كفيفٌ..كالبصمة كفيف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالمنعم حسن محمود
    أديب وكاتب
    • 30-06-2010
    • 299

    كفيفٌ..كالبصمة كفيف

    كفيفٌ..كالبصمة كفيف
    تيت .. تييت ..
    آلو .. آ ..
    .. .. .. ؟
    نعم، هذا هو اسمي
    .. .. .. !
    مخطئ يا سيدي، هذا ليس بجدي، جدي تلطخت مساماته منذ نصف قرن بأشرف الألوان وتلاشى. لا تحدثني ثانيةً، ودعني أتسلق سلم بداياتي الجميلة، وأعيش لحظاتي.
    لحظاتي الآن لا تشير إلى بريقٍ ما. لا وهج أتشبث به. أشياء وأشياء ترعبني وترعب ذاكرة السكون.
    علمتني التجربة أن أتدحرج بذاكرة معطوبة، وأسقط كافة الأحكام الجاهزة، ولا جاهزٌ لديّ كي أسقط حكما قد صدر في حقه !.
    نعم ..
    وحده هو الذي أثبت للجميع أن للموت لونا أخضر..!
    ومن هم الجميع الذين أثبت لهم جدي ذلك ؟
    لا أحفاد له يمسحون هياكل السيارات المبعثرة في أزقة الكرة الأرضية كخرقات من القطن طويل التيلة يدفعها كرسي الوزارة جهة المجهول.
    أنا حفيده الوحيد.
    أبناؤه..؟
    عفواً..، ليس له أبناء.
    فريق من البنات لا يتعدين الواحد والعشرين بنتا، جميعهن من بطن واحدة، ومن ظهر واحد.
    قضم عشر سنوات من حياته مع جدتي، دون أن يلسع النقطة العمياء الواقفة في الخط الفاصل بين التهذيب واللاتهذيب في التعامل معها. أرهقها بإفرازات جسد لا تنتهي، فانسحبت منه انسحابا أحمر، ومرا مر مريع.
    كجثة جمل لا علاقة له بالصحراء كانت جثته..
    يأكل بشراهة وكأنه خارج من حمأ مسنون. يهشم عبر سياج عتمته كل ما يقع في يده. يستلقي في فراشه بذات الطريقة التي يلتهم بها الأشياء. لا يرهقه ذهنه ولا يفتقده. لم يذق نعيم التيار الكهربائي في حياته. راهن على رغبته في جدتي كآلة مبرمجة وفق تقنية عالية الدقة. نطفة واحدة من ماء طحينه يضخها كالإعصار كل سنة في أحشائها، تخترق النطفة بعنف وفي آنٍ واحد بويضتين، ليستلم في الشهر التاسع توأمين، (فاطمة وفطومة، مريم ومريومه..، عائشه وعيوشه..)، لتستقبلهن السماء فاتحة ذراعيها في اليوم السابع، عدا تلك البنت التي خرجت من قاع رحمها دون رفقة تؤانسها في الطريق، وأصبحت فيما بعد أمي.
    موسيقى الأسماء تستهويه..
    ولكن قبل عام من رحيلها المر، احتجت جدتي كجنين متكور في رحم الظلمات بصمت قاتل على الطريقة الثنائية التي يتبعها في حياته معها. تمكنت من تقلصاتها الداخلية، وتحكمت فيها. شيدت السدود في طريق مائه التي يدفع بها دفعا في تجويفها، ووجهتها لبويضة واحدة فقط، وسلمته بعد انتهاء المدة المتفق عليها يدا بيد بنتا يتيمة لا توأما لها.
    دهنت جسدها كل جسدها بزيت الصمود، وأطلقت صوتا نشاز في سلم موسيقاه الخماسي، فبعد عشرين أنثى خرجن عبر أنفاسها، لأول مرة تعزف على وتر واحدة منهن وتسميها. اختارت لطفلتها الأخيرة اسم (خالدة)، وهبتها رحيقا كالماء الرقراق لسبعة أيام متتالية، ثم رحلت. ماتت موتا أحمر فاقع الاحمرار. مزقت في منتصف الليل ثديها الأيمن، ثم الحقته بالثاني. اهترأ رحمها، وسدت بطريقة أحتار فيها أطباء الشرق فتحة مهبلها، وأغلقت في وجه البويضات منافذ الخروج.
    لم تكن مجنونة كل الجنون، ولا متزنة كل الاتزان.
    لم تطق جدي كما كان يعتقد.
    (عبدالغفور) شقيق جدي الأصغر اشتهر في قريتنا والقرى المجاورة باللطف والحياء. مفتوح المسام. لا يبتاع في علاقاته الإنسانية سوى تشكيلة واحدة من الابتسامات الملونة. ولا يرتدي جلبابا مرقعا بتوارث الانطباعات المعلبة التي تسجن الآخر في أغلفة بلاستيكية ممنوعة صحيا.
    كان مثقفا بلا استعلاء، نظيفا وأنيقا، وأول من جلب مجلة (هنا أم درمان) لقريتنا الواقعة شرق خزان (سنار). كان الوحيد الذي أحرز درجة عالية أهلته للالتحاق بمدرسة (سنار) الوسطى من أول سنة جلس فيها للامتحان. كرادار الخفاش حفظت جدتي في تاج شريانها جدوله اليومي.
    في أول تظاهرة سياسية تسللت عبر جدران المدرسة، شوهت المدرسة غلاف منهجها لأجل غير مسمى. عاد إلى القرية مخبئا المجلة خلف حزامه الجلدي، سلم على والديه، ومارس معهما طقوس الطاعة. مزح مع أمه حتى سال الدمع في أخاديد وجهها. أدهش والده بجهاز تسجيل صغير الحجم يحوي آيات القرآن الكريم مرتلة بصوت الشيخ (صديق أحمد حمدون). تناول غداءه سريعا دون أن يستنكر مذاقه المالح، وركض جهة بيت جدتي مدعيا بأنه جاء يتفقد أحوال عمه. والد جدتي كما اعتاد عند كل ظهيرة، تجده منهمكا في احتياجات قطيع من الماعز يقاسمه فناء الدار. دخل عبدالغفور ورأها. أنثى تبرق في مرآة حلمه كبناية شاهقة من عشرة طوابق ونافذة واحدة مفتوحة على شاطئ العلاقات المعاني. نظر إليها نصف نظرة كانت كافية ليتبادل البطين الأيمن لقلبها مكانه مع البطين الأيسر. دس في راحتها المجلة، وهرول يحمل عن والدها الإناء الممتلئ بحليب الماعز.
    تركت ضفيرتها معلقة في الهواء، وغطت وجدانها العاري بأول مجلة تراها في حياتها. لم تذهب إلى مدرستها في اليوم التالي، ولم تفارق عيناها الصفحة الأولى. رسمت في خيالها صورا عديدة (لحسن طه زكي) رئيس هيئة التحرير، تخيلته إنسانا مغاير، لا دم يجري في شرايينه ولا ماء، فكل ما يجري هناك كريات من مداد متداخل الألوان. استعصى عليها فهم كلمة رئيس..
    وكم رئيسا يوجد في هذا المليون إلا ربع من الأميال؟
    وماذا يعني التحرير؟
    وهل مفهوم التحرير في المجلات لديه علاقة بتحرير الأرض؟
    وهل نلنا استقلالنا بالفعل، أم مازلنا ننتظر؟
    وكيف يكون التحرير في مجلة كهذه؟.
    هواجس تناسلت بالانشطار أقعدتها في البيت ثلاثة أيام متتالية، وفي اليوم الرابع سكبت دفقة من لعابها في طرف ابهامها الأنيق وقلبت الصفحة. ورقة بيضاء مسطرة منزوعة من كراس مدرسي تقبع بين الصفحتين، أنستها الصور الزاهية التي تزدهي بها الصفحة الثامنة في المجلة، همست:
    - هل نسيّ رئيس التحرير الورقة بالفعل، أم تركها قصدا لتقع في يدها؟
    وكيف لإنسان وصل إلى مرحلة يكون فيها رئيسا أن ينسى؟
    خبأتها في النيل القابع بين تلال صدرها. مارست احماءة بسيطة استعدادا لمواجهة واجبها المنزلي. وضعت طستا كبيرا أمام مقعد صغير يحاذي الأرض، ملأت جردلا بلاستيكيا بالماء، أحضرت صحنا من الألمونيوم ووضعت فيه قطعة صابون رديئة الصنع مشقوقة طوليا، ومجموعة من أسلاك رفيعة ملتفة حول نفسها، جمعت فستانها بين ساقيها. بدأت بالملاعق، أمسكت بالأسلاك الناعمة وأغرقتها في ماء الصابون الموجود بجوارها في الصحن، لملمت مجموعة من الملاعق ورتبتها، الذيل مع الذيل، والرأس مع الرأس، ومررت في هيكلها لفافة السلك المبتلة بماء الصابون، قبضت يد الكوب وأدخلته في بطن الجردل، ملأته بالماء، أفرغته فوقها، تلاشت رغوة الصابون العالقة فيها، وضعتها فوق سطحٍ من الحديد. بذات الطريقة مرت على كل إناء موضوع أمامها، وبقطعة قطنية نظيفة جففت الأواني. اتجهت صوب حبل الغسيل. جمعت الملابس، غطت الأرض بسجادة مصنوعة من السعف، وضعت فوقها بطانية، وفوق البطانية ملاءة نظيفة، رفعت غطاء المكواة، ملأت ثلث تجويفها بالجمر، وشرعت في كي الملابس. فتحت دولابا خشبيا ملتصقا بالجدار الداخلي للغرفة، وضعت الملابس بعناية في الأدراج. اغتسلت، تأنقت، انزوت في ظل حائط الغرفة الخلفي، سبحت بيدها في النهر، اتكأت على التلال و أخرجت الورقة، تأملتها من الخارج، فتحتها..

