بعد بحث مضنٍ وعناء وجد العمل الذي يؤمن له ولوالدته ثمن الطعام وأجر الغرفة الزهيد، أصبح عاملا في محل للألبسة النسائية، كانت مهمته ترتيب الملابس وفق نظام معيّن وتبديل ملابس دمى عروض الأزياء يوميّا، أمّا مهمّة البيع فهي للبائعات، يغادرالمتجر مساء إلا هو، لأن عمله يبدأ ليلا لتهيئة ملابس الدمى لعروض اليوم التالي.
هذا العمل أوقعه في مشاكل مع صاحب المتجر، لأنه يصعب علية تنسيق ملابس كلّ دمية حسب ما يناسبها من أزياء وفقا لتعليمات صاحب المتجر، ورغبة في التخلص من المشاكل، منّ عليه ذكاؤه المحدود أن يمنح كلّ دمية اسما يناسب جمالها لعله يستطيع تحديد ما يناسبها من ملابس، وأصبح عالم المتجر عالمه الحميم، الدمية التي لا تعجبه يختار لها اسما تقليديا، والتي تعجبه يطلق عليها اسما يروق له، ثم يبدع في تنسيق الملابس التي تليق بجمالها، أعجبته دمية أطلق عليها اسم"نادين"، ذات ملامح جذّابة وشعر أشقر، وعيون أخّاذة تشعّ بلون البحر، شفتاها نديتان كحبتيّ كرز، كانت الدميّة نادين سببا في رقيّ ذوقه، لأنه يختار لها أجمل الملابس، مما يجعل الزبونات يتهافتن على شراء زيّ "نادين"، ووثق صاحب المتجر بقدرته على انتقاء الموديلات المناسبة للدّمى.
تحول إعجابه للدمية "نادين" إلى حبّ، يجلس معها ويكلمها: إجلسي، أتريدين قهوة وسيجارة، قهوتي لذيذة أصنعها بيدي، هيلها عبق أنفاسي، لكن لا تدخني، فالتدخين يؤذي صحتك، ليتني أقلع عنه، لكنت وفرت لأمي ثمن طعام جيد ورداء دافئا، أتعلمين أني أحبك، اعترفي، أتحبينني؟ أخرجي عن صمتك، أريد أن أسمعها، في عينيك دمعة، أهي من ولهك بي أو لأنك حزينة ؟ إني أسمع صدى تنهيدات عشقك تدوي في هذا المكان، ألا تقبلين بي حبيبا؟ أو ترفضين لأني فقير معدم، هل الفقراءلا يستحقون الحبّ؟ لكنّي طيب القلب،أتمنى أن أبني لك قصرا، وأملأه بالوصيفات والخدم وأحيطه بحديقة غنّاء، وأزرع لك ياسمينة، لا أطيق الابتعاد عنك، هل تشتاقين إليّ؟ أنا أتحدث وأنت صامتة، هل قلت شيئا، نعم سمعتك،قلتها: أنا أحبُّكَ أم خيالي هيأ لي، كأنك تسألين شيئا ؟ : لم أنا، فالرصيف مليء بالحسناوات! لا أدري لم أنتِ؟ كنت أسأل أصدقائي كيف السبيل إلى الحب؟ قالوا: يأتيك بلا موعد، والآن قد تملكني حبُك، لا أريد سوى الحب، لايسعدني غيره، وأنتِ مثلي تحتاجينه قد يعطيك الدفء في هذا المكان البارد، أنا على يقين أنك تملكين مشاعر حب صادقة لي، لكن لا تملكين قدرة التصريح بها".
أمّه تلقي عليه الأوامر والتوصيات كلّ يوم: يجب أن تحافظ على قروشك القليلة لأني أتمنى تزويجك، فيردّ فرحا: كما تشائين: سأبحث لك عن عروس.:لا تجهدي نفسك لقد وجدت العروس، فرحت : أهي جميلة ؟ : مِن أجمل ما يكون :وأخلاقها!: حميدة، لا تغضب، ليس لها طلبات، لا يسمع لها صوت، فم جميل بلا لسان : أهي خرساء؟ :لا، لا تهمس إلا لي :هل تعرف بفقرك : حدثتها عن حالنا لم تتبرم، وبدهشة تقول :هذا شيء رائع وهل وافقت على مشاركتنا المعيشة في غرفة واحدة ؟ : لم ترفض : أين تقيم؟ : في المتجر : ماذا!: أقصد لا أعلم أين تسكن تعرّفت عليها في المتجر: سأعطيك طعام الغداء(ساندويتشات) لك ولها، أتحب الزيت والزعتر؟ : تأكل كلّ ما آكله .
في الموسم الشتوي يزيد لها الملابس الصوفية الأنيقة خوفا عليها من البرد.
حان موسم الصيف وأصدر صاحب المتجر تعليماته بأن العروض ستكون لفساتين الزفاف، فرح وهمس في أذنها:عندما ألبسك الثوب الأبيض سأغني لك ونرقص معا، خالها تبتسم، ألبسها وأبهج جمالها، وقف بعيدا ثم غنى لها:" طلّي بالأبيض طلّي يا زهرة نيسان"، ومضات السعادة تبرق على محياه وهو يراقصها ويخالها تغني له:" يراقصني ويسمعني أحلى الكلمات"، ويبدأ بلملمة دموعها الواهمة حين تردد الأغنية: والمطر الأسود في عينيي، يغرق في رنين ضحكاته :أنها دموع الفرح لأنك عروسي.
الآن موسم تجهيز العرائس ، كلّفه صاحب المتجر أن يلبّس الدمى ملابس النوم التي تظهر مواطن الفتنة والإغراء، رفض أن يلبسها ملابس النوم القصيرة جدا والفاضحة(البيبي دول) لكن صاحب المتجرأرغمه على ذلك، أذعن له، وصار يخفيها خلفه ويكشّر غاضبا في وجه من يتأملها وهي في هذا الرداء الفاضح –خاصة الشباب-، وأحيانا يكيل لهم الشتائم، فيسخرون منه.
قبع في الزاوية مقهورا، أخذ يراقبها، خالها متعاطفة معه رغم كلّ مشاكله، تشعر بصدق كلماته، وتعرض له كل ملابس المحل لكن ما الفائدة هي مغلفة بالسواترالبلاستيكيّة والزجاجية، الفتيات على الرصيف مغلفات بسواترالأوراق النقدية، الفتيات الجميلات على شاشات التلفازمغلفات سواترالموجات الكهرمغناطيسية، يريد أمرأة واحدة، الفقر شله عن التفكير،نيران الشباب تحرقه أجهده العرق،ثار،غضب، قام إليها صفعها:أنت صورة للعرض فقط، لفّ قبضتيه حول عنقها ،خال كلماته جرحتها وذرفت دموعا، يريد كلمات، يريد آهات، لكنّ كلّ القيود كبلتهما، لكنه لم يدرك شيئا ، لم يدر ماذا يفعل؟ غضب، ثار، حمل هراوته وبعصبيّة جنونيّة كسّرها، بعثرها، ثم لملمها، ناحت مقلتاه وقلبه عليها، وفي الصباح وجده صاحب المتجر ينتحب قربها،قال له :أعلم أنك كسرتها دون قصد،اطمئن لن أخصم ثمنها من راتبك الشهري.
تعليق