دوامة التفكير تحلق بي في عوالم بعيدة عن حاضري، رنين الهاتف يعيدني إلى واقعي، حملته متثاقلا: ألو... معك المديرالمسؤول عن مستودعات دارالنشرنبلغك قرارالدار، نرجو سحب جميع نسخ رواياتك بأسرع وقت ممكن، لأنه لا يوجد متسع لها في المستودعات ويمكنك توزيعها بمعرفتك، شكرا.
: اطلب ما تشاء، لكن لا تتطلب مالا.
:لا أريد مالا بل أريد غرفة مكتبك هذه، لتكون بيت الزوجية لأني أريد أن أتزوج.
: ماذا تقول يا ولد !
: لستُ ولدا يا أبي، عمري خمس وعشرون سنة، أنا رجل يا أبي، الزمن مرّ عليك وأنت بين شخوصك الوهمية ومؤلفاتك وأوراقك وكتبك، ولم تدرك أن ابنك صار رجلا، رفعت يدي وصفعته على وجهه :اخرس يا ولد، أتريدني أن أتخلى عن صومعتي الأدبية والفكرية من أجل أن تتزوج، أنت ولد جاهل... ، انصرف من أمامي، أقبلت أمّه وراءه تسانده :متى سنرتاح من كتبك والله لو كان لي ضرتان أهون عليّ من كتبك وأوراقك قد نجد متعة في الصراع عليك، لكنك موجود وغير موجود.
: اغربي عن وجهي الآن أنت وأولادك، أتريدين كنّة لمقارعتها!
كأن الصفعة التي هويت بها على وجهه وأغرقت الدمع في عينيه أعادت إليّ لحظات عمري الذي مرّ، كأن زلزالا أعاد إليّ كينونتي التي تاهت مني، ماذا فعلت؟ ثلاثون عاما وأنا ألهث وراء الشهرة والأدب، حلمي أن أكون كاتبا معروفا مثل طه حسين، نجيب محفوظ أو أو...، لكني مازلت في مكاني، اقتطعت من قوت أولادي حتى أطبع رواياتي على نفقتي، ولفتني أوهام الكبر فلم ألبِ نداء أهلي أو جيراني بجحة أني أنا الكاتب المبدع وهم الجهلة الذين لا يفقهون شيئا، وتقوقعت في صومعتي أحاورأصدقائي الأدباء أجادلهم في أفكارهم أؤيدهم أو أخالفهم أحايينا، أنشغل شهورا وأنا ابحث عن اسم لروايتي،أكثر من مرّة أعيد صياغة روايتي لأن فلانا من الأدباء نجحت روايته لأن السارد كان في صيغة "الأنا" وليس ال"هو"، ليتني ربيت رجالا، أبنائي الذين كبروا أمامي ولم أشعربوجودهم، ولا همّ لي إلا شخوص رواياتي.
انتسبت إلى اتحاد الأدباء، أتعرّف على المشهور منهم أصافحه ويقيني أنه يخاف أن استلب نذرا من شهرته، أجامل هذا وأحاور ذاك وندخل في نقاشات عقيمة في رحى الأدب ولا ينالني منهم سوى غبار الطحن، يجتمعون ويبدأ الغمز واللمز وثرثرات في الزوايا وفوق الطاولات لا معنى لها.
فلان عبقت شهرته الآفاق في كتابه عن معاناة شعب وهو يعيش في قصره، ولم يزرهذا البلد ولو مرة واحدة في حياته، لا أدري كيف يكون هذا؟ وهذه تتلون في معانيها والكلّ يعدّ أقوالها وصايا لقمان، وذاك إذا عطس يعدون رذاذ عطاسه من جوامع الكلم، وتلك تخدش حياء المجتمع حين تكتب سفيه الكلام وتستعرض غرامياتها مع رجال الساسة بحجة الدفاع عن قضايا الوطن ويعتبرون الإبداع ما كتبت، وهذا يكتب عن الغرائبية وبالكاد تفهم ما يريد أن يقول، وذاك يقتنص من فقرات التاريخ من هنا وهناك ليؤلف تاريخا جديدا، ولا يكلف نفسه صياغة جملة واحدة ويزج بكتابه إلى المغمورين من الكتاب ويعدهم بطباعة مؤلفاتهم على نفقة المديرية لأن وساطته فعّالة فيها.
الشعراء كتيباتهم تضاهي في العدد" ألبومات" المطربين ولكن الغناء مكتسح الآذان والكتيبات في أغلفتها لا تقرأ، قد يكون هناك شاعر تصطف معه الكلمات بلا رابط ولا معنى ولاصورة فنية أوإيقاع شعريّ يدخلك في عالم من الطلاسم أوالتفاهات، وهناك شاعر يستلب منك اللّب يوجعك بنداءاته ويوقظ فيك بقايا وجد بصدق مشاعره، ويأخذك إلى عوالم سرمدية براقة من التفاعل الإنساني.
