الكلاب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • تاج الدين الموسى
    عضو الملتقى
    • 16-07-2010
    • 63

    الكلاب

    الكلاب
    تاج الدين الموسى
    أنا عبدو المهزوم, سأحدثكم عن نفسي:
    أعترف, قبل أي شيء, بهزيمتي.. وبأن خطتي, التي وضعتها بمساعدة بعض الأصدقاء لقتل الكلاب, قد باءت بالفشل.. لا لعيب في تلك الخطة, بالعكس, فقد كانت محكمة, وبسيطة, وسهلة التنفيذ.. وإنما لسبب لن أذكره الآن, وقد أفسد عليكم الأمر إذا فعلت.. سأدعوكم تكتشفونه بأنفسكم بعد أن أطلعكم على مفاصل الحكاية؛ حكايتي مع الكلاب؛ المفاصل فقط، وذلك لضيق الوقت غير المتناسب, أبدا ً, مع سيرة الكلاب التي لا تنتهي..
    كنت في الشهرين الأخيرين مريضاً؛ طريح طرّاحة الإسفنج " سريري الأبدي " وقبل أسبوع من هزيمتي, أخذت حالتي الصحية تتحسّن.. صرت أتدرب على الحركة, أقوم وأتمشى.. مستعيناً, في البدء, بالجدران, ثم بعصا الممسحة.. وقبل يومين من الهزيمة, عندما مشيت وحدي, دونما عكاكيز أو جدران, أخذت أفكر بالخروج, لأضع خطتي في التنفيذ..
    إثر صحوتي التي أعقبت آخر هجوم شنته الكلاب عليّ, اعتقدت أن مسألة مقابلة السيد الأمين العام لهيئة الأمم، ورجائه بالتوسط لدى الأمم المتحدة, لعرض الموضوع عليها, هي الأنسب والأجدى من بين كل المشاريع التي طرحت على بساط البحث لبدء الحرب ضد الكلاب ـ أعتذر عن لغتي ـ فأنا لكثرة ما أستمع وأتفرج على نشرات الأخبار متأثر بلغة قارئي نشرات الأخبار بالإذاعة والتلفزيون..
    قد تستهجنون موقفي الآن, وتتساءلون: هل تستأهل عضة كلب انعقاد مجلس الأمن أو هيئة الأمم؟! وقد تتهمونني بالجنون, لا بأس, فأنا, نفسي, كنت أعتقد ذلك, لكنكم, في نهاية الأمر, ستقتنعون بموقفي, وتقولون: لماذا لم يذهب ويقابل السيد الأمين العام؟
    إذاً.. المسألة.. مهمة.. وهي.. مثلما تخصني.. تخصكم.. ألم يقل المتفلسفون أن العام يولد من الخاص؟ وما أدراني أن المشكلة عامة؟ ألم تعضكم الكلاب؟ أتخجلون أن تقولوا إذا عضتكم؟ أعتقد أنها مسألة خوف..
    من مدة سألت رئيس دائرتنا:
    ـ ولا مرة عضتك الكلاب أستاذ؟
    في البدء ضحك, ثم صفن, بعدئذ أخذ لونه يصفرّ, وبعد مدة طويلة أجاب بعصبية:
    ـ لا... ما عضتني!
    طيب ممَّ تخافون؟ من أن تعضكم ثانية؟ ليكن, فالعضة لا تقتل رجلا .. إنها تجرحه.. تؤلمه..تدميه.. لكنها لا تقتله..
    لا أعرف كيف أجعلكم تتكلمون.. طيب إذا شجعتكم تقولون؟ أنا عضتني الكلاب, هي أصلاً ما عندها شغل إذا تركت العض.. لأن رزقها في أسنانها..
