حبة باذنجان ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسام زيدان
    عضو الملتقى
    • 07-05-2009
    • 14

    حبة باذنجان ..

    لم يكن على قارعة الطريق سواه حين كانت ترنيمات أشعة الشمس لا تعرف للخوف طريقاً ؛ و هي تجتاح خلاياه .. عاد عبد الرحيم من سوق الخضار و هو يعيد لجسده رونق نكهة الحياة .. اجتاز ساحة قلعة البرقوق* و التفكير يعتصر جمراً بين الإدراك و اللإدراك ، فأخذ طريق خان يونس رفح و هو يشعل لفافة لسان حاله الرمادي .

    عند وصوله قرب أحد المفارق اجتازته سيارة جيب عسكرية ، تراقصت حول أصابعه حمامات ؛ وكأنها تدق طبولاً .. أسرع خلفها و تناول من بين الخضار قنبلة ! ..ألقى بها داخل السيارة و انبطح ، فارتعشت في كفه خارطة الوطن .

    تناثر الجنود على الطريق كفتات فجرحوا عذرية الأرض بأجسادهم .. توقفت السيارة تماماً ، كما توقف الدم في عروق الجنود حد التخثر ، لم يكن ثمة انفجار .

    و كمن يفتعل اليقين تفقد الجنود أجسادهم ، لم تكن مصابة بعد أن ظنوا أن كفن الموت أحيك بقنبلته ، انطلقوا كبرابرة و ألقوا القبض على عبد الرحيم الذي وقف كجبل لا يهزه زئير ضيغم ، و بدؤوا بضربه و استجوابه ، و عندما أعياه الضرب و أصبح كجناح نورس أصفر شاحب ، قرر الاعتراف .. لم يكن ما ألقاه قنبلة …!!

    قال عبد الرحيم :أنا سأدلكم أين الفدائيين ..؟

    اقتادوه معهم إلى مكان قريب .. قيدّوه و هم حانقين عليه أكثر ، و سارت معه ثّلة من الجنود و ضابط صغير كغيلان تصارع سراب الريح .

    قادهم عبد الرحيم إلى بيارة قريبة من مدينة خان يونس ، وكأنّ قلبه في ثلاجة ، و تتجعد في وجهه كل الأماني الزاهيات بقتلهم ولو بحبة الباذنجان ، و أشار إلى تلة و هو يلمح بعينه نصل سيف صدئ يذبح أوردته ،
    قائلاً : هناك الفدائيون .

    تصادف أن تحرك شخص على ذاك السفح كشبح ، و عندما لاحظ الجنود أسرع كنحلة ، و دخل كهفاً و أرهق كبد ابتسامة علت على وجه الضابط الصغير ، و سرعان ما خرج شخص أخر .. و انطلقا مسرعين باتجاه السفح الأخر للتل و غابا هناك كشمس و هي تنغرس بحضن البحر .

    أيقن الجنود أن الفدائيين متواجدون هناك …

    تحركوا كجنون قطط في شارع مليء بالنفايات ، و كان ضابطهم الصغير منفعل كمايسترو يأمر ببدء حفل ماجن ، فازدادت طاقة العازفين ، و طلبوا تعزيزات و قوات إضافية ، فاستعصى على عبد الرحيم فهم ما يحصل .

    وصلت التعزيزات بضوضاء كبيرة ، و أحكمت الطوق على التل و كأنهم يتتبعون خطوات مخلوق غريب ؛ و قشعريرة الخوف تغتال شجاعتهم ، و سرعان ما حضرت إلى المكان طائرات مروحية ، و قامت بإنزال وحدات على قمة التل ، لتسترد انتكاسات نبض قلوبهم ، و انتشر الجنود يطلقون النار في كل اتجاه كإعصار ، و تم القبض على شخصين تتراقص صورهما الباهتة على وقع تعب محروم من لذة معرفة ما يجري ، أحضروهما و بدؤوا بضربهما .

    تقدم أحدهم من عبد الرحيم وقال له : ألم نتفق على عدم الاعتراف أيها الخائن .
    لم يدر عبد الرحيم بماذا يجيب … و تحول وجهه إلى شيخٍ مهزوم كنجمة على صدر ليل أسود بهيم ؛ و مشلول النزف و الهديل .
    احتار الجنود بأمرهم .. ليس لديهم سلاحاً .. أو قنابل .. وما ألقاه عبد الرحيم كان حبّة باذنجان ..
    اقتادوهم .. و تم اعتقال ذويهم بتهمة ترك مجانين دون رعاية .
    * قلعة برقوق
  • محمد عزوز
    عضو الملتقى
    • 30-03-2010
    • 150

    #2
    الأخ القاص حسام زيدان
    نجحت إذ دفعتنا للمتابعة
    فأول مايشد عنوانك ، وأنا ممن يفضلون العنوان اللافت
    ثم مطلعك الذي يقدم خبرتك في صناعة الكلمة وبناء النص
    وبعد ذلك تشدك الحكاية التي عايشناها منذ صغرنا
    إنما هذه المرة بشكل ونمط فيه جدة ..
    لك تقديري وتحيتي
    ومودتي الخالصة

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      الزّميل القدير : حسام زيدان ..
      نصّ مقتطفٌ من شجرةٍ فلسطينيّة الجذر ..
      فأتى بكلّ ماتحمله قلوب أبطال الوطن السّليب من طهرٍ ، ووطنيّةٍ ، وتعلّق بتراب الأرض حتى الرّمق الأخير ...
      وتبقى حبّة الباذنجان هذه ، شاهدة على نبض الأحرار ..وحلمهم الكبير في القضاء على المحتلّ البغيض ،على بساطتهم ، وعفويّتهم في التّعبير ...
      سلمتْ يداك أخي حسام ..
      استطاع قلمك وببراعةٍ أن يأخذنا إلى هناك ...حيث يبوح كلّ شيء بحبّ الوطن ، ويقدّس حتى الجزيئات الصّغيرة من ثراه ....
      ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      يعمل...
      X