وتقطعت أوردة الجسر .. !
"تقول أنك تشعر باختناق في أنفاسي! تسألني إن كنت أبكي!
لا يهم، لا يهم يا عزيزي إن كنت أبكي أو لا، فما أهمية بكاء لم يلامس وجنتيك يوما، ومطر لم يغسلك قبلا؟!
وما نفع كوب شاي لم يرتشف أنفاس أحزانك ليستبدلها بأخرى، أنا ما كنت سوى ملامح ثلجية على ورق أبيض، أعدت تشكيلها بريشة ذاكرتك التي لا تجيد سوى رسم وجه واحد، وجهها هي ..!
لا تستغرب كنت دائما أشعر أنني بديل مؤقت، شرفة وقفتَ عليها منتظرا عودة الماضي، ورضيت بهذا إلى أن اكتشفت الآن أنني لم أصل حتى لرتبة بديل..!
أنت لم تتوقع أن يأت يوم يجمعنا، أنا وهي....
يبدو أن الزمن أراد أن يسقط أقنعة الوهم، فوقفتَ عند مفترق الطرق، عيناى وعيناها، يدايّ ويداها، استغرق منك الأمر برهة للتفكير حتى مددت يدك وسحبتها نحوك بتلك القوة .. لماذا ضحيت بتلك البرهة يا ترى؟ فيم فكرت؟ لم قاومت تلك التنهيدة التي ضربت صدرك لتنظر إليّ ثم تهرب بعينيك نحوها؟ من أنا لتنظر إليّ؟ !
نعم تذكرت، أنا الصديقة.! ولأن الصديق دوما يأتي في المراتب الأخرى ..لن ألومك عزيزي، أقصد صديقي ..
ألم نتشارك أحزاننا يوما، وأفراحنا ... فها أنا سأرقص اليوم معكما ... أفرح لك .. وأنت افرح لي ، فقد عرفت أخيرا سر الخوف الغامض الذي كان ينتابني ، افرح لي فقد عثرت على وكر السراب وسأنصب فخاخ الحقيقة في كل مكان..
"آسف" تقول آسف؟ على ماذا ؟ لقد أعطيتني أشياء جميلة على كل حال، ربما كنت عابرة، لكنه كان عبورا غير اعتيادي، حتى الجسور حين تزين بالورود والأزهار تفقد وجهها الإجرامي وتحتفظ فقط بوجه الورد الوديع! وأنت نسقت لي أكثر من باقة... كتبتني قصائد على جدران مقهى الانتظار، كنت بين يديك أبياتا شعرية قبلّت بها جبين الصفحات، لكنها كانت أيضا قُبلا عابرة ... فما أسعد وجنتيّ، وما أتعسها ..!
سقط قناع الوهم إذا، ربما كان أكثر من مجرد قناع، كان معطفا والآن لا شيء سوى برد .. كان غمرة الكرسي والطاولة في ذلك المقهى .. فاسمح لي الآن أن أحجز لي طاولة أخرى، بل تلك التي قرب المدفئة، لأرمي فيها كلما كان، هي تناديني الآن، منذ أن ذاقت طعم عمري المحترق، اشتهت المزيد واشتهتني .......
وأنت ألقِ بصوتي، بهمسي، بعطري بعيدا .. عموما عقارب الساعة حين تمر في محطات انتظار لا تحتفظ بأشياء للذكرى، ووقوفك أمام واجهات متاجري ذات يوم لم يكن سوى مضيعة للوقت، وعادة يقترفها السائح بلا وعي، ودون أن يدري أنها ذنب، فلا تبحث عن دماء عالقة على كفيك، ولا تخال أنك تسمع نعيقا يطرق نافذة ضميرك، فالسراب يفضحه صدى لا يتركه وراءه .. ولغة بلا أبجدية .. لم أستطع تكوين حضارة في عالمك، ولا قبيلة، نصبت بعض الخيم التي سرعان ما التهمتها الرياح، لم أكن سوى جسور معلقة بالهواء ، لقد أردت لجبال ذاكرتك المتباعدة أن تتصافح من خلالي، لكنها تعانقت فعصرتني، دمرتني ،وتناثر فتاتي غبارا في الهواء!
غادر قطار الإنتظار الأخير، لم تعد بحاجة إلى سكة حديدية مثلي، فاقتلعني، وأسقط من يدك هذا المنديل ..!"
وأمضت بقية عمرها تطرق الأبواب بحثا عن مكان إقامة النسيان، أرادت فقط لو تحظى بركن في زواياه، ولكنها اعتادت أن تحلق وسط سرب من الذكريات، كيف تخرج عن قوانين الجماعة الآن؟ كان عليها أولا أن تمزق هويتها، أن تتلاشى حتى يعيد المدى تكوين أجزائها بطريقة أخرى ..
