استنطاق المسكوت عنه
[align=center]
تعكسُ روايةُ ترمي بشرر للكاتب عبده خال «منشورات دار الجمل، بغداد – بيروت، 2009» الفائزة بجائزةالبوكر العربية» في دورتها الثالثة 2010 المتغيراتِ الهائلةَ في بنية المجتمعالفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وتأثيراتها على مسار حياة النّاس بمختلف طبقاته،وفئاته، ويبدأ النَّص بالإهداء الذي جاء باسم طارق فاضل، لإيهام القارئ بأنّالسّارد هو هذه الشخصية وليس كاتب النّص في استخدامه للضمير الأول، المتكلم «أنا»
وتنقسم الروايةإلى أجزاءٍ مُعنْوَنةٍ، الجزء الأول معنون بـ «عتبة أولى» ويحتل 263صفحة والثانيبـ»عتبة ثانية» ويحتل 114 صفحة، والثالث بـ»البرزخ» في 14 صفحة، إضافة إلى ملحق عن بغايا القصر سُمي بـ «نساء» القصر في 15 صفحة ثم مجموعة من الأحداث العابرة في ستصفحات.
هذه الرّواية تعرضُ أحداثاً كثيرة، وأفكاراً متعددة، وعلاقات اجتماعية متنوّعة، تُبنى على الجوارالجغرافي، وعلى المصادفة الزمنية لشخصياتٍ هذا العمل الفنّي، وعلى المصالح المختلفة «حبّ وعشق، انتقام وكراهية، أسرية وعدائية». تتميّز الرواية بثراءٍ الأفكار،والشخصيات، لا يمكن إظهار كلّ ما فيها، ولا تأويل أحداثها الفنية كلّها في قراءةعرضية هكذا، فإبراز أوجه فيها سيأتي على حساب جوانب أخرى.
العتبة الأولى: بوحٌ لا يقيّده رقيبٌ، أو يسدُّه حاجز، يكشفُ أحوال الحارة، وتشييد القصر، يتحدّثطارق فاضل عن حارته «الحفرة» أو «جهنم»، وعن القصر الجديد الذي يحجب وراءه المدى البحري- الفاصل بين عالَم ساكني الحفرة وبين صفحة البحر المتحرّرة من القيود- وعنعالم القصر المهيب بأضوائه المستعصية على العدّ وخدمه وحرّاسه وسياراته الفارهة،فيطلق أهل الحارة على القصر تسمية الجنة، والوحيد الذي تمكّن من دخول القصر عيسىالرديني، مكافأة له على الخدمة التي قدّمها للسيد الكبير، إنقاذ ابنه الذي يتسلَّمفيما بعد زمام الأمور في القصر من الغرق، ويتحوّل عيسى إلى جسرٍ لإدخال الكثيرينإلى الجنة، حباً لهم أو انتقاماً، لا فرق، منهم قائد يخت وخادم وحارس ومربٍ للكلاب،ويُدخِل طارق فاضل، سارد النّص.
بناءُ القصرالجديد يغيّر وجهَ الحياة في جغرافية المكان، ويُصبِح علامةً فارقة في حياةالمنطقة، زمانياً، حيثُ به تُؤرَّخُ الحوادثُ، ومكانياً، كونه يسطو على المساحاتالمجاورة، وتمتدُّ أجنحته في عمق البحر، ملقياً ظلاله على الناس والأشياء «كانالقصر علامة فاصلة في حياتنا، بل تاريخاً يتداوله كبار السّن فيقولون عن أي حادثحدثت قبل بناء القصر، أو بعد بناء القصر.»ص88 . هذا التغير العمراني ولّدَ معه تناقضاتٍ مثيرةً: «القصر، الحارة؛ أضواء لامعة، عتمة مخيّمة؛ الجنة، النار؛ السّيد،العبيد؛ المال والجاه والثراء، الفقر والمهمّشين؛ مضاربات في سوق الأسهم، خساراتومجانين؛ حبّ لا يتحقق، اغتصاب يعقبُه القتل، ...إلخ.