    "عليكِ أن تتركي في حواسك حاسة شاغرة لحلم مقبل" /عبدالغفور/ مارس 1956م
    ... ... ...

    قاس جدا
    ودموي جدا
    هذا الرهان الأعمى
    وبسببه معلقة جدتي
    كسروال سجين (مشرور) في القضبان.
    ... ... ...
    فجدي خلافا لأخيه (عبدالغفور) لا علاقة له بالحواس، ولا يعرف معنى أن تكون هناك مساحات شاغرة لحلم مقبل. حاصرته خاصرة الرغبة في ذلك اليوم، واشتهى جدتي كمن يشتهي رغيفا ساخن في فرن من ثلج. جاء مبكرا على غير عادته من المزرعة، ترجل عن حماره متوتر الأعصاب. لم يقيده، ولم يسأله إن كان ظمآنا أم لا. بحث عن والده في أرجاء الدار، لا أثر للوالد. اجتاز الشارع الفاصل بين داره ودار عمه.
    جدتي لم تعد من المدرسة بعد.
    حائر والدها يتأمل في الفراغ.
    لم يلق التحية عليه كما ينبغي. حدثه دون مقدمات، وكأنه يبصم على أمر منته، أن سبابته جاهزة اليوم لتبصم في أوراق المأذون، وعليه أن يحتوي ابنته بين ذراعيه، ويكفيها هذا القدر من التعليم..
    ثم ماذا فعلت المتعلمات منهن؟
    وبماذا تميزن عن الأخريات؟
    ضرب والد جدتي كفا بكف، واستغفر ربه. جمع في رأس خيط فتات كلامٍ قديم، وحاك به احتجاجه، وأن حديثا مثل هذا يجب أن يدور بين الكبار، وليس من اللائق أن يأتيه لوحده هكذا. صحيح أن البنت نيوترون لا شحنة فيه في نواة ابن عمها مهما كانت طبيعة ذراته، ولكن ليس بهذه الطريقة، وكأنها لا فرق بينها وبين الماعز..
    كفراشة حائرة جاءت جدتي من مدرستها، وفي مخيلتها عبارات جديدة قرأتها في عدد جديد من المجلة، تود أن ترسمها في خطاب أنيق، وترسلها في الصباح الباكر لصديقها وحبيبها وابن عمها (عبدالغفور).
    نزعت ورقة خالية من الحبر من منتصف كراسة اللغة العربية، وتناولت قلما. اتجهت إلى مكانها المفضل في ظل حائط الغرفة الخلفي، ارتدت صرخة كادت أن تفلت منها، وهي ترى والدها على غير عادته متربعا في زاويتها الخاصة. ناداها وأجلسها بجواره. لملم حروفا غريبة لا معنى لها وخاطبها، ثم صمت حتى أنهار سقف اللغة فوق رأسها. خاف من جرعات الخوف التي تلقتها من كلامه غير المفهوم. اختصر المشهد بكاميرا واحدة مس بعدها البؤري بيت القصيد الذي يحوي بين أغراضه تفاصيل رغبة ابن عمها في الزواج منها وفي الحال.
    استغنت جدتي عن عظامها وقفزت ككورية تتصدر أولمبياد هذا العام لأول مرة في وجه أبيها، حتى طار معها طرف ما ترتديه في تلك اللحظة ووصل إلى خصرها الرفيع. زجت حضنها في حضنه، غسلت لحيته بالدموع، وبتعبير مختنق أشارت لتعابير الهيام المنتظرة صافرة الانطلاق. لوحت بالورقة والقلم، وإنها كانت في طريقها أن ترسم له لهفة كبيرة في خطاب أنيق أناقة مشاعره.
    انتفض والدها انتفاضة وطن مجروح ودفعها بقوة بعيدا عن صدره..
    - كيف تصورين لهفة من ورق يا ابنتي لمن لا صلة له بالقراءة والكتابة، إنه رجل أُمي ابن أمي، إنه ليس (عبدالغفور)، إنه..
    ... ... ...
    حالما سمع (عبدالغفور) بالحادثة ركل كرسيه داخل حجرة الدرس، استأذن من مدير مدرسته، تنفس بعمق، وركض جهة المستشفى. نصف سكان القرية ينتشرون في الأزقة. لم يضع وقتا في محادثة المعترضين، حفظ رقم الغرفة التي تتمدد فيها جدتي كما يحفظ اسمه. الباب مواربا. ثنى ركبته، دفعه ودخل.
    وكأن البريق غادرها بين ليلة وضحاها. مستلقية على ظهرها، جاحظة العينين، هائمة في اللاشئ، أطرافها متيبسة، وباردة كلوح ثلج. انسحب من كان معها في الغرفة، داهمت رهبة الموقف والدها، مال بعنقة لتمر ريح العاطفة بسلام، وخرج. اقترب (عبدالغفور) من وجهها حتى كاد يلتصق به. لا يهتز لها جفن، تراه وكأنها لا تراه. قطرات من الدمع تسقط من مقلتيه وتستقر في خدها. جفف دموعه وخرج. تمعن في الوجوه المتعبة التي تثير الغبن أكثر مما تثير الشفقة. بحث عن شقيقه الذي تسبب في هذه الكارثة. لم يجده، مشط قدميه، وهرول صوب الخزان.
