قصة قصيرة : حلوق حارة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.مصطفى عطية جمعة
    عضو الملتقى
    • 19-05-2007
    • 301

    قصة قصيرة : حلوق حارة

    قصة قصيرة : حلوق حارة

    تطلع النوخذة " صالح " إلى المياه التى أذابت في شفافيتها لون السماء . و هي تداعب جنبات السفينة الثابتة في مكانها منذ أيام ، بعرض البحر . يتكسر اللون الأبيض و الأزرق مع الطحالب الطافية . السكون يتحرك من أعماق الماء طافيًا . يحلّق إلي الكون الانهائي ، فيكسوه بالصمت . يتأمل تجاعيد أصابعه المتشبثة بأحد حبال السفينة . يداه السمراوان بفعل لفح الشمس ، تعكسان مرور السنين . منذ حادثته مع الأمواج ، روى له أبوه كيف ألقي به في البحر ولا تزال براءته عمرها شهور . صرخت أمه و استحال لونها مثل " الكركم " ، و فغرت فمها ، و الدموع تملحت بعينيها . قال الأب : " ستحفظه الملائكة يا " أم صالح " و سيباركه البحر " .

    ظل يتهادى على الأمواج و طمأنينة تُسيّل نفحاتها حولـه ، فتحيل بكاءه إلى انبساط ، ثم أطلقت أمه زغرودة .

    رفع بصره للسماء ، سحابة تتجمع في بطء تتأرجح مترددة في تلاقيها ؛ فلا ريح . أشرعة سفينتهم تستجدي كتل الهواء ، يديرونها للجهات الأربع و هي في انتصابها بنسيجها المفرود و البحـارة يتسمّـرون منذ تنفس الفجر ، و يستمرون مع تلظى الشمس رويدًا . . . رويدًا ، و حين تتمركز الأشعة السماء يهربون إلى باطن السفينة. . ولكن “ النُوخَذة “ يبقي متعلقا بالحبل ، مبتسمًا للسماء ، يناجيها ، و اللسان صامت ، و المآقي تتقلّب ، فاليقين يجري بدمائه منذ نعومة أنامله ،
    صهريج الماء يتناقص بمرور السويعات ، يتجمعون على رشفات منه محسوبة ، طعامهم أسماك ، لازمت أنوفهم رائحة شوائها دومًا .
    تتسرب الساعات . . و الأيام و الماء . . بضع سنتيمترات . . قطرات . . ثم . . . اهتزت الأحداق . . أشار نحو المخزن ، قائلاً :
    - تركنا هنا بضعة آلاف من ثمار جوز الهند ، التي شحناها من إحدى الجزر ، وزعوا الثمرات ، كل بحّار له واحدة في يومه . . يرتشف عصيرها .
    تدافعوا ، بنهم في امتصاصها . . هل ستكفي ؟
    بحّار يلقي بثمرة فارغة في الماء ، يرميها بقوة ، تطير ، هل يراسل بها الريح الخامدة ، هل يهمس بها للهواء . . ؟ . . يفصح بها عما في صدره ؟
    صاح فيه ، و فيهم :
    - حافظوا على الثمرات الفارغة .
    كومتان لجوز الهند : كومـة تتنـاقص و أخرى تتـزايد . السويعات بطيئة في سكونها ، الليل سواده ممزق بأنجم سهرت على مناجاة صدورهم و انفلات ذكرياتهم . . هناك على الشاطئ ، أولادهم و بناتهم يتأملون الأفق في نقطة التقائه بالأمواج ، علّه مع بزوغ شمس أو أفولها تظهر نغمات أشرعة سفينتهم العائدة ، فتنطلق صرخات الفرح . . ثم ترتمي الأجساد الصغيرة على صدور الآباء السمراء ، و يغدون لأكواخهم حيث أزواجهم في حبور ، و أمهاتهم قبضن طوال فترة الغياب على أفئدتهن ، في حين رسمت وجوههن رباطة الجأش .