العتبةالثّانية: يغوصُ الكاتب في هذا القسم إلى أعماق شخصيات الرواية، مبيّناً أحوالها،سواء تلك التي دخلت القصر أم لم تدخل، أكان قبل دخولها القصر، أو بعده، والتحولاتالمرافقة لها أثناء قيامها بالعمل الموكل لها في القصر، كعيسى الرديني، وأسامة،وطارق فاضل، ومرام، إضافة إلى الحديث عمّا يجلب المتعة للسيد، وكأنَّ العتبةَالثانية كشفٌ لأبعاد الشّخصية التي تنتقل من الجهنم إلى الجنة، وكشفٌ للانحرافِالذي يصيبها بعد السقوط، فخارجُ القصرِ يأمل بالدّخول إليه، عكس ما يريده الدّاخل الذي لا يتوقفُ عن السقوط المتوالي، من متعةٍ إلى عتمةٍ، ومنها إلى سقوطٍ جديد «معكل سقوط ممتع عتمة جديدة، ليتوالى السقوط، اللذة هي الفجوة التي تركتها الحياةمتسعة كي تسربنا خارجها.»ص95 . هذه الحالة التي تطغى على حياة الدّاخلين يجهلها أهلالحارة الساعين والباحثين عن سبيلٍ يوصلّهم إلى القصر، الذي يرمزُ إلى السلطةوالجاه، مقلّبين أوجه الاحتمالات الواصلة إليه بعد فشلهم من عدِّ الأضواء ليلاً. «فالسقوط هو القانون الأزلي» كما يبدو لمَن يعيش هناك، وأثناء مراحل السقوط «هناكتدرّج يُقاس بالمعيار الزمني قبل أن تعرف نتيجة السقوط»ص44
فالسقوط إلى الهاوية، أحد العناصر الكاشفة لتحولات الشخصية، ورادعٌ يقيّدها من التراجع، فتتحوّل إلى أداةٍ لا حول لها ولا قوة، يستخدمُها السّيد في المجال الذي يناسبه، ولا يفرقُ الأمر للقادمِ، الخادم الجديد، فالعبوديّة تفرضُ على العبدِ إنجاز مهامه دون تذمّر،أو رفض، وأي موقفٍ يشير إلى عدم قبوله للواقع، أو للمهام الموكلة إليه سيكون ضربة قاضية له، ولبقائه في القصر، حيثُ ينتظره الطّردُ بعد تحطيمه وجرده من إنسانيته،لذا فالعبودية لها مستوىً واحد، يتساوى فيها الجميع، كلّ الاتجاهات داخل القصر تؤدّي إلى السقوط، والذّل، والإهانة، والنجاسة، والدّمار، والعبودية. «فكل الاتجاهات تشير للعبودية التي فرضها سيد القصر...»ص22. كما أنَّ العبودية ليست مقيدة بزمنٍ معيّن، فّإذا كانت «الاتجاهات» كدلالة مكانية تشير إلى العبودية،فالزمان هو الحاضن لها، وفيهما يمارس السّيد رغبتَه في سحق البشر ليبقى سيداً «زمن العبودية لن ينتهي، هو زمن زئبقي، يتخفى في ملابس وهيئات مختلفة.. القوة لا تضع لشهوتها سقفاً محدداً، تغدو شهوات السادة جسورة مترامية الأطراف، شعارها: اسحق لتبقَ سيداً.»ص269
هذه الأحوال المتدرّجة في تدمير الإنسان داخل القصر تُحوِّلُ الإنسانَ إلى وحشٍ مفترسٍ، يفقدُنوازعه الإنسانية، فيستغلّه السَّيد أداةً في تحطيم خصومه، فيرغبُ في النّجاة، لكنهيهات «أظن أن أهل حيّنا مازالوا يوسوسون بأحلامنا القديمة ويقلبون احتمالاتالسؤال: كيف السبيل لدخول القصر؟ بينما نحن «الذين بالداخل» نحصي الأيام للخروج منه»ص23.
