أشـــباح كــــرم الفســــتق
كان منظر أشجار الفستق الحلبيّ رائعاً، بحمرتها المصفرّة على الأوراق الخضر، تعكس الأضواء،
كأنّها مصابيح فستقيـّة الحجم، قبل أن يخرسَ مولـّد الكهرباء، وتغـُمّ الأنوار الصفراء، مسابِقة العتمة الشاملة.
لينقلب المنظر مخيفاً على نور البدر الساطع.
بدت الأشجار.. كأشباح تحرّكها أنسام الليل وتتهامس بأصوات طقطقة نضوجها وكأنها تتكلم لغة الجان!!
كانوا ثلاثة شبّان في عطلة الصيف، اجتمعوا ذلك اليوم مع أسرهم العديدة في كرم الجدّ الكبير.. ذي اللحية البيضاء المهيبة..
في موسم الفستق، ليقوموا بقطفه، ويتقاسمو غلاله (مؤونة) يملّحونها فتكفيهم كامل أيّام السنة..
ثمّ يقدّمون بعضها هدايا للأهل والأصدقاء.
تفرّقت الأسر للنوم في الكرم الواسع.. منهم من اتخذ القبّة الطينية مأوىً.. ببابها الذي فرقت الأيام ما بين خشباته،
وأضيئت داخلها شموع وُضعت على الشبابيك وفتحات النور فيها، ليرتسم خيال دخانها،
أطياف حكايا على الجدران المكلّسة، والمكوّنة من أحجار الآجرّ المتكدّسة فوق بعضها.
واختار آخرون البيت الكبير (بيت الجدّ) الذي طُرش بالكلس.. وصُبغت أخشابه بلون الفستق الأخضر الفاتح..
يتكوّن البيت من طابقين امتلآ ذكريات على جدران توزعت عليها، لوحات آيات قرآنية، صور بالأبيض والأسود المصفرّ،
رأس غزال، آلات الإيقاع التي تستخدم في الأذكار، ورسوم السلاطين (العثملية).
بينما توزّعت أسر أخرى على مساطب اسمنتية.. انتشرت حول البيوت والقبّة.. تحيطها عرايش الكرمة،
وأحواض الورد.. معلنة خصوصيتها.
اختار الشبان الثلاثة، ساحة الكرم المعبّدة، التي تقام فيها عادة احتفالات العائلة.
استلقوا على أرائك، نقلوها من البيت الكبير، بوسائد تزكم الأنوف برائحة ( النافتالين).
تظلّلهم سماء امتلأت نجوماً بأضعاف ما تحتويه سماء المدينة!!
وفيما البدر يكمل طريقه إلى كبد السماء، وقف خلف برجين متدرجين للحمام البري، يرتفعان أكثر من عشرة أمتار،
فبدا ظلّّهما كحارسين عملاقين لأشباح الليل!!
لم يستطع الشبّان النّوم باكراً، فكانوا يتبادلون الأحاديث على أصوات الخنافس تغنّي نشيدها الأزليّ،
بينما هم مستلقون يراقبون النجوم، كأنّهم يخطئون عدّ ها.. فيعيدون من جديد.
عندما بدأ (عبد الله)-أكبرهم- حديثه عن جدهم الكبير.. اعتدلوا من استلقائهم، وأنصتوا باهتمام المدهوش.
نزلت قصّة تردّد جدهم -المتوفى منذ أكثر من عشر سنين - لتفقـّد الكرم ليلاً، نزول الصاعقة،
فأنصتوا إلى(عبد الله)، الذي لمس نجاحه في جذب اهتمامهم، من تشويق، وإثارة.. ليسترسل بالمزيد..
وليقسم أن كثيرين قد شاهدوه بأمّ الأعين.
أطلق طاووس مذعور من طواويس الكرم الطـَلقاء صيحاته، بعد ما مرّ بقربه أحد كلاب الحراسة،
فارتبك(حسن) و(نديم) من ذلك الصوت الذي اقترن برفرفة شديدة، بنزول الطاووس من فوق بيت الجبّ، كما السقوط.
لكن(عبد الله) استمّر يسرد الدهشة، مع وقع الموسيقى التصويرية للأجواء المحيطة.
وجد (حسن) نفسه وحيداً بعدما نام الروي.. على أريكته.. ليلحق به(نديم) بعد قليل..
ازدادت حاسة السّمع قوّة لديه.. فأصبح يسمع أنفاس آلاف طيور الحمام النائمة في البرجين.
وهمهمات القطط والكلاب، حركات الغزلان في حظائرها الواسعة.. تضاف إلى طقطقة وحفيف.. صفير، ونقيق..
انتبه فجأة لوقع خطوات تشحط على الأرض.. يزداد ضجيجها بانسحاب رمل متناثر على الإسفلت تحت القدمين الشاحطتين.
