[size=6][font=Simplified Arabic][color=#8B0000]ـ حسنُ السوسي قامَةٌ شعريَّةٌ فارعةٌ مديدَةٌ لا يمكنُ تغافُلُهَا .. بلْ إنَّ ذلكَ ـ إنْ حدثَ ـ فهو غُبْنٌ صَارِخٌ لا مُبرِّرَ لَهُ .. فالسوسي شاعرٌ إنسانيٌّ رقيقٌ ، ينهلُ من صدقِ عواطفِهِ ، ويمتحُ من معينِ مشاعِرَ لا ينضبُ .. يعيشُ قصيدتَهُ التي تعيشُ في وجدانِهِ ، فيعيشانِ معاً .. لذا فقد ظلَّ يغمسُ ريشتَهُ في مدادِ قلبِهِ ، ينحتُ القصائدَ من سويدائِهِ ، يقتبسُهَا من جُذَى أعماقِهِ المضاءَةِ بألفِ شمسٍ ، المنارَةِ بألفِ قنديلٍ .. ويستقي صورَهُ المشذَّاةَ من ألفِ ربيعٍ ؛ فلشعرِهِ وجْهُ الشَّمْسِ البتولِ ، وابتسامَةُ النَّهَارِ ، وتضوَّعاتُ الربيعِ الضحوكِ .. وهتافُ الورودِ النديُّ احتفاءً بالمطرِ .. لشعرِهِ طعمُ العسلِ ، وققهقَةُ الْقَرَنْفُلِ في مساءاتِ البوحِ الشذيِّ ، لقصيدَتِهِ مجدُ الجمَالِ ، ولشعرِهِ ديمومَةُ القصيدَةِ بعطرِها وسحرِها .. برُوائِها وبهائِها .. بجذبِهَا وصخَبِهَا ..
السوسي شاعرٌ ظلَّ يُشاغِلُ ذهنَ القصائدِ بهواجسِهِ المثيرَةِ ، ويستفزُّ المعانيَ العصيَّةَ بأناقةِ حرفِهِ ، وجاذبيَّةِ كلماتِهِ الخضراءِ المونقةِ ، يخطرُ على عرشِ القصيدَةِ ملكاً.. يعلَّقُ تراتيلَهُ المبجلَّةَ قناديلَ أُنسٍ على بوَّابَةِ الروحِ .. يُشعلَ المعاني شموساً في عتمَةِ التفاصيلِ .. يَنصبُ شِرَاكَهُ المخمليَّةَ المشتهاةَ لوجُوْهِ القصائدِ الحسانِ فتدنو منْهُ مثلَ حمَائِمَ عطشى .. لتغفوَ في أحضانِهِ ثم تزهرُ على أنامِلِهِ العاشقةِ حقلَ أقاحٍ ، وقطيعَ نجماتٍ ، وسربَ غيومٍ مكتنزةٍ بالحياةِ ، وأنهاراً من رحيقٍ ، وجداولَ مسكٍ وعنبرٍ ..
وبالرغمِ من ثمانينِِهِ التي ينوءُ بها جسدُهُ النحيفُ الرَّهيفُ فقد ظلَّ هذا الشَّاعِرُ الجميلُ ـ روحاً وشعراً وخلقاً ـ ظلَّ شاباً طِوَالَ حياتِهِ ، مستمدًّا شباَبَهُ من شبابِ القصيدَةِ ، كما تستمدُّ القصيدةُ شبابَهَا من شبابِ قلبِ الشاعرِ ، فهو ينسجُهَا من ربيعِ قلبِهِ السَّاطِعِ الدائمِ الاخضرارِ كضحكةِ طفلٍ .. كابتسامَةِ حسناءَ .. هذا الشبابُ المونقُ هو الذي منحَ قصيدَتَهُ وهْجَهَا ووجْهَهَا ، موصياً بإرثِ القصيدةِ كنزَ أحلامٍ عذارى لا تبيدُ ..
تَوْأَمَةُ الشِّعْرِ والجمالِ /
" الفنُّ جمالٌ من صنع الإنسان وأمَّا الجمال فهو فنٌّ من صنع الله " يوسف مازن.
الشِّعْرُ والجمَالُ عندَ السوسي توأمانِ ، كلاهما ملتصقٌ بالآخرِ ، يربطُ بينَهُمَا حَبْلٌ سِرِيٌّ وثيقٌ هوَ الذوقُ ، فذائِقَةُ الشَّاعِرِ تتلمَّسُ الحسنَ في الأشياْءِ جميعِها ، ولمَّا كانَ الشعرُ أحدَ عناصرِ الجمالِ المهمَّةِ والأساسيَّةِ ؛ كانَ لابدَّ من اقترانِ الشعرِ بالجمالِ ، والسوسي الشاعرُ ، داعيةُ الجمالِ ، ومفتونُهُ الدائمُ ما فتئَ يُعيدُ ـ في مناسباتٍ مختلفةٍ ـ فكرةَ تَزَاوجِ الشعرِ والجمالِ وتساوقهما ، فكلاهما جميلٌ ، وكلاهما لا غنى لَهُ عنِ الآخرِ ، فهما كالشَّمْسِ والقمرِ ، كاللِّيلِ والنَّهارِ ، كاليمينِ والشمالِ ، يقولُ من قصيدةِ ( درنةُ وإبراهيمُ ):
خُلِقَ الشعرُ للجمالِ يغنِّيهِ **ويشدو في مُلْكِهِ ويهيمُ
نعم ؛ الشعرُ والجمال ُعندَ السوسي قرينانِ ، كلاهما لا يحيا بغيرِ الآخرِ ، يَسْبِي الجمالُ الشعرَ فيغنِّيهِ ، فيما يَطْرَبُ الجمالُ لترديدِ الشِّعْرِ الفَارِهِ الآسِرِ لا سيَّما إنْ طُرِحَتِ منَ الشِّعْرِ المادياتُ فخلا من مثقلاتِ التزلُّفِ ، يقولُ من قصيدةِ ( قلبِ الشاعرِ ) :
فالشِّعْرُ ما غنَّى الجمالَ وما خلا ** من رَبْقةِ الزُّلْفَى وحِسِّ التاجرِ
ويؤكِّدُ ـ دوماً ـ هذا التلازمَ الفاتنَ بينَ الشعرِ والجمالِ ، فكلاهما محتاجٌ للآخرِ ليبرزَ ويظهرَ ويتألَّقَ ، هذا التلازمَ الأزليُّ يردِّدُهُ الشَّاعِرُ في غيرما بيتٍ ، وفي أكثرِ من قصيدةٍ ومناسبَةٍ ؛ يقولُ من قصيدةِ ( درنةُ والمهرجان ) حولَ مدينةِ ( دَرْنَةَ ) التي تأسرُ قلبَهُ بفتونٍ :
والشِّعْرُ والحبُّ صِنْوَا لحظةٍ وُلدا ** فليسَ إلا بهذا ذاكَ يكتملُ
وفي بيتِهِ السابقِ يؤكِّدُ ما ذهبَ إليهِ الشاعرُ الإيطالي أونجاريتي حينَ قالَ : " لا شعرَ بدونِ حبٍّ ، لا شعرَ بدونِ حريَّةٍ ".
وهو يرى أنَّ ثمَّةَ وشيجةً ، وصلةَ قربى بينَ الجمالِ والشعرِ يعلِنُهَا خلالَ قصيدتِهِ ( بستانُ خديجة ) :
إِنَّ بينَ الجمَالِ والشِّعْرِ قُرْبَى ** فاحفظيها ، ولا تَقُصِّي الوشيجهْ
ويؤكِّدُ أَنَّ الشعرَ خلقَ مغنِّياً للجمالِ ، بما فيهِ من حلاوةٍ ومرارةٍ ، وأملٍ وألمٍ ، ذاهباً مذهبَ نزارِ قبَّاني مروِّجِ الجمالِ الكبيرِ الآخرِ ، مستشهداً بعجزِ بيتٍ لَهُ مضمِّناً إيَّاهُ قصيدَهُ ، ذلك من قصيدةِ ( وجع الحبِّ ):
خُلِقَ الشِّعْرُ للجمالِ يُغنِّيهِ ** ( وبعضٌ منَ الغنَاءِ بكاءُ )
قَدَرٌ أن نحبَّهَا وقضَاءٌ ** أن رمَانا بمقلتِيْها القضاءُ
وجميلٌ أنَّا نُحِبُّ وأنَّا ** للجميلاتِ والجمالِ فِدَاءُ
ويبرِّرُ االسوسي أنَّ عشقَ ( حسناءَ ) قدرٌ وقضاءُ وليسَ بإرادةِ قلوبِ العشَّاقِ والشعراءِ ، فهمْ ضعفاءُ أمامَ آياتِ الجمال الخارقةِ كفراشٍ حائرٍ يتهافتُ على هالاتِ الجمالِ فيصطلي بنيرانِ الهوى قائلاً منَ القصيدِةِ نفسِها:
نحنُ يا حلوتي فراشٌ ونارٌ ** كيف لا يجذبُ الفراشَ الضياءُ
صَدَقَ القائِلونَ فينا وفيهنَّ ** قلوبُ المتيَّمينَ هواءُ
فارحمي ضعفَنَا حِيَالَ كنوزٍ ** أنتِ طرفٌ لها وأنتِ وِعَاءُ
وللسوسي مبِّررُهُ للتغزُّلِ بالحسَانِ ، فهنَّ مصدرُ إلهامِهِ ، ووقْدَةُ رُوْحِهِ ، فيسُوقُ هذا التبريرَ في قصيدةِ (شراكة ) فيقولُ :
إن تسألوني .. لماذا يحتفي قلمي ** "ببعضِهِنَّ " فإنَّ الأمرَ كالآتي:
فهنَّ إلهامُ شعري حينَ أكتبُهُ ** وهنَّ وَقْدَةُ روحي , واختلاجاتي
فتلكَ أوحَتْ بهِ منهنَّ مقلتُهَا ** وتلكَ أوحى بِهِ لطفُ الإِشَارَاتِ
أخوَّةُ الشعرِ والجمالِ/
يُلْحَظُ في جلِّ أشعارِِ السوسي أنَّهُ ظلَّ يُؤَاخِي بينَ الحبِّ والشعرِ ، فلا شعرَ من غيرِ حبٍُّ .. كما كانُ لَهُ ـ دائماً ـ مبرِّراتٌ منطقيَّةٌ تُبِيْحُ لهُ جنوحَ القلبِ ، وفلتانَ العاطفةِ ، وتمرُّدَ الشعورِ ، وَزَوْغَ العينينِ الدائبتيْنِ على تحسُّسِ الجمالِ ، واقتفاءِ خطاهُ ؛ يقولُ من قصيدتِهِ ( رسول الحبِّ ) :
خلقَ الشعرُ والجمالُ أُخيِّيينِ ** فحيثُ الجمالُ حيثُ الرويُّ
موتُ الأحاسيسِ:
يرى السوسي أنَّ موتَ العواطفِ ، وتبلُّدَ المشاعرِ والأحاسيسِ ، وجمودَ الحسِّ مردُّها إلى عدمِ تفاعُلِ الإنسانِ معَ الشعرِ ، وعدمِ انفعالِهِ بِهِ ، والتوقُّفِ عن ممارسةِ الهوى ، والامتناعِ عن تعاطي الجمالِ ، أمَّا من لا يهزُّهُ الشِّعْرُ ، ولا يَأْسُرُهُ صوتٌ ناعمٌ رخيمٌ فهو مُسْقَطٌ من حِسَابَاتِ عُشَّاقِ الجمَالِ ، مفتوني الحسنِ ، يقولُ السوسي عن هذا الصنفِ الجامدِ منَ البشرِ ، الميِّتِ الأحاسيسِ ، المقتولِ المشاعرِ ، يقولُ في قصيدةِ ( درنة وإبراهيم ):
والذي لا يهزُّهُ الحسنُ والشِّعْرُ ** ولا يَسْتَبيهِ صَوْتٌ رَخيمُ
فهوَ ـ في شِرْعةِ المحبِّينَ ـ سَقْطٌ ** وهوَ ـ في مذهبِ القلوبِ ـ يتيمُ
وقد يُجْرِي السوسي عشقَ الجمالِ على لسانِ غيرِهِ ، مُسْقِطاً هذا العشقَ النبيلَ على روحِهِ الجميلةِ العاشِقَةِ ، فالمبدعُ بطلُ أعمالِهِ شاءَ أم أبى ؛ يقولُ من قصيدةِ ( البحتريُّ الملهمُ ):
وكسائرِ الشُّعَرَاءِ يحكمُ طبعَهُ ** عشقُ الملاحَةِ مُعْرِباً أو مُعْجِما
كم حلوةٍ سمراءَ صوَّرَهَا لنا ** وجلا صِبَاها مُشْرِقاً مُتَبَسِّما
وحشيَّةِ العينينِ من نظراتِهَا ** تُغضي الظِّبَاءَ تَهَيُّباً وتَحَشُّما
أو حلوةٍ بيضاءَ أومأَ شِعْرُهُ ** لِشُعُوْرِهَا ولخدِّهَا فَتَضَرَّما
وأحلى الكلامِ ـ عندَ شاعرٍ كالسوسي ـ هوَ الشِّعرُ ، ولا شيءَ غيرُ الشِّعْرِ .. لاسيَّما الشِّعْرُ الرقيقُ الصَّدوقُ المنقوشُ بقلمِ شاعرٍ فنَّانٍ تُسْكِرُهُ خمرَةُ الهوى ، وترنِّحُهُ حُمَيَّا الجمالِ ، فتتشرَّبُهُ الأرواحُ الظِّمَاءُ ، وتستريحُ لَهُ الوجداناتُ التَّعبَةُ الحيرىُ .. يقولُ من قصيدةِ ( وفاء ) :
أحلى الكلامِ الشِّعْرُ حينَ يَصوغُهُ ** قلمٌ بخمرةِ عشقِهِ نشوَانُ
تتشرَّبُ الأرواحُ لطفَ حَدِيْثِهِ ** لمَّا يقولُ ويُورِقُ الوجدَانُ
والشَّاعِرُ الكلفُ بالحسنِ ، المعنيُّ بالجمالِ ، المسبيُّ بِهِ ؛ يَلْقَى ـ دائماً ـ من تُفسدُ عليِهِ ، توبتَّهُ ، وتُفْشِلُ مشروعَاتِ اعتزالِهِ ، وترفضُ أوراقَ تقاعدِهِ ، وتبطلُ مفعولِ إقلاعِه عنِ الهوى ، بإقناعِهِ بفتنَةِ الجمالِ ، وعالمِهِ البديعِ الوسيعِ ، كمثلِ ( عَوَاطِف ) التي تُفْسِدُ عليهِ توبَتَهُ واستقامَتَهُ كلَّمَا تهيَّأَ للاستقامَةِ ، وأدارَ قلبَهُ عن ملاحقَةِ الحسَانِ ، والتكلُّفِ بِهُنَّ ؛ يقولُ عن ( عواطفَ ) الرقيقةِ الرَّشِيْقِةِ :
قلْتُ اِرعويْتُ عنِ التوجُّدِ والهوى ** ونأيْتُ عن بحرِ الغرامِ الجارفِ
حتى التقيْتُ بها فَعَاوَدَنِي الجوى ** فرجعْتُ أبْحَثُ عن صِبَايَا السَّالِفِ
هيهاتَ تَصْلُحُ توبةٌ وإنابةٌ ** ما دامَ في الدنيا كَمِثْلِ (عَوِاطِفِ )
الحبُّ يمنحُ الخلودَ :
قد تكونُ هذهِ نظرةً فلسفيَّةً آملةً ليسَ غيرَ ، لكنَّ الشاعرَ الجميلَ ـ وهو يروِّجُ للجمالِ بكلِّ ما أوتي من مقدرةٍ على الإقناعِ والإدهاشِ ، لا بدَّ وأَنْ يُهَامِسَ القلوبَ بهذا الحقيقَةِ التي يعتقدُهَا ، ويجاهرُ الكونَ بأنَّ الحبَّ يصنعُ الخلودَ ، ويهبُ للقلوبِ البقاءَ ، كما هو الإحسانُ ، وعندَهُ فلا شيءَ يبقى بعدَ فناءِ الأعمارِ وانقضاءِ الآجالِ إلاَّ الأرضُ والإنسانُ ، أمَّا الخلودُ ـ عندَ السوسي ـ فيكمنُ في الحبِّ والإحسانِ ومن نفسِ قصيدتِهِ السابقةِ يقولُ :
تمضي السنينُ بحلوِهَا وبمرِّهَا ** والباقيَانِ الأرضُ والإنسَانُ
وتمرُّ أيامُ الشبَابِ حَثيثةٌ ** والخالدانِ: الحبُّ والإحسَانُ
الشِّعْرُ والحبُّ مقاوِمَانِ للشيخوخَةِ :
ـ " ... وما دامَ قلبُكَ يتلقَّى رسالاتِ الجمالِ والبُشرِ والشجاعَةِ والجلالِ والقوَّةِ منَ الأرضِ ومن الإنسانِ ومن الآباءِ فأنتَ شابٌ .." شفيق نقَّاش.