    أنا رجل شتّام.. وما أحسبكم تزعلون مني بسبب زفرة لساني, وزنخة ألفاظي. وأنا لا أشتم الذين يستحقون الشتم وأكتفي, بل وأنبش عظام أجدادهم. محسوبكم ملوع يا جماعة. سامحوه.. وماذا يفعل أصلا العاجز؟ لا شيء سوى هذا اللسان. لو كنتم مكاني لفعلتم مثلي, وربما أكثر.. العض صعب يا شباب, أصعب مما تتصورون.. أقول هذا الكلام للذين لم تعضهم الكلاب.. لكن دورهم سيجيء, وسيذوقون طعمها حتما ً.
    على أي حال أنا لا أحتمل زعلكم.. أحتمل زعل بريجيت باردو*, أما زعلكم, فلا أحتمله..هذه امرأة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومنها.. ماذا يقول الواحد عنها؟ لقد تركت عباد الله ولحقت الكلاب والقطط والجرذان! أعتقد أنها ستثير الأمر ضدي.. وقد تتصدى لحملتي.. من نصّب هذه المخلوقة للدفاع عن الحيوانات؟ والمصيبة أنها تسمي الكلاب حيوانات أليفة!! اسمعوا! من أين الألفة, بضميركم, وجسدي موجود؟ تعالوا وتفرجوا.. الفرجة مجانية.. أنا أعري جسدي لمن يشاء.. وها أنا بالظلط الآن.. جسدي لا يقبل الثياب..حتى لبريجيت باردو أعريه.. ولكن بشرط: ألا تتقيأ..
    مؤكد أن بعضاً منكم حال قراءته ما أكتب الآن, سيبدأ رحلة البحث عني, لا ليراني فحسب, وإنما ليساعدني.. وأنا, في هذه الحالة, لا أنصح بذلك.. ليس لأنني لا أحتاج إلى مساعدة, أبداً, بل لأن النمل الطّيار لا يستطيع الوصول إليّ..
    تصدقون إذا قلت لكم إنني لو كنت بين ألف رجل, ألف بالعدد, ومرَّ كلب, فإنه يشم رائحتي, ويدخل في الجمع, ويبدأ البحث عني, وعندما يجدني, يعضني، ويمشي! وبعد كل عضة يتلقاها جسدي من كلب: أقف.. أتأمل.. أفكر..
    عشر سنوات مرت وأنا على هذه الحالة.. لا أخفيكم هنا, ما تركت أحداً: من البياطرة إلى الأطباء النفسانيين.. والنتيجة؟ لا شيء. شغلة تجنّن، تقلب الرأس فوقاني تحتاني.. كثيرا ما سألت نفسي: ما المختلف فيك عن البشر يا رجل؟ وكثيرا ً ما بحثت في هذا الجسد التعبان, فما وجدت شيئاً يسوغ للكلاب أفعالها الشنيعة..
    الآن سأضع نفسي بين أيديكم علكم تجدون شيئا:
    عمري, وفق البطاقة الشخصية, تجاوز الثلاثين بسنة وثلاثة أشهر.. وهذا الرقم غير دقيق على الإطلاق.. المسألة, في رأيي ترجع للسيد مقدّر الأعمار.. فعندما كنت في الصف السادس طردوني من مدرسة الغارقة في الفقر والعبادة لأنني كنت مكتوماً.. يومها ركبت حمارة بيت جدي، وتوجهت صوب مركز الناحية مكان السجل المدني, والمحكمة, وسجلت نفسي..
    رأسي متطاول قليلا, وكبير.. هذا ما عرفته أيام العسكرية، وقت كانوا يوزعون الكمّامات, أما عن الأشياء الأخرى التي في وجهي, إضافة إلى أنفي الأفطس, وأذنيّ المقبلتين نحو الأمام, فسألخصها بعبارة كانت تقولها لي جارتنا وحيدة الأرملة كلما عذبتها:" عيونك زرق وسنونك فرق ووجهك يقطع الرزق ".
    رقبتي طويلة ونحيلة, مما جعل أولاد الحارة يلقبونني باللقلق.. حتى جدتي, يوم كنت طفلا ً, كانت تقول لي:" لا تخرج عندما يهب الهواء, أخاف أن يطير رأسك".
