نحو مهام الهمم العالية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    نحو مهام الهمم العالية

    نحو مهام الهمم العالية
    -1-

    الحمد لله رفيع الدرجات ذي العرش،فهو رؤوف رحيم، وهو شديد ذو بطْش، خلق الخلق وجعلهم درجات، وقسم الرزق وجعله بلغات، رفع مكانة بعضنا إلى أعلى عليين،وخفض مكانة البعض الآخر إلى أسفل سافلين،وجعلهم فريقين : فريق في الجنة وفريق في النار، يحكم بحكمته همة من يشاء، وتخور بحكمته إرادة من يشاء, وجعل الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فيا سعادة من تسابق الخيرات وعلى فضل الله اعتمد، و يا ويح من هام في الظلمات،وإلى غرور الشيطان استند. رفع سبحانه درجات السابقين، وأردف لاحقهم بإحسان إلى يوم الدين، وتوعد بالنار المتخلفين ، واختص منها الدرك الأسفل للمنافقين. ثم الصلاة والسلام على سيدنا محمد بحر لا يُنْكَش، وعلى الآل والمهاجرين والأنصار ومن عرضهم شِرْعَة لا ينبش، أما بعد ؛

    شن الإرهاب على المسلمين، وبخاصة ذوي التقى الملتزمين، فهذا يساق مع المجرمين، لمجرد اعتقاد اعتقده، ومن غير جرم ارتكبه، وذاك يهان ولا حرمة له تصان، بل يهرق دمه كالقطران، وهذه دول تحتل، وبها النظام يختل، ودماؤها تسفح وتسكب، ولا من يشجب أو يبكي ويندب، وأين الإسلام؟ وأين العرب؟ وأين من يهجو, أو للغاصب يسلب ؟؟؟.

    فسبحانه من كريم أمد العباد بالشمس، وجلى بها ظلمة الليل وقنوط النفس، ونشر فضلها للخلق أجمع، وجعلها مصدرا عميما للنفع، كما جعل في خلقه منارات الهدى، وسبيل الخلاص من الردى، بهم ترفع الكروب، وبهم يشد الأزر عند الحروب، وبهم يغاث الخلق، وبهم ينصر الحق، وبهم الناس يمطرون وبهم تنقشع الهموم ويرزقون.
    ولعل أهم ما ترنو إليه الأبصار، بعد الإيمان والتقوى والاستبصار،طلب الرفعة، والعزة والمنعة، بعزة العزيز الحكيم، والتحصن باسم السميع العليم. وأهم ما يجنيه المرء من الأعمال : التقوى، ونصرة أمة محمد من البلوى، وإعلاء دين الله فوق كل دعوى ؛ لكن ما الحيلة، حين لا تجدي الشكوى، وما العمل حين لا يزداد المظلوم إلا ظلما، والمستكبر إلا فسادا, حربا أم سلما ؟.

    وما السبيل إلى ذلك من غير عنف، ولا اغترار بمخلوق, ولا باعتماد حربة أو سيف؟ وبخاصة لمن لا يستطيع حيلة، بعد أن قسمت دار الإسلام إلى دول لم تستطع إلا الشجب والتنديد، والاستنكار، فيما سبق، ولا تحسن الآن إلا التفرج، إن لم نقل مؤازرة الظالمين والمستكبرين ؛ فتكا بالأبرياء, وزجا بهم في السجون.

    كيف لا نلتاع ولا نكاد نفتح التلفاز إلا والأخبار تنهار علينا بالجديد من الأنباء عن جرح المئات, وقتل العشرات، وعن الفتك بالعشرات في مدن العراق.فضلا عن جرائم متعددة الجنسية بأفغانستان؟ ودعنا من هضم الروس لدولة الشيشيان ...

    أنتخذ إقصاء الضمير سلما، أم نعض الأيدي على حالنا ندما؟ أم نتكل على الله ونقتحم الصعاب اقتحاما ؟ ؛ إذ المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه ولا يخذله ، فكيف وهذه القوارع تقرع أسماعنا ؟ وكيف بنا والعدو يتربص بنا ؟ وكيف بنا والأمة غثاء كغثاء السيل ؟
    هل ماتت شهامة النفوس ؟ وأين تتجلى روح التضامن والتآزر ؟ وهل سيرضى الحبيب المصطفى على حال أمة تنهب وتسلب، وتقتل وتكمم أفواه رجالها ؟

    هل خلت أمتنا من رجالات كان يعد الواحد منهم خيرا من ألف ؟ أو بعبارة الحبيب صلى الله عليه وسلم [لهذا خير من ملء الأرض مثل هذا]؟ (الراوي: سهل بن سعد الساعدي المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 5091خلاصة حكم المحدث: [صحيح)]

    ما كان انتصار الأمة بقوة عدد أو عدة، إنما انتصر المسلمون بخشيتهم لله، وبذل الجهد والاجتهاد استنصارا لدين الله ؛ بناء على وعده سبحانه :
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} محمد:7.