الشاعرُ لا يشيخُ ، كما لا يشيخُ قلبُهُ ولا شِعْرُهُ ، إذ كيفَ تُدَاهِمُ الشيخوخَةُ قلباً يَنْبُضُ بالجمالِ ، وروحاً تخفقُ بالعشقِ ، وكياناً مكتظًّا بالشعرِ ؛ ووجداناً تساورُهُ القصائدُ الرِّهَافُ كلَّ حينٍ ؛ فالشعرُ والحبُّ مقاومِانِ للشيخوخَةِ ، إِنَّها وصفةُ السوسيِّ الشعريَّةُ ، المستقاةُ من أعشابِ الجمالِ الطبيعيِّ ، جمالٌ يسكنُ روحَ الشاعرِ ، يَستوطِنُ أعماقَ الإنسانِ السَّوِيِّ الذي خلقَهُ اللهُ من تربَةِ الجمالِ النقيَّةِ ، وسوَّى روحَهُ من ذرَّاتها الحسَّاسَةِ ، وَكوَّنَهُ بذاتٍ ملهمَةٍ ، وخلطَةُ الشِّعْرِ والجمالِ مِرْهمٌ فعَّالٌ مُجَرَّبٌ ، مضمونُ النتائجِ لإزالَةِ تجاعيدِ القلبِ ، وشفاءِ جراحَاتِ الروحِ ، وتهدئَةِ عَذَابَاتِ الأعماقِ ، فاستفتوا شِعْرَ السوسي في أروعِ بيتينِ قالهما ، وربما هما الأروعُ فيما قيلَ في هذا الصَّددِ عبرَ تاريخِ الشِّعْرِ العربيِّ على امتدادِهِ واتِّسَاعِهِ ، هذه ليستْ دعايَةً شِعْرِيَّةً ، وإنَّما حقيقةٌ واضحةٌ بواحٌ ، يقولُ المُعَالِجُ الروحانيُّ بسحْرِ الشِّعْرِ حسنُ السوسي في قصيدتِهِ ( ذكرى ) :
اِثنانِ لا يَهْرَمَانِ الدهرَ ما بقيا ** ولا يؤِّثِرُ في روحِيْهِمَا الْعُمُرُ
حسناءُ تحسِبُ كم صَرْعَى مَفَاتنِهَا ** وشاعرٌ قلبُهُ مخضوضرٌ نَضِرُ
والسوسي المعبَّأُ قلبُهُ بالجمَالِ عاشَ يؤكِّدُ حقيقةَ أنَّ قلبَ الشاعرِ لا يشيخُ من خلالِ حضورِهِ الفاعِلِ ، واحتفائِهِ الدائمِ بالنَّاسِ والحياةِ والجمَالِ ، قد يُدَاهِمُ العمرُ الشَّاعِرَ ، لكنَّ روحَهُ تظلُّ شابَّةً فتيَّةً ، وقلبَهُ يبقى عصيَّا على مداهمَةِ السنينَ وغوائلِ الأيَّامِ ، يقولُ من قصيدتِهِ ( قلبُ الشاعرِ ):
فالشِّعْرُ ما غنَّى الجمالَ وما خلا ** من رَبْقَةِ الزُّلْفَى وَحِسِّ التاجرِ
يبقى النسيبُ مجالَنَا حتى وإنْ شِخْنَا ** وكيف يَشِيْخُ قلبُ الشاعرِ ؟
أيشيخُ ؟ لا أنا لا أظنُّ وإنَّما ** في الأمرِ نستفتي أخانا الماجري
بل إنَّهُ يرى في العشقِ وسيلةً لاستردادِ شرخِ الشبابِ ، واستعادَةِ أيامِه النضراتِ ، ذلكَ حينَ علقَ قلبُهُ جميلةً ما ، يقولُ من قصيدَتِهِ ( فراشة )
رَدَّتْ لنا شرخَ الشبابِــب ** ونحنُ في شرخِ المشيبِ
وقلبُهُ الشابُّ ـ بالهوى ـ لا يشيبُ ، فهو قلبٌ أخضرُ بربيعِ الحبِّ المتجدِّدِ ، يقولُ من قصيدتِهِ ( أهل القلوبِ ):
أهلُ القلوبِ الخضرِ ما خُلِقُوا ** إلاَّ لرشفِ الحسنِ بالنظرِ
إنَّ القلوبَ جُبِلْنَ من أَلَقٍ ** غيرُ القلوبِ نُحِتّنَ من حجرِ
بل يرى أنَّ الشيبَ لا يمنعُ منَ العشقِ ، فبعضُ النساءِ يعجبُهُنَّ المشيبُ ، ثم متى كان للمرءِ خياراً في عشقِهِ ..!؟ فالحبُّ أعمى لا يفرِّقُ بينَ المراهقِ الصغيرِ والأشيبِ الكبيرِ ، كما يزعمُ ذلكَ في قصيدةِ ( أصلُهَا مغربيٌّ ) ، إذ يقول :
هوى الشِّيْبِ قد يُعْجِبُ الغانياتِ ** فإنْ شِئْتِ أن تعجبي فاعجبي
هو الحبُّ يا حلوتي لا يُفَرِّقُ ** بينَ المُرَاهِقِ والأشْيَبِ
والسوسي لا يُقيمُ للفروقِ حساباً ، ولا يرى بأساً في كسرِ فوارقِ العمرِ ما دامً القلبُ عامراً بالحبِّ ، وهو يعلنُ عن هذا التحدِّي المشروعِ في قصيدتِهِ ( الفروقِ ):
أنا لسْتُ أحسبُ للفروقِ حسابَهَا ** أيكونُ من كَسَرَ الْفَوَارِقَ مُجْرِما ..؟
سبعونَ أو عشرونَ لسْتُ أَعُدُّها ** ما دامَ قلبي بالمحبَّةِ مُفْعَما
الشاعرُ كائنٌ حسَّاسٌ تُتْعِبُهُ الحيَاةُ بزيفِهَا وتقلُّبَاتِها وطباعِ أهلِهَا ، وما فيها من ضِيْقٍ وَهمٍّ ، تلكَ المنغِّصاتُ هي أكبرُ من أن يطيقَهَا قلبُ الشَّاعرِ الرهيفُ ، فيضجرُ ويتعبُ ثمَّ يَشِيْبُ الرأسُ والشَّعْرُ ، لكنَّ القلبَ لا يشيبُ ، والشِّعْرَ لا يشيخُ ، فها هوَ يقولُ من قصيدتِهِ ( أم حسَّان ، أو بعد الستينِ ) ، مخادعاً نفسَهُ في لحظةِ يأسٍ وقنوطٍ ، والقصيدَةُ قيلتْ في شريكِةِ حياتِهِ :
تَعِبْتُ رُوْحاً وَفِكْرا ** وَشِبْتُ قلباً وَشَعْرا
وَضَاقَ بيَ الكونُ ذَرْعاً ** وضِقْتُ بالكونِ صَدْرا
وتَرَاكُمُ سني العمرِ ، والمضيُّ نحوَ الشيخوخةِ ، ليسا كافيينِ لزجرِ قلبِ الشاعرِ ، وردْعِهِ عن غواياتِهِ الحميدَةِ من تعاطي الجمالِ ، والتعلُّقِ بالحسانِ ، وممارسَةِ العشقِ البرئِ ، ففي أعمَاقِ الشَّاعِرِ العاشِقِ مَددٌ قديمٌ يستدعيهِ لمواجهةِ تجاربِ العشقِ الجديدة ، ولديهِ احتياطيٌّ استراتيجيٌّ منَ العواطفِ الغزارِ يمكِّنُهُ من خوضِ غمارِ هوىً جديدٍ كلِّ نبضةٍ ، مستعيناً بتجاربِ الأمسِ في مواجهَاتِ اليومِ ؛ يقولُ من قصيدتِهِ ( أشواق ):
ما خلتُهَا هيَ إلاَّ أنَّها نَسَيَتْ ** إنَّ الزمانَ كفيلٌ أن يُنَسِّيْنَا
لكنَّني لم يَزَلْ في خاطري مَدَدٌ ** منَ الرؤى الخضرِ يجتاحُ الشرايينا
مُراهَقٌ رغمَ خمسينَ لَهُ عُقِدَتْ ** وطفلَةٌ قد حَبَتْ نحوَ الثلاثينا
والحبُّ أحلاهُ بلْ أبقاهُ ما نفثَتْ ** فيهِ التجاربُ تثبيتاً وتمكينا
طفلُ الهوى:
الشَّاعِرُ العشوقُ لا يكبرُ .. قلبُهُ لا ينفطمُ عن رضَاعةِ الحبِّ ، تتقدَّمُ بِهِ السنواتُ ، ويمضي بِهِ العمرُ لكنَّ القلبَ يظلُّ مقيماً على سني صَبَوَاتِهِ ، والسوسي ذو قلبٍ يحبو على دربِ الهوى أبداً ، ولم يتعدَّ صَبَاهُ الوريقَ قطُّ ، يقولُ من قصيدتِهِ ( طيف ):
مازالَ طفلاً في الهوى جاهلاً ** ما سوفَ يجني حبُّهُ الزاخرُ
والشاعرُ مهما تقادمَ بهِ العمرُ ، فلا يتوقَّف عن العيشِ بالحبِّ ، باجترارِ ذكراهُ ، وتذكُّرِ أيامِهِ ، ففي أعماقِهِ أرصدةٌ حبٍّ لا تنفدُ ، يقول من قصيدةِ ( ذكرى ):
فقطَّبَتْ ثمَّ قالت وهي ساهمةٌ ** باللهِ كيف يعيشُ الناسُ إنْ كَبِرُوا؟
فقلتُ: لا بأسَ إن ولَّى الصِّبا ومضى ** فعندنا من بقايا عهدِهِ صورُ
ملوَّناتٌ كما تبغينَ زاهيةٌ ** تَضمُّها من رؤى أحلامِنَا صورُ
وعندنا من شباب الروح أرصدَةٌ ** كانت كما ترهبينَ الآنَ تُدَّخَرُ
شغفُ السوسي بالجمال/
وشاعرُنَا ظلَّ مفتوناً بالجمالِ ، أيًّا كانَ نوعُهُ ، جمالٌ إنسانيٌّ أو مكانيٌّ ، أو طبيعيٌّ ، ويتجلَّى هذا الجمالُ المأخوذُ الشَّاعِرُ بِهِ ، إذ يملأُ وجدانَهُ ، في أغلبِ قصائِدِه ، فـ ( الجمالُ في عينِ الرائِي ) كما يقولونَ ، يقولُ السوسي من قصيدتِهِ ( ضرَّةُ الشمسِ ) :
يا موطنَ الصَّبَواتِ الخضرِ مشكلتي ** في أنَّ قلبي شَغُوْفٌ بالجميلاتِ
مُسافِرٌ في العيونِ النُّجْلِ مُرْتَحِلٌ ** وَمُبْحِرٌ لا يُبَالي بالنَّهَايَاتِ
مُعوَّداتٌ على الإيغَالِ أشرعتي ** مُدرَّباتٌ على الإرقالِ ناقاتي
فكلَّما لاحَ وَجْهٌ مشرقٌ جذلٌ ** حَطَطْتُ رحلي أو ألقيْتُ مِرْسَاتي
كم حلوةٍ شغلت قلبي برقَّتِهَا ** ورُحْتُ عنها أٌعاني من معاناتي
وقد جعلَ السوسي العيونَ مراكبَ لَهُ يبحرُ منها ليرسو فيها ، فكُلَّمَا لمحَ عينينِ ساحرتينِ احتدمَ صِراعٌ في أعماقِهِ ، وعانى عاصفَةً منَ المشاعرِ الهادرَةِ ، يُصَوِّرُ هذا الصراعَ في قصيدةِ ( شراع ):
ما لاحَ لي وجْهٌ جميلٌ مُشْرِقٌ ** إلاَّ وعربدَ في الضُّلوعِ صِراعُ
وأنا المسافرُ في العيونِ ومركبي ** يلهو بها الإرساءُ والإقلاعُ
قَدَري مصاحبَةُ البحارِ فمرَّةً ** أطفو وحيناً يحتويني القاعُ
لا أستقرُّ على مرافئِ شاطئٍ ** أبداً فعمري غُرْبَةٌ وضَيَاعُ
السوسي راصدٌ للجمالِ/
والسوسي راصدٌ مزمنٌ للجمَالِ ، مُدْمِنُ التعلُّقِ بهِ .. محتفٍ ـ أبداً ـ بصورِهِ ومغانيهِ ، مَعْنيٌّ بحالاتِهِ وأشكَالِهِ .. وفيٌّ للإعلانِ عَنْهُ .. فهو مُتَرَبِّصٌ بِهِ في كلِّ طريقٍ ، ومن كلِّ سبيلٍ .. يروِّجُ لَهُ ، ويُعلي من قيمَتِهِ ، ويحبِّبُهُ للنُّفُوْسِ ، فهوَ لأجلِ لحظةِ فرحٍ ، أو ومضةِ شعرٍ ، أو بُرْهَةِ اندهاشٍ يستنطقُ حتى الجمَاداتِ مستحلباً منها عطرَ الجمالِ ، يقولُ من قصيدتِهِ : " قالت لي المرآةُ " على لسانِ حسناءِ:
أنا للحسَانِ خُلِقْتُ صَاحبَةً ** يزدَدْنَ بي حُسْناً على حُسْنِ
أنا للَّتي مرَّتْ بمِرْودِهَا ** ـ مَرَّ النسيمِ ـ على شَفَا الجَفْنِ
أو للَّتي سوَّتْ براحتِها ** خُصلاً ملأنَ جوانِبَ الحِضْنِ
أو للَّتي مَسَحَتْ بإصبعِهَا ** شَفَتينِ ناضجتينِ بالمَنِّ
أو للَّتي مَسَّت بغاليَةٍ ** خالاً نما في الطيبِ والدُّهْنِ
إني لهنَّ خُلقتُ مرشدَةً ** فلهنَّ من دونِ الورى دعني .