    السيارات بأنواعها المختلفة تصطف في صف طويل يبدو أن لا نهاية له. مسار الحركة وفق قانون الخزان في مثل هذا الوقت يتيح المجال للسيارات الداخلة للمدينة، وعلى الخارجة منها الانتظار. لم ينتظر، اجتاز الخزان راكضا، سد أذنيه في وجه أبواق السيارات التي تسير في اتجاه معاكس لاتجاه حركته، وصل للطرف الآخر. بلهجة آمرة أمر سائق يتكئ على ظهر سيارته وفي يده لفافة تبغ، أن يتجه به وفي الحال جهة القرية. تحرك به السائق دون أن يدرك قيمة أجرته. تجاوزت به العربة القرية من الجهة الأخرى، واقتربت من المزرعة. صرف السائق بعدما رمى في طرفه حزمة أوراق مالية.
    وسط قناديل الذرة وجد شقيقه مستلقيا، وبجانبه راديو جديد يبث أغنية قديمة..
    ليه بنهرب من مصيرنا
    نقضي أيامنا فى عذاب
    الحوار بينهما بدأ هادئا ثم سرعان ما أصبح مشتعلا، تحركت الأيادي والأرجل، وتمردت الرؤوس. نجح الشقيق الأكبر في طرحه أرضا، قيده بحبال سميكة، وأغلق فمه بقطعة قماش متسخة، وجلس يفكر..
    ماذا سيفعل بأخيه (عبدالغفور) ..؟
    ... ... ...
    انتبه كل من كان في المستشفى لهذا الغياب. تركوا النساء والأطفال مع جدتي. تشكلت الوفود سريعا، تسابقوا صوب المزرعة، ووقفوا في الحافة.
    لا شئ سوى صوت الهدوء وهو يخدش غلاف الهدوء.
    ودون سابق انزار لاح جسد (عبدالغفور) محمولا على كتف أخيه. يبكي الأخ بعصبية، ويشير لأفعى لا تتحرك يحملها في يده اليمنى. يطأطئ الجميع رؤوسهم دلالة الفهم، وأن أفعى لئيمة لدغت (عبدالغفور) في عنقه، وعلى أثرها لفظ أنفاسه الأخيرة.
    يرفض والده بشدة فكرة المشرحة التي اقترحها بعض المتعلمين في القرية. مثمنا على "أن الموت واحد وإن تعددت الأسباب، وأن احترام الميت يكمن في دفنه، ولن ندخل ثقافة التمثيل بجثث موتانا في تفكيرنا.."
    ... ... ...
    ازدادت عينا جدتي جحوظا، وكادت أن تنفلت من محاجرها. انتقلت بذات الصمت الراسخ وفي هدوء مريب من المستشفى إلى البيت. مارست واجباتها المنزلية، وكأنها قرص لأيام لا تفتر عن الدوران. لم يرحم جدي ضعفها، ازداد تمسكا بها، تزوجها. عاشت معه كجهاز حديث يدار بالطاقة الشمسية. لا تتفوه بلا، ولم تشر بنعم، وجه محايد وشفتان مزمومتان على آخرهما، تنجز تفاصيل يومها وكأنها تنجزها لشخص آخر، تنكر جسدها، ولا تشعر به كلما نامت على ظهرها جوار جدي. ينتفخ بطنها ولا تبتهج، يحين أوان التفريغ ولا تتألم، تضع أطفالها بيسر كأنها تسدد دينا قديما يجب عليها تسديده.
    في المرة الأخيرة، وبعد أن مات التوأم الخامس، وفي لحظة ولادتها لأمي، وكمن تعرض لصاعقة مميتة تذكرته..
    لم تعد تحتمل..
    تسربت ذكراه عبر مساماتها..
    ملأت تجاويفها..
    شعرت بأنفاسه قريبة منها..
    يده تلامس يدها، تخبئ فيها (هنا أم درمان)، يتنزهان في مساحات شاغرة لأحلام مقبلة..
    وفجأة سمعت صراخ الأنثى الوليدة، وضعتها وحيدة، لا أخت تقاسمها رهق الخروج. ناولتها (للقابلة) التي كانت واقفة بجوارها، وأمسكت بورقة قديمة منزوعة من كراس قديم مكتوب على ظهره (مادة اللغة العربية)، زجت قلما رفيعا بين أصابعها، مالت برأسها إلى الأمام، خطت أولى كلماتها بعد غياب طويل، كتبت بين قوسين (خالدة) اسما لطفلتها الأخيرة.
