نافذة للشجن .. نافذة للحنين ...
كان آخر لقاء لهما قريبا من الفندق الذى تقيم به , فى إحدى الصبيحات الباردة من موجات فبراير القارسه .. لم يشعر لحظتئذ بالبرد , فيده المحاطة بكفيها الناعمتين , تدفئانه وتزرعان فيه أحاسيسا لا أول لها ولا آخر .. كان قد إتصل بها من محموله وجلس ينتظرها على أحد "البنشات" المطلة على مشتل ناهض عند شفة النيل .. وما أن جاءت وجلست قربه ,حتى تشتتت أفكارهما , وضاع كل ما أعداه من كلام , ليبقى الصمت فقط معبأً بالدلالات ,و محاصرا بالرموز التى تفوق "إحتمال" المكان ! .. وعندما ابتعدا فى إتجاهين متعاكسين .. توقف يتابعها ببصره
وهى تنأى , حتى غابت عند مدخل الفندق دون أن تلتفت .. فى التليفون إستمع إليها طويلا ,وعندما صمتت لم يجد شيئا ليقوله سوى:let us move.. yah,move .. move on ..let us do it ..go a head فهمست بما تسرب إلى رئة المكان من شجن ..ليتنفس مواجده فى زفرة ملتهبة ! ...
(*)
وهو فى الطريق إلى شقته الصغيرة فى أندلس الجيزة , إتصل بها فى المطار .. لم يتمكن من الوصول إليها .. كانت طائرتها قد أقلعت , تحملها إلى منفاها البعيد , مخلفة وراءها رائحتها وملامحها فى كل شىء حوله ..
كانت "ميمى" قد جاءت بعد حنين طال , محملة بالبشارات كأنشودات خريفية يانعة, وكوعد خصبه زمن غامض!أشبه بالقدر وهو يخص به مكانا أشد غموضا !..
بحث عنها فى الزِّحام حيث تنتظره عند محطة مترو السادات. يتفاعل فيها الشوق والحنين والترقب , ليعطى إنتظارها معنىًّ كونيا عميقا ومتحفزا .. طعما متوترا برائحة القلق الخرافي , فلا تستشعر القادمين والذاهبين .. المارة والباعة المتجولين ..وبالخصوص باعة الورد الذين يحبهم ..
رغم تفرسها فى الوجوه الموسومة بالضجيج والفوضى والإرتباك ... تبحث فى هذا الرِّكام عن وجهه الأليف .. وجهه الذى تركته خلفها فى الخطابات والصور والرسائل الإليكترونية ... وجهه الخارج من الصمت إلى الصمت .. أمامها .. حمله طيفها . عله يخرج من الزحام فجأة مبتلا بالوعد و ومعبأ بالمواعيد ..
فى غرفتها بالفندق تلمست ذكرياتها القادمة .. تحسست مشاعرها, وهى تلقى ببصرها على النيل المتململ أقصى حدود شتاء القاهرة الرطب .. نافذة لحب يحيا في الأزل.. نافذة تدخل فيها عروس النيل إلى عرش الخصوبة,. يحملها الملائكة الكروبيين , لتدفيء الجنة بالشجن والحنين. وتأخذ من عذوبتها .. لتنسج على الكورنيش الممتد كأفعوان وأفعى ,للربيع جلدا جديدا لهما , وهما يمارسان لعبة الحياة / الموت .. الخصوبة التي لا تلد البوار..
نضت عنها ترقبها وهى تضغط على أزرار هاتفها الأنثوى الصغير :
* لقد وصلت بطائرة المساء.
*اشتقت إليك كثيرا ..
القاهرة مدينه غريبة عليها , لأول مرة تطأها .. القاهرة مدينة غامضة ومجهولة تماما كما تخيلتها .. لكنها متخمة بالحياة ..حيّة ومربكة ومرتبكة كما تراها الآن !.. يربكها إنتظارها له بهذه المحطة التي تستعيد فيها محطة "فيكتوريا بقلب لندن" عندما ترغب في زيارة ال"ماربل آرش". تربكها معاكسات المراهقين , ونظراتهم المتسلله إلى كنوزها .. كنوزه .. يربكها دفئه الذى يحاصر كل ذرة بكيانها .. تربكها كل التفاصيل : الترقب . الحذر . !.....