    لون بشرتي أسمر. طولي متر وثلاثة أرباع المتر. وزني خمسة وستون كيلو غراما. وزني ـ في الحقيقة ـ غير ثابت, فهو يطلع وينزل حسب واقع الحال, وأعتقد أن مسألة طلوع الوزن ونزوله لا تحتاج إلى شروح.. أشير هنا إلى الترهل الذي أصاب جسدي بعدما توظفت عند الحكومة.. وأما الأنكى من الترهل, فهو التقوس الذي حصل لظهري بعد اعتداء الكلاب الأخير عليّ, اندفع نصفي السفلي إلى الأمام ونصفي العلوي إلى الخلف. تصوروا هذه الانحناء المشؤوم, الذي يزداد يوماً بعد يوم, وكيف سيصبح شكلي بعد سنوات..؟ سأمشي والعكاز ورائي! أعتقد أن هذا الانحناء لا يثير الضحك فحسب, وإنما يثير البكاء..
    عن الفخذين والساقين والقدمين لن أكتب شيئا, فهي, على أي حال, مثل أفخاذكم وسيقانكم وأقدامكم.. لو كانت هذه الأشياء لامرأة, لوقف الواحد طويلا ليكتب عن العاج والمرمر والرخام, وقد يكتب عنها قصيدة, لكنها لرجل, وهاأنذا أقتصر..
    بعد هذا الملخص السريع لشكلي، هل وجدتم شيئا يسوغ للكلاب أفعالها الشنيعة ضدي؟ بالطبع لا.. كيف تجدون وقد عضتني وأنا في العشرين من عمري, وعضتني وأنا في الثلاثين.. عضتني وأنا ألبس البنطلون, وعضتني وأنا في الجلابية.. عضتني قبل الترهل, وعضتني بعد الترهل, عضتني وأنا في الضيعة, وعضتني وأنا في المدينة.. ثم ما علاقة الكلاب بلون عيني, ونمرة حذائي, وتقوس فقراتي القطنية..
    ولو أنها اكتفت بالعض ومشت, فهذه مصيبة اعتادها جسدي, لكنها, على ما يبدو, تريد تطوير أعمالها معي.. وإلا كيف أفسر قضمها لكعب قدمي اليسرى, وأكلها نصف إليتي؟ عندما كانت تعض تركتها وشكوت أمري إلى الله, أما أن تبدأ بأكلي فلا يمكن أن أبقى ساكتا.. لقد قررت نقل المعركة إلى العلن, والذي يصير.. يصير! كم من المرات يموت الواحد؟ فلتكن إذن موتة لائقة بالشر..
    قد تظنون أن كلامي, عن مسألة الأكل, مجرد هلوسة.. من حقكم أن تظنوا, ومن حقي أن أدافع عن نفسي. أنا لا أهلوس ياجماعة, صحيح أن حرارتي مرتفعة, وهناك آلام في مناطق متفرقة من جسدي, لكن لا خطورة.. أنا أعرف نفسي أكثر من الذي تعرفونه, فعندما تصل حرارتي إلى درجة خطيرة, أصيح " عتابا وميجانا" وهذا, بكل بساطة, ما لم أفعله الآن.. أي أن الحالة بخير, وأن مسألة أكلي من قبل الكلاب ليست واردة فحسب, بل ومؤكدة, خذوا مثلا ً تطور الأحداث: في البدء هارشتني, ثم هبشت, بعدئذ جاء دور النهش، والشحط, وما أدراكم ما النهش، والشحط، فنهشة، وراء نهشة، ولا يبقى من جسدي شيء..
