نحو مهام الهمم العالية
-1-
-1-
الحمد لله رفيع الدرجات ذي العرش،فهو رؤوف رحيم، وهو شديد ذو بطْش، خلق الخلق وجعلهم درجات، وقسم الرزق وجعله بلغات، رفع مكانة بعضنا إلى أعلى عليين،وخفض مكانة البعض الآخر إلى أسفل سافلين،وجعلهم فريقين : فريق في الجنة وفريق في النار، يحكم بحكمته همة من يشاء، وتخور بحكمته إرادة من يشاء, وجعل الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فيا سعادة من تسابق الخيرات وعلى فضل الله اعتمد، و يا ويح من هام في الظلمات،وإلى غرور الشيطان استند. رفع سبحانه درجات السابقين، وأردف لاحقهم بإحسان إلى يوم الدين، وتوعد بالنار المتخلفين ، واختص منها الدرك الأسفل للمنافقين. ثم الصلاة والسلام على سيدنا محمد بحر لا يُنْكَش، وعلى الآل والمهاجرين والأنصار ومن عرضهم شِرْعَة لا ينبش، أما بعد ؛
شن الإرهاب على المسلمين، وبخاصة ذوي التقى الملتزمين، فهذا يساق مع المجرمين، لمجرد اعتقاد اعتقده، ومن غير جرم ارتكبه، وذاك يهان ولا حرمة له تصان، بل يهرق دمه كالقطران، وهذه دول تحتل، وبها النظام يختل، ودماؤها تسفح وتسكب، ولا من يشجب أو يبكي ويندب، وأين الإسلام؟ وأين العرب؟ وأين من يهجو, أو للغاصب يسلب ؟؟؟.
فسبحانه من كريم أمد العباد بالشمس، وجلى بها ظلمة الليل وقنوط النفس، ونشر فضلها للخلق أجمع، وجعلها مصدرا عميما للنفع، كما جعل في خلقه منارات الهدى، وسبيل الخلاص من الردى، بهم ترفع الكروب، وبهم يشد الأزر عند الحروب، وبهم يغاث الخلق، وبهم ينصر الحق، وبهم الناس يمطرون وبهم تنقشع الهموم ويرزقون.
ولعل أهم ما ترنو إليه الأبصار، بعد الإيمان والتقوى والاستبصار،طلب الرفعة، والعزة والمنعة، بعزة العزيز الحكيم، والتحصن باسم السميع العليم. وأهم ما يجنيه المرء من الأعمال : التقوى، ونصرة أمة محمد من البلوى، وإعلاء دين الله فوق كل دعوى ؛ لكن ما الحيلة، حين لا تجدي الشكوى، وما العمل حين لا يزداد المظلوم إلا ظلما، والمستكبر إلا فسادا, حربا أم سلما ؟.
وما السبيل إلى ذلك من غير عنف، ولا اغترار بمخلوق, ولا باعتماد حربة أو سيف؟ وبخاصة لمن لا يستطيع حيلة، بعد أن قسمت دار الإسلام إلى دول لم تستطع إلا الشجب والتنديد، والاستنكار، فيما سبق، ولا تحسن الآن إلا التفرج، إن لم نقل مؤازرة الظالمين والمستكبرين ؛ فتكا بالأبرياء, وزجا بهم في السجون.
كيف لا نلتاع ولا نكاد نفتح التلفاز إلا والأخبار تنهار علينا بالجديد من الأنباء عن جرح المئات, وقتل العشرات، وعن الفتك بالعشرات في مدن العراق.فضلا عن جرائم متعددة الجنسية بأفغانستان؟ ودعنا من هضم الروس لدولة الشيشيان ...
أنتخذ إقصاء الضمير سلما، أم نعض الأيدي على حالنا ندما؟ أم نتكل على الله ونقتحم الصعاب اقتحاما ؟ ؛ إذ المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه ولا يخذله ، فكيف وهذه القوارع تقرع أسماعنا ؟ وكيف بنا والعدو يتربص بنا ؟ وكيف بنا والأمة غثاء كغثاء السيل ؟
هل ماتت شهامة النفوس ؟ وأين تتجلى روح التضامن والتآزر ؟ وهل سيرضى الحبيب المصطفى على حال أمة تنهب وتسلب، وتقتل وتكمم أفواه رجالها ؟
هل خلت أمتنا من رجالات كان يعد الواحد منهم خيرا من ألف ؟ أو بعبارة الحبيب صلى الله عليه وسلم [لهذا خير من ملء الأرض مثل هذا]؟ (الراوي: سهل بن سعد الساعدي المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 5091خلاصة حكم المحدث: [صحيح)]
ما كان انتصار الأمة بقوة عدد أو عدة، إنما انتصر المسلمون بخشيتهم لله، وبذل الجهد والاجتهاد استنصارا لدين الله ؛ بناء على وعده سبحانه :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} محمد:7.
صحيح بأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، أو بأمر من ذي البطش الشديد، فكيف بدعاء مظلومين من العبيد عند ذي العرش المجيد؟ وأين من لو أقسم على الله لأبره ؟ وأين الأتقياء الأخفياء أولو الهمم العالية؟ ...
أين الشم الراسخات ؟
من منا لا تتوق نفسه أن يكون في زمرة الأخفياء الأتقياء، ذوي النفوس الكبيرة، التي لا تحجبها نفسها عن حب الخير لغيرها من مخلوقات الله ؟ من يريد أن يحيا بحياة الآخرين ؟ من يريد أن يسعد بسعادة الآخرين ؟ من يريد أن يرتفع فوق أنانيته ؟ من يريد أن يكون لله فيكون الله له ؟ من يسعى لمرضاة الله بخدمة غيره ؟ من يريد الفرار من بهرجة الشهرة الدنيوية ؛ ليكون خيرا من ملء الأرض من غيره ؟من يريد أن يكون ذلك الشهم الذي تعلو همته الهمم السافلة فيكون رجلا خيرا من ألف ؟من تأنف نفسه أضواء الكاميرات والتلفزات، فيكون عاملا لله، وفي سبيله ؛ ليصير من الشم الراسخات التي يثبت بها الله الأرض بمن فيها ؟
قد نجد من لم يجد إلا روحه فيجود بها في سبيل الله، أو دفاعا عن دياره وأمته ؛ لكن هل هناك من يتقن صناعة الحياة كما أتقن هؤلاء صناعة الموت ؟هل انتصر أسلافنا بكثرة عددهم وعدتهم؟! أم بشهامة نفوسهم, وعزة المؤمن, وإحسان المحسن ؟!.
إننا في الدنيا في قسم امتحان ليستبق المتسابقون الدرجات العلا، فمن ترتفع هامته وهمته فوق الهمم ؛ ليكون طلب رضى الله عنده فوق كل مطلب ؟ من يريد الرفعة والدرجة العالية في الدنيا والآخرة ؛ طلبا للذة النظر في وجه ربنا الأكرم ؟ من يريد أن يكون من المرحومين في الدنيا والآخرة ؟
إن دغدغت فيك هذه الجمل المشاعر، وتطلعت إلى ما عند ربك، فاقرأ هذه الصفحات بتمعن، وبنية التطبيق ؛ عسى الله أن يجمعنا في دائرة لطفه، ويجعلنا من المرحومين برحمته، آمين. - يتبع-
تعليق