هذه التحولات في الشخصية تتوضّح في الجزء الثاني من الرواية، فتصل إلى مرحلة لم تعُد لديه رغبة فيشيءٍ، فالقصرُ في حدّ ذاته جنةٌ لسيّده، وجهنّم لعبيده، فقسمةُ القصرِ بسكانه،وحرّاسه، وسلطته، وأمواله، قسمةٌ ضيزى، كما كان بحر جدة «يقسم قسمة ضيزى»ص52، لأنّداخل القصر ليس هناك حدود للمفاهيم والقيم، كونهما مرسومين وفق مقاس مزاج السّيد،والقسمة قسمة ضيزى بين السّيد وأتباعه و بين المهشّمين المهمَّشين الذين لااختيارات لديهم «الاختيارات تكون متساوية عندما لا ترغب في شيء.»ص315
الملامح الفنيّة:
الملمح الفني الأول: من أبرز الملامح الفنية التي أجاد الكاتبُ فيها السّرد الرّوائي، فاعتماد الكاتب على التداعي الحرّ «تيار الوعي» في سرده للأحداث فتح أمامه المجال واسعاً ليتنقّلَ بين الأحداث والشخصيات، وينسج العلاقات فيما بينها، ويمنحها حرية الحركةوالحكي، كما ساعد هذا الأسلوبُ السّرديُّ الكاتبَ على كسر القوالب الزمنية، قافزاًإلى سرد الحوادث الصغيرة والكبيرة، متنقلاً بين الماضي والحاضر بسهولة، وسهّلَ هذاالأمر للكاتب في تقسيم الرواية إلى فصولٍ.
الملح الثّاني يتعلّق بزمنية السّرد: فالزّمن الذي تبدأ فيه الرواية، هو الزّمن الحاضر، يسردُالرّاوي أحداثاً حصلَتْ في الزّمن الماضي، فهناك زمنان، زمن الحدث الواقع، وزمنالتداعي الحرّ، فالمكانُ وفق هذا المنطق الزّمني ثابتٌ لحظة السّرد، ويبقى تيارالوعي هو المتنقّل بين أزمنة مختلفة، مرتبطة بأمكنةٍ أخرى غير المكان الثابت هذا،وبالتّالي فالأحداث لا يربطها تسلسلٌ زمنيٌّ، مما يجعل القارئ «المتلقي الافتراضي» في مهبِّ التَّشظي الزّمني، مستغرقاً في عملية الخلق الفنّيّ، كأداةٍ روائية تفتح الأبواب المغلقة، وتستنطق حالة المسكوت عنه اجتماعياً في المجتمع المعاصر، وكشف مايجري في القاع المظلم، متجاوزاً كل الأسوار والحصن السياسية والجنسية، ليظهر ما كانحبيس الأنفس لسنواتٍ طوال.
الملمح الفني الثالث يتعلق بقدرة الكاتب على استخدام العناصر الروائية ليقول ما يريد إيصالهللقارئ. عبده خال بلغت جرأته أعلى المستويات في كشف المحظور الاجتماعي، الفاسد الذيتراكم احتقانه على مرّ السنين، وكشف المخبوء الصامت تحت وسادة المجتمع، المحافظ المحاط بسورٍ كاتم، الذي يساهم في إبقاء الفساد الاجتماعي والسياسي مستوراً، لايتناوله الحديث؛ ومؤخراً بدأت الرواية الخليجية في تناول القاع الاجتماعي المحظور دائماً، والإفصاح عن خبايا التفاصيل السجن الاجتماعي كرواية «ملامح، ولم أعد أبكي،ونساء عند خط الاستواء» لزينب خفي، واختلاس لهاني نقشبندي، ومفارق العتمة لمحمدالمزيني، والقارورة، والحمام لا يطير في بريدة ليوسف المحيميد، وبلغت مؤخراًتتويجها برواية «ترمي بشرر» لعبده خال التي كانت رواية «فسوق» تمهيداً لها. وهنايكسر الكاتب وقار الكتابة، ودبلوماسيتها، متعمقاً إلى أعماق المجتمع السحيقة، ساعدهفي ذلك إطلاق الكاتب لتداعي الحر لأفكاره، فيسرد ما لا يمكن لأحد التجرؤ به حتى معنفسه، والدخول في مكاشفاتٍ جريئة لأحداثٍ مأساوية تدمّر إنسانية الإنسان، وتجرّدهمن كلّ القيم الأخلاقية والاجتماعية.
