حالة اجهاض

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • روان علي شريف
    أديب وكاتب
    • 24-02-2011
    • 130

    حالة اجهاض



    دخل المقهى واتخذ من ركن معتم مجلسا له.طلب قهوة من دون سكر واخرج من جيبه أوراق اصفر لونها أشرفت على التمزق.للتو تستيقظ في ذاكرته صور نائمة لخيول جموحة لم تعرف الأسر.
    جاء الموت من هناك كعادته يلقي نظرة أخيرة على إنجازه المعطل،وقف فوق رأسها ينتظر اللحظة المواتية ليضغط بأصابعه الباردة والرهيبة على أنابيب ظلت تربطها بالحياة.
    قال الجبلي محدثا نفسه هل حقا سيأخذها ؟لن ينتظر المستتر من الحوار بل استجاب لنداء الأشباح ةالاماكن المسكونة بالهوس والخراب.
    جاءت فطوم كقبس تنير دهاليز روحه المظلمة ، بخطى متعثرة طرقت أبواب الرغبة والدهشة.ألقت باللوم على حظها التعيس وبكونها امرأة في مجتمع لا يغفر للنساء.
    بحزن وتجوس قالت وهي تهذي.ها أنا فطوم أيها الجبلي، أجيئك من حيث لا تدري.جئتك اليوم من أعماق أرضنا الطيبة المضرجة بالدماء.مرة أخرى أقف على شواطئ الأراجيف وافتح لك شبابيك ذكرياتي الأليمة على مصرعيها.هو ذا عمي ((بوشلاغم)) ينتصب أمامي بين حقول القمح شامخا كجبال (( توا قس)) الجاثمة أمامنا.رأسه في موقع الشمس كشلال وشم ذاته في الكائنات.عيناه لا تنام،واحدة على المتوسط مستكشفة آفاقنا البعيدة وأخرى تعانق بيوت الطين المتناثرة هنا وهناك بين الأخاديد والتلال وفي تناسق وتناغم مع جغرافية المكان تتشكل لوحة فنان ويتشكل معها تاريخ أمة وملحمة أجيال.
    كان بيتنا كما تذكر أيها الجبلي في أسفل المنحدر، في مكان منعزل وعلى بعد أميال منه تمتد غابة ((مولاي إسماعيل)) نحو الشرق في خط متواز مع حقول الرمان والزيتون إلى أن تطل على مستنقعات المقطع البقعة الوحيدة التي تبرئنا من خيانة التراب.ما أعرفه كان البحر خلف تلك الربوة على مرمى حجر لكننا نحن الحريم لم نكن نعرفه.ما كنت متيقنة منه أن أبي مثله مثل عمي ((بوشلاغم)) كان مخلصا لأمي ولقطعة الأرض التي بنينا عليها بيتنا.كم من مرة كانت تلك الأرض أثناء توريدها تأخذه في أحضانها بشبقية لأوقات متأخرة من الليل وكان ذلك يقلق أمي المسكينة، غالبا ما يثير حفيظتها ، تستسلم للغيرة وتشعر بالإهمال.
    ألا تذكر أيها الجبلي، يومها كنا نحن الأطفال قبل أن يستوطن الرعب الغابة على مدار الأيام، خاصة في موسم الأمطار ننطلق إلى هناك بحثا عن الحطب والفطائر وكنا نصطاد صغار العصافير في أوكارها.كنا نتسلق أشجار الزبوج الهرمة إلى أن نصل القمة فتتراءى لنا مداخن شاهقة كتنانين واقفة تقذف من أفواهها ألسنة من اللهب وقتها سؤال وحيد كان يراودني ماذا كانت نية من شيدها ؟؟
    أحرار...جمهورية...اليوم.
    على رنات بائع الجرائد الذي اقتحم المقهى عاد الجبلي من بعيد من أمكنته المسكونة بالخراب، تلاشت فطوم من أمامه وبقى سؤالها معلقا إلى الأبد.
    وكأن الغلام أيقض في نفسه شهية الكلام راح يهتف لنفسه.
    واليوم ..؟ اليوم فطوم ما عاد يربطها بالأرض شيئا فهي وجه من أوجه المدينة.في لحظة انكسار أزاحت تاريخ عمر محافظ، اتخذت من سارة هوية لها وراحت تؤرخ لعهد جديد مليء بالتناقضات.عجيب أمر فطوم كيف تعتبر حياتها الخاصة لا شأنا لي بها؟
    خير البلية ما يبكي ومن عوالم الشك تولد الافتراضات.صحيح أن الأحكام المسبقة خنجر مغروس في جسم الحقيقة لكن الحقيقة عملاق نائم على أطراف المدينة يحتقن غيضه المتنامي ولعنة المصير قدر محتوم يطاردنا.
    مدينتنا ككل المدن، مغرية وساحرة كعملة ذات وجهين.وجه شفاف، مشع وأنيق مرسوم على واجهاتها النظيفة وعلى محيا فتيات الاستقبال عند مداخل الفنادق والمحلات الكبرى يوزعن ببراءة الابتسامات المصطنعة بالمجان، يروجن الدعاية الكاذبة لسلع مغشوشة في الأصل هن جزءا منها.
    ووجهها الآخر خفيا وقذرا كالنخاسة تفوح منه نتانة الأشياء والخديعة باسم الضرورة استمدت منه الجناية شرعيتها...
    فتح الجريدة وفي ركن المجتمع لفت انتباهه عنوان مميز أيقض في نفسه شهية الكتابة بعد ما كان يضن نفسه قد انتهى.كم من مرة حاول كتابة قصته الأخيرة لكنه لم يفلح.كان دائما يحس بالوهن، تتزاحم الأفكار بذهنه.يتمرد الأبطال على قلمه ويفقد السيطرة أمام قدسية وطن في صورة امرأة مثال أخرج قلماا وورقة بيضاء وراح يؤسس لولادة قصة قيصرية سما ها حالة اجهاض.
    ليس كل الرجال خونة ولا الخيانة حتما امرأة