    صحيح بأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، أو بأمر من ذي البطش الشديد، فكيف بدعاء مظلومين من العبيد عند ذي العرش المجيد؟ وأين من لو أقسم على الله لأبره ؟ وأين الأتقياء الأخفياء أولو الهمم العالية؟ ...

    أين الشم الراسخات ؟


    من منا لا تتوق نفسه أن يكون في زمرة الأخفياء الأتقياء، ذوي النفوس الكبيرة، التي لا تحجبها نفسها عن حب الخير لغيرها من مخلوقات الله ؟ من يريد أن يحيا بحياة الآخرين ؟ من يريد أن يسعد بسعادة الآخرين ؟ من يريد أن يرتفع فوق أنانيته ؟ من يريد أن يكون لله فيكون الله له ؟ من يسعى لمرضاة الله بخدمة غيره ؟ من يريد الفرار من بهرجة الشهرة الدنيوية ؛ ليكون خيرا من ملء الأرض من غيره ؟من يريد أن يكون ذلك الشهم الذي تعلو همته الهمم السافلة فيكون رجلا خيرا من ألف ؟من تأنف نفسه أضواء الكاميرات والتلفزات، فيكون عاملا لله، وفي سبيله ؛ ليصير من الشم الراسخات التي يثبت بها الله الأرض بمن فيها ؟

    قد نجد من لم يجد إلا روحه فيجود بها في سبيل الله، أو دفاعا عن دياره وأمته ؛ لكن هل هناك من يتقن صناعة الحياة كما أتقن هؤلاء صناعة الموت ؟هل انتصر أسلافنا بكثرة عددهم وعدتهم؟! أم بشهامة نفوسهم, وعزة المؤمن, وإحسان المحسن ؟!.
    إننا في الدنيا في قسم امتحان ليستبق المتسابقون الدرجات العلا، فمن ترتفع هامته وهمته فوق الهمم ؛ ليكون طلب رضى الله عنده فوق كل مطلب ؟ من يريد الرفعة والدرجة العالية في الدنيا والآخرة ؛ طلبا للذة النظر في وجه ربنا الأكرم ؟ من يريد أن يكون من المرحومين في الدنيا والآخرة ؟

    إن دغدغت فيك هذه الجمل المشاعر، وتطلعت إلى ما عند ربك، فاقرأ هذه الصفحات بتمعن، وبنية التطبيق ؛ عسى الله أن يجمعنا في دائرة لطفه، ويجعلنا من المرحومين برحمته، آمين. - يتبع-
    http://www.mhammed-jabri.net/
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    #2
    الأخفياء الأتقياء


    عن معاذ بن جبل رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أدنى الرياء شرك, وأحب العبيد إلى الله تبارك وتعالى الأتقياء الأخفياء, الذين إذا غابوا لم يفتقدوا, وإذا شهدوا لم يعرفوا, أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم المستدرك على الصحيحين ج 3, ص303. صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
    كيف صار الأتقياء الأخفياء أئمة الهدى ومصابيح العلم؟ هل بالاستقالة من الواقع فرارا من الساحة ؟ بل على العكس فثباتهم في الساحة، وصبرهم على الواقع المرير، و تـؤدتهم في معالجة أمراضه، وتقديم الحلول الناجعة والفعالة لأناسه، وبخاصة منهم المفتونين أو الذين ضرستهم الفتنة بأنيابها ؛ كل هذه الجهود رفعتهم إلى ذروة محبة المؤمنين, وجعلت منهم أئمة الهدى، ومصابيح العلم ؛ إذ في زمن التقهقر والردى، والفتن المتوالية، تظهر المعجزات وتبزغ الشم الراسخات.
    ومن الإجمال إلى التفصيل.