    يتسلل " صالح " من مخدعه ، يتنسم الهواء المشبع بالرذاذ ، يستشعر طعم الرطوبة في رئتيه . يبلل وجهه و مرفقيه و قدميه ، يستطعم ملوحة الماء بين شفتيه ، . . . يطيل ركوعه ، يصمت في سجوده تاركًا دقات فؤاده تعلو . . . .
    كومة الثمرات الفارغة ارتفعت و الأخرى تلاشت ، تحلّقوا حوله . . كلمات “ النُوخَذة “ قليلة :
    - ليس أمامنا سوى الشموخ ، سنشعل الثمرات الفارغة ، بعد تجفيفها و نقوم بتقطير ماء البحر ، و لا يزيد الواحد في شربته عن رشفة واحدة و له نصف كوب في اليوم .
    الصبر عقد مآقيهم ؛ فثبتت تطالع البخار المتصاعد من القدر و المتكاثف على لوح نحاسي ، القطرات تنزلق على اللوح تحمل كل قطرة حياة ، أحشاؤهم تخرج حرارة تلفح وجناتهم ، تعالى غضب الشمس . كومة الثمرات تتناقص .
    تفلتت الليالي ، الذكرى تجثم على النفوس ، الكلام محتبس ، زفير طويل ملتهب . الكومة . . . . صارت رمادًا .

    على ظهر السفينة استلقوا ، يرطبون شفاههم بالماء المالح ، ركوعهم و سجودهم في جلوسهم . . تُستَحرّ المناجاة على الألسن .
    " صالح " ، دقات فؤاده صاخبة ، مع كلمات أبيه التي ترن في مسامعه ، الآن :
    " الملائكة ستحفظك ، و سيباركك البحر " .
    يستشعر هفهفات أجنحتها تداعب روحه .

    يركعون و يسجدون بجفونهم ، و الأحداق تناجي ، و الشفاه ابيضت لترسب الملح عليها ، . . يضحك " صالح " الأجنحة البيضاء تحمل البشرى ، رذاذًا باردًا يقطر في فمه ، يتجلى أبوه بنظراته الحانية .
    دفقات الريح ، السحب تتجمع تتزاحم في طبقات ، المطر يغرق ثيابهم ، يذيب ملوحة أفواههم ، يتوغلها ليرطب الأحشاء .
    كتل الهواء تملأ الأشرعة . الجفون تستسلم مع اهتزاز السفينة التي تمخر الأمواج .
  • اسلام المصرى
    عضو أساسي
    • 16-05-2007
    • 784

    #2
    قصة راقية عبرت فيها عن احلام صالح
    [color=#00008B][size=7][align=center]"واإسلاماه"[/align][/size][/color]

    [align=center][img]http://www.almolltaqa.com/vb/image.php?u=46&dateline=1179777823[/img][/align]
    [CENTER][SIZE="5"][COLOR="Black"]دعائكم لى بالشفاء[/COLOR][/SIZE][/CENTER]

    تعليق

    • د.مصطفى عطية جمعة
      عضو الملتقى
      • 19-05-2007
      • 301

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة اسلام المصرى مشاهدة المشاركة
      قصة راقية عبرت فيها عن احلام صالح
      الجميل المبدع / إسلام
      حبي وتقديري لك
      ولقراءتك الجميلة
      تحياتي

      تعليق

      • صباح الشرقي
        أديب وكاتب
        • 16-05-2007
        • 326

        #4
        أستاذي القاص المبدع والمتمكن د.مصطفى عطية جمعة

        شرف لي ان تصافحي عيناي حرفكم العميق، وقفت هنا طويلا متأملة سر سردكم الجميل والقوي جداااا

        قصة إجتماعية تصور معاناة الطبقات الكادحة وما تخضع له من ظروف مختلفة في البيئة والمجتمع
        وما يحس به من وقائع قاسية رغم انها تظل متشبة بالأمل والحياة في كنف الأسرة الصغيرة.
        تعبير واسع الرقي يتجلى من خلال هذه القطعة الأدبية الزاخرة بالمعاني الإنسانية.