    http://cherifrouan.blogspot.com/
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    ما قرأته هنا أخي روان هو حالة إبداعيّة متماسكة و ناضجة و حزينة إلى حدّ بعيد.
    تبدأ بورقة صفراء بالية منتهكة كفطّوم و الأرض شكّلت لسنين غيبوبة ذاكرة لدى الجبلي لتنتهي بورقة بيضاء عذراء لم تُكتب بعد،سيخطّ عليها الجبلي مشروع صحوته و قطيعته مع العتب و الضّمير و الحيرة معا كأنّه إذا ما أسكن قصّته بداخلها أخرجها من أعماقه و برىء من المدينة بوجهيها و من فطّوم القديمة البريئة اللأسيرة و من فطّوم الجديدة سارة التي تحرّرت نحو أسر أكبر و ،لامّحت أوجاعه و أمكنه أن ينسى الأمس و اليوم.
    أدهشني أسلوبك و غزارة الصّور لديك أخي العزيز.أحسنت.
    ودّي لك.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • روان علي شريف
      أديب وكاتب
      • 24-02-2011
      • 130

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
      ما قرأته هنا أخي روان هو حالة إبداعيّة متماسكة و ناضجة و حزينة إلى حدّ بعيد.
      تبدأ بورقة صفراء بالية منتهكة كفطّوم و الأرض شكّلت لسنين غيبوبة ذاكرة لدى الجبلي لتنتهي بورقة بيضاء عذراء لم تُكتب بعد،سيخطّ عليها الجبلي مشروع صحوته و قطيعته مع العتب و الضّمير و الحيرة معا كأنّه إذا ما أسكن قصّته بداخلها أخرجها من أعماقه و برىء من المدينة بوجهيها و من فطّوم القديمة البريئة اللأسيرة و من فطّوم الجديدة سارة التي تحرّرت نحو أسر أكبر و ،لامّحت أوجاعه و أمكنه أن ينسى الأمس و اليوم.
      أدهشني أسلوبك و غزارة الصّور لديك أخي العزيز.أحسنت.
      ودّي لك.
      سيدي محمد فطومي
      أشكرك على مرورك
      وعلى قراءتك المستفيضة..
      مدينتنا ككل المدن قلتها منذ عشرية...
      خير البلية ما يبكي ومن عوالم الشك تولد الافتراضات.صحيح أن الأحكام المسبقة خنجر مغروس في جسم الحقيقة لكن الحقيقة عملاق نائم على أطراف المدينة يحتقن غيضه المتنامي ولعنة المصير قدر محتوم يطاردنا.
      تحياتي لك سيدي.
      ليس كل الرجال خونة ولا الخيانة حتما امرأة

      http://cherifrouan.blogspot.com/

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #4
        الأستاذ القدير : روان علي شريف ...
        سعيدة بمصافحتك ...
        بوجودك بين أسرتك ..
        بقلمك الذي قال الكثير ..
        وأشعر بأنّ لديه الكثير أيضاً ..
        ليستفيض نهر هموم الأوطان ،التي تسكننا بكلّ ما بها من أحمالٍ...
        بورك بقلمك ...
        ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • روان علي شريف
          أديب وكاتب
          • 24-02-2011
          • 130

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
          الأستاذ القدير : روان علي شريف ...
          سعيدة بمصافحتك ...
          بوجودك بين أسرتك ..
          بقلمك الذي قال الكثير ..
          وأشعر بأنّ لديه الكثير أيضاً ..
          ليستفيض نهر هموم الأوطان ،التي تسكننا بكلّ ما بها من أحمالٍ...
          بورك بقلمك ...
          ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...
          القديرة والفاضلة ايمان سعيد بتواجدي بينكم
          وسعيد بكتاباتي الاولى التي وجدت طريقها للتثبيت.
          شكرا لكم.
          ليس كل الرجال خونة ولا الخيانة حتما امرأة

          http://cherifrouan.blogspot.com/

          تعليق

          يعمل...
          X