    ما لا تستطيعه البطلة

    {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} البقرة : 105.
    اختص الله المؤمنين بالتقوى، وكانت لهم حصنا حصينا من عذاب الله :
    { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} الأعراف :31.
    وليس للمكذبين بالكتاب حصن يتحصنون به, غير لباس يقي الحر والقر , بينما جعل الله للمؤمنين لباسين :
    أولهما لباس يحمي من البرودة ومن الحرارة ؛
    وثانيهما وهو الأهم يقي من عذاب الله ؛ يدفع بأس النقم، ويحفظ من زوال النعم: إنه لباس التقوى.والتقوى هي السلاح الأقوى الذي لا يخرقه خارق، إلا بالاعتداء على الحرمات، وانتهاك الحدود الشرعية.
    وارتكزت سنن الله على أن الله يؤيد المتقين بنصره :
    {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} الروم :47.
    وكان حقا على الله نصر المؤمنين. إنه العهد الذي لا يخلف ؛ لكونه جل وعلا لا يخلف الميعاد.
    { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} النساء : 141.
    إنه السد المنيع ما دامت التقوى حرزنا وحصننا الحصين ؛ لكن المكذبين لا يفهمون إلا لغة القوة والاعتزاز بها, والاستنصار بها.مساكين هؤلاء الأغبياء ما استفادوا من التاريخ مغزى ولا معنى :
    {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} فاطر : 44.
    وفي هذا المعنى جاء حديث أبي أمامة الباهلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه, اقرأوا الزهراوين : البقرة وسورة آل عمران ؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان, أو كأنهما غيايتان, أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما, اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة, وتركها حسرة, ولا تستطيعها البطلة. قال معاوية : بلغني أن البطلة السحرة  صحيح مسلم ج1, ص553, حديث 804.

    وسواء أكانت البطلة بمدلولها اللغوي وهم الأقوياء، الأشداء، أو ما أعرب عنه الصحابي الجليل : بأنهم السحرة،فالتقوى حصن المؤمن من كل كرب ومن كل عدو.

    ولئن غابت التقوى فالنصر للأقوى :
    {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} التوبة : 69.

    وما كانت غطرسة المكذبين بالدين لتنجيهم من عذاب الله من شيء، وما كانوا ليستسلموا للمؤمنين، وما كل ذلك إلا ليقضي الله أمرا كان مفعولا؛ ليهلك من هلك عن بينة, ويحيا من حيي عن بينة.
    فعما قليل -ببضع سنين، لا أكثر- سنرى كل المتبجحين بالقوة في الوقت الراهن في خبر كان، فمن يستطيع أن يرفع التحدي ؟ ولست هنا بصدد الوعيد أو التهديد، إنما هو ما استنبط من فهم لسنن الله القرآنية والكونية.

    {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ}غافر :21. {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}غافر : 82.

    وسنرى رايات الله خفاقة في سماء الدنيا، تقول بلسان الحال والمقال :

    {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} الصف : 8. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الأنعام : 115

    فكيف بمن ساندهم من الدول الخائفة من بطشهم, أو السائرة في ركبهم؟

    فكأني بمطالع لهذه السطور، ينغض الرأس نكرانا، واستهزاء ؛ ذلك :

    {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} الأنفال : 49.

    فما اختلفت المقاييس إلا لكونهم اغتروا بما أوتوا من قوة، ولم يأبهوا بأمر الله، وليس في الوجود من اختص بالخلق والأمر إلا الله.فإما أن تستسلم الإرادات, وإما أن تجتثها سنن الله في الكون والقرآن.

    سلاح الفزع

    عن وائل بن داود قال :سمعت الحسن البصري يحدث، بينما رجل نائم رأى في المنام مناديا ينادي في السماء : أيها الناس خذوا سلاح فزعكم! فعمد الناس فأخذوا السلاح , حتى أن الرجل يجيء وما معه إلا عصا, فنادى مناد من السماء : ليس هذا سلاح فزعكم! فقال رجل من الأرض : ما سلاح فزعنا؟ فقال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر  مصننف ابن أبي شيبة ج 6/75 حديث رقم : 29580
    وعن أبي الدرداء قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بخير أعمالكم, وأرفعها في درجاتكم ,وأزكاها عند مليككم, وخير لكم من إعطاء الذهب والورق, وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى! قال : صلى الله عليه وسلم ذكر الله تعالى )(أخرجه مالك في الموطأ ج 1, ص 211, ح 492. أخرجه الترمذي في سننه, ج5, ص459, ح3377.و ابن ماجة في سننه ج2, ص1245, ح 3790. و ابن حنبل في مسنده ج5, ص195, ح 21750/ ج5, ص195, ح21752/ ج5, ص239, ح 22132/ ج 6, ص447, ح 27565 . و مالك في الموطأ ج1, ص211, ح 492. و الحاكم في مستدركه ج1, ص674, ح 1825. و عبد الرزاق في مصنفه ج7, ص111, ح 34590. واللفظ للترمذي)

    قال زياد بن أبي زياد, وقال أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل : ما شيء أنجى له من عذاب الله من ذكر الله.
    والحديث وإن دل بطرق تخريجه على صحة إسناده فهو صحيح المبنى وصحيح المعنى، وذلك لما سيأتي من أدلة :

    1- دعاء سيدنا يونس عليه السلام:

    {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} الأنبياء:87.