    يوم رحلت إلى المدينة، واستوطنت، قلت في نفسي: لقد خسرت كل شيء، يا ولد، بما في ذلك الكلاب.. هي ليست خسارة طبعا.. كنت أمزح مع نفسي.. وها أنا الآن أشتهي أن أضحك.. شيء مثل الكذب.. الكلاب في المدن أكثر من الكلاب في القرى، وأشرس.. هنا، أينما توجهت, تجد الكلاب أمامك.. في الحدائق, في الشوارع, في السيارت, في الفيلات, في غرف النوم! نعم, حتى بعض غرف النوم, في المدن, وصلت إليها الكلاب, ومن منكم لم يسمع بتلك القصة التي جرت أحداثها في حي المحطة؟ للذين لم يسمعوا بها, سألخصها:" رجع الرجل الخمسيني إلى بيته في غير مواعيده، ليفاجئ زوجته العشرينية الثالثة بهدية عيد زواجهما الأول, ولما فتح الباب, ودخل على رؤوس أصابعه, سمع همهمة وأنيناً ينبعثان من غرفة نومه, فتوجه إلى هناك, ليجد كلابا مكانه على السرير.. سحب الرجل مسدسه من خصره, لكنه لم يستخدمه.. لقد هاجمه جروان من الخلف, بضراوة: الأول عضه من رسغ يده التي تحمل السلاح, والثاني أغار بشدق مفتوح صوب وسطه, فكرّ الرجل هاربا من داره تاركا كل شيء على حاله..".
    الوضع الجديد في المدينة جعلني أعيد حساباتي, وأتخذ بشأنها الاحتياطات اللازمة..
    أخذت أتصرف كرجل ذي خبرة في عالم الكلاب.. وخبرتي, كما صرتم تعلمون, جاءت عن تجربة شخصية طويلة ومريرة.. بدأت أستعيد ما كنت قد تعلمته, ومن تلك الأشياء التي لا تنسى, وصية أبي:" لا تثق بكلب يلعب بذيله " لقد كتبتها بالخط الكوفي, وعلقتها, بعد أن بروزتها, في صدر غرفتي..
    وكلام جدتي التي كانت تبكي عليّ كلما عضني كلب:" برضاي عليك يا ابني لا تهارش الكلاب ".
    حتى كلام ذلك الدكنجي المرابي اللعين "أبو حمدان" ما نسيته: "يا غشيم, إذا هجمت عليك الكلاب، اقعد بالأرض, وإذا انبطحت فإنك تضمن سلامتك، لأن الكلاب مثل الأفاعي لا تؤذيك إذا ما تجنبتها..".
    إضافة إلى مطالعاتي الكثيرة, التي لبعضها علاقة بعلم سلوك الحيوان, وتحديداً: الكلب.. فاتني أن أخبركم أني أمضي جل وقتي بالقراءة.. بصراحة, لقد تعبت على نفسي, وتثقفت.. أعني صار بالإمكان القول إني صرت أمتلك ثقافة كلبية لا بأس بها..هذا إن لم تكن واسعة.. مما سبب الراحة لجسدي, من العض طبعاً, لمدة طويلة..
    مع مرور الوقت ظننت أن المشكلة قد حلت من تلقاء نفسها, دونما تدخل من أحد.. وفي المدة الأخيرة صرت أتصرف بشكل عادي, وبدت حياتي طبيعية.. لقد حسدت نفسي: أخرج في الليل، أزور الأصدقاء.. أترك باب الغرفة مفتوحاً, أنام في البلكون.. فسرت مسألة انكفاء الكلاب عني تفسيرا علمانيا, قلت إن كلاب المدن متحضرة, بالفعل, أكثر من كلاب القرى, إلى أن جرت المعركة الأخيرة, وغيّرت لي هذا التفسير الخاطئ..