يا إلهي إنّه هو.. وقع أقدامه.. يعرف هذا الصوت جيّداً.. لا بدّ أنّه وقع حذائه الأحمر القاسي المصنوع من جلد الماعز.
تختلط الأصوات.. تطغى عليها ضربات قلبه.. لكنّ الشّحط يبقى طاغياً..
تتوقـّف الخطوات.. يصيخ لدقـّات الدلو الخشبيّ على حافة الجبّ.. مترافقاً مع دوران البكرة وصدى ارتطام الدلو بالماء..
ثم يتكرّر صرير منتظم لسحب الدلو المليء.. ورجع قطرات الماء المتساقط .
ينصت إلى ابتلاع الماء في بلعوم شاربه.. تزيده هلعاً محاولته تسهيل امتناع ريقه الجاف.
تعود الخطوات بطيئة.. متواترة بين الخطوة والأخرى زمن خمسة أنفاس..
يستمرّ الأمر دهراً، والصّوت يتوالى كأنّه لشخص يسير في المكان، لا تتغيّرالمسافة منه اقتراباً أو ابتعاداً.
توقــّف.. يتناهى إلى سمعه دقّ المضخّة اليدويّة بجوار البيت الكبير.. مع زقزقة حديدها الصّدىء،
وصوت انسكاب الماء على الارض..
لماذا يحتاج للمضخـّة.. وقد سحب الماء من الجبّ قبل قليل؟
يبدو أنه يتوضّأ.. لقد اقترب الفجر.. وتراتيل دعاء الوضوء يتمتم بها.. إنه جدّه بلا شك..
أذّن للصلاة بما يُسمعُ صاحبه.. ولكنّ (حسن) يسمعه بوضوح.. أصبح متأكـّداً الآن!!
تعاود الخطوات.. بطيئة.. لكن بوتيرة أسرع، بفارق ثلاثة أنفاس بينها.. هذه المرّة
و.. إنّه يقترب.. الصوت يقترب.. نعم.. لا يستطيع فتح عينيه.. ولا إيقاظ رفيقيه!
يدنو منذ فترة طويلة.. ولا يصل!! اعتاد القلب خفقانه السريع..
شعر بنور الفجر ينبلج.. رآه بعين نصف مفتوحة.. حان وقت استيقاظ عبدالله...
سيوقظ الناس لصلاة الفجر.. وينزل إلى المدينة.. لشراء الزلابية.. تحلية إفطار الزوّار الكـُثـُر..
تمرّ الدقائق ثقيلة.. بطيئة.. كوقع الخطوات اللامتناهي.. والقادمة من المجهول..
والمتوجهة نحوه بلا انتهاء.. ولا معرفة لمصيرها.
توقـّع كل الاحتمالات!!
لكنـّه سيكون رحيماً به.. نعم سيكون رحيماً.. وكيف يـُرعب جدّ ٌ حفيده؟.. والحفيد مشتاق للقروش الجديدة المذهبة..
التي كان ينثرها عليه وعلى أقرانه.. و مشتاق لزجاجات العطر الأسطوانية الصغيرة..
بغطائها المنتهي بذيل طوله كعود ثقاب، ينغمس بعطر الورد الذي كان يوزّعه على الكبار والصغار..
لكنّ جدّه ربـّما جاء ليعاتبه على تقصيره في أداء صلواته..
أو أنّه.. ربما كشف عن.. يا إلهي ربما كشف عن!! إنـّها ذنوبي الكثيرة.. ذنوبي الكبيرة ولا شك.. (يقولها مرتجفاً)!
هل سيعاتبه.. يعاقبه؟؟؟.
لماذا تذكـّر ذلك.. لو لم يكن متذكـّراً.. لما انتبه جدّه..
لكنه باستحضار ذاكرته السّوداء إلى مكان وجود جدّه صاحب الكرامات.. بالتأكيد سينتبه.
تذكـّر كم من مرّة كشف جدّه أكاذيب الأولاد حين كانوا يسرقون الفستق المملح،
المركون فوق الخزانة العالية بغرفته.. أيّام الشتاء.
تزداد الخطوة اقترابا ببطء.. تقترب.. وتقترب..
كأنّه توقـّف فوق رأسه!!
انكمش وجه (حسن).. اقترب على بعضه.. وشدّ الغطاء بقوّة وارتجاف فوق وجهه!
أخيراً لمسه.. وبدأ الاحتكاك بالأريكة!
انحبست أنفاس حسن.. شعر بقلبه يتوقـّف..
حتى سمع بالقرب من أذنه صوت مواء قطتين تلعبان.. بجانب أريكته!!!
دقـّت الساعة ليستيقظ الجميع لصلاة الفجر.. شمـّر عن ساعديه.. وكان أوّل المتوضئين....