    فما كان دعاؤه إلا ذكرا :

    {لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} الأنبياء:87 ف{لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ}توحيد, و{ سُبْحَانَكَ}تسبيح, ثم قوله { إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}اعتراف بالذنب، ورب متسائل يتساءل : وأين الدعاء الذي عقب الله عليه بقوله عز من قائل :
    {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} الأنبياء:88

    كان ذكره عليه السلام باللسان، والهمة انجمعت في القلب طلبا للنجاة، والله ينظر إلى ما تعلقت به القلوب ؛ وهكذا استجاب له ونجاه من الغم, وجعل صيغته سبيلا ومخرجا لكل مغتم من المؤمنين.

    عن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :صلى الله عليه وسلمدعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت{ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له ( أخرجه الترمذي في سننه. ج 5, ص 529, ح 3505/ ج5, ص530, ح3505.و الحاكم في مستدركه. ج1, ص685, ح 1862/ ج1, ص685, ح1863/ ج1, ص685, ح 1864/ ج2, ص415, ح 3444/ ج 2, ص638, ح4121/ ج2, ص639, ح4127.و النسائي في سننه الكبرى. ج 6, ص168, ح10491/ ج 6, ص168, ح10492. و أبو يعلى في مسنده. ج2, ص66, ح707.)

    ويبرز الله جل جلاله فضل التسبيح فيقول جل وعلا :{فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} الصافات:144

    إنه الذكر بهمة ترجى، بخلاف دعاء سيدنا أيوب عليه السلام الذي جاء واضحا :

    {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} الأنبياء : 83.
    فالإشارة إلى اسم الله { وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}وإن لم تكن دعاء صريحا فهو استغاثة برحمة الله.

    2-همة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :


    تعلقت همة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتغيير القبلة مخالفة لليهود، لكن حياءه من ربه وعدم التقدم بين يديه حجباه عن صريح الدعاء، وينظر الرؤوف الرحيم إلى قلب عبده، وهو يشتاق ويتطلع إلى تغيير قبلته عن قبلة اليهود، فاستجاب الله له بقوله تعالى :

    {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} البقرة :144.

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. صحيح مسلم ج1, ص: 282.

    لسان منشغل بذكر مولاه، ورب يحقق لعبده رجاءه، وكل يمضي على سنة ونسق، فمنهم أهل الجنة، ومنهم من فسق. وسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار ؛ والسنن الإلهية لن تجد لها تبديلا ولا تغييرا، كما أن السنن الكونية لن تجد لها سوى القرآن أحسن تفسيرا.

    وكل همة خالفت السنن الإلهية، فهي على صاحبها مردودة لاغية.كما أن كل همة حالفت السنن وبها ألمت، فهي أقطع من كل سيف، وأمضى عزما رغم كل أنف.

    وإنه لنبراس يستضاء به في هذه الظلمة الحالكة، ويستنصر به على أعداء الملة وأعداء الدين.وإنه لسلاح الفزع ونعم السلاح هو.
    http://www.mhammed-jabri.net/

    تعليق

    • محمد جابري
      أديب وكاتب
      • 30-10-2008
      • 1915

      #3
      تعريف الهمة

      "والهِمَّةُ: واحدةُ الهِمَم,ِ وهَمَمَ: الهَمُّ: الحُزْن، وجمعه هُمومٌ، وهَمَّه الأَمرُ هَمّاً ومَهَمَّةً, وأَهَمَّه فاهْتَمَّ واهْتَمَّ به. ولا هَمامِ لي: بالفتح، ولا هَمامِ، أَي لا أَهُمّ بذلك ولا أَفْعَلُه؛مبنية على الكسر مثل قَطامِ, أَي لا أَهُمُّ. ويقال: لا مَهَمّةَ لي.

