أليس هذا حبا!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فاطمة يوسف عبد الرحيم
    أديب وكاتب
    • 03-02-2011
    • 413

    أليس هذا حبا!


    ذرات الغبار تتسرب إلى رئتيه كشلال دافق، أشعة الشمس تلسعه لتحرق وجها تحدّى نيرانها، فقرات الجسد النحيل تنوء تحت الأحمال الثقيلة، جلس في ظل حائط، أراح ساقيه، تناول من جيبه رغيف خبز، هشّم رأس البصل تحت قبضته وملأ خواء جوفه، مدّ يده إلى قروشه ليعدّها فتسعد قلبه بكثرتها، يحاورها : أرجوأن تكوني كافية لوجبة عشاء لأسرتي
    سار بخطوات تتعثر بوهن السنين، وقف أمام المحلات التي تستعرض مأكولاتها، رائحة الشواء تقهر أنفه، لكنّه اتجه نحو بائع الخضارونقده ثمن كيلو بندورة وباقة نعناع، وانتقل إلى المخبز ليتناول منه بضعة أرغفة، لكنّه استغرب تجليّات اللون الأحمرالتي توشّي واجهات العرض في المحلات التجارية، وتابع توجهه إلى المنزل سيرا على الأقدام ليوفر أجرة الحافلة .
    وصل بيته منهك القوى،استقبلته زوجه بابتسامة وادعة و تناولت عن كتفه لفّة الحبال الغليظة، وعن رأسه العصبة السميكة التي تعينه على التوازن أثناء رفع الأحمال، جلس متهالكا على أقرب مقعد خشبيّ، تناولت منه كيس البندورة والخبز، انتظرت أن يخرج شيئا من جيبه لكنّ خواء يده أحزنها، ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة وتنهدت مستاءة : لم تحضر شيئا آخر، الله يعطيك العافية، جهزتُ لك الماء الساخن المملح لتضع قدميك في الوعاء وتريحهما من تعب العمل الشاق، حاولت نزع الحذاء الثقيل من قدميه اعترض: أكرمك الله لا تفعلي أنا أقوم بهذا، الله يرضى عليك .
    : جهزت لك العشاء، قليل من اللبن و بعض الزيت .
    : الحمد لله، أريد قطرة زيت لأدهن كفيّ المتقرّحتين من خشونة الحبل - شرد للحظات في وجهها- ألحظ أنّ في عينيك الجميلتين عتابا، ما الأمر،إحكي !!
    : توقعت أن تفاجئني اليوم بهدية كما يفعل كثير من الأزواج في يوم الحبّ " الفلنتاين" قد تكون الهدية وردة حمراء، أو رداء جميلا، الأثرياء يقدمون قلادة أوسوارا -وأضاءت ابتسامتها بحنان – أيكون يوم حبّ دون هدية!
    ابتسم بحبّ :حبيبتي أتُهدى الوردة البيضاء وردة حمراء، ليتني ثريا لوهبتك كنوز العالم، لكنّ العين بصيرة واليد فقيرة، الآن أدركت لم اكتسى اللون الأحمر الأسواق؟ ثم تابع ممازحا، لكني أجلب لك كل يوم بندورة حمراء لتطبخي" قلايّة بندورة " للعشاء فأنا أعبّرعن حبّي كلّ يوم،-: تلونت ابتسامتها بنور الرضا: لكنّ الهدية تفرح القلب .
    مدّ يديه االخشنتين أمام ناظريها :أتريدين هدية حبّ؟ أنظري إلى هذه الشقوق الدامية في كفيّ، وإلى هذا الوعاء الملحيّ التي تلونت مياهه بدماء تقرحات قدميّ، وهذا العمود الفقريّ الذي قوّسته أحمال السنين التي تنهدّ لها الجبال، أليس هذا حبّا، أتعرفين أيّ صوت يطربني؟عندما اسمع صوتا ينادي عليّ ياحمّال ،لحظتها استبشر برزق وفير، لأني بهذا الأجر سأفرح قلبك والأولاد بطعم نوع من الفاكهة، أليس هذا حبّا!
    : لكني أريد وأريد ، وأريد ....
    : ليس المهم ما تريدين، لأني أقدّم لك أقصى ما استطيع بكل حبّ، في الشهر الماضي قبلت عرضا لتنزيل حمولة سيارة حمولتها ثلاثة أطنان لأحد المخازن، وكان من أجل أن أشتري لك ثوبا يستر جسدك، أليس هذا حبّا ! ولم أقل لك كم شوالا من السكر حملت إلى الطابق الرابع لأدفع القسط الأول للغسالة التي تريح يديك من الغسل اليدوي، أليس هذا حبّا! و كم كان دمعي غزيرا عندما مرضت ولم أجد ثمنا للدواء وآلمني وجعك، الناس يعبرون عن حبهم مرة في العام وأنا أعبّرعنه كلّ لحظة، أليس هذا أروع حبّ! الحبّ الصادق لا يحتاج إلى عيد بل هو بقدر ما نقدم من عطاء لمن نحب، إنّ بعض الأثرياء يقدمون لزوجاتهم الحلى الثمينة وبخبئون لعشيقاتهم حلىً تساويها قيمة في هذا اليوم، فأنا أقدّم لك ما أحصل عليه وأعاملك بما يرضي الله وأسوة بالرسول علية الصلاة والسلام ،عندما سئل عن أحب الخلق إلى قلبه، أجاب بكل فخر: عائشة "رضي الله عنها"، وأنا أقول بكل حبّ : أنت ِأحبّ الخلق إلى قلبي .
    اغرورقت عيناها بدمع السعادة: زوجي الحبيب، أغفر لي سوء تقديري، أتمنى أن يدوم حبك وكريم عطائك، وأنا أسعد وأغنى نساء الأرض بهذا الحبّ.