    أعطت جدتي ابنتها الوليدة (خالدة) أسبوعا كاملا من الحنان المعلن، وفي اليوم الثامن التصق بها جدي كثعبان ميت. دفعته بكل طاقة كامنة فيها. تتدحرج ككرة من البلاستيك، ارتطم رأسه بالدولاب الخشبي المواجه لسرير يتوسط غرفة نومهما. انتفضت كبركان ثائر واقتحمت المطبخ، وقع بصرها على مجموعة خيوط متشابكة، وبجانبها إبرة طويلة العنق، أخذت الإبرة والخيوط، وقبضت آلة حادة من مقبضها بيدها الأخرى، وعادت إلى سريرها المواجهة للدولاب الخشبي. كسرت بمرفقها المرآة التي تعكس صورتها، وضعت الطفلة (خالدة) في حِجر والدها الغائب عن الوعي، جلست في منتصف السرير، فتحت ساقيها كما لم تفتحهما من قبل، زجت برأس الخيط في ثقب الإبرة، انحنت ورسمت نصف دائرة بجسدها، سحبت بقدر ما تستطيع الضفة اليمنى لفتحة مهبلها، غرزت فيها الإبرة حتى خرجت من الطرف الثاني. انتقلت للضفة الأخرى، سحبتها لأعلى، زجت بالإبرة وأخرجتها كماهي من الجانب الآخر، أخرجت رأس الخيط من الثقب، ربطت رأس الخيط الأول برأس الخيط الثاني، أغلقت ساقيها، رمت الإبرة والخيوط في وجه جدي الذي عاد إليه وعيه، وظل يراقب ما يدور في ذهول. أمسكت ذيل شعرها المتدلي على ظهرها، شدته بقوة، تناولت السكين، نحرت الذيل ورمته أيضا في وجه جدي المصلوب في مكانه. اعتدلت في جلستها وسط الدم المنساب من تحتها. مزقت في دفعة واحدة الجانب الذي يغطي صدرها من القميص، تمكنت من مقبض السكين، جمعت بيد واحدة ثديها الأيسر، تأملت لدقائق قليلة السقف ثم صرخت، وأدخلت نصف السكين فيه، ثم نامت في بحيرة من الماء الأحمر..
    تم دفنها في ذات الليلة في موكب لا صوت فيه غير نقيق الضفادع، وبضعة أصوات لحشرات لا تظهر إلا في مواسم الأمطار..
    ... ... ...
    عندما يحين الوقت لينتقل جدي داخل المستشفى من سرير لآخر، تستدعي الادارة عبر رقم هاتف مخصص لذلك كتيبة كاملة من الجيش المركزي ليؤمن للجميع انتقالا سلميا، وما أن يستقر فوق سريره الجديد حتى تقيد جميع أطرافه بسلاسل من الحديد، ويبعد عن نظره كل من له لونا يشبه اللون الأحمر. وتدريجيا بدأ الأحمر ينتشر في أرجاء مخيلته..
    صباح اليوم وأنا في مدرجات الجامعة أعزف بفمي لحن الخلود لصديقاتي، رنّ هاتفي المحمول، وعرفت عبر مكالمة مختصرة، أن جدي عندما استيقظ من نومه، ورأى كل مليمتر في جسده يكتسي باللون الأحمر، انتقل لوحده وبهدوء إلى المكان الذي يقبع فيه سريره الأخير.
    التواصل الإنساني
    جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    أخي عبد المنعم ..
    نصوصك مثيرة بأفكارها و شخوصها و أسلوبها..
    لها رائحة خاصة و طعم فريد..
    هنا أحتاج لقراءة ثانية و ربما ثالثة لامسك بتلابيب النص .
    سأعود.
    تحيتي.
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      وأخيراً تمرّدتْ الجدّة ...
      محتْ عن كاهلها كلّ أحمال السّنين التي أنهكتْ روحها ، وجسدها ...
      من رجلٍ مستبدّ ، مارس عليها كلّ أنواع القهر ..والسّاديّة ، والتّعذيب ..
      لا يفكّر إلاّ بدائرة ذاته الأنانيّة ، المتضخّمة ،الحسيّة ..التي لا تشبع ..
      أنهتْ الجدّة بيدها ...عصوراً من القمع ، والتحكّم ، والحياة الرّتيبة التي لاروح فيها ...
      وبقي في روحها ذلك الوميض ، الحلم ، الأمل، الذي زرعه في روحها ذات إشراقٍ / عبد الغفور /قبل أن يرحل ومعه علامة استفهامٍ كبيرةٍ ..
      فعاشت حياةً ...لم تكن بخيارها ...ولا كانت تلامس قلبها الذي انفتح للنور ، والعلم ، والضّياء ...
      إسقاطاتٌ مذهلة وجدتها هنا أديبنا المبدع عبد المنعم ...يلخّص أرشيف ممرّات دروب متشابهة عاشت تفاصيلها الشّعوب المنهكة التي تبحث عن الخلاص ...
      ويبقى الموت بعزّة، وشموخٍ ،وإرادة ...أفضل ألف مرّة من عيشً بليدٍ ، مستباحٍ بلا كرامةٍ، وبلا هدفٍ...
      أعجبني رمز السّعادة التي تتنفّس بها الحفيدة ..وهي ترصد قصّة جدّيها ..عندما كانت تدندن لحن الخلود ...مع صديقاتها ..
      هكذا قرأت النصّ ...أو هكذا وصل إليّ ..
      اجتهدتُ فأعطيتُ انطباعاً مباشراً ...علّه لامس المعنى الكامن في سطورك المذهلة ...الرّائعة ...
      سلمتْ أناملك أخي عبد المنعم ...وعاش قلمك النيّر ..الجّميل ..
      ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ..