      وأَهَمَّني الأَمرُ إِذا أَقْلَقَك وحَزَنَك. والاهتمامُ: الاغتمامُ، واهْتَمِّ له بأَْمرِه. قال أَبو عبيد في باب قلّة اهتِمامِ الرجلِ بشأْن صاحِبه: هَمُّك ما هَمَّك، ويقال: هَمُّك ما أَهَمَّك؛جعلَ ما نَفْياً في قوله ما أَهَمَّك, أََي لم يُهِمَّك هَمُّك، ويقال: معنى ما أَهَمَّكَ أَي ما أَحْزَنَك، وقيل: ما أَقْلَقَك، وقيل: ما أَذابَك." اللسان لابن منظور مادة همم..

      "هَمَّهُ المرض أذابه, وبابه ردَّ.والاهْتِمامُ الاغتِمام, واهْتَمَّ له بأمره, والهِمَّةُ واحدة الهِمَمِ, يُقال فلان بعيد الهِمَّةِ بكسر الهاء وفتحها, وهَمَّ بالشيء أَراده, وبابه ردَّ والهِمُّ بالكسر الشيخ الفاني, والمرأة هِمَّةٌ والهُمَامُ الملِك العظيم الهِمّة"مختار الصحاح للرازي باب الهاء مادة همم.
      خلاصة :
      ويمكن إجمال القول بأن الهمة منشؤها الهم والغم، ويزداد الأمر إلحاحا حتى يضحى الهم همة تستحوذ على الفكر, وتصبح الشغل الشاغل للمرء.

      الهمم العالية

      وقيل) الهمة) هي الباعث القلبي المنبعث من النفس لمطلوب كمالي ومقصود عالي. كتاب التقرير والتحبير ج1 , ص16.

      ويقول الإمام الغزالي (أبو حامد) :

      ومن لم يكن له همة سوى الله عز وجل فدرجته على قدر همته, ومن رقى علمه عن درجة المتخيلات والمحسوسات, وقدس إرادته عن مقتضى الشهوات فقد نزل بحبوحة حظيرة القدس. السلام هو الذي تسلم ذاته عن العيب, وصفاته عن النقص, وأفعاله عن الشر, حتى إذا كان كذلك لم يكن في الوجود سلامة إلا وكانت معزية إليه, صادرة منه, وقد فهمت أن أفعاله تعالى سالمة عن الشر, أعني الشر المطلق المراد لذاته لا لخير حاصل في ضمنه أعظم منه, وليس في الوجود شر بهذه الصفة كما سبق الإيماء إليه إلا لله سبحانه"المقصد الأسنى ج1, ص:69.

      ويقول أيضا :
      وإنما الوصول هو أن ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به, فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا الله, وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه, فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت في ذلك إلى نفسه ؛ ليعمر ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق, وكل ذلك طهارة وهي البداية, وإنما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية, ويتجرد له فيكون كأنه هو, وذلك هو الوصول عنده.فإن قلت كلمات الصوفية بناء على مشاهدات انفتحت لهم في طور الولاية والعقل يقصر عن درك ذلك, وما ذكرتموه تصرف ببضاعة العقل " المقصد الأسنى ج1, ص156.

      ويقول الشيخ أحمد الرفاعي :
      يا ولدي همة أبناء الدنيا دنياهم, وهمة أبناء الآخرة آخرتهم! وإياك والدعوى الكاذبة, واترك الخوض في بحور التوحيد, واجعل اعتقادك اعتقادا ثبوتيا لا يتغير, واشغل ذهنك عن الوساوس الشيطانية, وحذر نفسك من مصاحبة صديق السوء ؛ فإن عاقبة مصاحبته الندامة, والتأسف يوم القيامة, كما قال الله تعالى : {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً} لفرقان : 28. البرهان المؤيد ج1, ص 126.

      ويقول محمد بن مفلح المقدسي :

