إشاعة مزعجة - ق ق - نزار ب. الزين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار ب. الزين
    أديب وكاتب
    • 14-10-2007
    • 641

    إشاعة مزعجة - ق ق - نزار ب. الزين

    إشاعة مزعجة
    قصة قصيرة
    نزار ب. الزين*
    *****
    بعد سهرة طويلة في بيت رئيس مخفر قرية الغدير ، ترك الأستاذ مروان المضافة في طريقه إلى سكنه في المدرسة ، و في يده عصا ، يهش بها الكلاب الضالة إذا صادفته ، و بيده الأخرى ضوء بطارية ( فلاش ) ، كان يضيئه من حين لآخر تجنبا للتعثر بالحجارة التي كانت تملأ الطريق .
    كانت تلك هي المرة الأولى التي يتأخر فيها مروان حتى انتصاف الليل ، أما السماء فكانت صافية و الهواء عليلا ، إلا أن القمر كان في أواخر أيامه فلن يظهر قبل الفجر ، و لكن أضواء النجوم كانت كافية لتريه طريقه بمعاونة ضوء البطارية ..
    كان يصفر لحنا جميلا عندما لفت نظره ، حيوان ما ، يتعقبه ...
    وجه الضوء نحوه فلمعت عيناه ، و لكنه لم يميزه ..
    أما الحيوان فقد كف عن اللحاق به ، لربما أزعجه الضوء ...
    " ترى هل هو كلب ضال ؟؟ "
    " أم ترى هو ذئب يبحث عن فريسة ؟! "
    ارتعدت فرائصه لمجرد الفكرة
    و بدأ يسمع ضربات قلبه و كأنها طبل أفريقي يعلن النفير !
    " لقد انتهيت يا مروان "
    " آخرتك بين فكي حيوان مفترس ، يا مروان !! "
    أخذ يهمس إلى ذاته و قد بدأ يشعر بشلل الرهبة .. ، و لكنه تجلد و استمر يغذ السير ..
    " لا زلت في منتصف الطريق ، يا مروان "
    " الله يرحمك يا مروان "
    و لكنه تجلد و استمر يغذ السير ...
    و من حين لآخر كان يلتفت نحو رفيقه المرعب ..
    يسلط الضوء نحوه ، تلمع عيناه ، يكف عن اللحاق به لفترة وجيزة ، ثم يتابع ..
    يسمع الآن لهاثه ..
    " لقد اقترب اللعين .... "
    يرفع مروان عقيرته بالغناء ... فيخرج صوته متحشرجاً ..
    يشعر أن الحيوان أصبح وراءه مباشرة الآن ..
    يلتفت مسلطا الضوء عليه ..
    يا للهول إنه ضبع ..
    يعرفه من ظهره المائل ..
    " رأيت الضبع ( الذي أكل بياع الحلاوة) ، في أحد الأعياد ، عندما كنت طفلا يا مروان ."
    " رأيت صورته في عدة كتب يا مروان .."
    " الله يرحمك يا مروان "
    يكاد يسقط ...
    يتجلد ..
    يجر قدميه ..
    و لكن الضبع يبتعد عنه قليلا نحو اليمين ..
    ربما أزعجه الضوء !
    أخذ مروان يصرخ ، ملتفتا نحو القرية خلفه:
    " وين راحوا . وين راحوا...وين راحوا النشامى "
    " يا أبو عدنان ... يا أبو فيصل .. يا أبو شهاب !!!! "
    و لكن الضبع لا زال يرافقه ..
    يسلط عليه الضوء من جديد ..
    يبتعد الحيوان أكثر ..
    يعاود الغناء بأعلى ما أوتي من صوت ، يخرج صوته متحشرجا أكثر من قبل...
    ثم يعاود الإستنجاد بأعلى ما أوتي من صوت الذي لا يزال يخرج متحشرجا :
    " وين راحوا .. وين راحوا...وين راحوا النشامى "
    " يا أبو عدنان ... يا أبو فيصل .. يا أبو شهاب .. يا أبو هايل !!!
    و لكن بلا طائل فكل الناس- الساعةَ - نيام ...
    يتجلد ثم يستمر يغذ السير ...
    فجأة يلمح بناء المدرسة ...
    " لقد اقتربت من طوق النجاة يا مروان "
    " تجلد يا مروان "
    " إنها بضعة أمتار يا مروان "
    يسلط الضوء نحو اليمين
    " لا زال اللعين يرافقني "
    يقترب من المدرسة ، يجري ، يخرج المفتاح من جيبه سرواله المبلل بيد مرتعشة ، يصعد الدرجات الثلاث قفزا فيتعثر ، ينهض بسرعة ، يفتح باب غرفته ، يدخل و هو يلهث ، و طبول قلبه لا زالت تدق ايقاع الخطر ، يقفل الباب ؛ يجر الطاولة وراء الباب ... ثم يتهالك فوق سريره ، و هو يهمس إلى ذاته :
    " لقد نجوت يا مروان ... "
    " كاد الضبع يلتهمك يا مروان ... "
    " و ليمة عشاء فاخرة ، كنتَ ستمسي ، يا مروان "
    " ربما كان سيدعو أم عياله السيدة ضبعة ، و جراءه الجائعين ، أو ربما كان سيجرك إليهم .... يا مروان "
    " الحمد لله على سلامتك .. يا مروان ..."