        وفقطك الله ولكم الاحترام والتحية
        [align=center]http://sabahchergui.maktoobblog.com

        http://www.rezgar.com/m.asp?i=1767

        http://sabahchergui64.blogspot.com

        [/align]

        تعليق

        • د.مصطفى عطية جمعة
          عضو الملتقى
          • 19-05-2007
          • 301

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة صباح الشرقي مشاهدة المشاركة
          أستاذي القاص المبدع والمتمكن د.مصطفى عطية جمعة

          شرف لي ان تصافحي عيناي حرفكم العميق، وقفت هنا طويلا متأملة سر سردكم الجميل والقوي جداااا

          قصة إجتماعية تصور معاناة الطبقات الكادحة وما تخضع له من ظروف مختلفة في البيئة والمجتمع
          وما يحس به من وقائع قاسية رغم انها تظل متشبة بالأمل والحياة في كنف الأسرة الصغيرة.
          تعبير واسع الرقي يتجلى من خلال هذه القطعة الأدبية الزاخرة بالمعاني الإنسانية.

          وفقطك الله ولكم الاحترام والتحية
          الأخت القاصة المبدعة / صباح
          كلماتك لها الأثر الكبير في أعماقي
          فقد قدمت تأويلا بديعا ذا بعد اجتماعي أدبي جمالي
          تحياتي ودام تواصلنا الإبداعي

          تعليق

          • عبدالرحيم الحمصي
            شاعر و قاص
            • 24-05-2007
            • 585

            #6
            [align=center]الأديب مصطفى عطية ،،

            نص سردي بادخ يحمل بين طياته تأويلاته المكسوة بهامش مساعدة القارئ على استقراء خاص ،،

            نص بديع له من مكونات السرد القصصي القصير ما يشفع له أن يثبث كتحفة بنية تركيبها منسقة تنسيقا مدهشا ،،

            موضوع واقعي يصعد الى سلم اجتماعي يعتمد الوفاء و الصدق و الإعتماد على الذات بعيدا عن طحالب الريع ،،

            دمت بإبداع ،،


            الحمصي
            [/align]
            [align=center]هل جنيت على أحد و أنا أداعب تفاصيل حروفي ،،،؟؟؟


            elhamssia.maktoobblog.com[/align]

            تعليق

            • د. جمال مرسي
              شاعر و مؤسس قناديل الفكر و الأدب
              • 16-05-2007
              • 4938

              #7
              الأديب و القاص الرائع د. مصطفى عطية
              تذكرني القصة بقصة سيدنا موسى عليه السلام حين أوحى الله لأمه أن تضعه في التابوت
              ثم تلقي به في اليم ليأخذه اليم إلى الساحل حيث قوم فرعون و حيث أراد الله لدعوته أن تنتشر .
              فخلاصة القصة أن من يكلؤه الله برعايته و عنايته فلا راد لحكم و قضائه .
              و هذا ما حدث مع ربان هذه السفينة الرجل الصالح الذي واجهته و بحارته أهوال و أهوال وصلت بهم
              لأن يشربوا ماء ثمار جوز الهند ثم حرقها لتكثيف أبخرتها و الصبر على معاناة العطش و ملوحة البحر
              و أهواله . و لكن بصيص الأمل يبدو في الأفق في تجمع السحب ليغدق الله عليهم من خيرها لأنهم
              كان يسلمون أمرهم تماما له و يسبحونه و يسجدون له و لو بعيونهم .
              و هذا تأكيد على أن من يلتجأ إلى الله في الملمات فإن الله منقذه و حاميه .
              الحوار في القصة كان قصيرا و هذا ما زاد في نظري من إبداعها و الحبكة الدرامية كانت متقنة
              و جاءت النهاية مفرحة .
              لغتك في القصة راقية و الصور التي استخدمتها فيها شاعرية كهذه على سبيل المثال
              ( الأجنحة البيضاء تحمل البشرى ) و كانت الأجنحة البيضاء إمام أجنحة النوارس أو أجنحة الغمام
              فأحسست فيها بصورة بليغة .
              القصة في مجملها رائعة و متقنة و قد سعدت بقراءتها
              شكراً لك يا صديقي
              و أتمنى لك دوام التوفيق .
              مودتي
              د. جمال
              sigpic