حاولت تقديم رواياتي لتطبع على نفقة المديرية فترفض، أسأل عن سبب الرفض يردّون عليّ: نأسف لاتصلح للنشر، وأسأل لم ؟ لأ ن الجملة الفعلية في الصفحة الستين يجب أن تكون جملة إسمية، ولآنك ذكرت كلمة مؤامرة هنا، أقول لهم :أزيلوا كل المؤامرات، نحن نعيش عالما ورديا :لا يمكن القرار صدر، أهي مافيا الأدب؟ رأيهم أن كتاباتي تقليدية تعاني داء الواقعية، وهل الكتابة وجدت إلا لتطفىء سلوكا سلبيا وتعزز آخرايجابيا، وتبني قيمة أخلاقية وتتابع إصلاح أمراض المجتمع وتغوص عمق الواقعية، وهل الكتابة المبدعة أن أقرأ عملا أدوخ فيه لأيام ثم لا أفهم الفلسفة التي يريد أن يقولها؟ وأكون أنا الغبي وهو العظيم، رأيي أن الأدب مثل تقليعات الموضة كلّ يقرأ ما يناسب رؤاه وهواه؟ يقال أننا أمّة لا تقرأ وإن قرأت لا تقرأ ثري الفكر بل أكثر الكتب قراءة كتب الأحاجي وتفسير الأحلام والطبخ والأبراج، ماذا لو وسعوا كتاب الله تفسيرا وبيانا؟
صحوت صحوة أهل الكهف، في الصباح نزلت إلى الحديقة وناديت أولادي وقلت لهم : أحضروا أكبر برميل إلى الحديقة، وتناوبوا في حمل الكتب تباعا وبدأت المحرقة ورأيت ألق الفرح في عيونهم من خلال بريق اللّهب وكأن أباهم عاد لتوه من غربته الفكريّة إلى عالمهم، سألتني زوجتي لم حرقتها قلت: أحرقُها في حياتي ويسامحونني، لأتهم سوف يحرقونها بعد مماتي، وقد لا يترحمون عليّ، فأولادي مثل كلّّ هذا الجيل لا يرغبون بالقراءة، أخذت النيران تلتهم مؤلفاتي ومؤلفات غيري من الذين أحبهم مثل جبرا وغسان وماركيز وكافكا وو...وكثير ممن أبهرتني إبداعاتهم.
قد يأتي يوم يكون التواصل الفكري بين قاريء وكاتب حقيقة وليس وهما، ولا نكون كلّ يغني على ليلاه، ولم أدرِ أحرقت واقعا مؤلما أم حرقت أحلاما لم أنلها؟ وأخذتني الأفكار للمقارنة بين محرقة" ابن رشد " ومحرقتي حين حُرقت كتبُه لأن فكره مرفوضا، وكيف وصلنا لدرجة من القهر، أن نحرق مداد فكرنا بأيدينا إما بالاحتراق الحقيقي أو بالإهمال لكل فكر وثقافة والاهتمام بالتوافه، والاحتراق الرهيب حين نتخلى عن ثقافتنا وندخل عالم العولمة ونتجاهل أعظم ثقافة عربية إسلامية بحجة التمدن والتحضروالرقي.
عند انتهاء المحرقة قلت لولدي: خذ لي موعدا مع أهل من تحب لأخطبها لك، وغرفة مكتبي لك ولعروسك، ضع فيها ما ترغب من الأثاث وأبدأ حياة جديدة وبارك الله في بيت ينشأ منه بيتا جديدا، وغمرت الفرحة زوجي إذ حرّقتُ شرَّ أعدائها، و لم أر فيها إلا مربية للأولاد وقائمة على شؤون المنزل وقلت لأصغرهم:الحاسوب لك أنزل ما تشاء عليه من ألعاب، رن الهاتف ثانية: متى ستأتي لأخذ رواياتك ياأيها الروائي: بعها لأول بائع ترمس أو تصدق بها عليه أواحرقها، نحن أمّة كتابها بالآلاف وقراؤها بالمئات، وحملت قلمي ليكون آخر المحترقين لكن ولدي الأصغر قال: لا يا أبي ،نحن أمّة "اقرأ" سيأتي يوم على أمتنا تعيد فيه مجدها الذهبي حين نجد من يكتب فكرا قيّما ليُقرأ ويُفهم ولنعيد بناء حضارة عربية إسلامية متوائمة مع متطلبات العصر.
قصة من المجموعة القصصية " حكايا النافذة" التي صدرت في عمان 2010 للكاتبة / فاطمةيوسف عبد الرحيم
تعليق