      " وقال في كتابه السر المصون : تأملت سبب الفضائل فإذا هو علو الهمة , وذلك أمر مركوز في الجبلة لا يحصل بالكسب, وكذلك خسة الهمة, وقد قال الحكماء : تعرف همة الصبي من صغره ؛ فإنه إذا قال للصبيان من يكون معي دل على علو همته, وإذا قال مع من أكون دل على خستها. فأما الخسة فالهمم فيها درجات : منهم من ينفق عمره في جمع المال ولا يحصل شيئا من العلم, ومنهم من يضم إلى ذلك البخل, ومنهم من رضي بالدون في المعاش, وأخسهم الكساح. فأما علو الهمة في الفضائل: فقوم يطلبون الرئاسة, وكان أبو مسلم الخرساني علي الهمة في طلبها, وكانت همته الرضاء في طلب الخلافة, وكان المتنبي يصف عالي همته, وما كانت إلا التكبر بما يحسنه من الشعر.ومن الناس من يرى أن غاية المراتب الزهد ؛ فيطلبه ويفوته العلم, فهذا مغبون ؛ لأن العلم أفضل من الزهد, فقد رضي بنقص وهو لا يدري, وسبب رضاه بالنقص قلة فهمه ؛ إذ لو فهم لعرف شرف العلم على الزهد. ومنهم من يقول : المقصود من العلم العمل, وما يعلم هذا أن العلم عمل القلب ؛ وذاك أشرف من عمل الجوارح . ومن طلبة العلم من تعلو همته إلى فن من العلوم فيقتصر عليه, وهذا نقص, فأما أرباب النهاية في علو الهمة فإنهم لا يرضون إلا بالغاية, فهم يأخذون من كل فن من العلم مهمه, ثم يجعلون جل اشتغالهم بالفقه ؛ لأنه سيد العلوم, ثم ترقيهم الهمم العالية إلى معاملة الحق, ومعرفته والأنس به, وقليل ما هم! هذا كلامه. وقال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى : عليك بالفقه ؛ فإنه كالتفاح الشامي يحمل من عامه. وأملى الشافعي على مصعب الزبيري أشعار هذيل ووقائعها, وآدابها حفظا, فقال له أين أنت بهذا الذهن عن الفقه؟! فقال إياه أردت! وقال أحمد عن الشافعي : إنما كانت همته الفقه. وقال أبو حنيفة : ليس شيء أنفع من الفقه. وقال محمد بن الحسن : كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه, وينهانا عن الكلام. وفي خطبة المحيط للحنفية : أفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين معرفة الفقه. وقال العقلاء : ازدحام العلوم مضلة للفهوم. " الفروع ج1, ص477/478.

      ويقول أحمد بن على بن ثابت البغدادي :

      "عن أبي معمر عن الحسن قال : همة العلماء الرعاية, وهمة السفهاء الرواية " اقتضاء العلم العمل ج1, ص 35.

      [ويقول محمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني :

      " فالحق الذي ليس عليه غبار الحكم بسهولة الاجتهاد في هذه الأعصار, وإنه أسهل منه في الأعصار الخالية لمن له في الدين همة عالية, ورزقه الله فهما صافيا وفكرا صحيحا, ونباهة في علمي السنة والكتاب, ثم قال : تقول تعذر الاجتهاد ! ما هذا والله إلا من كفران النعمة وجحودها, والإخلاد إلى ضعف الهمة وركودها, إلا أنه لا بد مع ذلك أولا من غسل فكرته عن أدران العصبية, وقطع مادة الوساوس المذهبية, وسؤال للفتح من الفتاح العليم, وتعرض لفضل الله ؛ فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء, والله ذو الفضل العظيم. فالعجب كل العجب بمن يقول : يتعذر الاجتهاد في هذه الأعصار, وإنه محال ! ما هذا إلا منع لما بسطه الله من فضله لفحول الرجال, واستبعاد لما خرج من يديه, ويصبحون لما لم يكن لديه, وكم للأئمة المتأخرين من استنباطات صادقة ما حام حولها الأولون, ولا عرفها منهم الناظرون, ولا دارت في بصائر المستبصرين, ولا جالت في أفكار المفكرين. وقال محمد بن علي الشوكاني : ما نقل قول الرافعي في الاتفاق على أنه لا مجتهد اليوم, وإذا أمعنت النظر وجدت هؤلاء المنكرين إنما أتوا من قبل أنفسهم ؛ فإنهم لما عكفوا على التقليد, واشتغلوا بغير علم الكتاب والسنة, وحكموا على غيرهم بما وقعوا فيه, واستصعبنا ما سهله الله على من رزقه العلم والفهم, وأفاض على قلبه أنواع علوم الكتاب والسنة ." ‏ إرشاد النقاد ج1, ص38.

      وقال ابن عطاء الله السكندري :

      "ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها, إلا ونادته هواتف الحقيقة : الذي تطلب أمامك ، ولا تبرجت له ظواهر المكونات إلا ونادته حقائقها :
      {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } البقرة : 102
      " الحكمة رقم 20 من الحكم العطائية

      ويقول محمد ابن المرتضى اليمني (ابن الوزير) :

      واعرف قدر ما أنت طالب ؛ فإنك طالب لأعلى المراتب. قال الله تعالى :
      مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } الأنعام : 91.
      وقال في الأخرى :
      {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } الإسراء : 19
      وقال :
      {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ } البقرة : 63.