قصت جدائلها الطويلة، تمردت على كل الطقوس، حاولت إطفاء تلك النار التي يشعلها لها الماضي كل مساء ويرغمها على الدوران حولها، وبعد محاولات عديدة أخمدتها، ومع أنها أصيبت بالعديد من الحروق شعرت بنشوة الإنتصار ... ومع انشغال النجوم بالحديث عما فعلته، هربت تحت جناح نسيم عابر، تسللت معه فهي الخبيرةبفنون "العبور" .... على حافة الجبل وقفت حافية القدمين، عارية الذاكرة، ..شهيق وذفير ..هكذا تخلصت من كل الذكريات، أفرغتها في جعبة الريح المسافر إلى البعيد ... لكن ذلك لم يشعرها بالسعادة التي أرادت، إنما أحست أنها مجرد إناء فارغ ، شعرت بالدوار، من يملأ هذا الإناء بالماء والزهور ؟! .. صرخت للريح أعد إليّ ما أخذت؟! فأنا أصبحت لا شيء ..! وكان الريح قد قطع حدود العودة ..!
هي معلقة الآن ما بين الوجود واللاوجود، بين واد وجبل، فكرت، اكتشفت أنها لطالما كانت امرأة الإختيارات الفاشلة ، هذه المرة لن تختار، ستترك للقدر المصير... تمددت في مكانها، وجنتها تعانق أطراف الحافة، ألم تكن طول عمرها جسرا ؟! فلتكن كذلك الآن أيضا.. أغمضت عينيها، فتحت ذراعيها لأجنحة الحلم، ستغفو نعم ستغفو أخيرا .. هذا الجسر المعلق بحبال الهواء سينام تاركا مصيره للهواء، فإما يبقيه معلقا ..وإما يرميه إلى الأسفل ...فيتكسر الإناء ..! ومن قد يحزن على إناء فارغ..!
قصت جدائلها الطويلة، تمردت على كل الطقوس، حاولت إطفاء تلك النار التي يشعلها لها الماضي كل مساء ويرغمها على الدوران حولها، وبعد محاولات عديدة أخمدتها، ومع أنها أصيبت بالعديد من الحروق شعرت بنشوة الإنتصار ... ومع انشغال النجوم بالحديث عما فعلته، هربت تحت جناح نسيم عابر، تسللت معه فهي الخبيرةبفنون "العبور" .... على حافة الجبل وقفت حافية القدمين، عارية الذاكرة، ..شهيق وذفير ..هكذا تخلصت من كل الذكريات، أفرغتها في جعبة الريح المسافر إلى البعيد ... لكن ذلك لم يشعرها بالسعادة التي أرادت، إنما أحست أنها مجرد إناء فارغ ، شعرت بالدوار، من يملأ هذا الإناء بالماء والزهور ؟! .. صرخت للريح أعد إليّ ما أخذت؟! فأنا أصبحت لا شيء ..! وكان الريح قد قطع حدود العودة ..!
هي معلقة الآن ما بين الوجود واللاوجود، بين واد وجبل، فكرت، اكتشفت أنها لطالما كانت امرأة الإختيارات الفاشلة ، هذه المرة لن تختار، ستترك للقدر المصير... تمددت في مكانها، وجنتها تعانق أطراف الحافة، ألم تكن طول عمرها جسرا ؟! فلتكن كذلك الآن أيضا.. أغمضت عينيها، فتحت ذراعيها لأجنحة الحلم، ستغفو نعم ستغفو أخيرا .. هذا الجسر المعلق بحبال الهواء سينام تاركا مصيره للهواء، فإما يبقيه معلقا ..وإما يرميه إلى الأسفل ...فيتكسر الإناء ..! ومن قد يحزن على إناء فارغ..!
حطت الطيور على جسدها، ظنتها قطعة كبيرة من الخبز،أخذت تنقرها حتى أيقظتها من نومها العميق، فتحت عينيها، لتجد الجسر صامدا في مكانه،
لم تصدق الأمر، شيء ما يريدها أن تستمر، ربما لم تنته مواعيد الجسر.. كانت تكره هذه الفكرة فتطردها من رأسها فورا..
نهضت من مكانها مستسلمة، تنظر بصمت إلىشعرها الذي عاد طويلا، إلى إنائها الذي امتلأ مجددا بالتراب، ضحكت لما تذكرت أمر الزهرة التي أرادتها .. !
كل يوم كان يأخذ معه حبة من التراب .. حبة حبة هكذا يداوي الزمن الجراح ويخلص الجسد من سم الجراح، لكنه يعجز دائما
عن ردم أوكار الأفاعي ... !
وفي تلك الليلة الهادئة رن الهاتف،إنه صوته ..:-"أحتاجك .."
ضحكت ، قهقهت حتى كادت تنقطع أنفاسها .. ردت بصوت غريب عليه وكلام أعجب : أوشكت حبات التراب على الإنتهاء .. وتقطعت أوردة الجسر .."
تعليق