حزم أمتعته ، رزم أمواله في حقيبةٍ سوداء ذات أرقامٍ معقّدةٍ .
أقفلتْ زوجه الشّمطاء صندوق المجوهرات المحشورة بصعوبةٍ .
عيناهما تلاقتْ فجأةً ، الرّعب يسكنهما ، ذهولٌ ران على عقارب الزّمن ...
طفقا يجمعان أرشيف صور السّنين ، بأيدٍ مرتجفةٍ ..
أصواتٌ كالموج تعلو خارج القصر ، تندّد ، تتناسل فوجاً بعد فوجٍ ، حتى أطبقتْ على المفارق كلّها ..
أطلّ بجبنٍ يرهف السمع ، متسلّلاً إلى إحدى النّوافذ...ضغط بأصابعه الصفراء على رأسه يعتصره
الأصوات المتعالية تثقب أذنيه :
اخرج يا جبان ..اخرج ...، نريد حقوقنا أيها اللّص ، نريد أن تسلم نفسك للعدالة ، وإعادة المال المسروق الذي ائتمنّاك عليه أيها الخائن ...هيّا...سلّم نفسك ..
كلمات تهدر ...قالها الكبير ، والصّغير ، النّساء ، والرّجال ...
الأصوات ..تقترب ...تقترب ، الباب يُخلع ، الحشود تتدافع من كلّ زوايا القصر ، ونوافذه ، لا سبيل للفرار ..
اختبأتْ زوجه خلف ظهره ،تموء كقطّةٍ موهونة ، هالها وقع ضربات قلبه المضطربة ،كطبولٍ إفريقيّة ....
استسلم صاغراً ، لا مجال للمقاومة ، لقد تساقطتْ كلّ أسلحته ، والحرباء استنفذت كلّ ألوانها ، ومناوراتها ...
تسمّر عند الباب ، لم يصدّق مايرى ...:أبصرها تتقدّمهم ..
أمّي ...حتى أنت يا أمّي معهم ...؟؟؟!!! حتى أنت ...؟؟؟!!!
تقدّمتْ إليه بثيابها البيضاء ، الطّاهرة ، تتوكّأ على أكتاف أولادها :
نعم أنا ....أيّها الابن الضّال ، يا من بعتَ إخوتك ،وأهلك ، وأبناءك ، وأرضك ، وعرضك ،بحفنةٍ من مالٍ..
لم أحسبها ياأمي ...لم أحسبها ...سكنتني روح فرعون ، ونيرون ....
إذن تحمّل وخز أشواك ما زرعت ، تحمّل حصادك المرّ ...ذق من كأس ذلّ سقيته لغيرك ..ذق طعم سمّك النقيع ...
ولكن يا أمّي ...كلهم تخلّوا عني ، كلّهم رفضوني ، يطالبون بسحقي ، وموتي ، لم يبقَ لي غيرك يا اااامّاه ..
لا تقل أمّي ...أنا بريئة منك ليوم الدّين ، غضبانة عليك ،أيّها العاق ، لستَ ولدي ، كأنّك ما رضعتَ لبني ، ولا حملتكَ أحشائي
يا لعاري بك ...يا لعاري ...
الحشود تراكمتْ كالجّبال ، أنفاسه بدأتْ بالتقطّع ، أغمض عينيه بعجزٍ ، يمشي كأسيرٍ ذليلٍ ، تتقاذفه الأيدي بغضبٍ
تحشرجتْ حروفه الأخيرة ، يبتلعها بانكسارٍ ..
أريد أن ألثم يدك الطّاهرة يا أمّي قبل الرّحيل ...سامحيني ، لم أعرف إلاّ الآن ...أنّ حفنةً من تراب أرضي ، تساوي
كلّ ما جمعته من نفائس ، ومتاعٍ زائلٍ ..
حجبتْ يدها عنه برعشةٍ اختلجتْ لها كلّ أوصالها مردّدة :
خذوه ، أبعدوه عني ، وقولوا له إنّه مطرود من روحي...إنه مات في قلبي ..من زمنٍ بعيدٍ ..
وأطبقتْ جفنيها عنه متوجّهةً نحو بقيّة أولادها .. تتوكّأ على سواعدهم ،تعانقهم ....تزغرد ، وتهلّل ...
الآن ارتاح قلبي ، وسكنته الطّمأنينة ، الآن أعود إلى داري ، بأمنٍ وسلامٍ .....هيّا يا أحبابي ...