وهو لا يُنْكِرُ هذا الترصُّدَ العلنيَّ للحسنِ ، ولا يُخْفِي هذا التعلُّقَ الجميلَ بالجمالِ ، فهو عن سبقِ إصرارٍ وترصُّدَ ينصبُ شباكَهُ لجميلاتِهِ ، صيدِهِ الشعريِّ الثمينِ ، ومادتِهِ الإعلانيَّةِ الباهِظَةِ القيمَةِ ، بل ويكفيهِ من دُنْيَاهُ ترويجُهُ المثمرُ للجمالِ ، وما يجدُه فيهِ من متعَةٍ تكفيهِ فتغنيهِ عن أيِّ مقابلٍ آخرَ ، يقولُ من قصيدتِهِ ( الفروق ):
حسبي بأني شاعرٌ متربِّصٌ ** بالحسنِ أتبعُ خطوَهُ مترسِّما
وأضيقُ ـ أحياناً ـ بهِ متبرِّماً ** وأشيدُ ـ أحياناً به مُتَرَنِّما
لم أجنِ من ثمراتِهِ وطلوعِهِ ** ولئن غدوْتُ بما أراهُ مُتَيَّما
والرجلُ مخلوقٌ للحسنِ ، مفتونٌ بِهِ ، لذا يبيحُ لنفسِهِ رصدَهُ واتِّبَاعَهُ ، يقولُ من قصيدةِ ( ليلة العيد ):
خُلقْتُ للحسنِ أهواهُ وأرصُدُهُ ** وإن يكنْ في غيَاباتِ الغيَابَاتِ
وبعضهُم عمرُهُ يقضيهِ في نصبٍ ** بما يعانيهِ من جمعِ الجنيهاتِ
كأنَّهٌ خالدٌ فيها .. فوا أسفى ** على قلوبٍ تلهَّتْ بالسَّخَافَاتِ
وهو لا يرى الإنسانَ إنساناً سويًّا مكتملاً إلاَّ باكتمالِ روحِهِ ، ونضجِ ذائقتِهِ الجماليَّةِ ، وأنَّ لذاذاتِ الحيَاةِ جميعِهَا تكمنُ في الحبِّ لا في جمعِ المالِ ، فيقولُ من القصيدةِ ذاتِهَا:
ما أنتَ بالمالِ إنسانٌ وإن جمعَتْ ** يداكَ كلَّ مفاتيحِ الخزاناتِ
بالرُّوحِ أنتَ , وبالذَّوقِ الرفيعِ إذا ** أُوتيتَهُ وبأفعالِ المروءاتِِ
فكنْ جميلاً .. ترَ الأشياءَ مشرقةً ** وابحثْ عنِ الحبَّ تظفرْ بالهناءاتِ
أمَّا الشِّعْرُ فهو صديقُهُ الوفيُّ ، وأداتُهُ المثلى للترويجِ المُبَاحِ للجمَالِ البهيِّ مغانيَ ومعانيَ ، لذا ظلَّ الشِّعْرُ وسيلتَهُ المحبَّبَةَ في التغنِّي بالجمالِ ، وإطراءِ ملامحِهِ وصورِهِ ، فكانَ الشعرُ طوعَ بنانِهِ ، ورهنَ أحاسيسِهِ ، يأمرُهُ بالانهمارِ البهيِّ فيلبِّي ناقلاً مشاعرَهُ ، معبِّراً عن دواخلِهِ ، مغرياً الناسَ بالحياةِ .. يقولُ من قصيدتِهِ ( حيرة ):
قد كانَ لي ـ قَبْلُ ـ ونعمَ ** المُعينُ إذا احتزبَ الأمرُ لم يَخْذُلِ
وقد كانَ نعمَ رفيقُ الشبابِ ** إذا قلتُ : عونَكَ لم يَبْخَلِ
به قطعْتُ دروبَ الحياةِ ** كأنَّي على سابحٍ أحجلِ
فبصَّرني بمغَاني الجمالِ ** وعالِمِهِ الدافئِ المُخملي
وعلَّمني كيف أَسْرِي على ** جناحٍ منَ الأملِ المُقبلِ
فطوَّفتُ في الأعينِ الحالماتِ ** وثُبتُ إلى الغصنِ المثقلِ
وحلَّقتُ فوق الرَّبى الحالياتِ ** وصلَّيتُ في منحنى الجدولِ
أفتِّشُ عن ملمحِ للجمالِ ** وعن أثرٍ تائهٍ مهملِ
فأجلُوهُ للأعينِ الوالهاتِ ** وأكشفُ عن سِرِّهِ المذهلِ
المرأةُ عندَهُ حبيبَةٌ وملهمَةٌ ، والشِّعْرُ عندَهُ عرَّابٌ أمينٌ ، فإذا ما خبا يوماً أو أصابَهُ الفتورُ أشعلتِ الحسانُ ـ في روحِهِ ـ وَقْدَةَ التَّلَهُّفِ ليهتاجَ مُفضياً بالمواجدِ ، مُبدياً ما في الأعماقِ من خفايا وخبايا ؛ يقولُ من قصيدةِ ( إحسانُكُم قيدٌ ) :
والملهمَاتُ الموحيَاتُ إذا خبا ** وَهْجُ الحروفِ أعدْنَ وَقْدَ تلهفِّي
ما زلتُ أطلبُ عونهنَ إذا ونى ** عن شوطِهِ طلبَ الملحِّ المُلحِفِ
أنَّى ونى يسكبْنَ في مشكاتهِ ** زيتاً فضوءُ سراجِهِ لا ينطفي
وقد يلومُهُ بعضُهم على غزلِهِ المستفيضِ ، وتشبيبِهِ المستديمِ بالنساءِ ، ممَّن يرونَ أنَّ ثمَّةَ قضايا أهمُّ منَ التغزُّلِ بالحسانِ ، وتصويرِ جمالِهنَّ ، فالشعرُ ـ لدى هؤلاءِ ـ يجبُ أن يوظَّفَ لمعالجةِ قضايا الأمَّةِ ، وتتبُّعِ آلامِهَا ، لكنَّ السوسي يرى الشِّعرَ نفسَهُ مُعَالِجاً موضوعيًّا فعَّالاً للنفوسِ الحيرى ، ودواءً ناجعًا للقلوبِ المثقلَةِ بأوجاعٍ مزمنَةٍ ؛ إذ ظلَّت خاليَةً من صورِ الجمالِ ، فارغةً إلاَّ من أكداسِ ضجرِهَا المكينِ ، ورُكَامَاتِ سَأْمِهِا البليدِ التَّليد ، يقول من قصيدتَهِ ( إحسانُكُم قيدٌ ):
قالوا: أما للشِّعرِ عندكَ شاغلٌ ** إلاَّ بمقلَةِ شادنٍ أو مرشفِ ؟
وظِّفْهُ في غيرِ التوجُّدِِ والجوى ** فالشِّعْرُ فوقَ تلهُّفِ المتلهِّفِ
لا شِعْرَ إن هو في مآثمِ قومِهِ ** لم ينتحبْ ، وبعرسِهِم لم يعزفِ
فأجبتُ : لو خلتِ القلوبُ منَ الهوى ** والحبِّ صارتْ كالوعاءِ الأجوف
لا تعذلوا العشَّاقَ في صبواتِهِم ** العشق أوَّلُ رتبةِ المتصوِّفِ
من لا يحبُّ الحسنَ في أشكالِهِ ** أو لم يذقِ من كأسِهِ أو يرشفِ
سيظلُّ كالتِّمَثالِ صلْداً بارداً ** ما انفكَّ يقبعُ في زوايا المتحفِ
ولا عتبَ على السوسي المحكومِ المؤبَّدِ من محكمَةِ العيونِ ، محكمَةِ الهوى ، محكومٌ بأشغَالِ العشقِ الشَّاقَّةِ ، وبالسجنِ في أسرِ القصيدَةِ ، وبينَ أسوارِ الجمالِ بلا استئنافٍ ، :
وَجَعُ العيونِ النُّجْلِ محكمَةُ الهوى ** حكمَتْ عليَّ بهِ ولم أستأنفِ
والسُّوسي مُتَّهمٌ أبديٌّ بممارسَةِ العشقِ ، وهو مُدَانٌ ـ أبداً ـ في محكمَةِ الجمَالِ العليا باعترافِهِ بنفسِهِ ، وبشهادةِ شعرِهِ الْعَدْلِ عليهِ :
أَقبلْتُ ملهوفَ الجوَانحِ رَاعِشاً ** وَنَسِيْتُ أنِّي في الغرامِ مُدَانُ
وقد يَدَّعِي أنَّهُ مُتَقَاعِدٌ في الهوى ، لكنَّهُ يَهُبُّ لممارسَةِ العِشْقِ كلَّما لاحَ له وَجْهٌ صَبُوْحٌ ، أو عنَّ له حُسْنٌ جموحٌ لحوحٌ :
وَنَسِيْتُ أني في الهوى مُتَقَاعِدٌ ** لم يُجْدِهِ بَوْحٌ ولا كتمَانُ
والسوسي سجينُ الحبِّ والشِّعْرِ الأبديُّ لم يكتفِ بأسرِهِ هو ؛ بلْ ظلَّ يدعو غيرَهُ للاقتداءِ بِهِ ، واقتفاءِ أثرِهِ في ارتكاباتِهِ الفادحةِ المباركَةِ ..!
إنِّي جعلتُ طريقَهَا لطريقِهِ ** جِسْراً ، فهل من مقتدٍ أو مقتفِ ؟
المدنُ الحسانُ:
ـ يقولُ ( روسو ) : "... ولكنَّ الجمالَ يفتنُ حيثما وُجِدَ , حتَّى العيونَ المغمضةَ ".