كانت أشد توترا منه , عندما إتصل عليها أكثر من ثلاث مرات على الموبايل يسألها أن تحدد موقعها بالضبط :
"فى أى مدخل من مداخل المترو أنت الآن يا ميمى ؟ "..
وهرول بين المداخل المتباعدة لمحطة السادات عدة مرات..
(*)
لم ينم إثر مهاتفتها له .. ظل منتظرا هذه اللحظة التى إشتاقها منذ وقت طويل , وهو يستعيد المكالمات الطويلة منذ الصيف الماضى , عن الذى جرى معها ومعه ..عن الغربة وحكايا الليال الطوال .. عن الحنين إلى وطن فى الدفء .. عن دف فى ليال الشتاء الباردة..
فى السادسة صباحا بالضبط أزال لحيته , وغسل عنه أثر الخمر والنيكوتين .. أعد لنفسه قهوة ثقيلة . إرتشفها بتوتر وهو يلاحق عقارب الساعة التي تمضى فى إتئاد . وأخذ ينقل بصره بينها وبين سماعة الهاتف ,إلى أن جاءه صوتها فى الجانب الآخر :
* انا مستعدة للخروج من الفندق الآن..
* انتظرينى فى السادات .
تعطر بعطره المميز وخرج .. لطالما أحب رائحة المسك ...
(*)
أحبها كما لم يحب من قبل . حاصرته بدفئها وعذوبتها وهدّت كل القلاع التى يحتمي بها .. دهمته خارجة من تلافيف ماض حميم , إلتقيا على إضاءاته الخابية بهدوء, وعلى مفترقه مضيا فى صمت جارح .. لكنهما ظلا موسومين , بذاكرة الجروح النقيّة الحية . المتجددة كشجن ممتد, وحنين لا يخمد ..ولا يطويه الزمان ولا المكان ..كالمطلق خارج التحولات .. خارج التغيير .. ففى المنتهى , يتبديا كروح نبي زاهد , يرتقى مدارج المحبة والسلام , وهو يحبهما فى حميمية وتؤدة ..
(*)
إقتنصتها عيناه من بعيد عند دخل المترو .. كآلهة يونانية فارعة تبدت ميمى عن سحرها العميق ذاته,الذي لم تمحوه سنوات الغربة الكارثية
, وكإثنين محملين بحنين الأرض لأشواق السماء . إحتضنها بقوة دون أن يأبها للزحام القاهري المرعب!.. كانا حاضرين فى الغياب غائبين فى الحضور!!..وكالمغيبين فى إغماء طويل , لم يستشعرا النظرات الدهشة للناس الذين التفوا حولهما!!..
سحبها من يدها إلى داخل المترو .. كادت المحطة تفوتهما ..كانا هائمين فى .. فى فضاء هيولي شفاف , يؤدى إلى الأرخبيل الذى بداخلهما ...
(*)
بشقته المؤقتة الصغيرة في الأندلس أجلسها على حجره.,وأخذا يهدهدان بعضهما كالأطفال. إلى أن ناما متصالبين ..يصلبان حرمانهما .. عجف الزمن .. جور الغربة , وقسوة الحياة .. والخواء سوى من ألم الذكريات المقيمة والأخرى العابرة.. كانا يصلبان أوجاعهما المقيمة فى وجدانيهما المنهكين .. أوجاعهما الثاوية في عمق سحيق من الخلايا والعصب : ذاكرة لشجن أزلى وحنين مقيم كأسرار إلهية ومواجد نبوية راحلة في الأبد السرمدي:
" طوبى للغرباء ! " ..
همس ...
فتأوهت ..
كانت نيرانهما تزداد إشتعالا ولا تخبو .. وكان ترقبهما لميقات رحيلها يشعل في القلب أشواقا لا تنضب ,تمور كالأتون .. إشتعلت الغرفة بالحميمية , بالتوتر , بالقلق . بالإنصهار .. لتتناثر بقايا صور فوتغرافية توقف فيها الزمان عند لحظات نابضة بالوجد والمواجد ..تنفتح على نافذة واحدة للشجن والحنين..
