أقل من 90 درجة
على ماذا تتصارع؟
هذا ما يثير فضولي.
تجربتي السابقة معها لا تدفعني كي أخوضها مرة أخرى. قرأتُ في مكانٍ ما، أن الفضول دائماً ما يغلق باب الاشمئزاز. طفتُ حولها في ذلك الصباح قبل أن أشرع في ممارسة رياضة التسلق اللولبي، شهرتُ في وجهها فوهة البندقية. ثلاثة من عشرة هربن، وظلت البقية في مكانها وكأني غير موجود. تقدمت واحدة منهن خطوتين إلى الأمام، تأملتها بسرعة فائقة. جميلة بفرائها المرن والمنسدل والكثيف، يزداد كثافة عند العنق والأكتاف. رأسها دائري متوسط الحجم، العيون مستديرة زرقاء، الأنف صغير وعريض وغير بارز عن الوجه، وجنتيها مكتنزتين، أذنيها كبيرتين، جبهتها عريضة، ونظراتها شرسة، ممتلئة العضلات بصدرها الوهيط، أقدام مستديرة، ومخالب مقوسة، رقبة قصيرة، وشعيرات الشارب طويلة جداً، الذيل مقوس وفاخر تحركه حتى يكاد يلامس رأسها. لونت عينيها بألوان مختلفة، صدر منها صوت غريب ومخيف، لحقت بها الأخريات وتقدمن نحوي. شعرتُ بالفزع، وأن ساقي اليمنى قد شلت تماماً. تفتق ذهني عن تسآؤلات سريعة كالبرق:
لماذا لا يدربونا نحن جنود الوطن لمثل هذه المعارك؟، وفي كيفية محاربة القطط؟. أجبت على السؤال بسؤال آخر، متضامناً هذه المرة مع الفئران، وكيف ستعيش إذا ما هاجمت كتيبة واحدة من الجيش المركزي تجمعات القطط ونظفت المدينة منها ومن مخلفاتها. إذن الفئران والقطط وجهين لعملة واحدة، فوجود الأولى يستدعي وجود الثانية، تماماً كالأكسدة والاختزال.
القطط بقيادة هذه الأنثى الحامل تقترب مني، تستعرض أنيابها. رميتُ بندقيتي وركضتُ داخل البرج، تسلقتُ الدرجات اللولبية بسرعة قياسية، محرزاً بذلك رقماً عالمياً جديداً، يجب أن يسجل في موسوعة (جينس) للأرقام القياسية التي تهتم بعجائب وغرائب العالم. لن يتجاوز زمن تسلقي لقمة البرج الثلاث ثوان، ولكن كيف يصل هذا الانجاز لتلك الموسوعة؟، وكيف يدرك العالم بأن لدينا انجازات؟، ومن يشهد على ذلك؟، فالقطط حتماً لن تشهد في صالحي !..
لادارة السجن مكاتب فخمة تفتح نوافذها على البرج مباشرة. نافذة كبير الاداريين بالسجن هي الأكثر مواجهة لبرج المراقبة، وحتماً سيرى يدي خالية من البندقية. خوفي هذه المرة مختلفاً. شعرتُ وكأني فأر هزيل تطارده قطط المدينة جميعها. ثمان ساعات وكأنها ثمانية قرون تفصلني عن انتهاء فترة ورديتي الصباحية. أعلم أن سرعة الدوران تقلل من رؤية المراقب لهذا الدوران، هكذا قال لنا مدرس الفيزياء عندما كنت طالباً في مدرسته الثانوية. ضعفي في اللغة الإنجليزية هو الذي قادني إلى هذا المكان. قررتُ في كسر من الثانية أن أدور بسرعة كبيرة حول قمة البرج، حتى لا يتمكن كبير الاداريين من رؤيتي بوضوح، حتى لو استخدم منظاره المختبئ فوق سطح دولاب مكتبه، وسيعتقد بأني منهمكاً في عملي وفي يدي بندقيتي جاهزة لكل طارئ قد يحدث. (جاليلو) رغم عبقريته الفذة، لم يتكهن باستخدامات البشر السيئة لمخترعه. سيوظفه الناس قطعاً للأفعال الشريرة، مثلما حدث (للفريد نوبل)، وكيف استخدم الجيش الديناميت بعدما أكتشفه لهم. ذهني يدور بذات السرعة التي يدور بها جسمي حول عنق البرج. ماذا سيقول زملائي؟ وكيف سيضحك كبير الاداريين في العلن على موقفي الجبان؟، وما هو العقاب المستحق أو غير المستحق الذي سيلحق بي؟. أنفاسي تتلاحق، لهاث، وذهول. تتشابك الأشياء من حولي وتتداخل، فناء السجن، نوافذ المكاتب، المحلات التجارية، طلاب المدارس حينما يخرجون وينظرون إلى البرج كما أعتادوا، سيخرجون في دفعات، الأصغر سناً أولاً، ثم طوال القامة من المراهقين. كيف تفتق ذهن صاحب فكرة جمع الشمل؟. أجيال متفاوتة يضمهما سور واحد، كيف يضمن لنا هذا النابغة من أن لا يسئ أحدهم هذا التداخل؟. لم أشعر بجسدي وكأني في حلقة دراويش لا يفترون. جسدي تزداد سرعته حتى كفَّ عن الدوران..
