الخارطة
حينما تجد فى استقبالك شواهد القبور ، أو الست التى تحتكر تجارة الدوم فى قريتنا والقرى المجاورة ، اعلم أنك قد أصبت الهدف . كى يطمئن قلبك سل عن تجار المخدرات ، إن جاءك الجواب أن هذه قريتهم ، تأكد أنك فى منية سمنود . بعد مسيرة عشر دقائق على قدميك . ساعة ونصف بسيارات أجا - منية سمنود الأجرة التى إتهمت أنها من أسباب ضعف الأوزون ، ستجد شرطى المرور الطيب . إلق أمامه على الأسفلت قطعة معدنية فئة العشرة قروش وحذار أن تسلمها له باليد ، ثم سله عنى ، فربما يحالف الحظ ويدلك على طريقى ، غالبا ما سيقول لك : هو فى مقهى عباس ، لا تنزعج حينما لا تجد هذا العباس وتجد زوجته هى التى تدير المقهى ، فعباس إلتهمته مقابر سيدى أبى غانم والملقب بأبى ليمونه تيمنا لما كان لليمون معه من معجزات . روى جدى يوم وقفة مولده أن السيد كان يتعاطى مخدر لحشيش وحينما يأتى رجال الشرطة للقبض عليه ، يتحول مخدر الحشيش الى ليمون ، وأكد كل أهل القرية ما رواه جدى . رحم الله الجميع ، جدى وأبو ليمونه وعباس الذى كرمته زوجته ورواد مقهاه ولم يغيروا إسم المقهى كى لا تنزعج روحه المعبقة برائحة الحشيش و الماريجوانا . بفرض أنك لم تجدنى ، فالحذر كل الحذر من ذى الشعر الناعم ورفيقه على الدرب ، فهما وجهان لعملة واحدة ، قد يفعل بك الثانى كما كان يفعل عندما سافر الى العراق ، سيداهمك بكلماته المعسولة وقلبه الحنون من أجل إخراج ما فى جيبك ، وقد احترف هذه اللعبة حينما نسب نفسه للإمام على بن أبى طالب . قال لأهل النجف أن الإمام جده ، كان يبكى على ضريحه حتى تتورم عيناه ، فكانت لهذه القرابة بالغ الأثر فى إثرائه دون أية عمل ، أما فى منية سمنود فينسب نفسه للسيد أبو غانم ، وفى طنطا للسيد البدوى ، وهكذا إلى أن يصل للسيد القناوى بقنا. قد يحاول ذو الشعر الناعم إيقاعك بين فخذى وردة الناريين ، سيقول لك : إبحث عنه فى بيت وردة ، فى هذه اللحظة تاكد أنه يريد إيقاعك فى شرك سيدى" ناصب" ، على الفور قل لهما أنك إبنا شرعيا لسيدى " أشفورى " . لا تتعجب فسيدى ناصب وأشفورى هما من الألفاظ المتداولة فى بلدتنا ولا توجد على أى بقعة من الأرض سواها ، وهما الهان للنصب والتفليسة ، عندنا مشهوران كما فينوس ورع فى التاريخ القديم ، هنا فقط سيدلانك على طريقى ، هو فى مقهى أبو الفضل على النيل . فى طريقك الى المقهى ستمر بمقاه عديدة ، لا تحاول النظر الى أى منهم ، فأنا غنى عن المشاكل ، كما فى غنى عن الذهاب خلفك الى مركز الشرطة ، فكل رواد هذه المقاهى من مرشدى المباحث ومدمنى المخدرات والقمار . قبل وصولك الى المقهى لا تتوقف أمام مسجد عباد الرحمن معقل الاخوان فى بلدتنا ، خوفا من أن تحتويك عيون بصاصى جماعة السلفيين المتواريين فى الوحدة الصحية المهجورة قبالة المسجد ، وقتها سيرسلون لك شيخا منهم لاستقطابك ناحيتهم وكذلك سيفعل الاخوة ، وتحدث المشاجرة المعهودة بينهما حينما يتهم الاخوان أندادهم السلفيين بسرقة " الأنفار " منهم . دع الجميع وفر بحياتك الى المقهى . حينما تسأل عنى ، ستجد الترحيب من كل رواده . من رجال البنك إلى العمال والفلاحين . ملحوظة بسيطة كى لا تنخدع ، رجال البنك لا يعملون فيه أو فى غيره ، بل هو رمز لدينا يطلق على كل من يأتى من الخارج ويضع أمواله فى أحد البنوك مقابل الفوائد . إن لم أكن موجودا سيستدعيننى صاحب المقهى من دكان عيسى غانم البقال ، وهو أكبر دكاكين منية سمنود التى بلغ عددها ألفى دكانا ، لذا فهو مشهور كما النيل وبيوت وردة الثلاثين ومقاهى قريتنا الثمانين وتجار المخدرات وتاجرة الدوم . إن لم آتى إليك فاعلم أننى فى حضرة الفن والأدب عند صاحبى الجناينى وأبو عيسى الذى لا يعرفهما فى القرية سواى ..
---- كتب هذا النص 1996-----
تعليق