وشم في الذاكرة
استيقظت مبكرة في ذلك اليوم لتنكب على أعمال البيت والتنظيف
وتعده لاستقبال فلذة كبدها الذي تعبت وكلّ جسدها النحيل لتراه
شاباً يافعاً في الجامعة,,تجلس مع نفسها حين تنتهي من عملها,,وتمشي
في زوايا بيتها يرافقها طيفه الذي لا يغيبُ لحظةً عن مخيلتها..
تسامر جاراتها وهي تضمه بين ذراعيها ,,يُميل برأسه إلى صدرها فتحس بدفء
يسري في أوصالها, فهو يعيش معها في كل لحظة لا يكاد يفارقها ...
كانت في الصباح تجلسُ بجانبه وهو يروي لها أحداث الأسبوع الماضي:
,- تخيّلي أنهم أطلقوا النار علينا من مسافاتٍ قريبة!!
كنا نقذفهم بالحجارة ونواجههم بصدورنا العارية... و كنا الأقوى
بإرادتنا وإيماننا,,كانوا كالذئاب ورغم ذلك لم يعد للخوف مكانٌ في قلوبنا..
- واليوم هل تواصلون يا ولدي....؟
- طبعا, ولن نهدأ, فقد أقسمنا أن تعود النضارةُ للخضراء بعد أن حولوها إلى
مزرعة يدجنون فيها الإنسان, يسرقون أرضه ويستبيحون دمه ليودعوه جيوبهم
وبطونهم التي لا تشبع..نحن من قاوم المستعمر وانتصر عليه.
أدارت مفتاح المذياع باحثة عن أغنيةٍ تراقصُ ما تحس به من موجات الفرح
العام التي تلامس صدرها, فأيقظها من حلمها ما تناهى إلى أسماعها من أحداث
الوطن,, نعم الوطن ,, وهل هناك أغلى منه؟
كانت الأنباء تحمل السرور التلقائي لنفسها فهي تتوق مثل غيرها للخلاص
من الظلم والقسوة,, ومن مرارة الأيام السوداء التي لم يعد يحتملها قلب..
مر شريط الذكريات في مخيلتها... ولم يقطعه سوى تلك الأصوات التي تبدو
بعيدة,,لكنها أصواتٌ تنبعث من حناجر المتظاهرين ..
أطرقت برهة لتميز ما يجري إلا أنها لم تفلح في التقاط الصوت وتحديده,,, إنهم
الشباب,,ولكن تفكيرها كان يحلق في فضاءٍ أبعد بكثيرٍ من مصادرالصوت,,كانت
تسرح بخيالاتها متفرسة في وجه محمد الذي ركب جناحي الشوق في الظهيرة
مُيمِّمًا وجهه شطرها, ولم يتبق إلا بضعُ ساعة لوصوله..
اقتربت الأصواتُ وعلت صيحاتُ الحناجر:
بالروح بالدم نفديك يا شهيد
لا إله إلا الله ...و الشهيد حبيب الله
يا شهيد ارتاح ارتاح...نحن نكمل الكفاح...
أطرقت ثانية وقد أحست بخوفٍ شديد يتملكها,, فهناك من ارتقى إلى علياء المجد
مدافعاً عن كرامة الوطن...ترى من يكون؟
ترقرقت العبراتُ في عينيها واتشحت ملامح وجهها بصفرةٍ مشوبةٍ بحزن السنين
وآلام الصدمة وكأنها أحست بهولٍ شديد يداهم روحها وقلبها ..ارتعشت
أوصالها..اختنقت...كانت الأصوات تقترب ومع كل خطوةٍ يخفق قلبها ويدب في
أوردتها هاجس الموت...يُقرع الباب... تتدفق الجموع,,,لقد كان القادم هو محمد
حقاً,, ولكنه كان محمولا على أكتاف رفاقه وأبناء مدينته...لم تتمالك نفسها ولكنها
صرخت بصوتٍ مجنون و بهستيريا الأم المكلومة:
المجد لتونس الخضراء,,,
المجد للشهداء
وليسقط الطغاة و ليعش محمد وشما في ذاكرة الوطن...
يا محمد ...يا ولدي...يا ولدي.......
لم تعد رجلاها تحملها...سقطت على الأرض و غابت عن الوعي .
تعليق