لم أسأل من حولي لماذا أنا هنا؟، وماذا تفعل كل هذه الأجهزة الطبية بجسدي؟، دفنتُ وجهي في الوسادة وتظاهرتُ بالنوم. صفيتُ ذهني، تأملتُ في الأحداث التي مرت بي كما هي بدون (مونتاج). يا للعار !، كل من حولي إذن يعلم كم أنا جبان. قطعاً سيطلقوا عليّ من الآن وصاعداً اسم القط، ومنهم من لا ينطق بهذا اللقب علناً، وإنما يرسم بجسده كلما رآني حركات قط يتعرض لهجوم شرس وهو يدافع عن صغاره. المكان الذي تقبع فيه بندقيتي الآن خير شاهد على جبني. آه، لو كنت أعلم بأن كل هذه الأشياء ستحدث لي لأستشهدتُ في معارك القطط، ولكن سأعلق المسئولية كاملة في عاتق كبير الاداريين.
طرقتُ باب مكتبه أكثر من مرة، ففي الأولى كان سئ المزاج، بسبب سجين كاد أن يهرب للمرة الثانية في وردية عمل غير التي أعمل فيها. رد فعله العصبي ذكرني بمعدل ذكائي المنخفض، وعرفت بأنني لا أجيد التوقيت. دخلت عليه، أديتُ التحية العسكرية كما ينبغي أنْ تؤدى. انشغل بالهاتف في حديث مع شخص لا أعرفه، وبلهجة باردة مطيعة لا تخرج من دائرة "حاضر، حاضر يا سيدي". أغلق الهاتف وغير ملامحه وواجهني، بكلمات حادة استنطقني. خرجت عباراتي هزيلة ومرتبكة. اختصرتها في أن الرائحة الكريهة التي تصدر من تجمع القطط أسفل برج المراقبة تعيق عملي وتزعجني كثيراً، وأخاف أن تصل إلى مكاتبكم الفخمة رغم أنف أجهزة التبريد، ومن الأفضل أن نفض تجمعها بقوة السلاح، فقط نريد من إصبعك الصغير أن يتفضل ويهبنا إشارة خفيفة وسنشرع فوراً في مكافحة الشغب.
كتلميذ صغير في سنته الدراسية الأولى استقبلت بصدر رحب ألفاظه الفظة، تسللت من بين أسنانه الصفراء بفعل التدخين الشرهة ضحكة كالصراخ. أتهمني بأنني لا أجيد عملي !، أترك ما عليّ من مهام جانباً، وأتسلق أعلى البرج يومياً لأراقب القطط، ومن الذي أعطاني الإذن بأن أنظر لأسفل؟، وأن شغلي الأساسي يكمن في مراقبة الإنسان لأخيه الإنسان. رفع سبابته قريباً من وجهي ثم ضرب بها سطح المكتب، لفظ كلمات مضغوطة هذه المرة، وزاد من اتهامه، وإني مبدد للمال العام، أتقاضي أجري كل شهر مقابل أن ألهو مع القطط، بينما السجناء يفرون عبر بوابة السجن، ولا مراقب واحد يستوقفهم. بعد هذه المقابلة الشرسة قررتُ أن يكون جل اهتمامي في عملي، وأن لا أنظر إلى أسفل قدر المستطاع..
