 28-11-2007
            • 390

            #6
            حذف ألف ما الاستفهامية عند سبقها بحرف الجر

            حذف ألف ما الاستفهامية عند سبقها بحرف الجر

            أخي الكريم،

            حذف ألف (ما) الاستفهامية عند سبقها بحرف الجر، وإبقاء الفتحة دليلا عليها أصل واجب على قول ابن هشام في المغني، فضلا عن أن الالتزام بهذه القاعدة الجليلة مفيد جدا لتمييز المعاني، وعدم حصول اللبس بخصوص بعضها في الأذهان.

            وأما إثبات ألف (ما) الاستفهامية، أو حذفها وحذف الفتحة الدالة عليها معها في الشعر فلا يخفى على أحد أنه لضرورة شعرية.

            وأما إثبات ألف (ما) الاستفهامية في بعض القراءات فهو قليل ونادر وشاذ على قول كثير من اللغويين.

            والله أعلم،
            [align=center]

            منذر أبو هواش
            مترجم اللغتين التركية والعثمانية
            Türkçe - Osmanlıca Mütercim
            Turkish & Ottoman Language Translator
            munzer_hawash@yahoo.com
            http://ar-tr-en-babylon-sozluk.tr.gg/

            [/align]

            تعليق

            • الاستاذ عدي كريم محمود
              محظور
              • 05-10-2008
              • 75

              #7
              شكرا على هذا التوضيح النافع والمفيد
              يقول الشاعر : ياسكني الرمل من نجد احبكم==وان هجرتم ففيم هجركم فيما

              تعليق

              • الفتى الهلالي
                أديب وكاتب
                • 30-03-2012
                • 105

                #8
                السّلام عليكم و رحمة الله

                إذا اتفقنا على أنّ القرآن الكريم هو اللّغة العالية بإطلاق ، و هو أفصح كلام العرب باتفاق ، فلماذا يُعلي بعضهم إثبات ألف ما الاستفهاميّة إذا سُبقَتْ بحرف جرّ ؟ و الحال أنّها - و إن كانت الأصل - لم تردْ (بالإثبات) إلاّ قليلا ، و أكثر ورودها بالحذف .
                كذا قرّره أهل المعرفة بكلام العرب .


                ثمّ ماذا يقول من ينتصر لتلك اللغة و يُعجبُه قول من يُعليها ، إذا علم أنّ ما الاستفهاميّة حيثما وردتْ في القرآن الكريم مسبوقة بحرف جرّ حُذفتْ ألفُها ، و لم يَرد فيه - حسب علمي - إثباتها إلاّ في {عمّ يتساءلون} و هي قراءة شذّتْ عن قراءة الجمهور.

                فقد وردتْ بحذف الألف في مثل :


                قوله تعالى : {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}[الْحجر: 54]
                و في قوله تعالى : {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التَّوْبَة: 43]
                و في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصّف2]
                و في قوله تعالى : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصّف5]
                و في قوله تعالى : {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها} [النازعات: 43]
                و في قوله تعالى : {مِمَّ خلق} [الطارق: 5]


                فمثل هذه الآيات الكريمات لم يَردْ عن أحد من القرّاء إثبات ألف (ما) ، و لو كانت هي اللغة العالية - كما قيل - لقُرئَ بها و لو في قراءة واحدة .

                و نستدلّ في هذه المسألة بابن جنّي وهو من هو في اللّغة إذ يقول :
                ((إثبات الألف أضعف اللغتين)) ، [ذكره الألوسي في تفسيره للآية عمّ يتساءلون].

                و نستدلّ أيضا بتحقيق مفيد للعلاّمة بن عاشور في تفسيره التحرير و التنوير ، قال :

                " وَقَدْ جَرَى الِاسْتِعْمَالُ الْفَصِيحُ عَلَى أَنَّ (مَا) الِاسْتِفْهَامِيَّةَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ الْجَرِّ يُحْذَفُ الْأَلِفُ الْمَخْتُومَةُ هِيَ بِهِ تَفْرِقَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ (مَا) الْمَوْصُولَةِ.
                وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى اسْتِعْمَالُ نُطْقِهِمْ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْمَصَاحِفَ جَرَوْا عَلَى تِلْكَ التَّفْرِقَةِ فِي النُّطْقِ فَكَتَبُوا (مَا) الِاسْتِفْهَامِيَّةَ بِدُونِ أَلِفٍ حَيْثُمَا وَقَعَتْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [النازعات: 43] فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الْحجر: 54] لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التَّوْبَة: 43] عَمَّ يَتَساءَلُونَ مِمَّ خُلِقَ [الطارق: 5] فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْرَأْهَا أَحَدٌ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ إِلَّا فِي الشَّاذِّ.
                وَلَمَّا بَقِيَتْ كَلِمَةُ (مَا) بَعْدَ حَذْفِ أَلِفِهَا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ جَرَوْا فِي رَسْمِ الْمُصْحَفِ عَلَى أَنَّ مِيمَهَا الْبَاقِيَةَ تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِحَرْفِ (عَنْ) لِأَنَّ (مَا) لَمَّا حُذِفَ أَلِفُهَا بَقِيَتْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَأَشْبَهَ حُرُوفَ التَّهَجِّي، فَلَمَّا كَانَ حَرْفُ الْجَرِّ الَّذِي قَبْلَ (مَا) مَخْتُومًا بِنُونٍ وَالْتَقَتِ النُّونُ مَعَ مِيمِ (مَا) ، وَالْعَرَبُ يَنْطِقُونَ بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مِيمٌ مِيمًا وَيُدْغِمُونَهَا فِيهَا، فَلَمَّا حُذِفَتِ النُّونُ فِي النُّطْقِ جَرَى رَسْمُهُمْ عَلَى كِتَابَةِ الْكَلِمَةِ مَحْذُوفَةَ النُّونِ تَبَعًا لِلنُّطْقِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مِمَّ خُلِقَ .وَهُوَ اصْطِلَاحٌ حَسَنٌ." اهـ