              تعليق

              • د.مصطفى عطية جمعة
                عضو الملتقى
                • 19-05-2007
                • 301

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم الحمصي مشاهدة المشاركة
                [align=center]الأديب مصطفى عطية ،،

                نص سردي بادخ يحمل بين طياته تأويلاته المكسوة بهامش مساعدة القارئ على استقراء خاص ،،

                نص بديع له من مكونات السرد القصصي القصير ما يشفع له أن يثبث كتحفة بنية تركيبها منسقة تنسيقا مدهشا ،،

                موضوع واقعي يصعد الى سلم اجتماعي يعتمد الوفاء و الصدق و الإعتماد على الذات بعيدا عن طحالب الريع ،،

                دمت بإبداع ،،


                الحمصي
                [/align]
                الجميل المبدع الأستاذ / عبد الرحيم الحمصي
                كم أنا سعيد بقراءتك العميقة الفاعلة
                وكم أنا سعيد بتعليقك الذي ينم عن مستوى راق من النقد والتلقي
                دمت بخير أيها المبدع الجميل

                تعليق

                • د.مصطفى عطية جمعة
                  عضو الملتقى
                  • 19-05-2007
                  • 301

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة د. جمال مرسي مشاهدة المشاركة
                  الأديب و القاص الرائع د. مصطفى عطية
                  تذكرني القصة بقصة سيدنا موسى عليه السلام حين أوحى الله لأمه أن تضعه في التابوت
                  ثم تلقي به في اليم ليأخذه اليم إلى الساحل حيث قوم فرعون و حيث أراد الله لدعوته أن تنتشر .
                  فخلاصة القصة أن من يكلؤه الله برعايته و عنايته فلا راد لحكم و قضائه .
                  و هذا ما حدث مع ربان هذه السفينة الرجل الصالح الذي واجهته و بحارته أهوال و أهوال وصلت بهم
                  لأن يشربوا ماء ثمار جوز الهند ثم حرقها لتكثيف أبخرتها و الصبر على معاناة العطش و ملوحة البحر
                  و أهواله . و لكن بصيص الأمل يبدو في الأفق في تجمع السحب ليغدق الله عليهم من خيرها لأنهم
                  كان يسلمون أمرهم تماما له و يسبحونه و يسجدون له و لو بعيونهم .
                  و هذا تأكيد على أن من يلتجأ إلى الله في الملمات فإن الله منقذه و حاميه .
                  الحوار في القصة كان قصيرا و هذا ما زاد في نظري من إبداعها و الحبكة الدرامية كانت متقنة
                  و جاءت النهاية مفرحة .
                  لغتك في القصة راقية و الصور التي استخدمتها فيها شاعرية كهذه على سبيل المثال
                  ( الأجنحة البيضاء تحمل البشرى ) و كانت الأجنحة البيضاء إمام أجنحة النوارس أو أجنحة الغمام
                  فأحسست فيها بصورة بليغة .
                  القصة في مجملها رائعة و متقنة و قد سعدت بقراءتها
                  شكراً لك يا صديقي
                  و أتمنى لك دوام التوفيق .
                  مودتي
                  د. جمال

                  المبدع الجميل ، والناقد المتألق / د. جمال مرسي
                  إشارتك إلى قصة موسى أعطت النص إضافة لم ترد على خاطري ونقدك تناول الرؤية والأسلوب بشكل تكاملي
                  وهكذا يكون الناقد : يضيء في النص الكثير ، ويكتشف ما لم يعرفه المبدع
                  تحياتي أيها الجميل الشاعري

                  تعليق

                  • الشربينى خطاب
                    عضو أساسي
                    • 16-05-2007
                    • 824