حتى المدنُ لهنَّ في وجدانِ السوسي متكأٌ أثيرٌ وثيرٌ ، يُغَازِلُهُنَّ كما يُغَازِلُ الحسانَ .. ويفتتنُ بهنَّ افتتَانَهِ بالعذارى ، فالحيَاةُ عندَهُ أنثى ..كلُّ امرأةٍ قصيدَةٌ ، وكلُّ قصيدةٍ امرأةٌ .. أمَّا المدنُ الجميلَةُ فهيَ حِسانُهُ الأخرياتُ اللواتي يملكْنَ حيِّزاً من أعماقِهِ ومن قصيدِهِ ، فقد شغلْنَ قلبَهُ وشِعْرَهُ معاً ، أجلٌ " المدنُ كالحسانِ تماماً لها جاذبيَّةٌ خاصَّةٌ وفتنةٌ لا تقاومٌ ، والشاعرُ العاشقُ يصوِّرُ مدنَهَ الجميلةَ الآسِرَةَ حساناً يتغزَّلُ فيهنَّ ، إذ لا يمكنُهُ أن يعيشَ بمعزلٍ عن الحسنِ والطهارةِ والنقاءِ ، فيترجمُ كلَّ الأشياءِ من حولِهِ إلى إناثٍ ينثرْنَ العطرَ حولَهُ والجمالَ ، يقولُ متغزِّلاً في ( دارِ الأنس ) درنة من قصيدتِهِ (درنة والمهرجان ) في خمسينيَّةِ الشاعرِ الراحلِ إبراهيم الأسطى عمر" :
في غيرِ عينيكَ لا يحلو لنا الغزلُ ** وفي سَواكِ حديثُ الحبِّ مُفْتَعلُ
أحلى الكلامِ كلامٌ لا نَبُوحُ بِهِ ** لكنَّمَا هو بالعينينِ يُخْتزلُ
بالشَّوقِ جئنَاكِ يا أحلى مدائنَِنَا ** هل يطفئُ الشوقَ إلا الضَّمُ والقُبَلُ ؟
يا موطنَ الصَّبَوَاتِ الخضرِ يا بلداً ** نَشْتَاقُهُ .. وهو في وجدانِنَا وَشَلُ
جئْنَا نجدِّدُ من أيَّامِ صبوتِنَا ** فهل تعودُ لنا أيامُنَا الأُوَّلُ ؟
حيثُ الصِّبَا مورِقُ الأفنانِ مزدهرٌ ** وحيث نحنُ على جَدْواهُ نتَّكلُ
إذا أصبَى مَوْضِعٌ ناساً تلبَّسَهم ** حتى وإن بَعُدُوا عنْهُ .. وإن رَحَلُوا
والبعدُ لا ينسي العاشقَ حبَّهُ لها ، ولا افتتانَهُ بها مهما طال الغيابُ ، وبعدَتِ المسافاتِ بينَ العاشِقِ وحبيبَتِهِ ، يقولُ من القصيدةِ ذاتِها:
وقد يطولُ غِيَابُ العاشقينَ مدىً ** لكنهم ـ أبداً ـ عن حبِّهِم شُغِلُوا
تُلْغى المسافاتُ إن جئنا نيمِّمُهَا ** وتستقيمُ لنا .. أو تقصُرُ السُّبُلُ
إذا مررْنَا بها ـ يوماً ـ تَهِيْجُ بِنَا ** شوقاً وجُرْحُ الْهَوَى هَيْهَاتَ يندَمِلُ
وها هو يتغنَّى لـ ( المرجِ ) الجميلةِ عاشقاً ، مغازلاً فيها حسناءَ أسرَتْ لبَّهُ ، وسلَبَتْ قلبَهُ ، فيسترسلُ في التغزُّلِ بالاثنينِ معاً ؛ المرجِ وغزالَتِهِ الفاتنَةِ ، يخاطبُهَا من قصيدتِهِ ( هوامش على دفترِ الغربةِ) :
والمرجُ يومئذٍ مناطُ رَغَائِبٍ ** والمرجُ يومئذٍ محطُّ أمَانِ
عن أذْنِهَا تجري الأمورُ وباسمِهَا** وبها تحطُّ قوافلُ الركبَانِ
وَاصَلْتُهَا وَوَجَدْتُ أَنِّي مُغْرَمٌ ** بجمَالِهَا المتألِّقِ الفينَانِ
فيها تقاسمَتِ الحسَانُ حُشَاشتي ** ونزلْنَ من قلبي أعزَّ مكانِ
الباديَاتُ لهنَّ نِصْفُ تواجدي ** والحاضراتُ لهنَّ نصفٌ ثانِ
فلكم مشيْتُ وراءَهنَّ مُحَاذِراً ** عينَ الرَّقيبِ النَّاعِسِ اليقظانِ
وبعد أنْ أبدى ـ في استهلالَهِ ـ عشقَهُ لجميلاتِ المرجِ ، حَضَريِّاتٍ وَبَدَوِيَّاتٍ ، يَسْرِدُ لنا هذا الحوارَ الجميلَ بينَهُ وبينَ الغزالَةِ المبتغاةِ ، والفاتنَةِ المشتهَاةِ فيقولُ من القصيدةِ نفسِهَا:
قالت: غريبٌ أنتَ قلتُ : وموطني ** في هاتِهِ الألحاظِ والأجفانِ
حيثُ الجمالُ يلوحُ أضربُ خيمتي ** وأُرِيحُ منساتي وظهرَ حِصاني
حسبي بأنِّي شاعرٌ متنقِّلٌ ** في كلِّ مَرْجٍ مُمْرِعٍ تلقاني
" وما أعجبُ لَهُ هو أنَّ مدناً يقالُ فيها مثلَ هذا الشعرُ الجميلُ كيفَ لا تنقشُهُ بماءِ الذهبِ على مداخلِها وبوَّابِاتِها الرئيسةِ ، بل كيفَ لا يكونُ نشيداً محلَّياً لها ..؟ وكيفَ لا يكونُ محفوظاً في قلوبِ أهلِهَا ، وعلى ألسنةِ أبنائِهَا ، استمعوا ماذا يقولُ عنها بكلِّ فَراهَةِ الكلماتِ وقداسَةِ المعاني" :
فكيف ننساكِ يا أحلى أحبَّتِنَا ** وكلُّ شيءٍ سوى النِّسْيَانِ مُحتمَلُ
ثلاثةٌ لم تزلْ كالوشمِ باقيَةً ** بطحاءُ وادِيكِ والشلالُ والجبلُ
والبحرُ تحتَكِ مُنْسَاحٌ ومختلجٌ ** كأنَّهُ عاشقٌ يحبو ويبتَهِلُ
لِموجهِ في حواشي الشطِّ همهمَةٌ ** فهل ترى وشوشاتٌ تلكَ أمْ قُبَلُ ؟
جئنَا على البحرِ البسيطِ فَمٌ ** يشدو غناءً ، وقلبٌ راقصٌ جذلُ
شراعُنَا يَتَهَادَى فوقَ لُجَّتِهِ ** والبحرُ من تحتِهِ يَعْنُو ويمتثلُ
ولم يَقْصُرِ السوسي شعرَهُ التاريخيَّ على حسناءَ بعينهِا منَ المدنِ الحسانِ اللواتي تأسرُهُ فقد كتبَ عن أماكنَ كثيرةٍ ، وتغزَّلَ في مدنٍ عدَّةٍ ، محتفياً بالمكانِ ، فقد افتتنَ بالجبلِ الأخضرِ بمدنِِهِ الجميلةِ :درنة والبيضاء وقورينا والمرج ، أو في عشقِهِ المحمومِ لحاضنَتِهِ الرؤومِ بنغازي التي أسبغَ عليها الكثيرَ من شعرِهِ النفيسِ ، أو والدتِهِ ( الكفرة ) التي قالَ فيها أروعَ غزليَّاتِهِ ، ومنها هذانِ البيتانِ الرائعانِ من قصيدتِهِ ( الكفرة ) :
جنابُكِ يا مهدَ الجلالِ مَهيبُ ** وحسنُكِ يا أختَ الجِنانِ قَشيبُ
وطفلُكِ هذا بالجميلاتِ مولعٌ ** أما هوَ للحسنِ البهيجِ رَبيبُ
وهيَ هواهُ البكرُ الذي يذوبُ فيهِ ولا يتوبُ عن مقارفَتِهِ ، يقول من القصيدَةِ نفسِهِا :
إذا كنْتُ قد أحببْتُ غيرَكِ مرَّةً ** فأنتِ هَوَايَ الْبِكْرُ فيهِ أَذُوْبُ
وإنْ تُبْتُ من حُبِّ الجميلاتِ توبةً ** فَحَاشَاكِ أَنِّي عَن هَوَاكِ أَتُوْبُ
أو مصراتةَ التي خلعَ عليها لقبَ ( ضَرَّةَ الشمسِ ) من قصيدتِهِ ( ضرَّة الشمسِ ) :
أتيتُ أحملُ أشواقي وأهاتي ** حتى لقيتُكِ يا أحلى حَبيباتي
أتيتُ والشوقُ في جنبيَّ مُستَعِرٌ ** وفي دمي جمراتٌ من صَباباتي
وَزَيَّنَتْ لي اللقاءَ الحلوَ أخيلتي ** وكم ركنْتُ لتزويقٍ الخَيالاتِ
كما فتنتْهُ مدينةُ ( هون ) فخصَّها بقصيدتِهِ ( هونيَّة ) ، ومنها هذا البيتُ الجميلُ:
جِئْنَا نُغنِّيْكِ ـ يَا هُوْنُ ـ قَصائدَنَا ** ونستعيدُ هوىً ما زالَ يُشجينا
فضلاً عن تغزُّلِهِ بأقطارٍ ومدنٍ عربيَّةٍ كثيرةٍ ، بَدْءاً بلبنانَ الساحرةِ الفاتنَةِ ، وبأحلى مدائنِهَا ( بيروتَ ) ، والشامِ بمدنِهِ الساحرَةِ الجميلةِ ، وطبيعتِهِ المدهشةِ ؛ بدمشقَ وحلبَ وغيرِهما ، وبتونسَ والجزائرِ والمغربِ بما فيهِ ومدنِهِ وقراهُ من جمالٍ وروعةٍ ، فهو يتغنَّى بفاس ومكناس ووجدةَ وغيرِها من مدنٍ أخرى ليبيَّةِ وعربيَّةِ .. فالمدينةُ عندَه أنثى جميلةٌ تستحقُّ قبلاتِ القصائدِ أو القصائدَ القبلاتِ ، وتَسْتَأْهِلُ عناقَ الشعرِ الأبديَّ .. لذا ظلَّت المدنُ الحسانُ تغري قلبَ الشِّاعرِ بالعناقِ ، وشِعْرَهُ بالقبلاتِ .. لأنها وَعَتّ ـ جيِّداً ـ أنَّ الحبَّ والشِّعْرَ يمنحَانِ الحسَانَ الخلودَ .. فاستفتوا شعرَ السوسي كم خلَّدَ من مدنٍ حِسَانٍ ..!؟
مُخْتَتَمٌ /
حسن السوسي شاعرُ المناسباتِ الكبيرةِ بامتيازٍ ، لذا فهو لا يكتبُ قصائدَ مناسباتٍ وحسبُ كتلكَ التي تسكبُ فيها أرطالٌ منَ المجاملةِ والملقِ ، وإنما يَكتبُ قصيدةَ المناسبَةِ بحبٍّ كبيرٍ .. فهو كشاعرٍ صادقٍ مفتونٍ بالجمالِ ، يسعى دائماً إلى إرضاءِ الكائنِ الحسَّاسِ الذي يسكنُهُ ، وإلى إشباعِ قلبِهِ النهمِ لعناقِ الجمالِ ، فهوَ يصنعُ حساناً ومدناً يتخيَّلُهَا ، متَّخذاً ممَّا يُفْتَنُ بِهِ ـ على الواقعِ ـ من مُغْوِيَاتٍ مُدْخلاً لإبداعِهِ الشاسعِ ، ومُنْطلقاً لخيالِهِ الشاسعِ .. فالشاعرُ الفنَّانُ يجاهرُ بحبِّهِ مُبَالِغاً في نبضاتِ شوقِهِ ، مُبرزاً حالاتِ جنونِهِ وهيامِهِ المدهشتينِ ..
والحبُّ بالنسبةُ لها كانَ على الدوامِ مناسبَةً كبيرةً مهمَّةً يدلقُ فيها شعرَهُ وأحاسيسَهُ كلَّما نابزَ الهوى قلبَهُ اللهوفَ .. فلهذا تشعرُ بصدقِ عاطفتِهِ ..
أشعارُ السوسي تُقرأُ بالقلبِ وبالنظرِ ، وتُوضعُ في أرففِ الوجدانِ ، فكلَّما قرأت بعينيكَ قصيدةً من قصاِئدِِهِ ، ورَّطتَ قلبَكَ توريطاً جميلاً في عشقِهَا ، وعشقِ الأنثى الجميلةِ المختبئَةِ الظاهرةِ فيها .. القصيدةُ عندَهُ لا تفقدُ وهْجَهَا بالتقادمِ ، ولا يتجعَّدُ وجهُهَا بفعلِ الزمنِ .. قصيدَةُ السوسيِّ شمسٌ ربيعيَّةٌ تغفو قليلاً ثم تعودُ لتفتحَ أجفانَهَا للضوءِ ، وتفغرُ ثغرها للندى ، وقلبَها للعطرِ ، وتفردُ أحضانِها للحبِّ الآسرِ الحميمِ ، مناديةً بهمسٍ جهور : هل من مُعانقٍ ..؟
قراءةُ قصيدتِهِ لأكثرَ من مرَّةٍ واحدةٍ ـ وهي غالباً تجبرُكَ على ذلكَ ـ تشعرُ كلَّ قراءةِ أنَّكِ تقرأُها للمرِّةٍ البكرِ ، وتكتشفُهَا للوهلَةِ الأولى .. فقصيدتُهُ الفاتِنَةُ حسناءُ لعوبٌ مغرورةٌ تبدِّلُ فساتينَها كلَّ حينٍ ، وتعرضُ فتنتَها كلَّ لحظةٍ ..
الولوجُ إلى عوالمِ السوسي الثريَّةِ يعني أنِّكَ دخلتَ جامعةَ الجمالِ ، جَامِعَةً مُعْتَمَدةً تمنحُكَ شهادةَ تذوُّقٍ دقيقةٍ ، تعتمدُكَ خريِّجاً مؤهَّلاً بشهاداتِ الفرحِ والدهشةِ والانبهارِ ، مُجَازاً لأنْ تحتفيَ بالجمالِ ، جامِعَةً تلقِّنُكَ أبجديَّاتِ الهوى العذريِّ ، وتطلقُكَ في رحابِ الحسنِ عصفوراً ، وغيمَةً ، وَسِرْبَ فَرَاشٍ..! السوسي يُحْسنُ الترويجَ للجمالِ .. للحبِّ .. للحياةِ .. لأنَّهُ يعيدُ إنتاجَ أعماقِهِ ومن ثمَّ تصديرَهَا ، ولعلَّ المثلَ الصينيَّ القائلَ : " إنَّ أريجَ الزهورَ يلتصقُ دائماً باليدِ التي تقدِّمُهَا ".
ينطبقُ ـ ضبطاً ـ على هذا المروِّجِ الجميلِ المتورِّط في الحبِّ ، المورِّط في الجمالِ..
ـــــ المصادر والمراجع ـــــــــ
ـ حسن السوسي ، نوافذ ، الدار العربيَّة للكتاب ، ط 1 ، 1987
ـ حسن السوسي ، ألحان ليبيَّة ، الدار الجماهيريَّة للنشر والتوزيع والإعلان ، ط 1 ، 1998
ـ حسن السوسي ، الرسم من الذاكرة ، منشورات مجلس تنمية الإبداع الثقافي بالجماهيريَّة ، ط 1 ، 2004
ـ حسن السوسي ، الفراشة ، منشورات مركز دراسات الثقافة العربيَّة ، ط 1 ، 1998
ـ حسن السوسي ، المواسم ، المنشأة العامَّة للنشر والتوزيع الإعلان ، ط ، 1986
ـ حسن السوسي ، صدى السنين ، مجلس الثقافة العام ، ط 1 ، 2006
ـ حسن السوسي ، ديوان نماذج ، الدار العربيَّة للكتاب ، ليبيا ، تونس ، 1981
ـ عبد الله سالم مليطان ، معجمُ الشعراءِ الليبيِّينَ ، دار مداد للطباعة والنشر ، ط 1،2001 .