    لا أعرف بالضبط كيف وقع الهجوم الأخير.. كنا نودع سليم.. انعدمت وسائل العيش هنا فسافر.. ثلاثة إخوة وأب كانوا ينحتون الحجارة من أجل أن يتعلم سليم, وتعلم.. لكنه, وبعد أن تخرج من الجامعة, لم يجد عملا.. كان يراها كبيرة أن يشتغل في نحت الحجارة, ويراها أكبر أن يبقى يأخذ مصروفه من نحاتي الحجارة.. عدت من عند سليم وجه الصبح، وعندما وصلت المنطقة الفاصلة ما بين المدينة وحيّنا الواقع في منطقة المخالفات, إذ تكثر الحفر وأكوام الزبالة, حصل الهجوم.. كنت أمشي, وأفكر.. بماذا كنت أفكر؟ لم أعد أذكر.. ربما بسليم, وربما بغير سليم. المهم كنت أفكر, ومسألة تفكيري هذه إحدى مصائبي.. مكنة رأسي لا تتوقف قط.. أتمنى في بعض الأحيان أن تتعطل، لأرتاح.. صاروا يقولون عني: يفكر بصوت مسموع.. نعم, أنا أحدث نفسي أحياناً, وأشوبر.. وهكذا.. لم أحس إلا وأنا على الأرض, وبأسنان كثيرة, كأنها السكاكين, تنغز في جسدي.. غبت بعد دقيقة، أو دقيقتين, وصحوت مساء اليوم التالي على سرير في المستشفى.. من الذي أسعفني؟ في أي وقت؟ لم أتمكن من معرفة أحد..
    بعد خروجي من المستشفى صارت تعضني الكلاب فوق طرّاحة الإسفنج وأنا نائم.. أغمض عيني من هنا, فتهجم من هناك.. تننشق عنها الأرض والجدران والسقف, وتهجم.. وعندما تغرز أنيابها في جسدي أصرخ، وأصحو لأجد نفسي مبللا بالعرق, وأحيانا بأشياء أخرى.. حتى الوسادة, التي كنت أضعها تحت رأسي, كانت تتحول إلى مكلبة, كلابها صغيرة, بحجم الفئران, تأخذ بالنغل, ثم تبدأ بقرض الوسادة، لتفتح ثقوباً تمد رؤوسها منها, وتبدأ بقضم أذنيّ..
    لقد أطلت كثيرا, وهاهو الوقت يدركني.. قد تتساءلون لماذا وقتي ضيق؟ أنا لا أعني الزمن المطلق, الذي قد يقاس بالساعات والأيام والشهور.. هنا, كل شيء. يحدده المكان. نعم سيدركني الوقت، بعد قليل, عندما يرن الجرس, الجرس الذي لا صوت له, معلناً عن بداية درس جديد, من تلك الدروس التي لا أشتهيها لأحد. ولولا نجاسة هذا الدرس, ودقة موعده, كنت مررت بأهم العضات, أو كما أسميها: العضات المفتاحية.. كعضة الرأس التي حصلت كانت يوم حاولت سرقة علبة دخان " ناعورة غليظة " من دكان " أبو حمدان : لأبي. أنا أعتبر هذه العضة من أهم العضات التي تعرضت لها لأن رأسي كان مسرحا لها؟ والرأس ـ كما تعلمون ـ لا يغري بالعض مثل الإلية, أو الفخذين, إذ تأخذ الأسنان مداها.. نعم، لقد كانت في الرأس.. ولماذا في الرأس؟ لو أني استطعت الإجابة عن هذا السؤال, لكنت أمسكت طرف الخيط.. هذا إذا كان هناك ثمة خيوط..
    أو كنت كتبت عن عضة وادي المرّاش, إذ كنت نائما, بعدما همت طوال يوم كامل في البراري المحيطة بالضيعة ـ النائم مبطوح بطبيعة الحال , فتصوروا غدر الكلاب ـ كنت حزينا يومها, لأنني لم أتمكن من التسجيل في الجامعة, لا بسبب مجموع درجاتي, بل بسبب جيوب أبي الفارغة..
    أو كنت كتبت عن عضة الكتب.. لكنه الوقت..