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        معتّق بالبعناء و اليأس و الخلود وجع الأجيال هذا.
        أنت أديب متميّز بحق أخي عبد المنعم،أدركت ذلك فيما سلف و تأكّدت منه هنا ،لمّا لفّني الشّعور - و أنا أخرج من النصّ - بأنّي كنت أخوض تجربة حسّيّة بكامل الصّحو و اليقظة و ليست مجرّد قراءة.
        أحسنت صديقي.
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        • عبدالمنعم حسن محمود
          أديب وكاتب
          • 30-06-2010
          • 299

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
          أخي عبد المنعم ..
          نصوصك مثيرة بأفكارها و شخوصها و أسلوبها..
          لها رائحة خاصة و طعم فريد..
          هنا أحتاج لقراءة ثانية و ربما ثالثة لامسك بتلابيب النص .
          سأعود.
          تحيتي.
          .........
          أستاذتي في عالم القص الجميل / آسيا نور
          تحية طيبة
          .....
          وقبل التحية تقبلي أولا احترامي الكبير لشخصك النبيل
          .....
          رغم أن كلماتك أعلاه تكفيني لأعجب بنصي طالما أنه نال إعجابك
          إلا أنني سأضع يدي في خدي انتظارا لعودتك الميمونة
          ....
          وشكرا لهذا التشجيع الذي سأظل أعتز به دائما
          تقديري
          واحترامي مرة أخرى
          التواصل الإنساني
          جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