                كما نستأنس بقول
                الرازي في مفاتيح الغيب في تفسير سورة النّبأ :


                " وَالِاسْتِعْمَالُ الْكَثِيرُ عَلَى الْحَذْفِ وَالْأَصْلُ قَلِيلٌ، ذَكَرُوا فِي سَبَبِ الْحَذْفِ وُجُوهًا أَحَدُهَا: قَالَ الزَّجَّاجُ لِأَنَّ الْمِيمَ تَشْرَكُ الْغُنَّةَ فِي الْأَلِفِ فَصَارَا كَالْحَرْفَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَثَانِيهَا: قَالَ الْجُرْجَانِيُّ إِنَّهُمْ إِذَا وَصَفُوا مَا فِي اسْتِفْهَامٍ حَذَفُوا أَلِفَهَا تَفْرِقَةً بَيْنِهَا وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ اسْمًا كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ وَبِمَ وَلِمَ وَعَلَامَ وَحَتَّامَ وَثَالِثُهَا: قَالُوا حُذِفَتِ الْأَلِفُ لِاتِّصَالِ مَا بِحَرْفِ الْجَرِّ حَتَّى صَارَتْ كَجُزْءٍ مِنْهُ لِتُنْبِئَ عَنْ شِدَّةِ الِاتِّصَالِ وَرَابِعُهَا: السَّبَبُ فِي هَذَا الْحَذْفِ التَّخْفِيفُ فِي الْكَلَامِ فَإِنَّهُ لَفْظٌ كَثِيرُ التَّدَاوُلِ عَلَى اللِّسَانِ." اهـ

                كما نستأنس أيضا ب
                ما حرّره محمود بن عبد الرحيم صافي في الجدول في الإعراب :

                "ويجب حذف ألف (ما) الاستفهامية إذا جرّت، وإبقاء الفتحة دليلا عليها، نحو: فيم، إلام، علام، بم. وقال الكميت بن زيد:
                فتلك ولاة السوء قد طال مكثهم ... فحتام حتام العناء المطوّل
                الشاهد فيه دخول حتى على ما الاستفهامية فحذفت ألفها. وكذلك قوله تعالى في الآية التي نحن بصددها (عَمَّ يَتَساءَلُونَ) .
                وأما قول حسان:
                على ما قام يشتمني ليئم ... كخنزير تمرغ في رماد
                فهذا ضرورة شعرية لا يقاس عليها ". اهـ

                التعديل الأخير تم بواسطة الفتى الهلالي; الساعة 01-04-2012, 12:41.

                تعليق

                • محمد فهمي يوسف
                  مستشار أدبي
                  • 27-08-2008
                  • 8100

                  #9
                  أفادكم الله أستاذ الفتى الهلالي
                  كما أرسل أرق التحية للأستاذ فريد البيدق
                  ======================
                  وهكذا يكون الحوار المثري للمدقق والمتصفح للغة الفصحى وقواعدها

                  وإني مع رأي الأستاذ منذر أبوهواش والأستاذ الفتى الهلالي على أن الأصل
                  هو الحذف لألف ( ما ) الاستفهامية إذا سبقت بجر ، كما ورد في الأمثلة المساقة
                  أما القلة والندرة ففي إبقائها ، وبالرجوع إلى كتب التراث ، ولغة القرآن الكريم المعجزة في بلاغتها
                  نجد أن الأمر جائز في القرآن على قلة استعمال إبقاء ألف ( ما ) الاستفهامية وليس على الاستعلاء
                  والكثرة في حذفها على المشهور والثابت من قواعد العرب في لغتهم الفصحى
                  =========================================
                  والله أعلى وأعلم .

                  تعليق

                  يعمل...
                  X