أقفلتْ زوجه الشّمطاء صندوق المجوهرات المحشورة بصعوبةٍ .
عيناهما تلاقتْ فجأةً ، الرّعب يسكنهما ، ذهولٌ ران على عقارب الزّمن ...
طفقا يجمعان أرشيف صور السّنين ، بأيدٍ مرتجفةٍ ..
أصواتٌ كالموج تعلو خارج القصر ، تندّد ، تتناسل فوجاً بعد فوجٍ ، حتى أطبقتْ على المفارق كلّها ..
أطلّ بجبنٍ يرهف السمع ، متسلّلاً إلى إحدى النّوافذ...ضغط بأصابعه الصفراء على رأسه يعتصره
الأصوات المتعالية تثقب أذنيه :
اخرج يا جبان ..اخرج ...، نريد حقوقنا أيها اللّص ، نريد أن تسلم نفسك للعدالة ، وإعادة المال المسروق الذي ائتمنّاك عليه أيها الخائن ...هيّا...سلّم نفسك ..
كلمات تهدر ...قالها الكبير ، والصّغير ، النّساء ، والرّجال ...
الأصوات ..تقترب ...تقترب ، الباب يُخلع ، الحشود تتدافع من كلّ زوايا القصر ، ونوافذه ، لا سبيل للفرار ..
اختبأتْ زوجه خلف ظهره ،تموء كقطّةٍ موهونة ، هالها وقع ضربات قلبه المضطربة ،كطبولٍ إفريقيّة ....
استسلم صاغراً ، لا مجال للمقاومة ، لقد تساقطتْ كلّ أسلحته ، والحرباء استنفذت كلّ ألوانها ، ومناوراتها ...
تسمّر عند الباب ، لم يصدّق مايرى ...:أبصرها تتقدّمهم ..
أمّي ...حتى أنت يا أمّي معهم ...؟؟؟!!! حتى أنت ...؟؟؟!!!
تقدّمتْ إليه بثيابها البيضاء ، الطّاهرة ، تتوكّأ على أكتاف أولادها :
نعم أنا ....أيّها الابن الضّال ، يا من بعتَ إخوتك ،وأهلك ، وأبناءك ، وأرضك ، وعرضك ،بحفنةٍ من مالٍ..
لم أحسبها ياأمي ...لم أحسبها ...سكنتني روح فرعون ، ونيرون ....
إذن تحمّل وخز أشواك ما زرعت ، تحمّل حصادك المرّ ...ذق من كأس ذلّ سقيته لغيرك ..ذق طعم سمّك النقيع ...
ولكن يا أمّي ...كلهم تخلّوا عني ، كلّهم رفضوني ، يطالبون بسحقي ، وموتي ، لم يبقَ لي غيرك يا اااامّاه ..
لا تقل أمّي ...أنا بريئة منك ليوم الدّين ، غضبانة عليك ،أيّها العاق ، لستَ ولدي ، كأنّك ما رضعتَ لبني ، ولا حملتكَ أحشائي
يا لعاري بك ...يا لعاري ...
الحشود تراكمتْ كالجّبال ، أنفاسه بدأتْ بالتقطّع ، أغمض عينيه بعجزٍ ، يمشي كأسيرٍ ذليلٍ ، تتقاذفه الأيدي بغضبٍ
تحشرجتْ حروفه الأخيرة ، يبتلعها بانكسارٍ ..
أريد أن ألثم يدك الطّاهرة يا أمّي قبل الرّحيل ...سامحيني ، لم أعرف إلاّ الآن ...أنّ حفنةً من تراب أرضي ، تساوي
كلّ ما جمعته من نفائس ، ومتاعٍ زائلٍ ..
حجبتْ يدها عنه برعشةٍ اختلجتْ لها كلّ أوصالها مردّدة :
خذوه ، أبعدوه عني ، وقولوا له إنّه مطرود من روحي...إنه مات في قلبي ..من زمنٍ بعيدٍ ..
وأطبقتْ جفنيها عنه متوجّهةً نحو بقيّة أولادها .. تتوكّأ على سواعدهم ،تعانقهم ....تزغرد ، وتهلّل ...
الآن ارتاح قلبي ، وسكنته الطّمأنينة ، الآن أعود إلى داري ، بأمنٍ وسلامٍ .....هيّا يا أحبابي ...
تعليق