محمود عادل بادنجكي
كان منظر أشجار الفستق الحلبيّ رائعاً، بحمرتها المصفرّة على الأوراق الخضر، تعكس الأضواء،
كأنّها مصابيح فستقيـّة الحجم، قبل أن يخرسَ مولـّد الكهرباء، وتغـُمّ الأنوار الصفراء، مسابِقة العتمة الشاملة.
لينقلب المنظر مخيفاً على نور البدر الساطع.
بدت الأشجار.. كأشباح تحرّكها أنسام الليل وتتهامس بأصوات طقطقة نضوجها وكأنها تتكلم لغة الجان!!
كانوا ثلاثة شبّان في عطلة الصيف، اجتمعوا ذلك اليوم مع أسرهم العديدة في كرم الجدّ الكبير.. ذي اللحية البيضاء المهيبة..
في موسم الفستق، ليقوموا بقطفه، ويتقاسمو غلاله (مؤونة) يملّحونها فتكفيهم كامل أيّام السنة..
ثمّ يقدّمون بعضها هدايا للأهل والأصدقاء.
تفرّقت الأسر للنوم في الكرم الواسع.. منهم من اتخذ القبّة الطينية مأوىً.. ببابها الذي فرقت الأيام ما بين خشباته،
وأضيئت داخلها شموع وُضعت على الشبابيك وفتحات النور فيها، ليرتسم خيال دخانها،
أطياف حكايا على الجدران المكلّسة، والمكوّنة من أحجار الآجرّ المتكدّسة فوق بعضها.
واختار آخرون البيت الكبير (بيت الجدّ) الذي طُرش بالكلس.. وصُبغت أخشابه بلون الفستق الأخضر الفاتح..
يتكوّن البيت من طابقين امتلآ ذكريات على جدران توزعت عليها، لوحات آيات قرآنية، صور بالأبيض والأسود المصفرّ،
رأس غزال، آلات الإيقاع التي تستخدم في الأذكار، ورسوم السلاطين (العثملية).
بينما توزّعت أسر أخرى على مساطب اسمنتية.. انتشرت حول البيوت والقبّة.. تحيطها عرايش الكرمة،
وأحواض الورد.. معلنة خصوصيتها.
اختار الشبان الثلاثة، ساحة الكرم المعبّدة، التي تقام فيها عادة احتفالات العائلة.
استلقوا على أرائك، نقلوها من البيت الكبير، بوسائد تزكم الأنوف برائحة ( النافتالين).
تظلّلهم سماء امتلأت نجوماً بأضعاف ما تحتويه سماء المدينة!!
وفيما البدر يكمل طريقه إلى كبد السماء، وقف خلف برجين متدرجين للحمام البري، يرتفعان أكثر من عشرة أمتار،
فبدا ظلّّهما كحارسين عملاقين لأشباح الليل!!
لم يستطع الشبّان النّوم باكراً، فكانوا يتبادلون الأحاديث على أصوات الخنافس تغنّي نشيدها الأزليّ،
بينما هم مستلقون يراقبون النجوم، كأنّهم يخطئون عدّ ها.. فيعيدون من جديد.
عندما بدأ (عبد الله)-أكبرهم- حديثه عن جدهم الكبير.. اعتدلوا من استلقائهم، وأنصتوا باهتمام المدهوش.
نزلت قصّة تردّد جدهم -المتوفى منذ أكثر من عشر سنين - لتفقـّد الكرم ليلاً، نزول الصاعقة،
فأنصتوا إلى(عبد الله)، الذي لمس نجاحه في جذب اهتمامهم، من تشويق، وإثارة.. ليسترسل بالمزيد..
وليقسم أن كثيرين قد شاهدوه بأمّ الأعين.
أطلق طاووس مذعور من طواويس الكرم الطـَلقاء صيحاته، بعد ما مرّ بقربه أحد كلاب الحراسة،
فارتبك(حسن) و(نديم) من ذلك الصوت الذي اقترن برفرفة شديدة، بنزول الطاووس من فوق بيت الجبّ، كما السقوط.
لكن(عبد الله) استمّر يسرد الدهشة، مع وقع الموسيقى التصويرية للأجواء المحيطة.
وجد (حسن) نفسه وحيداً بعدما نام الروي.. على أريكته.. ليلحق به(نديم) بعد قليل..
ازدادت حاسة السّمع قوّة لديه.. فأصبح يسمع أنفاس آلاف طيور الحمام النائمة في البرجين.
وهمهمات القطط والكلاب، حركات الغزلان في حظائرها الواسعة.. تضاف إلى طقطقة وحفيف.. صفير، ونقيق..
انتبه فجأة لوقع خطوات تشحط على الأرض.. يزداد ضجيجها بانسحاب رمل متناثر على الإسفلت تحت القدمين الشاحطتين.