      وليس في الوجود بأسره أعز ولا أفضل من الإيمان بالله وكتبه ورسله, ومتابعتهم ومعرفة ما جاءوا به, فلا تطلب ذلك أهون الطلب ؛ فإني أرى الأكثرين لا يرضون بالغبن والنقص في بيع بعض السلع, وأرى طالب الأرباح الدنيوية يطلبها أشد الطلب من أبعد الأقطار بأشق الأسفار, وأما طالب الكيمياء والسيمياء فإنه يبذل في طلبهما ما دون الروح, بل يرتكب بعض الأخطار والمتالف الكبار مع أدنى تجويز للسلامة, بل عدم التجويز أيضا عند ملكة هواه له, وغلبة ظنه بأنه يدرك ما أراد, ويبلغ ما قصده, ويصل إلى ما إليه سعى, ولكم من منفق غضارة عمره, ونضارة شبابه, وأبان أيامه في ذلك. وإنما طولت القول في هذا لأني علمت بالتجربة الضرورية في نفسي وغيري أن أكثر جهل الحقائق إنما سببه عدم الاهتمام بتعرفها على الإنصاف, لا عدم الفهم ؛ فإن الله َ- و له الحمد- قد أكمل الحجة بالتمكين من الفهم, وإنما أتى الأكثر من التقصير في الاهتمام".
      إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ج1, ص: 28.

      الذكر بالهمة

      جاء في تفسير القرطبي عند قوله تعالى :
      لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}آل عمران : 173.

      قالها إبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في النار, وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهما الناس : إن الناس قد جمعوا لكم. والله أعلم.قال علماؤنا : لما فوضوا أمورهم إليه, واعتمدوا بقلوبهم عليه ؛ أعطاهم من الجزاء أربعة معان : النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتباع الرضا ؛ فرضاهم عنه, ورضي عنهم"
      - تفسير القرطبي ج4, ص 282.

      "وروي أن من قال أربعا أمن من أربع : من قال هذه (شارة إلى قوله تعالى : { مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} الكهف ): 39أمن من العين, ومن قال : {حسبنا الله ونعم الوكيل} أمن من كيد الشيطان, ومن قال : {وأفوض أمري إلى الله} أمن مكر الناس, ومن قال {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} أمن من الغم" تفسير القرطبي. ج 10, ص 407.

      "عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ]. هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد قال الإمام أحمد بسنده إلى عوف بن مالك أنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين, فقال المقضي عليه لما أدبر : حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم [: ردوا علي الرجل, فقال : ما قلت ؟ قال : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل,فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يلوم على العجز, ولكن عليك بالكيس, فإذا غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل i تفسير ابن كثير ج1, ص: 431 وقال : كذا رواه أبو داود والنسائي

      عن ابن عباس قال : جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" يا رسول الله ! إن ابني أسره العدو وجزعت الأم". وعن جابر بن عبد الله نزلت في عوف بن مالك الأشجعي, أسر المشركون ابنا له يسمى سالما, فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وشكا إليه الفاقة, وقال : إن العدو أسر ابني وجزعت الأم, فما تأمرني ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

      [ اتق الله واصبر, وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول لاحول ولا قوة إلا بالله ] فعاد إلى بيته, وقال لامرأته : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله, فقالت نِعْمَ ما أمرنا به! فجعلا يقولان, فغفل العدو عن ابنه, فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة, فنزلت الآية, وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له. في رواية أنه جاء وقد أصاب إبلا من العدو, وكان فقيرا, قال : أصاب خمسين بعيرا. وفي رواية فأفلت ابنه من الأسر, وركب ناقة للقوم, ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه, وقال مقاتل : أصاب غنما ومتاعا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم : أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني ؟ قال :صلى الله عليه وسلم: نعم
       ( تفسير القرطبي, ج 18 ص 161- 160).ونزلت :
      {مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } الطلاق : 2- 3

      عن سعيد بن المسيب قال : " لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح لم يزالوا في تكبير وتهليل, وطواف بالبيت حتى أصبحوا, فقال أبو سفيان لهند : ترين هذا من الله ؟! قال : ثم أصبح فغدا أبو سفيان إلى رسول الله  , فقال له رسول الله  : قلت لهند : أترين هذا من الله ؟! نعم هو من الله ! فقال أبو سفيان : أشهد أنك عبد الله ورسوله, والذي يحلف به أبو سفيان ما سمع قولي هذا أحد من الناس إلا الله وهند!" تاريخ دمشق لابن عساكر. ج23, ص457. وروى الحسن عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة, ورزقه من حيث لا يحتسب, ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها]( مسند الشهاب. ج1, ص: 298.)

