و أنت يا مصر :
[align=right]كل طاغ مهما استبد ضعيف[/align]
[align=left]كل شعب مهما استكان قدير[/align]
[align=right]وهب الله بعض أسمائه للشعب[/align]
[align=left]فهو القدير و هو الغفور[/align]
[align=left]بدوي الجبل [/align]
سبحانك اللهم ...
فتحتُ الجزء الثاني من وحي القلم ، أحب الكتب إلي بعد القرآن الكريم ، فتحته و أنا أتابع أخبار مصر و الشعب قد حاصر نظامها و فرعونها الرابض على صدور أبنائها منذ ثلاثين عاماً ، حتى قلَّ من يحسب أنه قد يتزحزح يوماً .
فتحته و قلبي تملؤه النشوة و الحماسة ، و رأسي يعج بالتساؤلات ، و على رأسها السؤال الأكبر المكلل بالزهو : ما أنت يا شعب مصر العظيم ؟!! ممَََ جُبلت و كيف كوِّنت لتصنع ذلك الإعجاز الكبير دون قيادة تسوسك و تنظم ثورتك ؟؟
أيها الشعب الكبير ، الشعب الذي يقول بملء فيه للدنيا كلها : ها أنذا ... أقف مبرزاً صدري متحدياً الزمان كله ، الآتي والحاضر و الذاهب ،بل متحدياً كل بغي على ظهر البسيطة .
أيها الطود الشامخ ، يا من أنت راسخ لا تؤثر فيك كل جيوش الدنيا و لو اجتمعت .قد صنعتَ صاعقة من مطارق تهوي فوق رؤوس الخنوع و التآمر و الوضاعة و الاستبداد ، و بما صنعت جعلت شعوب الإنسانية كلها تلتف و تسير من خلفك داعية هاتفة : نصرك الله .
و إذا بيديَّ تفتحان الكتاب على مقال قديم صنعه الرافعي رحمه الله قبل ثمانين عاماً ، لكنه في بعض منه كان كأنما يصف شعب مصر الثائر اليوم :
[ و أنت يا مصر ...
أواقفة ثمة للشرح و التفسير ، تقولين للمصري : إن أجدادك يسألونك من آلاف السنين بهذا الرمز : ألا معجزة من القوة تمط عضلات الحجر ؟
ألا بسطة من العلم تجعلك أيها المصري و كأنك رأس لجسم الطبيعة ، ألا فن جديد ترفع به أبا الهول في الجو فتزيده على قوة الوحش و ذكاء الإنسان خفة الطير ؟
أم تقولين للمصري : إن أجدادك يسألونك بهذا الرمز أن تكون كالظهر الأسدي لا يُركَب مطاه ، و كالرأس الإنساني لا تُقيَّد حريته ، و كالربضة الجبلية لا تسهل إزاحته ، و كالإبهام المركب من غامضين لا يتيسر فيه عبث العابث ، و كالصراحة المجتمعة من عنصر واحد لا يغلط في حقيقتها أحد .
أم تقولين يا مصر : إن تفسير أبي الهول أن النهضة المصرية إنما تكون يوم تخرج البلاد من يصنع أبا الهول الثاني ؟ ]
تلك كلمات قالها إمام الأدب كأن الغطاء انكشف له فرأى ما تشهده مصر اليوم بعينيه ، أفكان يكتبها و هوينظر ما يكتب ؟ أم كانت عيناه معلقتين بما انكشف له من المرآة العابرة للزمان ، و يده تخط على السطور ما لا يرى ؟
رباه ... سبحانك ... أريتني إعجازك و قدرتك في شيئين معاً ، فيما تشهده مصر من طوفان ثورة زعزع سلاسل العتو و طغمة القهر في أيام ، و فيما كتبه الرافعي في وصفه و تأييده و توجيهه و حثه و مباركته قبل قريب من ثمانين عاماً .
رباه ... سبحانك .... كما أريتني إعجازك في غضبة شعب مصر ، أسألك أن ترينا قدرتك في حمايته و حماية أرضه من كل شر ، و كل طاغٍ ، و كل مغرض .
إن مصر رواية الدهر فاقرأ
[/align]
[align=left]عبرة الدهر في الكتاب العتيق[/align]
[align=left]أحمد شوقي[/align]
تعليق