هفوات الرواية:
تحفل الرواية بهفوات كثيرة، تُسجَّل عليها، أوّلها الأخطاء الكتابية الكثيرة فيها «نحْوية،وإملائية، وربما مطبعية» وهذه الأخطاء من السّهولة تفاديها، وتصحيحها، فورودها فيرواية تفوز على أكثر الجوائز الروائية أهمية في العالم العربي أمرٌ يستحقُّ الوقوفعنده، وهذا ليس تقليلاً من شأن هذه الرواية التي حازت على إجماع أعضاء لجنةالتّحكيم.
والخطأ الفنّيُّ الآخر يتعلّق بورود اسم زوج أم الشخصية المحورية في الرواية باسمين مختلفين، وكأنَّ السارد قد سَهَا عن اسمه الأول فأطلق اسماً ثانياً عليه، فقد ورد في ص108 باسم جمالالمهندس، فيصبح في ص233 غيث المهند، وهذا الخطأ التقني يُسجّلُ على الرواية.
وفي القسمالأخير من العمل الفنّي المسمّى بالبرزخ ليس هناك دواعٍ فنيّة لذكر أسماء نساءالقصر، الفنية والحقيقية، فحذفُ تلك الأسماء لا يقلّل من قيمة العمل، وذكرُها لايزيد شيئاً للرواية، فهي حشو، وثقلٌ للبرزخ الرازح تحت عناوين ولقطات صحفية كثيرة.
وأخيراً،الرّواية تعاني من التّكرار؛ تكرار المعلومات المصاغة بتراكيب مختلفة، تكرار الوصف،والعبارات، ومهمات الأشخاص، لكن عزاء هذا التّكرار أنّه جاء من استخدام الكاتبلأسلوب التداعي الحرّ في سرد الأحداث «تيار الوعي»، هذا ما ترك للشخصيات مساحةًأوسع لتعبّر عن حالها، وتكشف عن معاناتها المكبوتة لسنوات، فالتّكرار في الرّواية سمةٌ تبعث على الملل، وتقتل تشويق الملاحقة للأحداث.
[/align]العتبة الأولى: بوحٌ لا يقيّده رقيبٌ، أو يسدُّه حاجز، يكشفُ أحوال الحارة، وتشييد القصر، يتحدّثطارق فاضل عن حارته «الحفرة» أو «جهنم»، وعن القصر الجديد الذي يحجب وراءه المدى البحري- الفاصل بين عالَم ساكني الحفرة وبين صفحة البحر المتحرّرة من القيود- وعنعالم القصر المهيب بأضوائه المستعصية على العدّ وخدمه وحرّاسه وسياراته الفارهة،فيطلق أهل الحارة على القصر تسمية الجنة، والوحيد الذي تمكّن من دخول القصر عيسىالرديني، مكافأة له على الخدمة التي قدّمها للسيد الكبير، إنقاذ ابنه الذي يتسلَّمفيما بعد زمام الأمور في القصر من الغرق، ويتحوّل عيسى إلى جسرٍ لإدخال الكثيرينإلى الجنة، حباً لهم أو انتقاماً، لا فرق، منهم قائد يخت وخادم وحارس ومربٍ للكلاب،ويُدخِل طارق فاضل، سارد النّص.