ـ يوسف مارون ، قاموس الحكم والأمثال والأقوال الخالدة ، المؤسَّسة الحديثَةُ للكتابِ ، طرابلس ، لبنان 1996 .
الدوريَّات:
ـ مجلة الجليس ، اللجنة الشعبيَّة العامَّة للثقافة ، ليبيا ، العدد الخامس ، 2007
السوسي شاعرٌ ظلَّ يُشاغِلُ ذهنَ القصائدِ بهواجسِهِ المثيرَةِ ، ويستفزُّ المعانيَ العصيَّةَ بأناقةِ حرفِهِ ، وجاذبيَّةِ كلماتِهِ الخضراءِ المونقةِ ، يخطرُ على عرشِ القصيدَةِ ملكاً.. يعلَّقُ تراتيلَهُ المبجلَّةَ قناديلَ أُنسٍ على بوَّابَةِ الروحِ .. يُشعلَ المعاني شموساً في عتمَةِ التفاصيلِ .. يَنصبُ شِرَاكَهُ المخمليَّةَ المشتهاةَ لوجُوْهِ القصائدِ الحسانِ فتدنو منْهُ مثلَ حمَائِمَ عطشى .. لتغفوَ في أحضانِهِ ثم تزهرُ على أنامِلِهِ العاشقةِ حقلَ أقاحٍ ، وقطيعَ نجماتٍ ، وسربَ غيومٍ مكتنزةٍ بالحياةِ ، وأنهاراً من رحيقٍ ، وجداولَ مسكٍ وعنبرٍ ..
وبالرغمِ من ثمانينِِهِ التي ينوءُ بها جسدُهُ النحيفُ الرَّهيفُ فقد ظلَّ هذا الشَّاعِرُ الجميلُ ـ روحاً وشعراً وخلقاً ـ ظلَّ شاباً طِوَالَ حياتِهِ ، مستمدًّا شباَبَهُ من شبابِ القصيدَةِ ، كما تستمدُّ القصيدةُ شبابَهَا من شبابِ قلبِ الشاعرِ ، فهو ينسجُهَا من ربيعِ قلبِهِ السَّاطِعِ الدائمِ الاخضرارِ كضحكةِ طفلٍ .. كابتسامَةِ حسناءَ .. هذا الشبابُ المونقُ هو الذي منحَ قصيدَتَهُ وهْجَهَا ووجْهَهَا ، موصياً بإرثِ القصيدةِ كنزَ أحلامٍ عذارى لا تبيدُ ..
تَوْأَمَةُ الشِّعْرِ والجمالِ /
" الفنُّ جمالٌ من صنع الإنسان وأمَّا الجمال فهو فنٌّ من صنع الله " يوسف مازن.
الشِّعْرُ والجمَالُ عندَ السوسي توأمانِ ، كلاهما ملتصقٌ بالآخرِ ، يربطُ بينَهُمَا حَبْلٌ سِرِيٌّ وثيقٌ هوَ الذوقُ ، فذائِقَةُ الشَّاعِرِ تتلمَّسُ الحسنَ في الأشياْءِ جميعِها ، ولمَّا كانَ الشعرُ أحدَ عناصرِ الجمالِ المهمَّةِ والأساسيَّةِ ؛ كانَ لابدَّ من اقترانِ الشعرِ بالجمالِ ، والسوسي الشاعرُ ، داعيةُ الجمالِ ، ومفتونُهُ الدائمُ ما فتئَ يُعيدُ ـ في مناسباتٍ مختلفةٍ ـ فكرةَ تَزَاوجِ الشعرِ والجمالِ وتساوقهما ، فكلاهما جميلٌ ، وكلاهما لا غنى لَهُ عنِ الآخرِ ، فهما كالشَّمْسِ والقمرِ ، كاللِّيلِ والنَّهارِ ، كاليمينِ والشمالِ ، يقولُ من قصيدةِ ( درنةُ وإبراهيمُ ):
خُلِقَ الشعرُ للجمالِ يغنِّيهِ **ويشدو في مُلْكِهِ ويهيمُ
نعم ؛ الشعرُ والجمال ُعندَ السوسي قرينانِ ، كلاهما لا يحيا بغيرِ الآخرِ ، يَسْبِي الجمالُ الشعرَ فيغنِّيهِ ، فيما يَطْرَبُ الجمالُ لترديدِ الشِّعْرِ الفَارِهِ الآسِرِ لا سيَّما إنْ طُرِحَتِ منَ الشِّعْرِ المادياتُ فخلا من مثقلاتِ التزلُّفِ ، يقولُ من قصيدةِ ( قلبِ الشاعرِ ) :
فالشِّعْرُ ما غنَّى الجمالَ وما خلا ** من رَبْقةِ الزُّلْفَى وحِسِّ التاجرِ
ويؤكِّدُ ـ دوماً ـ هذا التلازمَ الفاتنَ بينَ الشعرِ والجمالِ ، فكلاهما محتاجٌ للآخرِ ليبرزَ ويظهرَ ويتألَّقَ ، هذا التلازمَ الأزليُّ يردِّدُهُ الشَّاعِرُ في غيرما بيتٍ ، وفي أكثرِ من قصيدةٍ ومناسبَةٍ ؛ يقولُ من قصيدةِ ( درنةُ والمهرجان ) حولَ مدينةِ ( دَرْنَةَ ) التي تأسرُ قلبَهُ بفتونٍ :
والشِّعْرُ والحبُّ صِنْوَا لحظةٍ وُلدا ** فليسَ إلا بهذا ذاكَ يكتملُ
وفي بيتِهِ السابقِ يؤكِّدُ ما ذهبَ إليهِ الشاعرُ الإيطالي أونجاريتي حينَ قالَ : " لا شعرَ بدونِ حبٍّ ، لا شعرَ بدونِ حريَّةٍ ".
وهو يرى أنَّ ثمَّةَ وشيجةً ، وصلةَ قربى بينَ الجمالِ والشعرِ يعلِنُهَا خلالَ قصيدتِهِ ( بستانُ خديجة ) :
إِنَّ بينَ الجمَالِ والشِّعْرِ قُرْبَى ** فاحفظيها ، ولا تَقُصِّي الوشيجهْ
ويؤكِّدُ أَنَّ الشعرَ خلقَ مغنِّياً للجمالِ ، بما فيهِ من حلاوةٍ ومرارةٍ ، وأملٍ وألمٍ ، ذاهباً مذهبَ نزارِ قبَّاني مروِّجِ الجمالِ الكبيرِ الآخرِ ، مستشهداً بعجزِ بيتٍ لَهُ مضمِّناً إيَّاهُ قصيدَهُ ، ذلك من قصيدةِ ( وجع الحبِّ ):
خُلِقَ الشِّعْرُ للجمالِ يُغنِّيهِ ** ( وبعضٌ منَ الغنَاءِ بكاءُ )
قَدَرٌ أن نحبَّهَا وقضَاءٌ ** أن رمَانا بمقلتِيْها القضاءُ
وجميلٌ أنَّا نُحِبُّ وأنَّا ** للجميلاتِ والجمالِ فِدَاءُ
ويبرِّرُ االسوسي أنَّ عشقَ ( حسناءَ ) قدرٌ وقضاءُ وليسَ بإرادةِ قلوبِ العشَّاقِ والشعراءِ ، فهمْ ضعفاءُ أمامَ آياتِ الجمال الخارقةِ كفراشٍ حائرٍ يتهافتُ على هالاتِ الجمالِ فيصطلي بنيرانِ الهوى قائلاً منَ القصيدِةِ نفسِها:
نحنُ يا حلوتي فراشٌ ونارٌ ** كيف لا يجذبُ الفراشَ الضياءُ
صَدَقَ القائِلونَ فينا وفيهنَّ ** قلوبُ المتيَّمينَ هواءُ
فارحمي ضعفَنَا حِيَالَ كنوزٍ ** أنتِ طرفٌ لها وأنتِ وِعَاءُ
وللسوسي مبِّررُهُ للتغزُّلِ بالحسَانِ ، فهنَّ مصدرُ إلهامِهِ ، ووقْدَةُ رُوْحِهِ ، فيسُوقُ هذا التبريرَ في قصيدةِ (شراكة ) فيقولُ :
إن تسألوني .. لماذا يحتفي قلمي ** "ببعضِهِنَّ " فإنَّ الأمرَ كالآتي:
فهنَّ إلهامُ شعري حينَ أكتبُهُ ** وهنَّ وَقْدَةُ روحي , واختلاجاتي
فتلكَ أوحَتْ بهِ منهنَّ مقلتُهَا ** وتلكَ أوحى بِهِ لطفُ الإِشَارَاتِ
أخوَّةُ الشعرِ والجمالِ/
يُلْحَظُ في جلِّ أشعارِِ السوسي أنَّهُ ظلَّ يُؤَاخِي بينَ الحبِّ والشعرِ ، فلا شعرَ من غيرِ حبٍُّ .. كما كانُ لَهُ ـ دائماً ـ مبرِّراتٌ منطقيَّةٌ تُبِيْحُ لهُ جنوحَ القلبِ ، وفلتانَ العاطفةِ ، وتمرُّدَ الشعورِ ، وَزَوْغَ العينينِ الدائبتيْنِ على تحسُّسِ الجمالِ ، واقتفاءِ خطاهُ ؛ يقولُ من قصيدتِهِ ( رسول الحبِّ ) :
خلقَ الشعرُ والجمالُ أُخيِّيينِ ** فحيثُ الجمالُ حيثُ الرويُّ
موتُ الأحاسيسِ:
يرى السوسي أنَّ موتَ العواطفِ ، وتبلُّدَ المشاعرِ والأحاسيسِ ، وجمودَ الحسِّ مردُّها إلى عدمِ تفاعُلِ الإنسانِ معَ الشعرِ ، وعدمِ انفعالِهِ بِهِ ، والتوقُّفِ عن ممارسةِ الهوى ، والامتناعِ عن تعاطي الجمالِ ، أمَّا من لا يهزُّهُ الشِّعْرُ ، ولا يَأْسُرُهُ صوتٌ ناعمٌ رخيمٌ فهو مُسْقَطٌ من حِسَابَاتِ عُشَّاقِ الجمَالِ ، مفتوني الحسنِ ، يقولُ السوسي عن هذا الصنفِ الجامدِ منَ البشرِ ، الميِّتِ الأحاسيسِ ، المقتولِ المشاعرِ ، يقولُ في قصيدةِ ( درنة وإبراهيم ):
والذي لا يهزُّهُ الحسنُ والشِّعْرُ ** ولا يَسْتَبيهِ صَوْتٌ رَخيمُ
فهوَ ـ في شِرْعةِ المحبِّينَ ـ سَقْطٌ ** وهوَ ـ في مذهبِ القلوبِ ـ يتيمُ
وقد يُجْرِي السوسي عشقَ الجمالِ على لسانِ غيرِهِ ، مُسْقِطاً هذا العشقَ النبيلَ على روحِهِ الجميلةِ العاشِقَةِ ، فالمبدعُ بطلُ أعمالِهِ شاءَ أم أبى ؛ يقولُ من قصيدةِ ( البحتريُّ الملهمُ ):
وكسائرِ الشُّعَرَاءِ يحكمُ طبعَهُ ** عشقُ الملاحَةِ مُعْرِباً أو مُعْجِما
كم حلوةٍ سمراءَ صوَّرَهَا لنا ** وجلا صِبَاها مُشْرِقاً مُتَبَسِّما
وحشيَّةِ العينينِ من نظراتِهَا ** تُغضي الظِّبَاءَ تَهَيُّباً وتَحَشُّما
أو حلوةٍ بيضاءَ أومأَ شِعْرُهُ ** لِشُعُوْرِهَا ولخدِّهَا فَتَضَرَّما
وأحلى الكلامِ ـ عندَ شاعرٍ كالسوسي ـ هوَ الشِّعرُ ، ولا شيءَ غيرُ الشِّعْرِ .. لاسيَّما الشِّعْرُ الرقيقُ الصَّدوقُ المنقوشُ بقلمِ شاعرٍ فنَّانٍ تُسْكِرُهُ خمرَةُ الهوى ، وترنِّحُهُ حُمَيَّا الجمالِ ، فتتشرَّبُهُ الأرواحُ الظِّمَاءُ ، وتستريحُ لَهُ الوجداناتُ التَّعبَةُ الحيرىُ .. يقولُ من قصيدةِ ( وفاء ) :
أحلى الكلامِ الشِّعْرُ حينَ يَصوغُهُ ** قلمٌ بخمرةِ عشقِهِ نشوَانُ
تتشرَّبُ الأرواحُ لطفَ حَدِيْثِهِ ** لمَّا يقولُ ويُورِقُ الوجدَانُ
والشَّاعِرُ الكلفُ بالحسنِ ، المعنيُّ بالجمالِ ، المسبيُّ بِهِ ؛ يَلْقَى ـ دائماً ـ من تُفسدُ عليِهِ ، توبتَّهُ ، وتُفْشِلُ مشروعَاتِ اعتزالِهِ ، وترفضُ أوراقَ تقاعدِهِ ، وتبطلُ مفعولِ إقلاعِه عنِ الهوى ، بإقناعِهِ بفتنَةِ الجمالِ ، وعالمِهِ البديعِ الوسيعِ ، كمثلِ ( عَوَاطِف ) التي تُفْسِدُ عليهِ توبَتَهُ واستقامَتَهُ كلَّمَا تهيَّأَ للاستقامَةِ ، وأدارَ قلبَهُ عن ملاحقَةِ الحسَانِ ، والتكلُّفِ بِهُنَّ ؛ يقولُ عن ( عواطفَ ) الرقيقةِ الرَّشِيْقِةِ :
قلْتُ اِرعويْتُ عنِ التوجُّدِ والهوى ** ونأيْتُ عن بحرِ الغرامِ الجارفِ
حتى التقيْتُ بها فَعَاوَدَنِي الجوى ** فرجعْتُ أبْحَثُ عن صِبَايَا السَّالِفِ
هيهاتَ تَصْلُحُ توبةٌ وإنابةٌ ** ما دامَ في الدنيا كَمِثْلِ (عَوِاطِفِ )
الحبُّ يمنحُ الخلودَ :
قد تكونُ هذهِ نظرةً فلسفيَّةً آملةً ليسَ غيرَ ، لكنَّ الشاعرَ الجميلَ ـ وهو يروِّجُ للجمالِ بكلِّ ما أوتي من مقدرةٍ على الإقناعِ والإدهاشِ ، لا بدَّ وأَنْ يُهَامِسَ القلوبَ بهذا الحقيقَةِ التي يعتقدُهَا ، ويجاهرُ الكونَ بأنَّ الحبَّ يصنعُ الخلودَ ، ويهبُ للقلوبِ البقاءَ ، كما هو الإحسانُ ، وعندَهُ فلا شيءَ يبقى بعدَ فناءِ الأعمارِ وانقضاءِ الآجالِ إلاَّ الأرضُ والإنسانُ ، أمَّا الخلودُ ـ عندَ السوسي ـ فيكمنُ في الحبِّ والإحسانِ ومن نفسِ قصيدتِهِ السابقةِ يقولُ :
تمضي السنينُ بحلوِهَا وبمرِّهَا ** والباقيَانِ الأرضُ والإنسَانُ
وتمرُّ أيامُ الشبَابِ حَثيثةٌ ** والخالدانِ: الحبُّ والإحسَانُ
الشِّعْرُ والحبُّ مقاوِمَانِ للشيخوخَةِ :
ـ " ... وما دامَ قلبُكَ يتلقَّى رسالاتِ الجمالِ والبُشرِ والشجاعَةِ والجلالِ والقوَّةِ منَ الأرضِ ومن الإنسانِ ومن الآباءِ فأنتَ شابٌ .." شفيق نقَّاش.