          تعليق

          • عبدالمنعم حسن محمود
            أديب وكاتب
            • 30-06-2010
            • 299

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
            وأخيراً تمرّدتْ الجدّة ...
            محتْ عن كاهلها كلّ أحمال السّنين التي أنهكتْ روحها ، وجسدها ...
            من رجلٍ مستبدّ ، مارس عليها كلّ أنواع القهر ..والسّاديّة ، والتّعذيب ..
            لا يفكّر إلاّ بدائرة ذاته الأنانيّة ، المتضخّمة ،الحسيّة ..التي لا تشبع ..
            أنهتْ الجدّة بيدها ...عصوراً من القمع ، والتحكّم ، والحياة الرّتيبة التي لاروح فيها ...
            وبقي في روحها ذلك الوميض ، الحلم ، الأمل، الذي زرعه في روحها ذات إشراقٍ / عبد الغفور /قبل أن يرحل ومعه علامة استفهامٍ كبيرةٍ ..
            فعاشت حياةً ...لم تكن بخيارها ...ولا كانت تلامس قلبها الذي انفتح للنور ، والعلم ، والضّياء ...
            إسقاطاتٌ مذهلة وجدتها هنا أديبنا المبدع عبد المنعم ...يلخّص أرشيف ممرّات دروب متشابهة عاشت تفاصيلها الشّعوب المنهكة التي تبحث عن الخلاص ...
            ويبقى الموت بعزّة، وشموخٍ ،وإرادة ...أفضل ألف مرّة من عيشً بليدٍ ، مستباحٍ بلا كرامةٍ، وبلا هدفٍ...
            أعجبني رمز السّعادة التي تتنفّس بها الحفيدة ..وهي ترصد قصّة جدّيها ..عندما كانت تدندن لحن الخلود ...مع صديقاتها ..
            هكذا قرأت النصّ ...أو هكذا وصل إليّ ..
            اجتهدتُ فأعطيتُ انطباعاً مباشراً ...علّه لامس المعنى الكامن في سطورك المذهلة ...الرّائعة ...
            سلمتْ أناملك أخي عبد المنعم ...وعاش قلمك النيّر ..الجّميل ..
            ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ..
            .....
            لنسميه سرا
            ما كنت أود البوح به..
            كثيرة هي النصوص في هذا الملتقى العامر قرأتها عبر رؤاك
            عندما تعلقين على بعضٍ منها
            تلك الرؤى التي تفسح الطريق وتنيره
            وتجعل من فضائه الدلالي فضاء غير منتهي.
            ....
            في السابق كنت أكتب النص كيفما جاء
            والآن حالما أضع في ذهني
            بأن أستاذة كبيرة وفاضلة ومبدعة بحجم إيمان الدرع
            قد تطلع عليه أقف صفا انتباه
            وأقول لنفسي يجب أن أجود عملي أكثر
            لا لأنال إعجابها فحسب
            وإنما حتى لا أشعر بتأنيب في الضمير
            وأنا أسرق بضع دقائق من عمرها المديد بإذن الله
            وأرميه في جيوب نصوصا لا تستحق.
            ....
            عبرك تدهشني نصوصي ونصوص الآخرين
            وتدهشني أكثر قدرتك على التعبير
            مما يثبت لي بأن التعقيب هو فعل إبداعي موازي.
            ....
            شكرا لكل ثانية
            مع فائق احترامي
            التواصل الإنساني
            جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


            تعليق

            • عبدالمنعم حسن محمود
              أديب وكاتب
              • 30-06-2010
              • 299

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
              معتّق بالبعناء و اليأس و الخلود وجع الأجيال هذا.
              أنت أديب متميّز بحق أخي عبد المنعم،أدركت ذلك فيما سلف و تأكّدت منه هنا ،لمّا لفّني الشّعور - و أنا أخرج من النصّ - بأنّي كنت أخوض تجربة حسّيّة بكامل الصّحو و اليقظة و ليست مجرّد قراءة.
              أحسنت صديقي.
              ........
              مرتابا في أمره
              كنت أحتفظ بهذا النص منذ فترة
              وفي نهاية الأمر أطلقت صراحة
              وقلت / فليكن ما يكن /
              لذا تجدني صديقي أ.م. فطومي

              أكثر احتفاءً اليوم
              وفرحا بالصدى الطيب الذي وجده النص
              وفق تداعيات زائقتك الأدبية التي أثق فيها تماما
              شكرا أستاذي
              وأنت تقف بجواري
              وتشد من ساعدي الهش
              مع محبتي
              التواصل الإنساني
              جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


              تعليق

              • آسيا رحاحليه
                أديب وكاتب
                • 08-09-2009
                • 7182

                #8
                "عليكِ أن تتركي في حواسك حاسة شاغرة لحلم مقبل" /عبدالغفور/ مارس 1956م

                و لأن الآخر لم يترك لها حاسة شاغرة للحلم
                لأنه كتم على حواسها و خنق فيها كل نبض للأمل و الحياة فقد وجدت خلاصها في الموت.
                أخي عبد المنعم..كلما أعدت قراءة هذا النص اكتشفت قيمته و قوته أكثر.
                لا أدري إذا كان إخوتي هنا يشاطرونني الإحساس و لكني بصدق أجد في نصوصك دائما روح الرواية..
                لأن لك قدرة فائقة على التصوير و الغوص في التفاصيل ..
                أتمنى لك التوفيق و المزيد من الإبداع .
                تحيتي.
                يظن الناس بي خيرا و إنّي
                لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                تعليق