بناءُ القصرالجديد يغيّر وجهَ الحياة في جغرافية المكان، ويُصبِح علامةً فارقة في حياةالمنطقة، زمانياً، حيثُ به تُؤرَّخُ الحوادثُ، ومكانياً، كونه يسطو على المساحاتالمجاورة، وتمتدُّ أجنحته في عمق البحر، ملقياً ظلاله على الناس والأشياء «كانالقصر علامة فاصلة في حياتنا، بل تاريخاً يتداوله كبار السّن فيقولون عن أي حادثحدثت قبل بناء القصر، أو بعد بناء القصر.»ص88 . هذا التغير العمراني ولّدَ معه تناقضاتٍ مثيرةً: «القصر، الحارة؛ أضواء لامعة، عتمة مخيّمة؛ الجنة، النار؛ السّيد،العبيد؛ المال والجاه والثراء، الفقر والمهمّشين؛ مضاربات في سوق الأسهم، خساراتومجانين؛ حبّ لا يتحقق، اغتصاب يعقبُه القتل، ...إلخ.
العتبةالثّانية: يغوصُ الكاتب في هذا القسم إلى أعماق شخصيات الرواية، مبيّناً أحوالها،سواء تلك التي دخلت القصر أم لم تدخل، أكان قبل دخولها القصر، أو بعده، والتحولاتالمرافقة لها أثناء قيامها بالعمل الموكل لها في القصر، كعيسى الرديني، وأسامة،وطارق فاضل، ومرام، إضافة إلى الحديث عمّا يجلب المتعة للسيد، وكأنَّ العتبةَالثانية كشفٌ لأبعاد الشّخصية التي تنتقل من الجهنم إلى الجنة، وكشفٌ للانحرافِالذي يصيبها بعد السقوط، فخارجُ القصرِ يأمل بالدّخول إليه، عكس ما يريده الدّاخل الذي لا يتوقفُ عن السقوط المتوالي، من متعةٍ إلى عتمةٍ، ومنها إلى سقوطٍ جديد «معكل سقوط ممتع عتمة جديدة، ليتوالى السقوط، اللذة هي الفجوة التي تركتها الحياةمتسعة كي تسربنا خارجها.»ص95 . هذه الحالة التي تطغى على حياة الدّاخلين يجهلها أهلالحارة الساعين والباحثين عن سبيلٍ يوصلّهم إلى القصر، الذي يرمزُ إلى السلطةوالجاه، مقلّبين أوجه الاحتمالات الواصلة إليه بعد فشلهم من عدِّ الأضواء ليلاً. «فالسقوط هو القانون الأزلي» كما يبدو لمَن يعيش هناك، وأثناء مراحل السقوط «هناكتدرّج يُقاس بالمعيار الزمني قبل أن تعرف نتيجة السقوط»ص44
فالسقوط إلى الهاوية، أحد العناصر الكاشفة لتحولات الشخصية، ورادعٌ يقيّدها من التراجع، فتتحوّل إلى أداةٍ لا حول لها ولا قوة، يستخدمُها السّيد في المجال الذي يناسبه، ولا يفرقُ الأمر للقادمِ، الخادم الجديد، فالعبوديّة تفرضُ على العبدِ إنجاز مهامه دون تذمّر،أو رفض، وأي موقفٍ يشير إلى عدم قبوله للواقع، أو للمهام الموكلة إليه سيكون ضربة قاضية له، ولبقائه في القصر، حيثُ ينتظره الطّردُ بعد تحطيمه وجرده من إنسانيته،لذا فالعبودية لها مستوىً واحد، يتساوى فيها الجميع، كلّ الاتجاهات داخل القصر تؤدّي إلى السقوط، والذّل، والإهانة، والنجاسة، والدّمار، والعبودية. «فكل الاتجاهات تشير للعبودية التي فرضها سيد القصر...»ص22. كما أنَّ العبودية ليست مقيدة بزمنٍ معيّن، فّإذا كانت «الاتجاهات» كدلالة مكانية تشير إلى العبودية،فالزمان هو الحاضن لها، وفيهما يمارس السّيد رغبتَه في سحق البشر ليبقى سيداً «زمن العبودية لن ينتهي، هو زمن زئبقي، يتخفى في ملابس وهيئات مختلفة.. القوة لا تضع لشهوتها سقفاً محدداً، تغدو شهوات السادة جسورة مترامية الأطراف، شعارها: اسحق لتبقَ سيداً.»ص269
