مع الموت

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الله راتب نفاخ
    أديب
    • 23-07-2010
    • 1173

    مع الموت

    أرى قبر نحام بخيل بماله

    كقبر غوي في البطالة مفسد



    (طرفة بن العبد)


    أرانا موضعين لأمر غيب

    و نسحر بالطعام و بالشراب




    عصافير و ذبان و دود

    و أجرأ من مجلحة الذئاب



    ( امرؤ القيس)


    هل الموت يوحد بين كل الوجوه ؟ ........ و هل الموت جسر للعبور من أرض إلى أرض ؟ ........ أم إنه عالم جديد فيه غير كل ما شهدناه في هذه الحياة الدنيا المشوهة التي عشناها ؟



    الموت الذي صورته خيالاتنا الطفولية التي استقيناها مما كان يملى علينا بكرة و أصيلاً ، و نشهده أينما حللنا أو ارتحلنا ، هيكلاً عظمياً مروعاً حاملاً فأساً يلاحق بها البشر الآمنين الوادعين فيسلبهم أعز ما لديهم ، ثم يدعهم جثثاً هامدة لا حياة بها و لا شعور .



    و على كثرة ما عرفنا و رأينا من بعد ، ظلت الصورة في أذهاننا قريبة مما تعودناه إن لم تكن نفسه ، ولم يغيرها إلا الأفق الأزلي الغروبي الذي عرفه بعضنا فكان شمس نفوسهم التي غزتها فتغلغلت بها و خلقت فيها الحياة من جديد ، وكان الموت عندهم ظلالاً ليلية تصنع خفقان روح و وجدان ، بدل الخوف الذي رسمته في مخيلاتنا حكايات الجدات و أقاصيص السهرات الشعبية .



    ففي الموت سمو لا تفقهه العقول التي نبتت و أينعت في مراتع الحياة الشهوانية ، و لو أدركته لتدرجت في سلالم الروح حتى تبلغ غيوم السموات ، لكنَّها أخلدت إلى ما ارتاحت إليه ، فبالموت تصل النفس قمة توهجها و إشراقها ، وفي اللحظة التي تفارق فيها الروح الجسد يكون الاتصال قد بلغ ذروته بين البشرية و الألوهية في نفس الإنسان ، و آل الصراع بين شهوات الإنسانية و آفاق الروحانية توافقاً مطلقاً بل اتحاداً لا فكاك له ، و لذلك كله وقت واحد لا بديل له ولا شريك ،هو لحظة الموت العظيمة.



    و الموت ساعة تتحد فيها النفوس الإنسانية كلها ، برها و فاجرها ، و سيدها و عبدها ، و قويها و ضعيفها ، لأن عالم السماء لا مكان به لتقطيعات البشر وتصنيفاتهم التي ابتدعها بعض منهم و سايرهم بها من تبقى ، حتى غدت شريعة و قانوناً مخالفته عند كثير من الناس كفر ما بعده كفر ، فتتوحد الإنسانية التي نشأت من فرد واحد لترتد من بعد كفرد واحد في الموت و الفناء كما كانت في النشأة و الخليقة ، ذرة من حمأ مسنون نفخت فيها الروح فدبت بها الحياة .



    و الموت فراق و لوعة ، لكنه تألق الإنسان المطلق الذي يعجز عن فهم كنهه أكثر الناس إلا من أوتي فكراً ، و ذلك ما بذلت شرائع الأديان جهودها لإيضاحه ، لكنّ سوء فهم البشر لمصطلحي الجنة و النار الخالدتين أضاع عمق الإدراك لهذه المعاني ،فأضحى الموت إشعاراً بقرب الحساب و العذاب و الأهوال فحسب ، دون أن يكون بشرى بوادي الحقيقة الذي لا يضيئه سوى نور الذات الإلهية الأعلى ، و تملؤه نسائم الروح و مزامير التسبيح الملائكية ، و قيثارات الألحان السماوية التي لا تنتهي ولا تزول ، ولو فهم الناس ذلك لطاروا بجناح الشوق دون إبطاء إلى مناهل الخير و جداول الإحسان يعبون منها ما استطاعوا ، و لفارقوا عالم الشر و تلاله الموحشة نفوراً منها و ابتعاداً ، و لآل الخوف من العقاب كراهة لما يوجبه لا رهبة و فزعاً من آلامه ، و لعم الخير هذه البسيطة بعد أن يعم نفوس ساكنيها و تصير أرواحهم طيوراً مغردة تبث ألحان الحب و الفرح و الجمال حيثما حلت .



    تلك شاعرية الموت ، و الرؤية التي تخفف وطأته على من يهابونه ، و لو انتشرت بين كثير ممن يرددون ما يشبهها لكان فهمهم للحياة كلها مختلفاً ، و لكنّ من الناس من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، و يزعمون أنهم عالمون وهم في الحقيقة جاهلون ......... و كثير ما هم ، و أولئك الذين يقفون من بحر الحقيقة عند شاطئه ، أما الذين يغوصون فيه فليتهم يرجعون ليخبرونا ما رأوا ، إذن لكنا في حال غير هذه ، و لعرفنا الوجود الذي نحن منه بدل أن نخبط فيه على غير هدى ، كأنما سكرت أبصارنا أو نحن قوم مسحورون ، لكن لعل قدرنا رأى الخير بما نحن عليه فأبقانا كذلك ، فرب صاحب عينين عمياوين أوعى و أدرى من صاحب ألف عين مفتوحة.
    الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

    [align=left]إمام الأدب العربي
    مصطفى صادق الرافعي[/align]
  • فايزشناني
    عضو الملتقى
    • 29-09-2010
    • 4795

    #2

    أخي الأستاذ راتب المحترم

    جميل حديثك عن الموت بهذه الطريقة
    وأتساءل..... هل أدركنا حقاً حقيقة الانسان ؟؟؟

    يهبنا الموت كما وهبنا الحياة.... فهل نحن أحياء في كل لحظات حياتنا ؟؟؟؟

    ليس الموت نهاية الحياة.... وربما الموت سيد الولادة

    فمن يدري من أن تكون الجنازة عرساً بين الملائكة ( جبران خليل جبران )

    ليس ثمة موتى غير أولئك الذين نواريهم في مقبرة الذاكرة ، إذن يمكننا بالنسيان ان نشبع موتاً من شئنا من الإحياء فنستيقظ ذات صباح ونقرر أنهم ما عادوا هنا ( أحلام مستغانمي )

    أخي راتب دائماً أحب نصوصك
    بما تحمله من عبق الوجدان والإيمان
    دمت بخير
    هيهات منا الهزيمة
    قررنا ألا نخاف
    تعيش وتسلم يا وطني​

    تعليق

    يعمل...
    X