كان آخر لقاء لهما قريبا من الفندق الذى تقيم به , فى إحدى الصبيحات الباردة من موجات فبراير القارسه .. لم يشعر لحظتئذ بالبرد , فيده المحاطة بكفيها الناعمتين , تدفئانه وتزرعان فيه أحاسيسا لا أول لها ولا آخر .. كان قد إتصل بها من محموله وجلس ينتظرها على أحد "البنشات" المطلة على مشتل ناهض عند شفة النيل .. وما أن جاءت وجلست قربه ,حتى تشتتت أفكارهما , وضاع كل ما أعداه من كلام , ليبقى الصمت فقط معبأً بالدلالات ,و محاصرا بالرموز التى تفوق "إحتمال" المكان ! .. وعندما ابتعدا فى إتجاهين متعاكسين .. توقف يتابعها ببصره
وهى تنأى , حتى غابت عند مدخل الفندق دون أن تلتفت .. فى التليفون إستمع إليها طويلا ,وعندما صمتت لم يجد شيئا ليقوله سوى:let us move.. yah,move .. move on ..let us do it ..go a head فهمست بما تسرب إلى رئة المكان من شجن ..ليتنفس مواجده فى زفرة ملتهبة ! ...
(*)
وهو فى الطريق إلى شقته الصغيرة فى أندلس الجيزة , إتصل بها فى المطار .. لم يتمكن من الوصول إليها .. كانت طائرتها قد أقلعت , تحملها إلى منفاها البعيد , مخلفة وراءها رائحتها وملامحها فى كل شىء حوله ..
كانت "ميمى" قد جاءت بعد حنين طال , محملة بالبشارات كأنشودات خريفية يانعة, وكوعد خصبه زمن غامض!أشبه بالقدر وهو يخص به مكانا أشد غموضا !..
بحث عنها فى الزِّحام حيث تنتظره عند محطة مترو السادات. يتفاعل فيها الشوق والحنين والترقب , ليعطى إنتظارها معنىًّ كونيا عميقا ومتحفزا .. طعما متوترا برائحة القلق الخرافي , فلا تستشعر القادمين والذاهبين .. المارة والباعة المتجولين ..وبالخصوص باعة الورد الذين يحبهم ..
رغم تفرسها فى الوجوه الموسومة بالضجيج والفوضى والإرتباك ... تبحث فى هذا الرِّكام عن وجهه الأليف .. وجهه الذى تركته خلفها فى الخطابات والصور والرسائل الإليكترونية ... وجهه الخارج من الصمت إلى الصمت .. أمامها .. حمله طيفها . عله يخرج من الزحام فجأة مبتلا بالوعد و ومعبأ بالمواعيد ..
فى غرفتها بالفندق تلمست ذكرياتها القادمة .. تحسست مشاعرها, وهى تلقى ببصرها على النيل المتململ أقصى حدود شتاء القاهرة الرطب .. نافذة لحب يحيا في الأزل.. نافذة تدخل فيها عروس النيل إلى عرش الخصوبة,. يحملها الملائكة الكروبيين , لتدفيء الجنة بالشجن والحنين. وتأخذ من عذوبتها .. لتنسج على الكورنيش الممتد كأفعوان وأفعى ,للربيع جلدا جديدا لهما , وهما يمارسان لعبة الحياة / الموت .. الخصوبة التي لا تلد البوار..
نضت عنها ترقبها وهى تضغط على أزرار هاتفها الأنثوى الصغير :
* لقد وصلت بطائرة المساء.
*اشتقت إليك كثيرا ..
القاهرة مدينه غريبة عليها , لأول مرة تطأها .. القاهرة مدينة غامضة ومجهولة تماما كما تخيلتها .. لكنها متخمة بالحياة ..حيّة ومربكة ومرتبكة كما تراها الآن !.. يربكها إنتظارها له بهذه المحطة التي تستعيد فيها محطة "فيكتوريا بقلب لندن" عندما ترغب في زيارة ال"ماربل آرش". تربكها معاكسات المراهقين , ونظراتهم المتسلله إلى كنوزها .. كنوزه .. يربكها دفئه الذى يحاصر كل ذرة بكيانها .. تربكها كل التفاصيل : الترقب . الحذر . !.....