الشاعرُ لا يشيخُ ، كما لا يشيخُ قلبُهُ ولا شِعْرُهُ ، إذ كيفَ تُدَاهِمُ الشيخوخَةُ قلباً يَنْبُضُ بالجمالِ ، وروحاً تخفقُ بالعشقِ ، وكياناً مكتظًّا بالشعرِ ؛ ووجداناً تساورُهُ القصائدُ الرِّهَافُ كلَّ حينٍ ؛ فالشعرُ والحبُّ مقاومِانِ للشيخوخَةِ ، إِنَّها وصفةُ السوسيِّ الشعريَّةُ ، المستقاةُ من أعشابِ الجمالِ الطبيعيِّ ، جمالٌ يسكنُ روحَ الشاعرِ ، يَستوطِنُ أعماقَ الإنسانِ السَّوِيِّ الذي خلقَهُ اللهُ من تربَةِ الجمالِ النقيَّةِ ، وسوَّى روحَهُ من ذرَّاتها الحسَّاسَةِ ، وَكوَّنَهُ بذاتٍ ملهمَةٍ ، وخلطَةُ الشِّعْرِ والجمالِ مِرْهمٌ فعَّالٌ مُجَرَّبٌ ، مضمونُ النتائجِ لإزالَةِ تجاعيدِ القلبِ ، وشفاءِ جراحَاتِ الروحِ ، وتهدئَةِ عَذَابَاتِ الأعماقِ ، فاستفتوا شِعْرَ السوسي في أروعِ بيتينِ قالهما ، وربما هما الأروعُ فيما قيلَ في هذا الصَّددِ عبرَ تاريخِ الشِّعْرِ العربيِّ على امتدادِهِ واتِّسَاعِهِ ، هذه ليستْ دعايَةً شِعْرِيَّةً ، وإنَّما حقيقةٌ واضحةٌ بواحٌ ، يقولُ المُعَالِجُ الروحانيُّ بسحْرِ الشِّعْرِ حسنُ السوسي في قصيدتِهِ ( ذكرى ) :
اِثنانِ لا يَهْرَمَانِ الدهرَ ما بقيا ** ولا يؤِّثِرُ في روحِيْهِمَا الْعُمُرُ
حسناءُ تحسِبُ كم صَرْعَى مَفَاتنِهَا ** وشاعرٌ قلبُهُ مخضوضرٌ نَضِرُ
والسوسي المعبَّأُ قلبُهُ بالجمَالِ عاشَ يؤكِّدُ حقيقةَ أنَّ قلبَ الشاعرِ لا يشيخُ من خلالِ حضورِهِ الفاعِلِ ، واحتفائِهِ الدائمِ بالنَّاسِ والحياةِ والجمَالِ ، قد يُدَاهِمُ العمرُ الشَّاعِرَ ، لكنَّ روحَهُ تظلُّ شابَّةً فتيَّةً ، وقلبَهُ يبقى عصيَّا على مداهمَةِ السنينَ وغوائلِ الأيَّامِ ، يقولُ من قصيدتِهِ ( قلبُ الشاعرِ ):
فالشِّعْرُ ما غنَّى الجمالَ وما خلا ** من رَبْقَةِ الزُّلْفَى وَحِسِّ التاجرِ
يبقى النسيبُ مجالَنَا حتى وإنْ شِخْنَا ** وكيف يَشِيْخُ قلبُ الشاعرِ ؟
أيشيخُ ؟ لا أنا لا أظنُّ وإنَّما ** في الأمرِ نستفتي أخانا الماجري
بل إنَّهُ يرى في العشقِ وسيلةً لاستردادِ شرخِ الشبابِ ، واستعادَةِ أيامِه النضراتِ ، ذلكَ حينَ علقَ قلبُهُ جميلةً ما ، يقولُ من قصيدَتِهِ ( فراشة )
رَدَّتْ لنا شرخَ الشبابِــب ** ونحنُ في شرخِ المشيبِ
وقلبُهُ الشابُّ ـ بالهوى ـ لا يشيبُ ، فهو قلبٌ أخضرُ بربيعِ الحبِّ المتجدِّدِ ، يقولُ من قصيدتِهِ ( أهل القلوبِ ):
أهلُ القلوبِ الخضرِ ما خُلِقُوا ** إلاَّ لرشفِ الحسنِ بالنظرِ
إنَّ القلوبَ جُبِلْنَ من أَلَقٍ ** غيرُ القلوبِ نُحِتّنَ من حجرِ
بل يرى أنَّ الشيبَ لا يمنعُ منَ العشقِ ، فبعضُ النساءِ يعجبُهُنَّ المشيبُ ، ثم متى كان للمرءِ خياراً في عشقِهِ ..!؟ فالحبُّ أعمى لا يفرِّقُ بينَ المراهقِ الصغيرِ والأشيبِ الكبيرِ ، كما يزعمُ ذلكَ في قصيدةِ ( أصلُهَا مغربيٌّ ) ، إذ يقول :
هوى الشِّيْبِ قد يُعْجِبُ الغانياتِ ** فإنْ شِئْتِ أن تعجبي فاعجبي
هو الحبُّ يا حلوتي لا يُفَرِّقُ ** بينَ المُرَاهِقِ والأشْيَبِ
والسوسي لا يُقيمُ للفروقِ حساباً ، ولا يرى بأساً في كسرِ فوارقِ العمرِ ما دامً القلبُ عامراً بالحبِّ ، وهو يعلنُ عن هذا التحدِّي المشروعِ في قصيدتِهِ ( الفروقِ ):
أنا لسْتُ أحسبُ للفروقِ حسابَهَا ** أيكونُ من كَسَرَ الْفَوَارِقَ مُجْرِما ..؟
سبعونَ أو عشرونَ لسْتُ أَعُدُّها ** ما دامَ قلبي بالمحبَّةِ مُفْعَما
الشاعرُ كائنٌ حسَّاسٌ تُتْعِبُهُ الحيَاةُ بزيفِهَا وتقلُّبَاتِها وطباعِ أهلِهَا ، وما فيها من ضِيْقٍ وَهمٍّ ، تلكَ المنغِّصاتُ هي أكبرُ من أن يطيقَهَا قلبُ الشَّاعرِ الرهيفُ ، فيضجرُ ويتعبُ ثمَّ يَشِيْبُ الرأسُ والشَّعْرُ ، لكنَّ القلبَ لا يشيبُ ، والشِّعْرَ لا يشيخُ ، فها هوَ يقولُ من قصيدتِهِ ( أم حسَّان ، أو بعد الستينِ ) ، مخادعاً نفسَهُ في لحظةِ يأسٍ وقنوطٍ ، والقصيدَةُ قيلتْ في شريكِةِ حياتِهِ :
تَعِبْتُ رُوْحاً وَفِكْرا ** وَشِبْتُ قلباً وَشَعْرا
وَضَاقَ بيَ الكونُ ذَرْعاً ** وضِقْتُ بالكونِ صَدْرا
وتَرَاكُمُ سني العمرِ ، والمضيُّ نحوَ الشيخوخةِ ، ليسا كافيينِ لزجرِ قلبِ الشاعرِ ، وردْعِهِ عن غواياتِهِ الحميدَةِ من تعاطي الجمالِ ، والتعلُّقِ بالحسانِ ، وممارسَةِ العشقِ البرئِ ، ففي أعمَاقِ الشَّاعِرِ العاشِقِ مَددٌ قديمٌ يستدعيهِ لمواجهةِ تجاربِ العشقِ الجديدة ، ولديهِ احتياطيٌّ استراتيجيٌّ منَ العواطفِ الغزارِ يمكِّنُهُ من خوضِ غمارِ هوىً جديدٍ كلِّ نبضةٍ ، مستعيناً بتجاربِ الأمسِ في مواجهَاتِ اليومِ ؛ يقولُ من قصيدتِهِ ( أشواق ):
ما خلتُهَا هيَ إلاَّ أنَّها نَسَيَتْ ** إنَّ الزمانَ كفيلٌ أن يُنَسِّيْنَا
لكنَّني لم يَزَلْ في خاطري مَدَدٌ ** منَ الرؤى الخضرِ يجتاحُ الشرايينا
مُراهَقٌ رغمَ خمسينَ لَهُ عُقِدَتْ ** وطفلَةٌ قد حَبَتْ نحوَ الثلاثينا
والحبُّ أحلاهُ بلْ أبقاهُ ما نفثَتْ ** فيهِ التجاربُ تثبيتاً وتمكينا
طفلُ الهوى:
الشَّاعِرُ العشوقُ لا يكبرُ .. قلبُهُ لا ينفطمُ عن رضَاعةِ الحبِّ ، تتقدَّمُ بِهِ السنواتُ ، ويمضي بِهِ العمرُ لكنَّ القلبَ يظلُّ مقيماً على سني صَبَوَاتِهِ ، والسوسي ذو قلبٍ يحبو على دربِ الهوى أبداً ، ولم يتعدَّ صَبَاهُ الوريقَ قطُّ ، يقولُ من قصيدتِهِ ( طيف ):
مازالَ طفلاً في الهوى جاهلاً ** ما سوفَ يجني حبُّهُ الزاخرُ
والشاعرُ مهما تقادمَ بهِ العمرُ ، فلا يتوقَّف عن العيشِ بالحبِّ ، باجترارِ ذكراهُ ، وتذكُّرِ أيامِهِ ، ففي أعماقِهِ أرصدةٌ حبٍّ لا تنفدُ ، يقول من قصيدةِ ( ذكرى ):
فقطَّبَتْ ثمَّ قالت وهي ساهمةٌ ** باللهِ كيف يعيشُ الناسُ إنْ كَبِرُوا؟
فقلتُ: لا بأسَ إن ولَّى الصِّبا ومضى ** فعندنا من بقايا عهدِهِ صورُ
ملوَّناتٌ كما تبغينَ زاهيةٌ ** تَضمُّها من رؤى أحلامِنَا صورُ
وعندنا من شباب الروح أرصدَةٌ ** كانت كما ترهبينَ الآنَ تُدَّخَرُ
شغفُ السوسي بالجمال/
وشاعرُنَا ظلَّ مفتوناً بالجمالِ ، أيًّا كانَ نوعُهُ ، جمالٌ إنسانيٌّ أو مكانيٌّ ، أو طبيعيٌّ ، ويتجلَّى هذا الجمالُ المأخوذُ الشَّاعِرُ بِهِ ، إذ يملأُ وجدانَهُ ، في أغلبِ قصائِدِه ، فـ ( الجمالُ في عينِ الرائِي ) كما يقولونَ ، يقولُ السوسي من قصيدتِهِ ( ضرَّةُ الشمسِ ) :
يا موطنَ الصَّبَواتِ الخضرِ مشكلتي ** في أنَّ قلبي شَغُوْفٌ بالجميلاتِ
مُسافِرٌ في العيونِ النُّجْلِ مُرْتَحِلٌ ** وَمُبْحِرٌ لا يُبَالي بالنَّهَايَاتِ
مُعوَّداتٌ على الإيغَالِ أشرعتي ** مُدرَّباتٌ على الإرقالِ ناقاتي
فكلَّما لاحَ وَجْهٌ مشرقٌ جذلٌ ** حَطَطْتُ رحلي أو ألقيْتُ مِرْسَاتي
كم حلوةٍ شغلت قلبي برقَّتِهَا ** ورُحْتُ عنها أٌعاني من معاناتي
وقد جعلَ السوسي العيونَ مراكبَ لَهُ يبحرُ منها ليرسو فيها ، فكُلَّمَا لمحَ عينينِ ساحرتينِ احتدمَ صِراعٌ في أعماقِهِ ، وعانى عاصفَةً منَ المشاعرِ الهادرَةِ ، يُصَوِّرُ هذا الصراعَ في قصيدةِ ( شراع ):
ما لاحَ لي وجْهٌ جميلٌ مُشْرِقٌ ** إلاَّ وعربدَ في الضُّلوعِ صِراعُ
وأنا المسافرُ في العيونِ ومركبي ** يلهو بها الإرساءُ والإقلاعُ
قَدَري مصاحبَةُ البحارِ فمرَّةً ** أطفو وحيناً يحتويني القاعُ
لا أستقرُّ على مرافئِ شاطئٍ ** أبداً فعمري غُرْبَةٌ وضَيَاعُ
السوسي راصدٌ للجمالِ/
والسوسي راصدٌ مزمنٌ للجمَالِ ، مُدْمِنُ التعلُّقِ بهِ .. محتفٍ ـ أبداً ـ بصورِهِ ومغانيهِ ، مَعْنيٌّ بحالاتِهِ وأشكَالِهِ .. وفيٌّ للإعلانِ عَنْهُ .. فهو مُتَرَبِّصٌ بِهِ في كلِّ طريقٍ ، ومن كلِّ سبيلٍ .. يروِّجُ لَهُ ، ويُعلي من قيمَتِهِ ، ويحبِّبُهُ للنُّفُوْسِ ، فهوَ لأجلِ لحظةِ فرحٍ ، أو ومضةِ شعرٍ ، أو بُرْهَةِ اندهاشٍ يستنطقُ حتى الجمَاداتِ مستحلباً منها عطرَ الجمالِ ، يقولُ من قصيدتِهِ : " قالت لي المرآةُ " على لسانِ حسناءِ:
أنا للحسَانِ خُلِقْتُ صَاحبَةً ** يزدَدْنَ بي حُسْناً على حُسْنِ
أنا للَّتي مرَّتْ بمِرْودِهَا ** ـ مَرَّ النسيمِ ـ على شَفَا الجَفْنِ
أو للَّتي سوَّتْ براحتِها ** خُصلاً ملأنَ جوانِبَ الحِضْنِ
أو للَّتي مَسَحَتْ بإصبعِهَا ** شَفَتينِ ناضجتينِ بالمَنِّ
أو للَّتي مَسَّت بغاليَةٍ ** خالاً نما في الطيبِ والدُّهْنِ
إني لهنَّ خُلقتُ مرشدَةً ** فلهنَّ من دونِ الورى دعني .
