أزمة مصر إلى أين؟
في محاولة لقراءة سننية تعالج مشكل ثورة المصريين واعتصامهم ضد رئيسهم، وما تحفها من إرهاصات حيث خرج الشعب في تظاهرة مستميتة ثابتة ثبات حقهم في عزل رئيسهم.. وهذا مطلب رئيس وحق مكفول بالشريعة الإسلامية التي تجعل أمور الناس شورى بينهم.
لكن من ألف الاستعلاء اللبرالي، والغطرسة والكبرياء، لا يمكنه ان ينظر إلى أسفله حتى يستمع إلى مطالب الشعب. ومن سنن الله سبحانه وتعالى في كونه أنه ربط بين التكبر والاستعلاء، والظلم والتجبر، وما رأيناه في ميدان التحرير من تقتيل بشتى الأساليب إلا خير دليل.
ولا يقصم الظلم إلا دعاء المستغيثين بالقدير، القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. غفل الظالمون سنة الله وعضوا على السلطة النواجد وما ظن أحدهم بنهاية مطاف غطرسة الملك الجبرية. ولم يلتفتوا لسنة الله في كونه، وهذه عجلة التاريخ ستحصدهم ليبقوا عبرة لمن خلفهم. فهل ستنطبق سنن الله في كونه وقرآنه على واقع الأحداث بمصر؟
فالمتظاهرين الدين ائتلفت صفوفهم من كل فئات الشعب، لم يكونوا خارجين عن القانون بثبات مواقفهم، دون اللجوء إلى الأعمال التخربية. وهذا ما يؤهلهم لنصرة الله القوي العزيز، وفق قوله تعالى:
{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص : 5] وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِوَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص : 6] }
إن منة الله على المستضعفين وعد حق لا مرية فيه، وما هذه الجماهير المتآلفة من مسلمين ونصارى، والمتضامنة بين عناصرها، والمتآخية على هدفها الواحد، لا يمكنها أن تهزم رغم مراوغة المراوغين، وتعليق أمل تفكيك جموعهم على طول الأمد: إنها صحوة ويقظة شعبية تهز العروش وتقض مضجع الظالمين، ومن ورائهم فقهاء السلاطين، الذي استداموا على منع الخروج على الحاكم، واعتبار فاعل ذلك مستباح الدم، كما صوروا هذه المشاهد الربانية في ميدان التحرير من صمود وعناد ضد الغطرسة الحاكم بكونها فتنة تؤججها قنوات فضائية.
إن من باع دينه وخالف تعاليم ربه بالركون للظالمين، لا يجد بديلا، عن تبرير إثم سلطانه؛ لكن الحق لا تتعدد سبله، ولن يخالف سنن ربه في كونه وقرآنه.
فهذه الأحداث التي هزت تونس ومن بعدها مصر وهلم جرا إلى ما حولهما، جاءت لتعلن انتهاء مرحلة زمنية كان الحكام يتسلطون على الشعوب بقوة الحديد والنار؛ وهو ما يبين نهاية الملك الجبرية الذي استمد فيه الحاكم سطوته من قوته، وأخضع له الناس، وجعله ملكا ينتقل لابنه.
نهاية مرحلة الغطرسة بقوة السلاح إلى مرحلة العزة والسؤدد على نهج النبوة كما بشر بذلك الحديث النبوي:
[ تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله - تعالى - ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله - تعالى - ، ثم تكون ملكا عاضا ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله - تعالى - ، ثم تكون ملكا جبرية فيكون ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها الله - تعالى - ، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة . ثم سكت . . ].
الراوي: النعمان بن بشير المحدث: الألباني - المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - الصفحة أو الرقم: 5306خلاصة حكم المحدث إسناده حسن.
ويتساءل المتسائلون أين كانت هذه الإرادات الشعبية العالية من ذي قبل؟ وكيف كانت الهمم تخضع في ذل وانكسار لجبروت الطغيان؟ والجواب جد بسيط هو أن الله جعل لكل أجل كتاب. وظهور هذه الإرادات الشم الراسخات لدليل على نهاية مرحلة الملك الجبرية. وبداية الخلافة على منهاج النبوة.
ومرة أخرى بعد زلزال الشاه بإيران لا تستطيع المخابرات الدولية التكهن بأدنى إشارة لما حدث في كل من تونس، ومصر، وطبعا بين تنجيم المنجمين وكهنوتهم، وبين ما تشير إليه سنن الله الكونية والقرآنية مجالا لاختلاف وتضارب العقل المسدد بالوحي مع العقلانية الحداثية.
ووسط احتقان، تجلى في تصلب من كان رئيسا بمطلبه، وصمود الإرادات الشعبية، وتزايد مطالبها، يتساءل المتسائل ما الحل والحالة هذه؟.
ولا شك فإن إرادة الله لا راد لها، وتجلت في تمكين المستضعفين ونصرتهم وتمكينهم من رقاب الظالمين، والاقتصاص منهم، ليرى الظالمون منهم ما كانوا يحذرون.
وإذا أراد الله أمرا سخر له رجالاته، ولا أشك بتاتا ، في انقضاض الجيش على السلطة لتحقيق رغبات المستضعفين، رغم ما يتداول في أوساط الحكام من انحياز الجيش للظالمين، فقد جاء الدور ليقفز الرجال إلى السطح لإنقاذ ما يمكن انقاذه من براثين غطرسة الاستكبار العالمي، ذي الخطابين الظاهر والباطن. فهل تستطيع الحداثة التكهن بهذا المساررغم ما يتخذ من إجراءات واحتياطات ؟
تلك هي الآفاق المرتقبة فكأني أقرأها من وراء حجاب صفيق. وصدق الله العظيم:
{ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران : 120]
تعليق