فتحتُ باب البرج ووضعتُ رجلي على أول درجات سلمه اللولبي، وكأن القطط غير موجودة، وصلتُ لقمته، شهرتُ بندقيتي، وطفتُّ حوله استكشف ما يدور حولي. مدرسة (الأذكياء) القريبة من بوابة السجن تطلق صراح دفعة من الطلاب صغيري السن، ضجيجهم يؤانسني، أبطأتُ في الدوران. استعدَّ تلميذان للعراك، تجمع الصغار حولهما. لم يصرع أحدهما الآخر، أكتفيا بتبادل اللكمات. تدخل طفل آخر أكبر سناً وفضّ الاشتباك. تبرع أحدهم وجلب حجرين، وضعهما في شكل أفقي. وقف كل من المتعاركين فوق الحجارة. الطفل الذي أراه على يميني ويقف على الحجر الأكبر حجماً كان في الثامنة من عمره، حليق شعر الرأس، أسمر البشرة، ضعيف البنية، يميل للطول، ينتعل حذاءً بلاستيكياً، تلتف حول عنقه تميمة كتبها شيخ أمي على حبة خردل، جلبابه أبيض قصير، يعاني من ضعف في البصر، في حاجة ماسة لعدسات طبية. فرك عينيه وبدأ في المناظرة مع زميله الآخر. قال بحروف واضحة المخارج، أن المدرسة كلها تعلم أن والد خصمي دخل السجن فقيراً وحتى ثيابه كانت بالية ومهترئة، وعندما خرج من السجن صار ثرياً في نفس الليلة التي خرج فيها، فهل هو دخل السجن أم دخل صندوق النقد الدولي؟. تململ الطفل الآخر وهو يستعجل فرصته في الحديث. رتب شعره المنسدل عل كتفيه بعناية، رفع حزامه لأعلى، فتح حقيبته الجلدية المعلقة على كتفه، وأخرج منها منديلاً ورقياً، مسح وجهه وشفتيه، مزج الكلام بالضحك، وخاطب الجمع الملتف حولهما وهو يشير إلى خصمه، وأوضح أن الذي أمامه يعيره بأن أبيه أصبح ثرياً فجأة، فما العيب في ذلك؟، ولن يجادله، لأن عائلته لا تعرف أسرار الأرقام، ولكن ليسأل أمه التي أعياها الركض في دهاليز المحاكم، ففي كل مرة يقوم القاضي بتطليقها طلقة واحدة من زوجها الجديد، تظن بذلك أنها جففت دموع الإعسار إلى الأبد.
حاولتُ أن أضحك وأنا واقف في أعلى البرج على هذا المشهد، ولكن شعرتُ بأن دموعي تبلل لحيتي. جذبتُ بندقيتي أكثر حالما زاد مواء القطط من تحتي، انحنيتُ نصف انحناءة ورأيتها، ازدادت أعدادها بشكل كبير، وجوه كثيرة تأتي لأول مرة، ذكور وإناث تجمعن بلا ضجيج ولا صراع. تمسح كل واحدة منهن فروتها في ظهر الأخرى. المواء ينخفض تدريجياً. تتعرى الواحدة تلو الأخرى، تتكاثر علناً، تمارس الفاحشة أمامي ولا تخاف. عدد الإناث يفوق عدد الذكور. صراع عنيف بين الإناث. استسلمت بعض الذكور ورفعت الراية البيضاء. أغلقتُ فمي بيدي، أجهضتُ عملية استفراغ كادت أن تفرغ بطني من محتوياتها. قلت لنفسي أن الوضع صار لا يحتمل، وسأشرحُ لكبير الاداريين خطورة الموقف الذي يزداد سوءاً.
رائحة المخلفات الكريهة يا سيدي مقدوراً عليها، ولكن أن تشاهد ممارسة الفاحشة يومياً وفي العلن هذا ما لا يجب السكوت عليه..
كان مزاجه في حالة جيدة، أو قد يكون معدل ذكائي قد ارتفع قليلاً، وتعلمتُ كيف اختار بعناية التوقيت المناسب لمقابلته. جمع الاداريين وكبار العساكر من حولي، وشيدوا جداراً من الابتهاج يفصلني عنهم. ختم كبير الاداريين وفق طريقته في الكلام الحفل، وأثار في وجهي جملة اتهامات، وإنني لا شئ يثير فضولي في هذا الحياة سوى القطط، والجنس هاجس مزمن يسيطر على تفكيري، فالقطط علمياً لا تمارس الجنس علناً أو جماعياً، وأيّ طفل في مدارس الأساس يعلم أن القطط أكثر المخلوقات حياءً. أمرني بإشارة منه أن أنصرف وهددني إذا ما رأني مرة أخرى أعيد نفس الكلام بأنه سيوفر لي سريراً مريحاً في مصحة الأمراض العقلية. خرجتُ منه بذات الطريقة التي دخلت بها عليه..
خلف زجاج نافذة مكتبه رأيته في اليوم التالي واقفاً، يضع بين عينيه منظاراً أكثر حداثة من ذلك الذي يخبئه في سطح دولابه، يمسك المنظار بيد واحدة، يلصقه في عينيه، ويوجهه صوب القطط التي تلهو أسفل البرج، بينما لم أستطع أن أرى يده الأخرى بوضوح، وهي تتحرك أسفل حزامه العريض. شعرت القطط بأن هناك من يراقبها بتلذذ، فضت اجتماعها، وتفرق ضيوفها، وظلت تتصارع في اللاشئ، وبسبب هذا اللاشئ طريحٌ أنا الآن في سريري الأبيض، بعدما أعلنتُ جبني، ورميتُ بندقيتي، وأنهكتُ قواي في الدوران. سأظل نائماً حتى يأكل الملل صبر من حولي، ويعلنوا عن أوآن المغادرة، ليتركوني وحدي، علّني أتذكر بأني في يومٍ من الأيام كنت جندياً شجاعاً من جنود الوطن.
تعليق