                    #10
                    الأستاذ الفاضل د/0 مصطفي عطية جمعة
                    لقد عصلج باب المنتدي وأبي أن يفتح إلا بعد ما استنجدنا بالأصدقاء وبالجيران
                    وبمجرد أن انفرج قليلاً قذفت نفسي بقوة فإذا بي في منتدي القصة والرواية
                    سجلت حضوري مع النص الجميل وأستأذنك في العودة مرة أخري
                    خالص تقديري واحترامي

                    تعليق

                    • د.مصطفى عطية جمعة
                      عضو الملتقى
                      • 19-05-2007
                      • 301

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة الشربينى خطاب مشاهدة المشاركة
                      الأستاذ الفاضل د/0 مصطفي عطية جمعة
                      لقد عصلج باب المنتدي وأبي أن يفتح إلا بعد ما استنجدنا بالأصدقاء وبالجيران
                      وبمجرد أن انفرج قليلاً قذفت نفسي بقوة فإذا بي في منتدي القصة والرواية
                      سجلت حضوري مع النص الجميل وأستأذنك في العودة مرة أخري
                      خالص تقديري واحترامي
                      الأستاذ القدير / الشربيني خطاب
                      سلام الله عليك ورحمته وبركاته
                      سعيد بفتح الباب المعصلج
                      وسعيد بوجودك في منتدى القص وأنت القاص المميز .
                      وسعيد أكثر بهذا التعليق الرقيق
                      أنا في شوق لعودتك الثانية .
                      تفضل عميق حبي وفائق تقديري

                      تعليق

                      • الشربينى خطاب
                        عضو أساسي
                        • 16-05-2007
                        • 824

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة د.مصطفى عطية جمعة مشاهدة المشاركة
                        قصة قصيرة : حلوق حارة

                        تطلع النوخذة " صالح " إلى المياه التى أذابت في شفافيتها لون السماء . و هي تداعب جنبات السفينة الثابتة في مكانها منذ أيام ، بعرض البحر . يتكسر اللون الأبيض و الأزرق مع الطحالب الطافية . السكون يتحرك من أعماق الماء طافيًا . يحلّق إلي الكون الانهائي ، فيكسوه بالصمت . يتأمل تجاعيد أصابعه المتشبثة بأحد حبال السفينة . يداه السمراوان بفعل لفح الشمس ، تعكسان مرور السنين . منذ حادثته مع الأمواج ، روى له أبوه كيف ألقي به في البحر ولا تزال براءته عمرها شهور . صرخت أمه و استحال لونها مثل " الكركم " ، و فغرت فمها ، و الدموع تملحت بعينيها . قال الأب : " ستحفظه الملائكة يا " أم صالح " و سيباركه البحر " .

                        ظل يتهادى على الأمواج و طمأنينة تُسيّل نفحاتها حولـه ، فتحيل بكاءه إلى انبساط ، ثم أطلقت أمه زغرودة .