هذه الأحوال المتدرّجة في تدمير الإنسان داخل القصر تُحوِّلُ الإنسانَ إلى وحشٍ مفترسٍ، يفقدُنوازعه الإنسانية، فيستغلّه السَّيد أداةً في تحطيم خصومه، فيرغبُ في النّجاة، لكنهيهات «أظن أن أهل حيّنا مازالوا يوسوسون بأحلامنا القديمة ويقلبون احتمالاتالسؤال: كيف السبيل لدخول القصر؟ بينما نحن «الذين بالداخل» نحصي الأيام للخروج منه»ص23.
هذه التحولات في الشخصية تتوضّح في الجزء الثاني من الرواية، فتصل إلى مرحلة لم تعُد لديه رغبة فيشيءٍ، فالقصرُ في حدّ ذاته جنةٌ لسيّده، وجهنّم لعبيده، فقسمةُ القصرِ بسكانه،وحرّاسه، وسلطته، وأمواله، قسمةٌ ضيزى، كما كان بحر جدة «يقسم قسمة ضيزى»ص52، لأنّداخل القصر ليس هناك حدود للمفاهيم والقيم، كونهما مرسومين وفق مقاس مزاج السّيد،والقسمة قسمة ضيزى بين السّيد وأتباعه و بين المهشّمين المهمَّشين الذين لااختيارات لديهم «الاختيارات تكون متساوية عندما لا ترغب في شيء.»ص315
الملامح الفنيّة:
الملمح الفني الأول: من أبرز الملامح الفنية التي أجاد الكاتبُ فيها السّرد الرّوائي، فاعتماد الكاتب على التداعي الحرّ «تيار الوعي» في سرده للأحداث فتح أمامه المجال واسعاً ليتنقّلَ بين الأحداث والشخصيات، وينسج العلاقات فيما بينها، ويمنحها حرية الحركةوالحكي، كما ساعد هذا الأسلوبُ السّرديُّ الكاتبَ على كسر القوالب الزمنية، قافزاًإلى سرد الحوادث الصغيرة والكبيرة، متنقلاً بين الماضي والحاضر بسهولة، وسهّلَ هذاالأمر للكاتب في تقسيم الرواية إلى فصولٍ.
الملح الثّاني يتعلّق بزمنية السّرد: فالزّمن الذي تبدأ فيه الرواية، هو الزّمن الحاضر، يسردُالرّاوي أحداثاً حصلَتْ في الزّمن الماضي، فهناك زمنان، زمن الحدث الواقع، وزمنالتداعي الحرّ، فالمكانُ وفق هذا المنطق الزّمني ثابتٌ لحظة السّرد، ويبقى تيارالوعي هو المتنقّل بين أزمنة مختلفة، مرتبطة بأمكنةٍ أخرى غير المكان الثابت هذا،وبالتّالي فالأحداث لا يربطها تسلسلٌ زمنيٌّ، مما يجعل القارئ «المتلقي الافتراضي» في مهبِّ التَّشظي الزّمني، مستغرقاً في عملية الخلق الفنّيّ، كأداةٍ روائية تفتح الأبواب المغلقة، وتستنطق حالة المسكوت عنه اجتماعياً في المجتمع المعاصر، وكشف مايجري في القاع المظلم، متجاوزاً كل الأسوار والحصن السياسية والجنسية، ليظهر ما كانحبيس الأنفس لسنواتٍ طوال.