    قبل أن أختم حكايتي، سأخبركم كيف أقنعني الشباب, بعد نقاش طويل, بعدم الذهاب إلى هيئة الأمم.. لا أخفيكم, عندما طرحت الفكرة، أخذوا يتهامسون.. قلت لهم: اطمئنوا، لست مجنوناً، واسألوا الطبيب، وعندما تأكدوا من أن حالتي لا غبار عليها, ناقشوني كعاقل, وأقنعوني بأن المشكلة هنا، ويجب أن تحل هنا.. أنا يبست رأسي أول الأمر، قلت لهم: يا شباب, المشكلة مشكلتي فدعوني أفكّر كما يطيب لي.. صحيح كانت تحصل بينهم وبين الكلاب مهارشات كثيرة , لكن الأمور لم تصل إلى حدود العض، والنهش..
    كلام الشباب صحيح ـ هاأنذا أعترف ـ ولماذا أهدر عمري على الدروب من اجل قرار لا فائدة ترجى منه؟ وما أدراني أن يهاجمني كلب في الطريق, وينقل إليّ جرثومة الكلب؟ مثل هذه الخاتمة لا تلزمني. وقد لا يهاجمني كلب, وأصل إلى هيئة الأمم. ولكن من يضمن لي ألا تستخدم أمريكا حق النقض " الفيتو " ؟ وقد تفلت علي أحد كلابها هناك ليمزقني إرباً إربا, وتكون نهايتي..
    أما الخطة فقد وضعناها بعد دراسة مستفيضة لنفسية الكلب, إذ اكتشفنا أن للكلب نفساً دنيئة, وأن أيسر السبل لقتله يكمن في شيئين: الأول معدته, والثاني غريزته الجنسية. لكننا استبعدنا مسألة غريزته الجنسية، لصعوبة توفير الأدوات, أو لأقل " الكَلبات " صحيح أن الكلاب تختلف على عظمة, كما يقال, لكن اختلافها على كلبة يكون أفظع وأشد هولاً، وبكلبة واحدة، أو كلبتين, نستطيع أن نؤلب مجموعات كبيرة من الكلاب بعضها على بعض.. لكننا, كما أسلفت, استبعدنا هذه الطريقة, حتى ولو توفرت الكلبات, لعدم استعداد أي واحد منا لأن يكون قواداًَ..
    إذن اعتمدنا الرأي الأول.. وهكذا كانت الخطة, بكل بساطة " التأبير " ثلاث إبر في قطعة عجين، وعندما نرى كلبا, نهمس له: تعال حباب.. تعال.. لقمة طيبة. ونناوله العجينة, وبعد أن يأخذها، ستنغرز الإبر في فمه, أو في بلعومه, أو معدته.. وبعد يومين, أو ثلاثة, حينما يشبع من النباح بالمقلوب, يسلمها..
    حضرت عجنتي يوم السبت, وبعد إحصاء دقيق لعدد كلاب الحارة ـ على أساس أني سأنظف حارتي أولا ًـ قسمتها إلى خمسين قطعة, كل قطعة بحجم بيضة الدجاج, وعبأتها في كيس بلاستيكي, ثم أخذت أجهز نفسي للخروج: حلقت ذقني أولاً, ثم لبست جلابيتي, وبعد أن ربطت فردتيّ حذائي بقدمي, توجهت صوب باب الشقة, حاملا كيس العجين بيد, والعكاز باليد الأخرى, وكعادتي قبل أن أفتح الباب, أغمضت عيني اليمنى, ووضعت اليسرى فوق العين الساحرة..عندها, فقط, سقط كيس العجين من يدي, والعكاز, وأخذت أهبط: رويداً.. رويداً..
    لأتكوم وراء الباب.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    كانت الرحلة معك هنا ممتعة و شيقة
    و هذا العالم الكلابي الذى تأمر على صاحبنا
    أينما حل و حط رحاله ، وكأنه يحمل سرا ما
    لا يكتمل إلا بنهش الكلاب .. حتى أصبح الأمر مثيرا
    مثيرا للسخرية و الجدل .. إذن فليعرض الأمر على هيئة الأمم
    و لكن ما فائدة العرض على هيئة الأمم و حق الفيتو التى تستخدمه
    أمريكا للحفاظ على الكلاب !!