                        رفع بصره للسماء ، سحابة تتجمع في بطء تتأرجح مترددة في تلاقيها ؛ فلا ريح . أشرعة سفينتهم تستجدي كتل الهواء ، يديرونها للجهات الأربع و هي في انتصابها بنسيجها المفرود و البحـارة يتسمّـرون منذ تنفس الفجر ، و يستمرون مع تلظى الشمس رويدًا . . . رويدًا ، و حين تتمركز الأشعة السماء يهربون إلى باطن السفينة. . ولكن “ النُوخَذة “ يبقي متعلقا بالحبل ، مبتسمًا للسماء ، يناجيها ، و اللسان صامت ، و المآقي تتقلّب ، فاليقين يجري بدمائه منذ نعومة أنامله ،
                        صهريج الماء يتناقص بمرور السويعات ، يتجمعون على رشفات منه محسوبة ، طعامهم أسماك ، لازمت أنوفهم رائحة شوائها دومًا .
                        تتسرب الساعات . . و الأيام و الماء . . بضع سنتيمترات . . قطرات . . ثم . . . اهتزت الأحداق . . أشار نحو المخزن ، قائلاً :
                        - تركنا هنا بضعة آلاف من ثمار جوز الهند ، التي شحناها من إحدى الجزر ، وزعوا الثمرات ، كل بحّار له واحدة في يومه . . يرتشف عصيرها .
                        تدافعوا ، بنهم في امتصاصها . . هل ستكفي ؟
                        بحّار يلقي بثمرة فارغة في الماء ، يرميها بقوة ، تطير ، هل يراسل بها الريح الخامدة ، هل يهمس بها للهواء . . ؟ . . يفصح بها عما في صدره ؟
                        صاح فيه ، و فيهم :
                        - حافظوا على الثمرات الفارغة .
                        كومتان لجوز الهند : كومـة تتنـاقص و أخرى تتـزايد . السويعات بطيئة في سكونها ، الليل سواده ممزق بأنجم سهرت على مناجاة صدورهم و انفلات ذكرياتهم . . هناك على الشاطئ ، أولادهم و بناتهم يتأملون الأفق في نقطة التقائه بالأمواج ، علّه مع بزوغ شمس أو أفولها تظهر نغمات أشرعة سفينتهم العائدة ، فتنطلق صرخات الفرح . . ثم ترتمي الأجساد الصغيرة على صدور الآباء السمراء ، و يغدون لأكواخهم حيث أزواجهم في حبور ، و أمهاتهم قبضن طوال فترة الغياب على أفئدتهن ، في حين رسمت وجوههن رباطة الجأش .

                        يتسلل " صالح " من مخدعه ، يتنسم الهواء المشبع بالرذاذ ، يستشعر طعم الرطوبة في رئتيه . يبلل وجهه و مرفقيه و قدميه ، يستطعم ملوحة الماء بين شفتيه ، . . . يطيل ركوعه ، يصمت في سجوده تاركًا دقات فؤاده تعلو . . . .
                        كومة الثمرات الفارغة ارتفعت و الأخرى تلاشت ، تحلّقوا حوله . . كلمات “ النُوخَذة “ قليلة :
                        - ليس أمامنا سوى الشموخ ، سنشعل الثمرات الفارغة ، بعد تجفيفها و نقوم بتقطير ماء البحر ، و لا يزيد الواحد في شربته عن رشفة واحدة و له نصف كوب في اليوم .
                        الصبر عقد مآقيهم ؛ فثبتت تطالع البخار المتصاعد من القدر و المتكاثف على لوح نحاسي ، القطرات تنزلق على اللوح تحمل كل قطرة حياة ، أحشاؤهم تخرج حرارة تلفح وجناتهم ، تعالى غضب الشمس . كومة الثمرات تتناقص .
                        تفلتت الليالي ، الذكرى تجثم على النفوس ، الكلام محتبس ، زفير طويل ملتهب . الكومة . . . . صارت رمادًا .

                        على ظهر السفينة استلقوا ، يرطبون شفاههم بالماء المالح ، ركوعهم و سجودهم في جلوسهم . . تُستَحرّ المناجاة على الألسن .
                        " صالح " ، دقات فؤاده صاخبة ، مع كلمات أبيه التي ترن في مسامعه ، الآن :
                        " الملائكة ستحفظك ، و سيباركك البحر " .
                        يستشعر هفهفات أجنحتها تداعب روحه .