                • عبدالمنعم حسن محمود
                  أديب وكاتب
                  • 30-06-2010
                  • 299

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
                  "عليكِ أن تتركي في حواسك حاسة شاغرة لحلم مقبل" /عبدالغفور/ مارس 1956م

                  و لأن الآخر لم يترك لها حاسة شاغرة للحلم
                  لأنه كتم على حواسها و خنق فيها كل نبض للأمل و الحياة فقد وجدت خلاصها في الموت.
                  أخي عبد المنعم..كلما أعدت قراءة هذا النص اكتشفت قيمته و قوته أكثر.
                  لا أدري إذا كان إخوتي هنا يشاطرونني الإحساس و لكني بصدق أجد في نصوصك دائما روح الرواية..
                  لأن لك قدرة فائقة على التصوير و الغوص في التفاصيل ..
                  أتمنى لك التوفيق و المزيد من الإبداع .
                  تحيتي.
                  ........

                  أ. آسيا
                  تحية واحترام وتقدير
                  نعم الأمر يبدو هكذا
                  كما أشار لي من قبل كثير من الأصدقاء
                  ومادام هو كذلك
                  حتما سأفعلها في القريب العاجل
                  شكرا لك
                  لأنك جزءا من هذا المنعطف الذي أنا مقبل عليه
                  ولك ولمن حولك
                  الصحة والعافية.
                  التواصل الإنساني
                  جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    #10
                    قليلون هم من يجيدون صياغة الأسطورة
                    ووقعنتها وفق موروث عريض ضارب الجذور
                    و قليلون أيضا من يتقنون حبك الدلالة ، و ليس الرحيل فى الهذيان
                    أو استجلاب الغريب و المدهش و فقط !!

                    قد تكون الاثنين معا .. بلا كثير من تفكير أو تنشيط للذاكرة
                    فهنا تعود إلى جذورك .. أو لنقل منابت الأسطورة التى نمت
                    و تنمو هناك على ضفاف النيل ، و أحراش المستنقعات
                    و هذا العالم الوسيع و انفلات الطبيعة ، و قسوتها البشعة
                    فى مواجهة الكائنات ، أى كان نوعها .. !!

                    و هنا على مداد الأسطورة كانت جدة ، نموذجا من جدات كثر
                    و كانت بداية أخرى تتبلور
                    و لكن الواقع الأبشع كان لها بالمرصاد
                    فتذهب البداية المضيئة
                    و لا تكون إلا تلك لامرأة للفراش و الولادة و إنجاب البنات .. للاسف
                    عشر بطون .. و بطن لا تنجب إلا البنات ؛ كأنها اللعنة التى مارست دورها عليها
                    و عليه .. عليها بالصمت الذى قررته دون قرار ، و عليه بغدره بأخيه .. !!
                    ياللغرابة .. هنا وجدت جوا شكسبيريا صرفا ، ليس لأنك جلست من الثعبان قاتلا كما شكسبير فى هاملت
                    و لكن لأن حالة الابداع أطلقت بلا توقف ، أو انتقاء ، حتى كان المشهد الأكثر قسوة ، الذى يأتى ليس منفصلا عن مثولوجية بلادنا ، و لكنه يأتي مرتبطا بها ، مشحونا بما حمل من غريب و مدهش ، لو كتب يوما لأفزع و أمات !!

                    هناك الكثير من الحديث يطرحه هذا النص الذاخر بالغريب و ألأسطورى
                    و الدلالى الذى يلقى بظلاله على الوادى و ناسه ، و إراداته .. و لكنني أكتفي
                    و أترك المجال لنظرة أكثر اتساعا !

                    يحضرني اسمان كبيران هنا معنا فى الملتقى ،
                    و هما أيضا من جنوب الوادى الخصيب ، و ينتجهان
                    نفس النهج ، و ذات الواقعية التى أعشقها ، و التى بلا شك
                    سوف تقود إلى قص يتفوق على نفسه ، و لا يكون له قياس
                    إلا من خلال نفسه هو ، و ليس لنموذج يأتي من الأمازون أو بلاد الانديز !!


                    محبتي
                    sigpic

                    تعليق

                    • ربيع عقب الباب
                      مستشار أدبي
                      طائر النورس
                      • 29-07-2008
                      • 25792

                      #11
                      قليلون هم من يجيدون صياغة الأسطورة
                      ووقعنتها وفق موروث عريض ضارب الجذور
                      و قليلون أيضا من يتقنون حبك الدلالة ، و ليس الرحيل فى الهذيان
                      أو استجلاب الغريب و المدهش و فقط !!

                      قد تكون الاثنين معا .. بلا كثير من تفكير أو تنشيط للذاكرة
                      فهنا تعود إلى جذورك .. أو لنقل منابت الأسطورة التى نمت
                      و تنمو هناك على ضفاف النيل ، و أحراش المستنقعات
                      و هذا العالم الوسيع و انفلات الطبيعة ، و قسوتها البشعة
                      فى مواجهة الكائنات ، أى كان نوعها .. !!