    أعجبني كثيرا ، بل أدهشني وصف صاحبنا
    تلك الصفات الغرائبية التى جعلتنى أمارس هذا الوصف على نفسي
    و أحاول تصوره فما استطعت ، و كأنى أمام شخصية شهرزاديه
    وضعت أو وجدت للمتعة و ليس للتصور !!

    العجز كان نهاية العمل ، رغم شرف المحاولة
    بعد رفض عرض المسألة على هيئة الأمم ..
    و المواجهة فى معركة غير متكافئة .. و بطريقة
    غريبة للغاية .. فلا كانت البندقية ( الرصاص ) و لا كان السم
    تمنيت لو أنه اختار الطريقة الجنمسية ؛ بالتأكيد كنا نستمتع أكثر و أكثر


    استحضرت كل ما قرأت عن الكلاب فى الأدب العالمى و العربي
    و عشت الوقت بوجبة دسمة !!

    أشكرك صديقي على هكذا جمال

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • تاج الدين الموسى
      عضو الملتقى
      • 16-07-2010
      • 63

      #3
      الشكر الجزيل..

      اسعدني ما كتبت أخي ربيع، وشكرا لمرورك العطر..

      تعليق

      • طلال سيف
        أديب وكاتب
        • 24-01-2011
        • 91

        #4
        عمل قصصى بنفس روائى . امتلاك لادوات اللغة وبراعة فى تدفق السرد ، نقلات فى الحكى ثم عودات موفقة دون هروب الفكرة الرئيسة .. العمل فى مجملة رائع لغة وسردا وفكرة .. مودتى تاج

        تعليق

        • احمد عنتر
          • 11-03-2011
          • 2

          #5
          اتمنى لك رحلات اكثر توفيقا وابداعا
          جهد واحساس ومشاعر راقيه لاديب محترم

          تعليق

          • تاج الدين الموسى
            عضو الملتقى
            • 16-07-2010
            • 63

            #6
            اسعدني مرورك أخي طلال، وابداء مثل هذا الرأي الذي يبهج القلب، لك الشكر الجزيل..

            تعليق

            • تاج الدين الموسى
              عضو الملتقى
              • 16-07-2010
              • 63

              #7
              شكرك لمرورك أخي أحمد.. لقد سعدت بكلامك على قصتي..

              تعليق

              • آسيا رحاحليه
                أديب وكاتب
                • 08-09-2009
                • 7182

                #8
                آسفة حقا لأنه فاتني ان أقرأ هذا النص المدهش.
                أعجبني الأسلوب هنا..جدا ..و لم أكن اعرف قبل الآن أن هناك ما يسمى بثقافة كلبية
                شكرا لك .
                تحيتي و احترامي.
                التعديل الأخير تم بواسطة آسيا رحاحليه; الساعة 12-03-2011, 18:54.
                يظن الناس بي خيرا و إنّي
                لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                تعليق

                • تاج الدين الموسى
                  عضو الملتقى
                  • 16-07-2010
                  • 63

                  #9
                  الكلاب..

                  الاستاذة الفاضلة آسيا..
                  حماك الله من أنيابهم..
                  وشكراً لمرورك العطر..
                  عميق المودة والتقديرـ تاج...

                  تعليق

                  • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                    أديب وكاتب
                    • 03-02-2011
                    • 413

                    #10
                    الأستاذ تاج الدين
                    تحية وبعد
                    قصة ممتعة ، أسلوبك الساخر تمازج مع الرمزيّة المثقلة بهموم المواطن العربي لعلنا بحاجة إلى غطاء فكري جوّي وأرضي أو من كل الاتجاهات ليمنع عنا جشع الكلاب
                    وسلمت يمينك أبدعت وأمتعت
                    فاطمة

                    تعليق

                    • تاج الدين الموسى
                      عضو الملتقى
                      • 16-07-2010
                      • 63

                      #11
                      على ما يبدو لم يبق للكلاب من متسع.. شكراً لمرورك أستاذة فاطمة...

                      تعليق

                      يعمل...
                      X