كانت أشد توترا منه , عندما إتصل عليها أكثر من ثلاث مرات على الموبايل يسألها أن تحدد موقعها بالضبط :
"فى أى مدخل من مداخل المترو أنت الآن يا ميمى ؟ "..
وهرول بين المداخل المتباعدة لمحطة السادات عدة مرات..
(*)
لم ينم إثر مهاتفتها له .. ظل منتظرا هذه اللحظة التى إشتاقها منذ وقت طويل , وهو يستعيد المكالمات الطويلة منذ الصيف الماضى , عن الذى جرى معها ومعه ..عن الغربة وحكايا الليال الطوال .. عن الحنين إلى وطن فى الدفء .. عن دف فى ليال الشتاء الباردة..
فى السادسة صباحا بالضبط أزال لحيته , وغسل عنه أثر الخمر والنيكوتين .. أعد لنفسه قهوة ثقيلة . إرتشفها بتوتر وهو يلاحق عقارب الساعة التي تمضى فى إتئاد . وأخذ ينقل بصره بينها وبين سماعة الهاتف ,إلى أن جاءه صوتها فى الجانب الآخر :
* انا مستعدة للخروج من الفندق الآن..
* انتظرينى فى السادات .
تعطر بعطره المميز وخرج .. لطالما أحب رائحة المسك ...
(*)
أحبها كما لم يحب من قبل . حاصرته بدفئها وعذوبتها وهدّت كل القلاع التى يحتمي بها .. دهمته خارجة من تلافيف ماض حميم , إلتقيا على إضاءاته الخابية بهدوء, وعلى مفترقه مضيا فى صمت جارح .. لكنهما ظلا موسومين , بذاكرة الجروح النقيّة الحية . المتجددة كشجن ممتد, وحنين لا يخمد ..ولا يطويه الزمان ولا المكان ..كالمطلق خارج التحولات .. خارج التغيير .. ففى المنتهى , يتبديا كروح نبي زاهد , يرتقى مدارج المحبة والسلام , وهو يحبهما فى حميمية وتؤدة ..
(*)
إقتنصتها عيناه من بعيد عند دخل المترو .. كآلهة يونانية فارعة تبدت ميمى عن سحرها العميق ذاته,الذي لم تمحوه سنوات الغربة الكارثية
, وكإثنين محملين بحنين الأرض لأشواق السماء . إحتضنها بقوة دون أن يأبها للزحام القاهري المرعب!.. كانا حاضرين فى الغياب غائبين فى الحضور!!..وكالمغيبين فى إغماء طويل , لم يستشعرا النظرات الدهشة للناس الذين التفوا حولهما!!..
سحبها من يدها إلى داخل المترو .. كادت المحطة تفوتهما ..كانا هائمين فى .. فى فضاء هيولي شفاف , يؤدى إلى الأرخبيل الذى بداخلهما ...
(*)
بشقته المؤقتة الصغيرة في الأندلس أجلسها على حجره.,وأخذا يهدهدان بعضهما كالأطفال. إلى أن ناما متصالبين ..يصلبان حرمانهما .. عجف الزمن .. جور الغربة , وقسوة الحياة .. والخواء سوى من ألم الذكريات المقيمة والأخرى العابرة.. كانا يصلبان أوجاعهما المقيمة فى وجدانيهما المنهكين .. أوجاعهما الثاوية في عمق سحيق من الخلايا والعصب : ذاكرة لشجن أزلى وحنين مقيم كأسرار إلهية ومواجد نبوية راحلة في الأبد السرمدي:
" طوبى للغرباء ! " ..
همس ...
فتأوهت ..
كانت نيرانهما تزداد إشتعالا ولا تخبو .. وكان ترقبهما لميقات رحيلها يشعل في القلب أشواقا لا تنضب ,تمور كالأتون .. إشتعلت الغرفة بالحميمية , بالتوتر , بالقلق . بالإنصهار .. لتتناثر بقايا صور فوتغرافية توقف فيها الزمان عند لحظات نابضة بالوجد والمواجد ..تنفتح على نافذة واحدة للشجن والحنين..
تعليق