                        يركعون و يسجدون بجفونهم ، و الأحداق تناجي ، و الشفاه ابيضت لترسب الملح عليها ، . . يضحك " صالح " الأجنحة البيضاء تحمل البشرى ، رذاذًا باردًا يقطر في فمه ، يتجلى أبوه بنظراته الحانية .
                        دفقات الريح ، السحب تتجمع تتزاحم في طبقات ، المطر يغرق ثيابهم ، يذيب ملوحة أفواههم ، يتوغلها ليرطب الأحشاء .
                        كتل الهواء تملأ الأشرعة . الجفون تستسلم مع اهتزاز السفينة التي تمخر الأمواج .
                        السلام عليكم ورحمة الله
                        الأستاذ الفاضل / د0 مصطفي عطية جمعة
                        [align=right][align=center]الدخول إلي عالم قصة " حلوق جافة " المتخيل يبدأ من عتبة الوصف لمكان السفينة في عرض البحر ثم يبدأ الحدث من تامل النوخذة صالح {السكون يتحرك من أعماق الماء طافيًا . يحلّق إلي الكون الانهائي ، فيكسوه بالصمت . يتأمل تجاعيد أصابعه المتشبثة بأحد حبال السفينة } ويعود بنا الكاتب إلي الزمن الماضي " فلاش باك " ليسرد لنا ملامح شخوصة التي سوف يقدمها {منذ حادثته مع الأمواج ، روى له أبوه كيف ألقي به في البحر ولا تزال براءته عمرها شهور . صرخت أمه و استحال لونها مثل " الكركم " ، و فغرت فمها ، و الدموع تملحت بعينيها . قال الأب : " ستحفظه الملائكة يا " أم صالح " و سيباركه البحر " .}
                        ونلاحظ هنا دلالات الأسماء ألأب الملائكة صالح سيباركه البحر تجعل المتلقي يتهيأ لتوحد روحاني مع النص الذي يتناص مع العقيدة { “ النُوخَذة “ يبقي متعلقا بالحبل ، مبتسمًا للسماء ، يناجيها ، و اللسان صامت ، و المآقي تتقلّب ، فاليقين يجري بدمائه منذ نعومة أنامله ، } فاليقين هو الموت ( سوف ترونها حق اليقين 000 الآية ) وفكرة النص مبنية علي تعرض السفينة لعارض منعها من مواصلة رحلتها بعد أن توقف هبوب الريح ووصف حالة بحارتها النفسية وصراعهم للبقاء علي قيد الحياة والماء هو ذخيرتهم للحياة ( وجعلنا من الماء كل شئ حي 00 الآية ) ويغوص الكاتب فس شخصية من شخوص السفينة يستخرج من حركته وتافعله مع الموقف كبف يفكر {بحّار يلقي بثمرة فارغة في الماء ، يرميها بقوة ، تطير ، هل يراسل بها الريح الخامدة ، هل يهمس بها للهواء . . ؟ . . يفصح بها عما في صدره ؟} والكاتب هنا يريد أن يذكر بأن اللجوء في مثل هذه الحالات إلي الله ينجيهم من المحنة بعد أن جفت حلوقهم من قلة الماء { يركعون و يسجدون بجفونهم ، و الأحداق تناجي ، و الشفاه ابيضت لترسب الملح عليها ، . . يضحك " صالح " الأجنحة البيضاء تحمل البشرى ، رذاذًا باردًا يقطر في فمه ، يتجلى أبوه بنظراته الحانية .
                        دفقات الريح ، السحب تتجمع تتزاحم في طبقات ، المطر يغرق ثيابهم ، يذيب ملوحة أفواههم ، يتوغلها ليرطب الأحشاء . }
                        والكاتب هنا تجح في إحياء النزعة الدينية دون اللجوء إلي الوعظ المباشر
                        كل قراءة احتمال
                        خالص تقديري واحترامي
                        [/align][/align]

                        تعليق

                        • د.مصطفى عطية جمعة
                          عضو الملتقى
                          • 19-05-2007
                          • 301

                          #13
                          القاص والناقد القدير الأستاذ / الشربيني خطاب
                          سلام الله عليك
                          سعدت أيما سعادة بهذه الرؤية النقدية التي شرّحت النص على مستوى :
                          البنية ، والأسماء ، والدلالات .
                          وهي رؤية نبعت من شخص جمع الميزتين : روح الناقد الموضوعي ، وروح القاص الأديب
                          بوركت أيها الأستاذ الجميل .
                          خالص شكري وعميق تحياتي