                      و هنا على مداد الأسطورة كانت جدة ، نموذجا من جدات كثر
                      و كانت بداية أخرى تتبلور
                      و لكن الواقع الأبشع كان لها بالمرصاد
                      فتذهب البداية المضيئة
                      و لا تكون إلا تلك لامرأة للفراش و الولادة و إنجاب البنات .. للاسف
                      عشر بطون .. و بطن لا تنجب إلا البنات ؛ كأنها اللعنة التى مارست دورها عليها
                      و عليه .. عليها بالصمت الذى قررته دون قرار ، و عليه بغدره بأخيه .. !!
                      ياللغرابة .. هنا وجدت جوا شكسبيريا صرفا ، ليس لأنك جعلت من الثعبان قاتلا كما شكسبير فى هاملت
                      و لكن لأن حالة الابداع أطلقت بلا توقف ، أو انتقاء ، حتى كان المشهد الأكثر قسوة ، الذى يأتى ليس منفصلا عن مثولوجية بلادنا ، و لكنه يأتي مرتبطا بها ، مشحونا بما حمل من غريب و مدهش ، لو كتب يوما لأفزع و أمات !!

                      هناك الكثير من الحديث يطرحه هذا النص الذاخر بالغريب و ألأسطورى
                      و الدلالى الذى يلقى بظلاله على الوادى و ناسه ، و إراداته .. و لكنني أكتفي
                      و أترك المجال لنظرة أكثر اتساعا !

                      يحضرني اسمان كبيران هنا معنا فى الملتقى ،
                      و هما أيضا من جنوب الوادى الخصيب ، و ينتجهان
                      نفس النهج ، و ذات الواقعية التى أعشقها ، و التى بلا شك
                      سوف تقود إلى قص يتفوق على نفسه ، و لا يكون له قياس
                      إلا من خلال نفسه هو ، و ليس لنموذج يأتي من الأمازون أو بلاد الانديز !!


                      محبتي
                      sigpic

                      تعليق

                      • عبدالمنعم حسن محمود
                        أديب وكاتب
                        • 30-06-2010
                        • 299

                        #12
                        [quote=ربيع عقب الباب;629106]قليلون هم من يجيدون صياغة الأسطورة
                        ووقعنتها وفق موروث عريض ضارب الجذور
                        و قليلون أيضا من يتقنون حبك الدلالة ، و ليس الرحيل فى الهذيان
                        أو استجلاب الغريب و المدهش و فقط !!

                        قد تكون الاثنين معا .. بلا كثير من تفكير أو تنشيط للذاكرة
                        فهنا تعود إلى جذورك .. أو لنقل منابت الأسطورة التى نمت
                        و تنمو هناك على ضفاف النيل ، و أحراش المستنقعات
                        و هذا العالم الوسيع و انفلات الطبيعة ، و قسوتها البشعة
                        فى مواجهة الكائنات ، أى كان نوعها .. !!

                        و هنا على مداد الأسطورة كانت جدة ، نموذجا من جدات كثر
                        و كانت بداية أخرى تتبلور
                        و لكن الواقع الأبشع كان لها بالمرصاد
                        فتذهب البداية المضيئة
                        و لا تكون إلا تلك لامرأة للفراش و الولادة و إنجاب البنات .. للاسف
                        عشر بطون .. و بطن لا تنجب إلا البنات ؛ كأنها اللعنة التى مارست دورها عليها
                        و عليه .. عليها بالصمت الذى قررته دون قرار ، و عليه بغدره بأخيه .. !!
                        ياللغرابة .. هنا وجدت جوا شكسبيريا صرفا ، ليس لأنك جلست من الثعبان قاتلا كما شكسبير فى هاملت
                        و لكن لأن حالة الابداع أطلقت بلا توقف ، أو انتقاء ، حتى كان المشهد الأكثر قسوة ، الذى يأتى ليس منفصلا عن مثولوجية بلادنا ، و لكنه يأتي مرتبطا بها ، مشحونا بما حمل من غريب و مدهش ، لو كتب يوما لأفزع و أمات !!

                        هناك الكثير من الحديث يطرحه هذا النص الذاخر بالغريب و ألأسطورى
                        و الدلالى الذى يلقى بظلاله على الوادى و ناسه ، و إراداته .. و لكنني أكتفي
                        و أترك المجال لنظرة أكثر اتساعا !

                        يحضرني اسمان كبيران هنا معنا فى الملتقى ،
                        و هما أيضا من جنوب الوادى الخصيب ، و ينتجهان
                        نفس النهج ، و ذات الواقعية التى أعشقها ، و التى بلا شك
                        سوف تقود إلى قص يتفوق على نفسه ، و لا يكون له قياس
                        إلا من خلال نفسه هو ، و ليس لنموذج يأتي من الأمازون أو بلاد الانديز !!


                        محبتي[/qu
                        ote]
                        ...........
                        في حضرة مقامك
                        يطيب الجلوس
                        مهذب أمامك
                        يكون الكلام
                        ........
                        الأستاذ الصديق / ربيع
                        في مداخلتك الرائعة قلت الكثير
                        وفجرت أيضا استفهامات كثيرة تخللت الكلمات
                        وجعلت من التعابير تعابير مفتوحة المعنى والدلالة
                        ولا أدري بعد هل أفلح النص أم لم يفعل؟
                        ولكتاب جنوب الوادي
                        "أحمد ضحية والطيب"
                        كل الاحترام والإعجاب
                        وكثيرا ما قرأت لهما
                        هنا في هذا المكان المشرق
                        بحضورك أستاذي الرائع
                        ربيع عقب الباب
                        مع تقديري.
                        التواصل الإنساني
                        جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


                        تعليق

                        يعمل...
                        X