وهو لا يُنْكِرُ هذا الترصُّدَ العلنيَّ للحسنِ ، ولا يُخْفِي هذا التعلُّقَ الجميلَ بالجمالِ ، فهو عن سبقِ إصرارٍ وترصُّدَ ينصبُ شباكَهُ لجميلاتِهِ ، صيدِهِ الشعريِّ الثمينِ ، ومادتِهِ الإعلانيَّةِ الباهِظَةِ القيمَةِ ، بل ويكفيهِ من دُنْيَاهُ ترويجُهُ المثمرُ للجمالِ ، وما يجدُه فيهِ من متعَةٍ تكفيهِ فتغنيهِ عن أيِّ مقابلٍ آخرَ ، يقولُ من قصيدتِهِ ( الفروق ):
حسبي بأني شاعرٌ متربِّصٌ ** بالحسنِ أتبعُ خطوَهُ مترسِّما
وأضيقُ ـ أحياناً ـ بهِ متبرِّماً ** وأشيدُ ـ أحياناً به مُتَرَنِّما
لم أجنِ من ثمراتِهِ وطلوعِهِ ** ولئن غدوْتُ بما أراهُ مُتَيَّما
والرجلُ مخلوقٌ للحسنِ ، مفتونٌ بِهِ ، لذا يبيحُ لنفسِهِ رصدَهُ واتِّبَاعَهُ ، يقولُ من قصيدةِ ( ليلة العيد ):
خُلقْتُ للحسنِ أهواهُ وأرصُدُهُ ** وإن يكنْ في غيَاباتِ الغيَابَاتِ
وبعضهُم عمرُهُ يقضيهِ في نصبٍ ** بما يعانيهِ من جمعِ الجنيهاتِ
كأنَّهٌ خالدٌ فيها .. فوا أسفى ** على قلوبٍ تلهَّتْ بالسَّخَافَاتِ
وهو لا يرى الإنسانَ إنساناً سويًّا مكتملاً إلاَّ باكتمالِ روحِهِ ، ونضجِ ذائقتِهِ الجماليَّةِ ، وأنَّ لذاذاتِ الحيَاةِ جميعِهَا تكمنُ في الحبِّ لا في جمعِ المالِ ، فيقولُ من القصيدةِ ذاتِهَا:
ما أنتَ بالمالِ إنسانٌ وإن جمعَتْ ** يداكَ كلَّ مفاتيحِ الخزاناتِ
بالرُّوحِ أنتَ , وبالذَّوقِ الرفيعِ إذا ** أُوتيتَهُ وبأفعالِ المروءاتِِ
فكنْ جميلاً .. ترَ الأشياءَ مشرقةً ** وابحثْ عنِ الحبَّ تظفرْ بالهناءاتِ
أمَّا الشِّعْرُ فهو صديقُهُ الوفيُّ ، وأداتُهُ المثلى للترويجِ المُبَاحِ للجمَالِ البهيِّ مغانيَ ومعانيَ ، لذا ظلَّ الشِّعْرُ وسيلتَهُ المحبَّبَةَ في التغنِّي بالجمالِ ، وإطراءِ ملامحِهِ وصورِهِ ، فكانَ الشعرُ طوعَ بنانِهِ ، ورهنَ أحاسيسِهِ ، يأمرُهُ بالانهمارِ البهيِّ فيلبِّي ناقلاً مشاعرَهُ ، معبِّراً عن دواخلِهِ ، مغرياً الناسَ بالحياةِ .. يقولُ من قصيدتِهِ ( حيرة ):
قد كانَ لي ـ قَبْلُ ـ ونعمَ ** المُعينُ إذا احتزبَ الأمرُ لم يَخْذُلِ
وقد كانَ نعمَ رفيقُ الشبابِ ** إذا قلتُ : عونَكَ لم يَبْخَلِ
به قطعْتُ دروبَ الحياةِ ** كأنَّي على سابحٍ أحجلِ
فبصَّرني بمغَاني الجمالِ ** وعالِمِهِ الدافئِ المُخملي
وعلَّمني كيف أَسْرِي على ** جناحٍ منَ الأملِ المُقبلِ
فطوَّفتُ في الأعينِ الحالماتِ ** وثُبتُ إلى الغصنِ المثقلِ
وحلَّقتُ فوق الرَّبى الحالياتِ ** وصلَّيتُ في منحنى الجدولِ
أفتِّشُ عن ملمحِ للجمالِ ** وعن أثرٍ تائهٍ مهملِ
فأجلُوهُ للأعينِ الوالهاتِ ** وأكشفُ عن سِرِّهِ المذهلِ
المرأةُ عندَهُ حبيبَةٌ وملهمَةٌ ، والشِّعْرُ عندَهُ عرَّابٌ أمينٌ ، فإذا ما خبا يوماً أو أصابَهُ الفتورُ أشعلتِ الحسانُ ـ في روحِهِ ـ وَقْدَةَ التَّلَهُّفِ ليهتاجَ مُفضياً بالمواجدِ ، مُبدياً ما في الأعماقِ من خفايا وخبايا ؛ يقولُ من قصيدةِ ( إحسانُكُم قيدٌ ) :
والملهمَاتُ الموحيَاتُ إذا خبا ** وَهْجُ الحروفِ أعدْنَ وَقْدَ تلهفِّي
ما زلتُ أطلبُ عونهنَ إذا ونى ** عن شوطِهِ طلبَ الملحِّ المُلحِفِ
أنَّى ونى يسكبْنَ في مشكاتهِ ** زيتاً فضوءُ سراجِهِ لا ينطفي
وقد يلومُهُ بعضُهم على غزلِهِ المستفيضِ ، وتشبيبِهِ المستديمِ بالنساءِ ، ممَّن يرونَ أنَّ ثمَّةَ قضايا أهمُّ منَ التغزُّلِ بالحسانِ ، وتصويرِ جمالِهنَّ ، فالشعرُ ـ لدى هؤلاءِ ـ يجبُ أن يوظَّفَ لمعالجةِ قضايا الأمَّةِ ، وتتبُّعِ آلامِهَا ، لكنَّ السوسي يرى الشِّعرَ نفسَهُ مُعَالِجاً موضوعيًّا فعَّالاً للنفوسِ الحيرى ، ودواءً ناجعًا للقلوبِ المثقلَةِ بأوجاعٍ مزمنَةٍ ؛ إذ ظلَّت خاليَةً من صورِ الجمالِ ، فارغةً إلاَّ من أكداسِ ضجرِهَا المكينِ ، ورُكَامَاتِ سَأْمِهِا البليدِ التَّليد ، يقول من قصيدتَهِ ( إحسانُكُم قيدٌ ):
قالوا: أما للشِّعرِ عندكَ شاغلٌ ** إلاَّ بمقلَةِ شادنٍ أو مرشفِ ؟
وظِّفْهُ في غيرِ التوجُّدِِ والجوى ** فالشِّعْرُ فوقَ تلهُّفِ المتلهِّفِ
لا شِعْرَ إن هو في مآثمِ قومِهِ ** لم ينتحبْ ، وبعرسِهِم لم يعزفِ
فأجبتُ : لو خلتِ القلوبُ منَ الهوى ** والحبِّ صارتْ كالوعاءِ الأجوف
لا تعذلوا العشَّاقَ في صبواتِهِم ** العشق أوَّلُ رتبةِ المتصوِّفِ
من لا يحبُّ الحسنَ في أشكالِهِ ** أو لم يذقِ من كأسِهِ أو يرشفِ
سيظلُّ كالتِّمَثالِ صلْداً بارداً ** ما انفكَّ يقبعُ في زوايا المتحفِ
ولا عتبَ على السوسي المحكومِ المؤبَّدِ من محكمَةِ العيونِ ، محكمَةِ الهوى ، محكومٌ بأشغَالِ العشقِ الشَّاقَّةِ ، وبالسجنِ في أسرِ القصيدَةِ ، وبينَ أسوارِ الجمالِ بلا استئنافٍ ، :
وَجَعُ العيونِ النُّجْلِ محكمَةُ الهوى ** حكمَتْ عليَّ بهِ ولم أستأنفِ
والسُّوسي مُتَّهمٌ أبديٌّ بممارسَةِ العشقِ ، وهو مُدَانٌ ـ أبداً ـ في محكمَةِ الجمَالِ العليا باعترافِهِ بنفسِهِ ، وبشهادةِ شعرِهِ الْعَدْلِ عليهِ :
أَقبلْتُ ملهوفَ الجوَانحِ رَاعِشاً ** وَنَسِيْتُ أنِّي في الغرامِ مُدَانُ
وقد يَدَّعِي أنَّهُ مُتَقَاعِدٌ في الهوى ، لكنَّهُ يَهُبُّ لممارسَةِ العِشْقِ كلَّما لاحَ له وَجْهٌ صَبُوْحٌ ، أو عنَّ له حُسْنٌ جموحٌ لحوحٌ :
وَنَسِيْتُ أني في الهوى مُتَقَاعِدٌ ** لم يُجْدِهِ بَوْحٌ ولا كتمَانُ
والسوسي سجينُ الحبِّ والشِّعْرِ الأبديُّ لم يكتفِ بأسرِهِ هو ؛ بلْ ظلَّ يدعو غيرَهُ للاقتداءِ بِهِ ، واقتفاءِ أثرِهِ في ارتكاباتِهِ الفادحةِ المباركَةِ ..!
إنِّي جعلتُ طريقَهَا لطريقِهِ ** جِسْراً ، فهل من مقتدٍ أو مقتفِ ؟
المدنُ الحسانُ:
ـ يقولُ ( روسو ) : "... ولكنَّ الجمالَ يفتنُ حيثما وُجِدَ , حتَّى العيونَ المغمضةَ ".