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة الشربينى خطاب مشاهدة المشاركة
                            السلام عليكم ورحمة الله
                            الأستاذ الفاضل / د0 مصطفي عطية جمعة
                            [align=right][align=center]الدخول إلي عالم قصة " حلوق جافة " المتخيل يبدأ من عتبة الوصف لمكان السفينة في عرض البحر ثم يبدأ الحدث من تامل النوخذة صالح {السكون يتحرك من أعماق الماء طافيًا . يحلّق إلي الكون الانهائي ، فيكسوه بالصمت . يتأمل تجاعيد أصابعه المتشبثة بأحد حبال السفينة } ويعود بنا الكاتب إلي الزمن الماضي " فلاش باك " ليسرد لنا ملامح شخوصة التي سوف يقدمها {منذ حادثته مع الأمواج ، روى له أبوه كيف ألقي به في البحر ولا تزال براءته عمرها شهور . صرخت أمه و استحال لونها مثل " الكركم " ، و فغرت فمها ، و الدموع تملحت بعينيها . قال الأب : " ستحفظه الملائكة يا " أم صالح " و سيباركه البحر " .}
                            ونلاحظ هنا دلالات الأسماء ألأب الملائكة صالح سيباركه البحر تجعل المتلقي يتهيأ لتوحد روحاني مع النص الذي يتناص مع العقيدة { “ النُوخَذة “ يبقي متعلقا بالحبل ، مبتسمًا للسماء ، يناجيها ، و اللسان صامت ، و المآقي تتقلّب ، فاليقين يجري بدمائه منذ نعومة أنامله ، } فاليقين هو الموت ( سوف ترونها حق اليقين 000 الآية ) وفكرة النص مبنية علي تعرض السفينة لعارض منعها من مواصلة رحلتها بعد أن توقف هبوب الريح ووصف حالة بحارتها النفسية وصراعهم للبقاء علي قيد الحياة والماء هو ذخيرتهم للحياة ( وجعلنا من الماء كل شئ حي 00 الآية ) ويغوص الكاتب فس شخصية من شخوص السفينة يستخرج من حركته وتافعله مع الموقف كبف يفكر {بحّار يلقي بثمرة فارغة في الماء ، يرميها بقوة ، تطير ، هل يراسل بها الريح الخامدة ، هل يهمس بها للهواء . . ؟ . . يفصح بها عما في صدره ؟} والكاتب هنا يريد أن يذكر بأن اللجوء في مثل هذه الحالات إلي الله ينجيهم من المحنة بعد أن جفت حلوقهم من قلة الماء { يركعون و يسجدون بجفونهم ، و الأحداق تناجي ، و الشفاه ابيضت لترسب الملح عليها ، . . يضحك " صالح " الأجنحة البيضاء تحمل البشرى ، رذاذًا باردًا يقطر في فمه ، يتجلى أبوه بنظراته الحانية .
                            دفقات الريح ، السحب تتجمع تتزاحم في طبقات ، المطر يغرق ثيابهم ، يذيب ملوحة أفواههم ، يتوغلها ليرطب الأحشاء . }
                            والكاتب هنا تجح في إحياء النزعة الدينية دون اللجوء إلي الوعظ المباشر
                            كل قراءة احتمال
                            خالص تقديري واحترامي
                            [/align][/align]
                            نص جميل استطاع الأديب الناقد الشربيني خطاب أن يفقرب منه اقتراباً نقديا حميماً،
                            تحياتي للمبدع والناقد.

                            تعليق

                            • د.مصطفى عطية جمعة
                              عضو الملتقى
                              • 19-05-2007
                              • 301

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة د. حسين علي محمد مشاهدة المشاركة
                              نص جميل استطاع الأديب الناقد الشربيني خطاب أن يفقرب منه اقتراباً نقديا حميماً،
                              تحياتي للمبدع والناقد.
                              الأخ الأديب الأستاذ الدكتور / حسين علي
                              كل عام وأنت بخير
                              سعدت غاية السعادة بقراءتك القصة والنقد
                              دمت بخير دائما
                              مصطفى

                              تعليق

                              يعمل...
                              X