    *****

    في اليوم التالي ، قص ماجرى له ، على كل من صادفه .
    صدقه البعض و ظن البعض أنه متوهم !
    و بعد انتهاء الدوام المدرسي ، توجه إلى المخفر ، ليحكي لصديقه أبو عدنان - رئيس مخفر الغدير - عن تجربته المرعبة تلك ، و يعاتبه لأنه لم يرسل معه مرافقا ليلة أمس .
    و تصادف وجود أحد وجهاء القرية ، الذي أكد أن مرافق الأستاذ كان بالفعل ضبعا ، و لكنه لم يكن جائعا ، فقد نبش قبر طفلة رضيعة كانت قد دفنت بالأمس ؛ ثم أضاف ضاحكاً :
    - و لولا أنه كان ممتلئاً لكان الأستاذ مروان وجبته ! .


    *****

    انتشرت ، قصة الأستاذ مروان بين أهل قرية الغدير ، ثم تناقلتها الألسن إلى القرى المجاورة ثم إلى مركز المحافظة ، كانوا ينقلونها بصور شتى و بأساليب مختلفة ، حتى تطورت إلى عبارة : (( الضبع ، أكلَ الأستاذ مروان ، معلم مدرسة الغدير))
    و بطريقة ما بلغت القصةُ العاصمة .
    ثم تناولتها إحدى الصحف مُبهَّرةً محوّرة !....


    *****

    بعد بضعة أيام ، فوجئ الأستاذ مروان بحافلة تقف جوار المدرسة ، ثم يترجل منها والده و عمه و شقيقيه و بعض الأقارب !!!
    و ما أن رَأوه حتى هرعوا نحوه يضمونه إلى صدورهم مهنئين بسلامته .
    -------------
    نزار بهاء الدين الزين
    سوري مغترب
    عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
    الموقع :www.FreeArabi.com
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2

    انتشرت ، قصة الأستاذ مروان بين أهل قرية الغدير ، ثم تناقلتها الألسن إلى القرى المجاورة ثم إلى مركز المحافظة ، كانوا ينقلونها بصور شتى و بأساليب مختلفة ، حتى تطورت إلى عبارة : (( الضبع ، أكلَ الأستاذ مروان ، معلم مدرسة الغدير))
    و بطريقة ما بلغت القصةُ العاصمة .
    ثم تناولتها إحدى الصحف مُبهَّرةً محوّرة !....

    نعم..هكذا هي الإشاعات ..تخلق من لا شيئ
    و تنتشر كالنار في الهشيم..
    سررت بقراءة القصة .
    تحيّتي.