الملمح الفني الثالث يتعلق بقدرة الكاتب على استخدام العناصر الروائية ليقول ما يريد إيصالهللقارئ. عبده خال بلغت جرأته أعلى المستويات في كشف المحظور الاجتماعي، الفاسد الذيتراكم احتقانه على مرّ السنين، وكشف المخبوء الصامت تحت وسادة المجتمع، المحافظ المحاط بسورٍ كاتم، الذي يساهم في إبقاء الفساد الاجتماعي والسياسي مستوراً، لايتناوله الحديث؛ ومؤخراً بدأت الرواية الخليجية في تناول القاع الاجتماعي المحظور دائماً، والإفصاح عن خبايا التفاصيل السجن الاجتماعي كرواية «ملامح، ولم أعد أبكي،ونساء عند خط الاستواء» لزينب خفي، واختلاس لهاني نقشبندي، ومفارق العتمة لمحمدالمزيني، والقارورة، والحمام لا يطير في بريدة ليوسف المحيميد، وبلغت مؤخراًتتويجها برواية «ترمي بشرر» لعبده خال التي كانت رواية «فسوق» تمهيداً لها. وهنايكسر الكاتب وقار الكتابة، ودبلوماسيتها، متعمقاً إلى أعماق المجتمع السحيقة، ساعدهفي ذلك إطلاق الكاتب لتداعي الحر لأفكاره، فيسرد ما لا يمكن لأحد التجرؤ به حتى معنفسه، والدخول في مكاشفاتٍ جريئة لأحداثٍ مأساوية تدمّر إنسانية الإنسان، وتجرّدهمن كلّ القيم الأخلاقية والاجتماعية.
هفوات الرواية:
تحفل الرواية بهفوات كثيرة، تُسجَّل عليها، أوّلها الأخطاء الكتابية الكثيرة فيها «نحْوية،وإملائية، وربما مطبعية» وهذه الأخطاء من السّهولة تفاديها، وتصحيحها، فورودها فيرواية تفوز على أكثر الجوائز الروائية أهمية في العالم العربي أمرٌ يستحقُّ الوقوفعنده، وهذا ليس تقليلاً من شأن هذه الرواية التي حازت على إجماع أعضاء لجنةالتّحكيم.
والخطأ الفنّيُّ الآخر يتعلّق بورود اسم زوج أم الشخصية المحورية في الرواية باسمين مختلفين، وكأنَّ السارد قد سَهَا عن اسمه الأول فأطلق اسماً ثانياً عليه، فقد ورد في ص108 باسم جمالالمهندس، فيصبح في ص233 غيث المهند، وهذا الخطأ التقني يُسجّلُ على الرواية.
وفي القسمالأخير من العمل الفنّي المسمّى بالبرزخ ليس هناك دواعٍ فنيّة لذكر أسماء نساءالقصر، الفنية والحقيقية، فحذفُ تلك الأسماء لا يقلّل من قيمة العمل، وذكرُها لايزيد شيئاً للرواية، فهي حشو، وثقلٌ للبرزخ الرازح تحت عناوين ولقطات صحفية كثيرة.
وأخيراً،الرّواية تعاني من التّكرار؛ تكرار المعلومات المصاغة بتراكيب مختلفة، تكرار الوصف،والعبارات، ومهمات الأشخاص، لكن عزاء هذا التّكرار أنّه جاء من استخدام الكاتبلأسلوب التداعي الحرّ في سرد الأحداث «تيار الوعي»، هذا ما ترك للشخصيات مساحةًأوسع لتعبّر عن حالها، وتكشف عن معاناتها المكبوتة لسنوات، فالتّكرار في الرّواية سمةٌ تبعث على الملل، وتقتل تشويق الملاحقة للأحداث.
27/7/2010 م