    قصة من المجموعة القصصية " حكايا النافذة" التي صدرت في عمان 2010 للكاتبة / فاطمةيوسف عبد الرحيم
  • نادية البريني
    أديب وكاتب
    • 20-09-2009
    • 2644

    #2
    تحيّة أخوّة للقاصّة فاطمة
    تابعت الأحداث وانسجمت مع بطلي القصّة ووقفت عند قيمة إنسانيّة رائعة هي الحبّ الذي رسمته في علاقة إنسانيّة راقية تجمع بين زوجين والذي يمكن أن يظهر في صور أخرى أهمّها المقاربة بين العشق والوطن.
    لغة القصّ سليمة
    لكن لي ملاحظة أختي الفاضلة
    أرى أنّ العمل يحتاج إلى المزيد من التّكثيف والتّبئير ليكون أقوى
    واللّه كلّنا نسير على الدّرب وأسعد كثيرا ساعة تنقد أعمالي لأنّ ذلك يساعدني على التّجويد
    دمت بخير

    تعليق

    • فاطمة يوسف عبد الرحيم
      أديب وكاتب
      • 03-02-2011
      • 413

      #3
      العزيزة ناديا البريني
      تحية وبعد
      أشكر لك هذه القراءة العميقة للنص وأعتز برأيك ومرورك وشكرا للنقد الهادف الذي سأحاول الأخذ به في قصص قادمة مع إني أتجنب التكثيف وأرى أن الحدث يحمل فكرة هادفة وقد وصلت للقارئ بهذا الأسلوب المباشر البسيط
      ودمت
      فاطمة