    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      الأستاذ القدير : نزار ب .الزين ..
      دائماً تنتقي نصوصك من الواقع ....
      أشياء نلمسها ، نراها ، تحيط بنا ...والإشاعة مزعجة بالفعل ..
      والغريب أنها تسري بسرعة الضّوء ...ويصدّقها الجميع ...على السّمع ، والظنّ ، من غير تحقّق
      وتحتاج فترة طويلة حتى يتمّ إخمادها...
      جميل ما قرأته لك أديبنا الرّائع نزار ...
      ومع أطيب أمنياتي ....تحيّاتي ...

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • نزار ب. الزين
        أديب وكاتب
        • 14-10-2007
        • 641

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
        انتشرت ، قصة الأستاذ مروان بين أهل قرية الغدير ، ثم تناقلتها الألسن إلى القرى المجاورة ثم إلى مركز المحافظة ، كانوا ينقلونها بصور شتى و بأساليب مختلفة ، حتى تطورت إلى عبارة : (( الضبع ، أكلَ الأستاذ مروان ، معلم مدرسة الغدير))
        و بطريقة ما بلغت القصةُ العاصمة .
        ثم تناولتها إحدى الصحف مُبهَّرةً محوّرة !....


        نعم..هكذا هي الإشاعات ..تخلق من لا شيئ
        و تنتشر كالنار في الهشيم..
        سررت بقراءة القصة .
        تحيّتي.


        ************
        أختي الفاضلة آسيا
        أسعدني إعجابك بالقصة
        و تفاعلك مع أحداثها
        فلك من الشكر جزيله
        و من التقدير كثيره
        نزار

        تعليق

        • نزار ب. الزين
          أديب وكاتب
          • 14-10-2007
          • 641

          #5
          [quote=إيمان الدرع;617240]الأستاذ القدير : نزار ب .الزين ..
          دائماً تنتقي نصوصك من الواقع ....
          أشياء نلمسها ، نراها ، تحيط بنا ...والإشاعة مزعجة بالفعل ..
          والغريب أنها تسري بسرعة الضّوء ...ويصدّقها الجميع ...على السّمع ، والظنّ ، من غير تحقّق
          وتحتاج فترة طويلة حتى يتمّ إخمادها...
          جميل ما قرأته لك أديبنا الرّائع نزار ...
          ومع أطيب أمنياتي ....تحيّاتي ...[/quote]
          *****************
          أختي الفاضلة إيمان
          هذا ما يطلق عليه علم النفس ،
          تعبير "سرعة الإستهواء"
          و سرعة الإستهواء من ضمن
          مكونات شخصية الإنسان
          هذا و لا ينجو من شراك الإشاعة
          إلا من بلغ نسبة عالية من الوعي
          ***
          أختي الكريمة
          ثناؤك اللطيف على أسلوب طرحي
          أضاء نصوصي و أدفأني
          فلك الشكر و الود ، بلا حد
          نزار

          تعليق

          • ريما منير عبد الله
            رشــفـة عـطـر
            مدير عام
            • 07-01-2010
            • 2680

            #6
            [align=center]
            تسلسل حدثي رائع وقصة لها افتراضات واقعية
            فكم من الأحداث تبتدأ مجرد واقعة صغيرة لتصبح اسطورة يتناقها التاريخ
            شكرا لك
            قلمك متميز
            وكذلك روحك
            [/align]

            تعليق

            • نزار ب. الزين
              أديب وكاتب
              • 14-10-2007
              • 641

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ريما منير عبد الله مشاهدة المشاركة
              [align=center]
              تسلسل حدثي رائع وقصة لها افتراضات واقعية
              فكم من الأحداث تبتدأ مجرد واقعة صغيرة لتصبح اسطورة يتناقها التاريخ
              شكرا لك
              قلمك متميز
              وكذلك روحك
              [/align]
              ************
              أختي الفاضلة ريما
              صدقت ، فقد تتحول الإشاعة إلى أسطورة
              و قد تكون ضارة بل قاتلة كما حدث
              في قصتي السابقة " إشاعة "
              ***
              أما إعجابك بأسلوب سردي
              فقد أثلج صدري
              و هو شهادة سأظل أعتز بها
              فلك من الشكر جزيله
              و من التقدير غزيره
              نزار

              تعليق

              يعمل...
              X