      فهذه جملة من الأحاديث عمدت إلى سردها ؛ ليتأكد الشاك، وليستيقن الموقن بتأثير الذكر بهمة ترجى. فاللسان يذكر, والقلب قد تعلق بحاجته, و وقف بباب ربه، وهو الكريم لا يخيب من رجاه.

      وعن عبد الله بن عمرو قال : الناس في الغزو جزآن : فجزء خرجوا يكثرون ذكر الله تعالى، والتذكير به، ويجتنبون الفساد في المسير، ويواسون الصاحب، وينفقون كرام أموالهم، فهم أشد اغتباطا بما أنفقوا من أموالهم منهم بما استفادوا من دنياهم، فإذا كانوا في مواطن القتال استحيوا من الله تبارك وتعالى في تلك المواطن أن يطلع على ريبة قلوبهم, أو خذلان للمسلمين, فإذا قدروا على الغلول طهروا منه قلوبهم وأعمالهم، فلم يستطع الشيطان أن يفتنهم ولا يكلم قلوبهم ؛ فبهم يعز الله تعالى دينه, ويكيد عدوه, وأما الجزء الآخر فخرجوا فلم يكثروا ذكر الله تعالى ولا التذكير به, ولم يجتنبوا الفساد, ولم ينفقوا أموالهم, إلا وهم كارهون, وما أنفقوا من أموالهم رأوه مغرما, وحدثهم به الشيطان, فإذا كانوا عند مواطن القتال كانَ مع الآخرِ الآخرُ, والخاذلِ الخاذلُ, واعتصموا برؤوس الجبال ينظرون ما يصنع الناس ؛ فإذا فتح الله عز وجل للمسلمين كان أشدهم تخاطبا بالكذب, فإذا قدروا على الغلول اجترأوا فيه على الله عز وجل, وحدثهم الشيطان أنها غنيمة. إن أصابهم رخاء بطروا, وإن أصابهم حبس فتنهم الشيطان بالعرض, وليس لهم من أجر المؤمنين شيء, غير أن أجسادهم مع أجسادهم, ومسيرهم مع مسيرهم, دنياهم وأعمالهم شتى حتى يجمعهم الله عز وجل يوم القيامة ثم يفرق بينهم" تاريخ دمشق لابن عساكر. ج11, ص 508/507.

      ويقول الإمام الشافعي :
      أتهزأ بالدعاء وتزدريــــــــــــه وما تدري بما صنع الدعــــــاء
      سهام الليل لا تخطي ولكن لـهــــا أمـــد وللأمد انقضــــاء
      ( ديوان الشافعي ص23 , دار الفكر)

      بالاسستنصار بالله انهزم الأعداء، فكيف بمن ألجأ ظهره إلى الله, وفوض أمره إليه؟
      فلقد تواتر قول السلف الصالح :" ما انتصر المسلمون إلا بالأكف والسيوف ".

      فأنى للمكذبين مجرد التصديق بهذا فضلا عن اعتقاده ؟ لكن الربانيين تصدوا لمن اعتدى وتجاوز الحد, أو استعمله في غير ما شرع له، أن يقتص منه بنفس الأسلوب.حدود وسدود تنفتح للربانيين وتنسد عن غيرهم !!! وشتان بين الفريقين !!! وهل يستوي الأعمى والبصير ؟ أم تستوي الظلمات والنور ؟ أم يستوي الظل والحرور ؟. ذلك مبلغهم من العلم.

      وسئل سفيان الثوري : أيؤاخذ العبد بالهمة ؟ فقال :" إذا كانت عزما". ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : p يقول الله تعالى إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه, فإن عملها كتبتها عليه سيئة )i. أخرجه مسلم في صحيحه ج1/ص117/ح128، ج1/ص118/ح129. و البخاري في صحيحه ج6/ص2725/ح7062.
      http://www.mhammed-jabri.net/

      تعليق

      • أحمد السيوطي
        • 24-02-2011
        • 2

        #4
        اللهم أجعلنا من الأخفياء الأتقياء

        تعليق

        يعمل...
        X