      تعليق

      • وفاء محمود
        عضو الملتقى
        • 25-09-2008
        • 287

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة فاطمة يوسف عبد الرحيم مشاهدة المشاركة
        ذرات الغبار تتسرب إلى رئتيه كشلال دافق، أشعة الشمس تلسعه لتحرق وجها تحدّى نيرانها، فقرات الجسد النحيل تنوء تحت الأحمال الثقيلة، جلس في ظل حائط، أراح ساقيه، تناول من جيبه رغيف خبز، هشّم رأس البصل تحت قبضته وملأ خواء جوفه، مدّ يده إلى قروشه ليعدّها فتسعد قلبه بكثرتها، يحاورها : أرجوأن تكوني كافية لوجبة عشاء لأسرتي
        سار بخطوات تتعثر بوهن السنين، وقف أمام المحلات التي تستعرض مأكولاتها، رائحة الشواء تقهر أنفه، لكنّه اتجه نحو بائع الخضارونقده ثمن كيلو بندورة وباقة نعناع، وانتقل إلى المخبز ليتناول منه بضعة أرغفة، لكنّه استغرب تجليّات اللون الأحمرالتي توشّي واجهات العرض في المحلات التجارية، وتابع توجهه إلى المنزل سيرا على الأقدام ليوفر أجرة الحافلة .
        وصل بيته منهك القوى،استقبلته زوجه بابتسامة وادعة و تناولت عن كتفه لفّة الحبال الغليظة، وعن رأسه العصبة السميكة التي تعينه على التوازن أثناء رفع الأحمال، جلس متهالكا على أقرب مقعد خشبيّ، تناولت منه كيس البندورة والخبز، انتظرت أن يخرج شيئا من جيبه لكنّ خواء يده أحزنها، ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة وتنهدت مستاءة : لم تحضر شيئا آخر، الله يعطيك العافية، جهزتُ لك الماء الساخن المملح لتضع قدميك في الوعاء وتريحهما من تعب العمل الشاق، حاولت نزع الحذاء الثقيل من قدميه اعترض: أكرمك الله لا تفعلي أنا أقوم بهذا، الله يرضى عليك .
        : جهزت لك العشاء، قليل من اللبن و بعض الزيت .
        : الحمد لله، أريد قطرة زيت لأدهن كفيّ المتقرّحتين من خشونة الحبل - شرد للحظات في وجهها- ألحظ أنّ في عينيك الجميلتين عتابا، ما الأمر،إحكي !!
        : توقعت أن تفاجئني اليوم بهدية كما يفعل كثير من الأزواج في يوم الحبّ " الفلنتاين" قد تكون الهدية وردة حمراء، أو رداء جميلا، الأثرياء يقدمون قلادة أوسوارا -وأضاءت ابتسامتها بحنان – أيكون يوم حبّ دون هدية!
        ابتسم بحبّ :حبيبتي أتُهدى الوردة البيضاء وردة حمراء، ليتني ثريا لوهبتك كنوز العالم، لكنّ العين بصيرة واليد فقيرة، الآن أدركت لم اكتسى اللون الأحمر الأسواق؟ ثم تابع ممازحا، لكني أجلب لك كل يوم بندورة حمراء لتطبخي" قلايّة بندورة " للعشاء فأنا أعبّرعن حبّي كلّ يوم،-: تلونت ابتسامتها بنور الرضا: لكنّ الهدية تفرح القلب .
        مدّ يديه االخشنتين أمام ناظريها :أتريدين هدية حبّ؟ أنظري إلى هذه الشقوق الدامية في كفيّ، وإلى هذا الوعاء الملحيّ التي تلونت مياهه بدماء تقرحات قدميّ، وهذا العمود الفقريّ الذي قوّسته أحمال السنين التي تنهدّ لها الجبال، أليس هذا حبّا، أتعرفين أيّ صوت يطربني؟عندما اسمع صوتا ينادي عليّ ياحمّال ،لحظتها استبشر برزق وفير، لأني بهذا الأجر سأفرح قلبك والأولاد بطعم نوع من الفاكهة، أليس هذا حبّا!
        : لكني أريد وأريد ، وأريد ....
        : ليس المهم ما تريدين، لأني أقدّم لك أقصى ما استطيع بكل حبّ، في الشهر الماضي قبلت عرضا لتنزيل حمولة سيارة حمولتها ثلاثة أطنان لأحد المخازن، وكان من أجل أن أشتري لك ثوبا يستر جسدك، أليس هذا حبّا ! ولم أقل لك كم شوالا من السكر حملت إلى الطابق الرابع لأدفع القسط الأول للغسالة التي تريح يديك من الغسل اليدوي، أليس هذا حبّا! و كم كان دمعي غزيرا عندما مرضت ولم أجد ثمنا للدواء وآلمني وجعك، الناس يعبرون عن حبهم مرة في العام وأنا أعبّرعنه كلّ لحظة، أليس هذا أروع حبّ! الحبّ الصادق لا يحتاج إلى عيد بل هو بقدر ما نقدم من عطاء لمن نحب، إنّ بعض الأثرياء يقدمون لزوجاتهم الحلى الثمينة وبخبئون لعشيقاتهم حلىً تساويها قيمة في هذا اليوم، فأنا أقدّم لك ما أحصل عليه وأعاملك بما يرضي الله وأسوة بالرسول علية الصلاة والسلام ،عندما سئل عن أحب الخلق إلى قلبه، أجاب بكل فخر: عائشة "رضي الله عنها"، وأنا أقول بكل حبّ : أنت ِأحبّ الخلق إلى قلبي .
        اغرورقت عيناها بدمع السعادة: زوجي الحبيب، أغفر لي سوء تقديري، أتمنى أن يدوم حبك وكريم عطائك، وأنا أسعد وأغنى نساء الأرض بهذا الحبّ.

        قصة من المجموعة القصصية " حكايا النافذة" التي صدرت في عمان 2010 للكاتبة / فاطمةيوسف عبد الرحيم

        اسجل اعجابى
        [B][FONT=Arial Black][FONT=Arial Black][SIZE=7].................................[/SIZE][/FONT][/FONT][/B]

        تعليق

        • فاطمة يوسف عبد الرحيم
          أديب وكاتب
          • 03-02-2011
          • 413

          #5
          ألأستاذة وفاء محمود
          شكرا للقراءة وأنا أسجل احترامي وتقديري
          فاطمة

          تعليق

          يعمل...
          X