حتى المدنُ لهنَّ في وجدانِ السوسي متكأٌ أثيرٌ وثيرٌ ، يُغَازِلُهُنَّ كما يُغَازِلُ الحسانَ .. ويفتتنُ بهنَّ افتتَانَهِ بالعذارى ، فالحيَاةُ عندَهُ أنثى ..كلُّ امرأةٍ قصيدَةٌ ، وكلُّ قصيدةٍ امرأةٌ .. أمَّا المدنُ الجميلَةُ فهيَ حِسانُهُ الأخرياتُ اللواتي يملكْنَ حيِّزاً من أعماقِهِ ومن قصيدِهِ ، فقد شغلْنَ قلبَهُ وشِعْرَهُ معاً ، أجلٌ " المدنُ كالحسانِ تماماً لها جاذبيَّةٌ خاصَّةٌ وفتنةٌ لا تقاومٌ ، والشاعرُ العاشقُ يصوِّرُ مدنَهَ الجميلةَ الآسِرَةَ حساناً يتغزَّلُ فيهنَّ ، إذ لا يمكنُهُ أن يعيشَ بمعزلٍ عن الحسنِ والطهارةِ والنقاءِ ، فيترجمُ كلَّ الأشياءِ من حولِهِ إلى إناثٍ ينثرْنَ العطرَ حولَهُ والجمالَ ، يقولُ متغزِّلاً في ( دارِ الأنس ) درنة من قصيدتِهِ (درنة والمهرجان ) في خمسينيَّةِ الشاعرِ الراحلِ إبراهيم الأسطى عمر" :
في غيرِ عينيكَ لا يحلو لنا الغزلُ ** وفي سَواكِ حديثُ الحبِّ مُفْتَعلُ
أحلى الكلامِ كلامٌ لا نَبُوحُ بِهِ ** لكنَّمَا هو بالعينينِ يُخْتزلُ
بالشَّوقِ جئنَاكِ يا أحلى مدائنَِنَا ** هل يطفئُ الشوقَ إلا الضَّمُ والقُبَلُ ؟
يا موطنَ الصَّبَوَاتِ الخضرِ يا بلداً ** نَشْتَاقُهُ .. وهو في وجدانِنَا وَشَلُ
جئْنَا نجدِّدُ من أيَّامِ صبوتِنَا ** فهل تعودُ لنا أيامُنَا الأُوَّلُ ؟
حيثُ الصِّبَا مورِقُ الأفنانِ مزدهرٌ ** وحيث نحنُ على جَدْواهُ نتَّكلُ
إذا أصبَى مَوْضِعٌ ناساً تلبَّسَهم ** حتى وإن بَعُدُوا عنْهُ .. وإن رَحَلُوا
والبعدُ لا ينسي العاشقَ حبَّهُ لها ، ولا افتتانَهُ بها مهما طال الغيابُ ، وبعدَتِ المسافاتِ بينَ العاشِقِ وحبيبَتِهِ ، يقولُ من القصيدةِ ذاتِها:
وقد يطولُ غِيَابُ العاشقينَ مدىً ** لكنهم ـ أبداً ـ عن حبِّهِم شُغِلُوا
تُلْغى المسافاتُ إن جئنا نيمِّمُهَا ** وتستقيمُ لنا .. أو تقصُرُ السُّبُلُ
إذا مررْنَا بها ـ يوماً ـ تَهِيْجُ بِنَا ** شوقاً وجُرْحُ الْهَوَى هَيْهَاتَ يندَمِلُ
وها هو يتغنَّى لـ ( المرجِ ) الجميلةِ عاشقاً ، مغازلاً فيها حسناءَ أسرَتْ لبَّهُ ، وسلَبَتْ قلبَهُ ، فيسترسلُ في التغزُّلِ بالاثنينِ معاً ؛ المرجِ وغزالَتِهِ الفاتنَةِ ، يخاطبُهَا من قصيدتِهِ ( هوامش على دفترِ الغربةِ) :
والمرجُ يومئذٍ مناطُ رَغَائِبٍ ** والمرجُ يومئذٍ محطُّ أمَانِ
عن أذْنِهَا تجري الأمورُ وباسمِهَا** وبها تحطُّ قوافلُ الركبَانِ
وَاصَلْتُهَا وَوَجَدْتُ أَنِّي مُغْرَمٌ ** بجمَالِهَا المتألِّقِ الفينَانِ
فيها تقاسمَتِ الحسَانُ حُشَاشتي ** ونزلْنَ من قلبي أعزَّ مكانِ
الباديَاتُ لهنَّ نِصْفُ تواجدي ** والحاضراتُ لهنَّ نصفٌ ثانِ
فلكم مشيْتُ وراءَهنَّ مُحَاذِراً ** عينَ الرَّقيبِ النَّاعِسِ اليقظانِ
وبعد أنْ أبدى ـ في استهلالَهِ ـ عشقَهُ لجميلاتِ المرجِ ، حَضَريِّاتٍ وَبَدَوِيَّاتٍ ، يَسْرِدُ لنا هذا الحوارَ الجميلَ بينَهُ وبينَ الغزالَةِ المبتغاةِ ، والفاتنَةِ المشتهَاةِ فيقولُ من القصيدةِ نفسِهَا:
قالت: غريبٌ أنتَ قلتُ : وموطني ** في هاتِهِ الألحاظِ والأجفانِ
حيثُ الجمالُ يلوحُ أضربُ خيمتي ** وأُرِيحُ منساتي وظهرَ حِصاني
حسبي بأنِّي شاعرٌ متنقِّلٌ ** في كلِّ مَرْجٍ مُمْرِعٍ تلقاني
" وما أعجبُ لَهُ هو أنَّ مدناً يقالُ فيها مثلَ هذا الشعرُ الجميلُ كيفَ لا تنقشُهُ بماءِ الذهبِ على مداخلِها وبوَّابِاتِها الرئيسةِ ، بل كيفَ لا يكونُ نشيداً محلَّياً لها ..؟ وكيفَ لا يكونُ محفوظاً في قلوبِ أهلِهَا ، وعلى ألسنةِ أبنائِهَا ، استمعوا ماذا يقولُ عنها بكلِّ فَراهَةِ الكلماتِ وقداسَةِ المعاني" :
فكيف ننساكِ يا أحلى أحبَّتِنَا ** وكلُّ شيءٍ سوى النِّسْيَانِ مُحتمَلُ
ثلاثةٌ لم تزلْ كالوشمِ باقيَةً ** بطحاءُ وادِيكِ والشلالُ والجبلُ
والبحرُ تحتَكِ مُنْسَاحٌ ومختلجٌ ** كأنَّهُ عاشقٌ يحبو ويبتَهِلُ
لِموجهِ في حواشي الشطِّ همهمَةٌ ** فهل ترى وشوشاتٌ تلكَ أمْ قُبَلُ ؟
جئنَا على البحرِ البسيطِ فَمٌ ** يشدو غناءً ، وقلبٌ راقصٌ جذلُ
شراعُنَا يَتَهَادَى فوقَ لُجَّتِهِ ** والبحرُ من تحتِهِ يَعْنُو ويمتثلُ
ولم يَقْصُرِ السوسي شعرَهُ التاريخيَّ على حسناءَ بعينهِا منَ المدنِ الحسانِ اللواتي تأسرُهُ فقد كتبَ عن أماكنَ كثيرةٍ ، وتغزَّلَ في مدنٍ عدَّةٍ ، محتفياً بالمكانِ ، فقد افتتنَ بالجبلِ الأخضرِ بمدنِِهِ الجميلةِ :درنة والبيضاء وقورينا والمرج ، أو في عشقِهِ المحمومِ لحاضنَتِهِ الرؤومِ بنغازي التي أسبغَ عليها الكثيرَ من شعرِهِ النفيسِ ، أو والدتِهِ ( الكفرة ) التي قالَ فيها أروعَ غزليَّاتِهِ ، ومنها هذانِ البيتانِ الرائعانِ من قصيدتِهِ ( الكفرة ) :
جنابُكِ يا مهدَ الجلالِ مَهيبُ ** وحسنُكِ يا أختَ الجِنانِ قَشيبُ
وطفلُكِ هذا بالجميلاتِ مولعٌ ** أما هوَ للحسنِ البهيجِ رَبيبُ
وهيَ هواهُ البكرُ الذي يذوبُ فيهِ ولا يتوبُ عن مقارفَتِهِ ، يقول من القصيدَةِ نفسِهِا :
إذا كنْتُ قد أحببْتُ غيرَكِ مرَّةً ** فأنتِ هَوَايَ الْبِكْرُ فيهِ أَذُوْبُ
وإنْ تُبْتُ من حُبِّ الجميلاتِ توبةً ** فَحَاشَاكِ أَنِّي عَن هَوَاكِ أَتُوْبُ
أو مصراتةَ التي خلعَ عليها لقبَ ( ضَرَّةَ الشمسِ ) من قصيدتِهِ ( ضرَّة الشمسِ ) :
أتيتُ أحملُ أشواقي وأهاتي ** حتى لقيتُكِ يا أحلى حَبيباتي
أتيتُ والشوقُ في جنبيَّ مُستَعِرٌ ** وفي دمي جمراتٌ من صَباباتي
وَزَيَّنَتْ لي اللقاءَ الحلوَ أخيلتي ** وكم ركنْتُ لتزويقٍ الخَيالاتِ
كما فتنتْهُ مدينةُ ( هون ) فخصَّها بقصيدتِهِ ( هونيَّة ) ، ومنها هذا البيتُ الجميلُ:
جِئْنَا نُغنِّيْكِ ـ يَا هُوْنُ ـ قَصائدَنَا ** ونستعيدُ هوىً ما زالَ يُشجينا
فضلاً عن تغزُّلِهِ بأقطارٍ ومدنٍ عربيَّةٍ كثيرةٍ ، بَدْءاً بلبنانَ الساحرةِ الفاتنَةِ ، وبأحلى مدائنِهَا ( بيروتَ ) ، والشامِ بمدنِهِ الساحرَةِ الجميلةِ ، وطبيعتِهِ المدهشةِ ؛ بدمشقَ وحلبَ وغيرِهما ، وبتونسَ والجزائرِ والمغربِ بما فيهِ ومدنِهِ وقراهُ من جمالٍ وروعةٍ ، فهو يتغنَّى بفاس ومكناس ووجدةَ وغيرِها من مدنٍ أخرى ليبيَّةِ وعربيَّةِ .. فالمدينةُ عندَه أنثى جميلةٌ تستحقُّ قبلاتِ القصائدِ أو القصائدَ القبلاتِ ، وتَسْتَأْهِلُ عناقَ الشعرِ الأبديَّ .. لذا ظلَّت المدنُ الحسانُ تغري قلبَ الشِّاعرِ بالعناقِ ، وشِعْرَهُ بالقبلاتِ .. لأنها وَعَتّ ـ جيِّداً ـ أنَّ الحبَّ والشِّعْرَ يمنحَانِ الحسَانَ الخلودَ .. فاستفتوا شعرَ السوسي كم خلَّدَ من مدنٍ حِسَانٍ ..!؟
مُخْتَتَمٌ /
حسن السوسي شاعرُ المناسباتِ الكبيرةِ بامتيازٍ ، لذا فهو لا يكتبُ قصائدَ مناسباتٍ وحسبُ كتلكَ التي تسكبُ فيها أرطالٌ منَ المجاملةِ والملقِ ، وإنما يَكتبُ قصيدةَ المناسبَةِ بحبٍّ كبيرٍ .. فهو كشاعرٍ صادقٍ مفتونٍ بالجمالِ ، يسعى دائماً إلى إرضاءِ الكائنِ الحسَّاسِ الذي يسكنُهُ ، وإلى إشباعِ قلبِهِ النهمِ لعناقِ الجمالِ ، فهوَ يصنعُ حساناً ومدناً يتخيَّلُهَا ، متَّخذاً ممَّا يُفْتَنُ بِهِ ـ على الواقعِ ـ من مُغْوِيَاتٍ مُدْخلاً لإبداعِهِ الشاسعِ ، ومُنْطلقاً لخيالِهِ الشاسعِ .. فالشاعرُ الفنَّانُ يجاهرُ بحبِّهِ مُبَالِغاً في نبضاتِ شوقِهِ ، مُبرزاً حالاتِ جنونِهِ وهيامِهِ المدهشتينِ ..
والحبُّ بالنسبةُ لها كانَ على الدوامِ مناسبَةً كبيرةً مهمَّةً يدلقُ فيها شعرَهُ وأحاسيسَهُ كلَّما نابزَ الهوى قلبَهُ اللهوفَ .. فلهذا تشعرُ بصدقِ عاطفتِهِ ..
أشعارُ السوسي تُقرأُ بالقلبِ وبالنظرِ ، وتُوضعُ في أرففِ الوجدانِ ، فكلَّما قرأت بعينيكَ قصيدةً من قصاِئدِِهِ ، ورَّطتَ قلبَكَ توريطاً جميلاً في عشقِهَا ، وعشقِ الأنثى الجميلةِ المختبئَةِ الظاهرةِ فيها .. القصيدةُ عندَهُ لا تفقدُ وهْجَهَا بالتقادمِ ، ولا يتجعَّدُ وجهُهَا بفعلِ الزمنِ .. قصيدَةُ السوسيِّ شمسٌ ربيعيَّةٌ تغفو قليلاً ثم تعودُ لتفتحَ أجفانَهَا للضوءِ ، وتفغرُ ثغرها للندى ، وقلبَها للعطرِ ، وتفردُ أحضانِها للحبِّ الآسرِ الحميمِ ، مناديةً بهمسٍ جهور : هل من مُعانقٍ ..؟
قراءةُ قصيدتِهِ لأكثرَ من مرَّةٍ واحدةٍ ـ وهي غالباً تجبرُكَ على ذلكَ ـ تشعرُ كلَّ قراءةِ أنَّكِ تقرأُها للمرِّةٍ البكرِ ، وتكتشفُهَا للوهلَةِ الأولى .. فقصيدتُهُ الفاتِنَةُ حسناءُ لعوبٌ مغرورةٌ تبدِّلُ فساتينَها كلَّ حينٍ ، وتعرضُ فتنتَها كلَّ لحظةٍ ..
الولوجُ إلى عوالمِ السوسي الثريَّةِ يعني أنِّكَ دخلتَ جامعةَ الجمالِ ، جَامِعَةً مُعْتَمَدةً تمنحُكَ شهادةَ تذوُّقٍ دقيقةٍ ، تعتمدُكَ خريِّجاً مؤهَّلاً بشهاداتِ الفرحِ والدهشةِ والانبهارِ ، مُجَازاً لأنْ تحتفيَ بالجمالِ ، جامِعَةً تلقِّنُكَ أبجديَّاتِ الهوى العذريِّ ، وتطلقُكَ في رحابِ الحسنِ عصفوراً ، وغيمَةً ، وَسِرْبَ فَرَاشٍ..! السوسي يُحْسنُ الترويجَ للجمالِ .. للحبِّ .. للحياةِ .. لأنَّهُ يعيدُ إنتاجَ أعماقِهِ ومن ثمَّ تصديرَهَا ، ولعلَّ المثلَ الصينيَّ القائلَ : " إنَّ أريجَ الزهورَ يلتصقُ دائماً باليدِ التي تقدِّمُهَا ".
ينطبقُ ـ ضبطاً ـ على هذا المروِّجِ الجميلِ المتورِّط في الحبِّ ، المورِّط في الجمالِ..
ـــــ المصادر والمراجع ـــــــــ
ـ حسن السوسي ، نوافذ ، الدار العربيَّة للكتاب ، ط 1 ، 1987
ـ حسن السوسي ، ألحان ليبيَّة ، الدار الجماهيريَّة للنشر والتوزيع والإعلان ، ط 1 ، 1998
ـ حسن السوسي ، الرسم من الذاكرة ، منشورات مجلس تنمية الإبداع الثقافي بالجماهيريَّة ، ط 1 ، 2004
ـ حسن السوسي ، الفراشة ، منشورات مركز دراسات الثقافة العربيَّة ، ط 1 ، 1998
ـ حسن السوسي ، المواسم ، المنشأة العامَّة للنشر والتوزيع الإعلان ، ط ، 1986
ـ حسن السوسي ، صدى السنين ، مجلس الثقافة العام ، ط 1 ، 2006
ـ حسن السوسي ، ديوان نماذج ، الدار العربيَّة للكتاب ، ليبيا ، تونس ، 1981
ـ عبد الله سالم مليطان ، معجمُ الشعراءِ الليبيِّينَ ، دار مداد للطباعة والنشر ، ط 1،2001 .
ـ يوسف مارون ، قاموس الحكم والأمثال والأقوال الخالدة ، المؤسَّسة الحديثَةُ للكتابِ ، طرابلس ، لبنان 1996 .
الدوريَّات:
ـ مجلة الجليس ، اللجنة الشعبيَّة العامَّة للثقافة ، ليبيا ، العدد الخامس ، 2007
تعليق