يا إلهي إنّه هو.. وقع أقدامه.. يعرف هذا الصوت جيّداً.. لا بدّ أنّه وقع حذائه الأحمر القاسي المصنوع من جلد الماعز.
تختلط الأصوات.. تطغى عليها ضربات قلبه.. لكنّ الشّحط يبقى طاغياً..
تتوقـّف الخطوات.. يصيخ لدقـّات الدلو الخشبيّ على حافة الجبّ.. مترافقاً مع دوران البكرة وصدى ارتطام الدلو بالماء..
ثم يتكرّر صرير منتظم لسحب الدلو المليء.. ورجع قطرات الماء المتساقط .
ينصت إلى ابتلاع الماء في بلعوم شاربه.. تزيده هلعاً محاولته تسهيل امتناع ريقه الجاف.
تعود الخطوات بطيئة.. متواترة بين الخطوة والأخرى زمن خمسة أنفاس..
يستمرّ الأمر دهراً، والصّوت يتوالى كأنّه لشخص يسير في المكان، لا تتغيّرالمسافة منه اقتراباً أو ابتعاداً.
توقــّف.. يتناهى إلى سمعه دقّ المضخّة اليدويّة بجوار البيت الكبير.. مع زقزقة حديدها الصّدىء،
وصوت انسكاب الماء على الارض..
لماذا يحتاج للمضخـّة.. وقد سحب الماء من الجبّ قبل قليل؟
يبدو أنه يتوضّأ.. لقد اقترب الفجر.. وتراتيل دعاء الوضوء يتمتم بها.. إنه جدّه بلا شك..
أذّن للصلاة بما يُسمعُ صاحبه.. ولكنّ (حسن) يسمعه بوضوح.. أصبح متأكـّداً الآن!!
تعاود الخطوات.. بطيئة.. لكن بوتيرة أسرع، بفارق ثلاثة أنفاس بينها.. هذه المرّة
و.. إنّه يقترب.. الصوت يقترب.. نعم.. لا يستطيع فتح عينيه.. ولا إيقاظ رفيقيه!
يدنو منذ فترة طويلة.. ولا يصل!! اعتاد القلب خفقانه السريع..
شعر بنور الفجر ينبلج.. رآه بعين نصف مفتوحة.. حان وقت استيقاظ عبدالله...
سيوقظ الناس لصلاة الفجر.. وينزل إلى المدينة.. لشراء الزلابية.. تحلية إفطار الزوّار الكـُثـُر..
تمرّ الدقائق ثقيلة.. بطيئة.. كوقع الخطوات اللامتناهي.. والقادمة من المجهول..
والمتوجهة نحوه بلا انتهاء.. ولا معرفة لمصيرها.
توقـّع كل الاحتمالات!!
لكنـّه سيكون رحيماً به.. نعم سيكون رحيماً.. وكيف يـُرعب جدّ ٌ حفيده؟.. والحفيد مشتاق للقروش الجديدة المذهبة..
التي كان ينثرها عليه وعلى أقرانه.. و مشتاق لزجاجات العطر الأسطوانية الصغيرة..
بغطائها المنتهي بذيل طوله كعود ثقاب، ينغمس بعطر الورد الذي كان يوزّعه على الكبار والصغار..
لكنّ جدّه ربـّما جاء ليعاتبه على تقصيره في أداء صلواته..
أو أنّه.. ربما كشف عن.. يا إلهي ربما كشف عن!! إنـّها ذنوبي الكثيرة.. ذنوبي الكبيرة ولا شك.. (يقولها مرتجفاً)!
هل سيعاتبه.. يعاقبه؟؟؟.
لماذا تذكـّر ذلك.. لو لم يكن متذكـّراً.. لما انتبه جدّه..
لكنه باستحضار ذاكرته السّوداء إلى مكان وجود جدّه صاحب الكرامات.. بالتأكيد سينتبه.
تذكـّر كم من مرّة كشف جدّه أكاذيب الأولاد حين كانوا يسرقون الفستق المملح،
المركون فوق الخزانة العالية بغرفته.. أيّام الشتاء.
تزداد الخطوة اقترابا ببطء.. تقترب.. وتقترب..
كأنّه توقـّف فوق رأسه!!
انكمش وجه (حسن).. اقترب على بعضه.. وشدّ الغطاء بقوّة وارتجاف فوق وجهه!
أخيراً لمسه.. وبدأ الاحتكاك بالأريكة!
انحبست أنفاس حسن.. شعر بقلبه يتوقـّف..
حتى سمع بالقرب من أذنه صوت مواء قطتين تلعبان.. بجانب أريكته!!!
دقـّت الساعة ليستيقظ الجميع لصلاة الفجر.. شمـّر عن ساعديه.. وكان أوّل المتوضئين....
محمود عادل بادنجكي
تعليق